أزمة الدولار .. بين الإشكالية والحلول - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
أزمة الدولار .. بين الإشكالية والحلول

أزمة الدولار .. بين الإشكالية والحلول




تمثل إشكالية ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي أمام الجنيه المصري، القضية الاقتصادية الأبرز والأهم داخل المجتمع المصري على مدار الأشهر الخمسة الماضية، وبين ثبات سعره الرسمي لدى البنك المركزي وارتفاعه في السوق الموازي يقف المواطن في موقف المشاهِد، وأحيانًا المعلق.. كل في مشهد ينم عن افتقار المواطنين للثقة في جهازهم المصرفي وتخوفهم من تبعات هذه التذبذبات المستمرة على أبسط احتياجاتهم اليومية، بينما يواجه البنك المركزي تبعات هذه الأزمة بمفرده، في شبه مسئولية كاملة منه وغياب للسياسات المالية والتجارية، فلا يستطيع مقاومة أعراض الأزمة منفردًا، ولا يملك رفاهية الاحتفاظ بمعدلات الاحتياطي عند مستوياتها، وفي الوقت نفسه مساندة الجنيه المصري أمام الدولار, في ظل انخفاض جميع مصادر العملة الصعبة من سياحة وصادرات واستثمار أجنبي التي فشلت جميعًا في سد فجوة الواردات المصرية المقدرة بـ 38 مليار دولار(1) ممثلة في عجز الميزان التجاري الضاغط على الاحتياطي النقدي.

وبين السوق الرسمي والموازي كان البنك المركزي يتخذ قراراته ويستخدم أدواته المتاحة بمبدأ رد الفعل وليس المبادرة بالفعل أو المناورة لصالح قيمة عملته في بيئة ضاغطة خارجيًا، ومتعددة الأطراف داخليًا.. استطاعت لعب دورها الذي تقتضيه مصلحتها وأولويات الربح الخاصة بها، لصالح شركات صرافة ومستوردين ومضاربين، ليرضخ المركزي مؤخرًا لمتطلبات العرض والطلب ويخفض سعر الجنيه أمام الدولار في 14/3/2016 بقيمة 1.12 قرش ثم يرفعه 7 قروش بعدها بيومين ليستقر عند 878 قرشًا في العطاء الاستثنائي للبنوك وتكون قيمته للجمهور عند 888 قرشًا وفي شركات الصرافة 893 قرشًا(2)، في خطوة وصفها البعض بـ”الاستجابة المتأخرة لمتطلبات السوق المحلي”.

تحرك سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار (2011ـ 2016)
تحرك سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار (2011ـ 2016)

وبشكل مجمل، نستطيع القول إن هناك نجاحًا حققته السياسة النقدية للبنك المركزي في الآونة الأخيرة على خلفية إجراء خفض للجنيه أمام الدولار، وهو ما أشاد به صندوق النقد الدولي والكثير من الخبراء الاقتصاديين في خطوة لاتخاذ إجراءات من شأنها أن تساعد في القضاء علي السوق الموازي والوصول إلى سعر واحد للدولار في مصر, وكان لإلغاء القيد على الإيداع والسحب بالعملات الأجنبية للأفراد(3)والشركات المستوردة للسلع الأساسية, وإصدار شهادة ادخارية بعائد 15% “شرط التنازل عن العملة الأجنبية”الاثر الايجابي ليرتفع بعد ذلك الجنيه مقابل الدولار إلى 8.78، مما يعلن قدرة البنك المركزي على رفع قيمة الجنيه في هذه الظروف، كل ذلك ساعد البنك المركزى على جذب العملاء الأفراد وعودة المدخرات إلى الجهاز المصرفي.(4)

ظروف متشابهة ونتائج مختلفة:

وبالنظر للسياسة الحالية للبنك المركزي فى تخفيض قيمة الجنيه مقابل الدولار، يرجعنا هذا إلى تحرير سعر الصرف في عام 2003، حيث انخفض الجنيه مقابل الدولار بشكل كبير في ذلك الوقت ووصل إلى 7.25، وكانت سياسات البنك المركزي من طرح عطاءات دولارية كبيرة لتعزيز جانب العرض، وفى الوقت ذاتة كان لإنخفاض قيمة الجنية تأثير إيجابي على القطاعات الأخرى، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع إيرادات قطاع السياحة وزيادة الاستثمارات وارتفاع الصادرات المصرية خلال هذه الفترة.

وما سبق بدوره، ساعد على زيادة المعروض الدولاري, وانخفاض سعر صرف الدولار أمام الجنيه إلى 5.60، وبالتالي كانت سياسة المركزي في تخفيض الجنيه فعالة تجاه القطاعات الاقتصادية وذات ٍآثار َإيجابية, بينما لم تتحرك تلك القطاعات الآن إيجابيًا وظلت كما هي, مما يدفعنا إلى اتباع سياسات أخرى إلى جانب سياسات البنك المركزي.

لذلك، فالاقتصاد المصري بحاجة إلى حزمة متكاملة من الإجراءات المتزامنة حتى نعبر أزمة الدولار ونعزز المعروض منه، وذلك من خلال:

·استمرار التنسيق بين السياسة النقدية الممثلة في البنك المركزي وباقي السياسات، كما تم تطبيقه في إجراءات ترشيد الاستيراد الطرفي.

·توحيد سعر الدولار لتشجيع الاستثمار، وهذا يتطلب مراعاة السلع الأساسية من خلال تقديم دعم ومزايا نسبية لها، وهنا تظهر أهمية التنسيق بين السياسة النقدية للمركزي والسياسة المالية للحفاظ على أسعار هذه السلع ومراجعة أسعارها بشكل دوري وتعميم ذلك على السلع الاستراتيجية فقط.

·ضبط المتعامل غير الرسمي, حيث أسهم بشكل ملحوظ في خلق طلب مفتعل في ظل محاولات المركزي زيادة المعروض من الدولار.

·تشديد الرقابة على شركات الصرافة وتطبيق القانون على المخالفين، والعمل على زيادة الحد الأدنى من رأسمال هذه الشركات حتى تندمج الكيانات الصغيرة منها لتسهيل عملية الرقابة عليها.

·رفع الحد الأدنى لرءوس أموال البنوك العربية والأجنبية في مصر، وزيادة فترة حيازتها، مما يسهم في زيادة الحصيلة الدولارية للدولة.

·تغيير هيكل الإنتاج المحلي ليسمح بتصنيع جزئي لمستلزمات الإنتاج تدريجيًا والتي تشكل ضغطًا على النقد الأجنبي.

·البدء في تفعيل منظومة رقابية أكثر صرامة في رصد وحصر تدفقات العملة الصعبة خارج البلاد، مع فرض ضريبة على تحويلات الدولار للخارج لغير الغرض الاستثماري.

·تفعيل الاتفاقات الثنائية بين مصر والأسواق الخارجية تدريجيًا لتحقيق تبادل تجاري بعملات أخرى بعيدًا عن هيمنة العملة الخضراء، ولكن مع مراعاة المواءمات السياسية بما لا يلحق الضرر بالاقتصاد المصري.

·طرح عطاءات للبنك المركزي في وقت متزامن مع هذه الإجراءات.


الهوامش:

1ـ  نهي الشرنوبي، أزمة الدولار, الأهرام، 27/10/2015، العدد (47076).

2ـ إسماعيل حماد، الوطن، 16/3/2016.

3ـ د.أجمد عبد الحافظ، المركزى اتخذ قرارات جريئة لحل أزمة الدولار، اخبار مصر، 15/3/2016.

4ـ وكالة أنباء الشرق الأوسط، طرح 120 مليون دولار في العطاء الدوري، أخبار مصر، 22/3/2016.