بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقديرات

العلاقات التركية السعودية.. من أين إلى أين؟

الوسوم

مقدمة:

لطالما احتلت علاقات تركيا بدول المنطقة العربية مساحة هامة في مسار تطور السياسات الخارجية لهذه الدول، ليس فقط لما تمتلكه أنقرة من مقومات تضعها في مصاف القوى الإقليمية المؤثرة، ولكن كونها أحد أضلاع المثلث الجيو-سياسي المحيط بدول المنطقة العربية بجانب كل من إيران وأثيوبيا، ناهيك عن العلاقة التاريخية بتركيا بوصفها وريثة الإمبراطورية العثمانية، و كذلك البُعد الإيديولوجي الذي حكم جزء كبير من نمط الصراعات في المنطقة خلال السنوات الخمس الأخيرة.

ونظراً لأن التحولات التي حدثت في المنطقة منذ بداية العِقد الماضي، والتي قد تقاطعت معظمها مع المصالح التركية ونظامها السياسي الحاكم منذ 2002، فإن المنطقي أن يكون هناك تحدي واستجابة من دول المنطقة وخاصة الدول المحورية كالمملكة العربية السعودية، التي غيرت في الأعوام الخمس الأخيرة، من سياساتها الخارجية بوتيرة متسارعه؛ ما بين الاستجابة للمتغيرات الكبرى منذ2011 واستيعابها، إلى توجيه سياسات خارجية لدول “صديقة” بما يخدم سياساتها، لنصل الأن إلى لحظة تعبر فيها الرياض عن قوتها ونفوذها بتصريحات عن تقاسم النفوذ في المنطقة مع الدول الكبرى!

من جانبها جاء التلاقي التركي مع السياسات السعودية على نحو مختلف خلال العام الماضي والجاري؛ فأولاً من التحالف وفق محددات معينة مع الرياض تجاه قضايا بعينها على رأسها الملف السوري، إلى تخييب آمال السعوديين بهرولة أنقرة نحو طهران وموسكو عقب محاولة انقلاب 15 يوليو الماضي.

وهنا يمكن القول أن العلاقات السعودية-التركية شكلت عامل مهم في معادلات السياسة في المنطقة العربية والشرق الأوسط عامة؛ وهذا تجلى خلال السنوات القليلة الماضية نظراً للسيولة التي شاهدتها دولها منذ2011، والتي وظفتها السياسة التركية والسياسة السعودية حسب مصلحتهما، فتارة تتصالح سياسات الدولتين وتتقاطع، وتارة تصل إلى حدود التصادم. وذلك دون إغفال العوامل الداخلية التي أدت إلى هذا أو ذاك، كذلك عدم إغفال تعاطي كل من الرياض وأنقرة للمتغيرات الدولية ومدى مساهمة هذه المتغيرات في التقريب أو الإبعاد بينهم.

في هذه الدراسة نستعرض خلفية العلاقات التركية-السعودية من عام 2002: 2016، أي منذ صعود حزب «العدالة والتنمية» إلى الحكم في تركيا، والذي أحدث طفرة في السياسات الخارجية للدولة التركية في توجهها من جديد لدول المنطقة العربية وعلى رأسها السعودية ومدى استجابة وتحدي الرياض لهذا المتغير وكذا التأثيرات التي نتجت عنه، وهو ما سيتم تناوله في الفصل الأول من هذه الدراسة في إطار زمني يقع بين عامي (2002  : 2010)

أما الفصل الثاني فيتعرض للتغيرات في السياسات التركية منذ2011 : 2015 والأحداث الكبرى التي حدثت في عدد من دول المنطقة المحورية مثل سوريا ومصر، وكيفية تلاقي أو تصادم كل من الرياض وأنقرة في إدارتهم لهذه الأحداث وتوظيفها حسب مصلحة ورؤية وأولويات كل منهما.

يضم الفصل الثالث تحولات العلاقات ما بين البلدين فيما يخص ملفات التقاطع فيما بينهم وارتباط ذلك بسياساتهم تجاه دول إقليمية وقوى دولية. كذلك مدى عمق التحالف الذي يربط البلدين منذ بداية العام الماضي ولماذا كان، ومداه، وصولاً إلى المتغيرات التي طرأت عقب محاولة الانقلاب التي حدثت في تركيا منتصف يوليو الماضي.

جدير بالذكر أن هذه الدراسة اعتمدت على مزج بين المنهج التحليلي والمنهج المقارن، وذلك على ضوء من بديهيات الجغرافيا السياسية وتاريخ كل من الدولتين والتطورات الحادثة فيهما خلال العقديين؛ الماضي والجاري. وتختتم الدراسة بخلاصة عامة واستنتاجات حول ماضي وحاضر العلاقات التركية- السعودية واستشراف مستقبلها، وكذلك التأثيرات التي قد تنتج في المستقبل القريب والمتوسط عن المتغيرات التي لحقت بها خلال الأعوام الأخيرة.

 

الفصل الأول:

تركيا إلى الشرق والاستجابة السعودية

(2002 : 2010)

BASBAKAN TAYYIP ERDOGAN SUUDI ARABISTAN KRALI ABDULLAH BIN ABDULAZIZ EL SUUD ILE SWISS OTEL'IN KRAL DAIRESINDE BIRARAYA GELEREK GORUSTULER.FOTO:CENGIZ UYSAL.08.08.2006

بفوز حزب «العدالة والتنمية» في انتخابان 2002 البرلمانية في تركيا، وتمكنه تشكيل حكومة منفردة، بات من السهل وقتها تنفيذ رؤية الحزب وقادته على مستويات ومجالات عديدة، وعلى رأسها السياسة الخارجية التركية، وجوهرها التي اعتمد طيلة سنوات الجمهورية التركية منذ1924 وحتى 2002 على أن تركيا جزء من أوربا، سواء بالمعنى الثقافي أو الجغرافي أو حتى السياسي والاقتصادي والعسكري، وهو ما كان يُفترض تتويجه بانضمامها للاتحاد الأوربي، والذي كان وشيكاً في نهاية تسعينيات القرن الماضي. إلا أن هذا الاتجاه في السياسة الخارجية التركية لم يأتي ثماره، سواء بانتفاء الدور التركي الحيوي بالنسبة للولايات المتحدة والغرب في صراعها مع الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، والتي كانت تركيا تمثل فيه جبهة متقدمة أمام السوفيت، وبالتالي بعد تفكك الاتحاد السوفيتي لم يكن هناك ضرورة لإدماج تركيا أو بالأحرى انتهى الأمر الذي كان من أجله تم تقريب تركيا واحتسابها على الغرب وأوربا؛ هذا بالإضافة إلى الإرث الثقافي والوعي الأوربي تجاه تركيا وما شكلته من مخيلة لدى عموم الأوربيين تجعل مسألة انضمامها للاتحاد الأوربي صعبة، ناهيك عن الأبعاد السياسية والاقتصادية التي يطول شرحها وفي غير موضع الدراسة. أي باختصار دخلت تركيا الألفية الجديدة وقد أغلق أمامها أي فرصة للتمدد غرباً؛ بمعنى الاندماج مع أوربا والتأثير في محيطها الحيوي الأوربي ساء في البلقان أو جنوب غرب أوربا واليونان، وهو يعني أنها خسرت ما يفوق نصف فرصها بمعيار جيوسياسي وجيوستراتيجي متعلق بالمحيط الحيوي وكيفية استغلاله لأي دولة ترى أنه بمقدورها أن تصبح قوة إقليمية فاعلة.(1)

من هذا المنطلق جاءت فكرة التوجه للشرق، والشرق هنا لا يعني فقط المنطقة العربية ولكن أيضاً إلى دول غرب آسيا، ولكن دون خوض في تفاصيل تحديات وفرص هذا الأمر غرب آسيا، فإنه من المهم ضرورة التطرق إلى فرص التوجه التركي ودوافعه إلى المنطقة العربية، وكيفية تعاطي دولها وعلى رأسها السعودية مع هذا الأمر، بالإضافة إلى عرض لأهم المجالات التي أثمرت عن هذا التوجه وقياس فائدته لدى الطرفين وآثارها في هذه الفترة.

يرى رئيس الوزراء التركي السابق، ووزير الخارجية الأسبق، أحمد داوّد أوغلو أن فرص تركيا في منطقة الشرق الأوسط أكبر من فرصها في القارة الأوربية، سواء الاقتصادية أو السياسية وترجمة هذه الفرص على ضوء من دواعي جيوسياسية وجيواقتصادية، بالإضافة إلى عوامل جغرافية وثقافية عديدة مشتركة. إلا أنه بالإضافة إلى السابق ورؤية أوغلو السابقة فإن هناك دواعي سياسية أهم وما ذكره في كتابه عن السابق لا تفوقها أهمية بل أنها معطيات تحفيزية؛ فأولاً كان توجه تركيا نحو المنطقة من 2002 كحل وحيد أمام انسداد أفق المجال الأوربي أمامها، كذلك لا ينضوي هذا التوجه عن فائدة اقتصادية فقط قفزت بالاقتصاد التركي في السنوات الماضية نحو أفاق جديدة مربحة، ولكن أيضاً فائدة سياسية أهمها استقواء تركيا بنفوذها المزمع في المنطقة أمام القوى الأوربية، سواء كطرف فاعل في القضايا الإقليمية المتماسة مع القوى الأوربية، أو كظهير ديموغرافي وجيوستراتيجي –والأمر نفسه كان بالنسبة لدول غرب ووسط آسيا من بوابة القومية التركية التاريخية أمام المنافس الإيراني أو الروسي- ولهذا الأمر ما يثمنه كخيار بديل عن التوجه غرباً الذي قوبل بالتجاهل والاستعمال الآني من جانب القوى الأوربية والأميركية، فناهيك عن المقومات الثقافية والتاريخية التي تمتلكها تركيا تجاه المنطقة، فإن هناك مقومات أيدلوجية أيضاً متمثلة في تماهي تيار الإسلام السياسي في معظم البلدان العربية مع تجربة «العدالة والتنمية» في تركيا، بصفة أن الحزب وريث رابح للتجربة الإسلامية هناك، ووصل إلى الحكم عبر الانتخابات.(2)

وبالإضافة للسابق، فإن المنطقة العربية شهدت في مطلع الألفية الجديدة فراغاً استراتيجياً لم تستطع دولها ملئه؛ فكان الأمر مجهزاً لشغل قوى إقليمية أخرى لهذا الفراغ، وبالتالي مع المقومات التحفيزية السابقة لتركيا الخاصة بدول المنطقة وعلاقاتها التاريخية والثقافية والايدلوجية، لم يكن من الشاذ أن تستثمر أنقرة هذا الفراغ لصالحها. هذا بالإضافة أن تركيا لم يكن لينظر إليها في هذا الوقت على أنها منافس إقليمي لأي من الدول المحورية في المنطقة العربية كمصر أو السعودية، بل كان على العكس، كانت تركيا تمثل لبعض هذه الدول فرصة لضبط التجاذبات والتوازنات الإقليمية والدولية، وهو ما كان يتطابق مع ما تريده أنقره التي كانت تطبق سياسية «صفر مشكلات»(*) مع دول الجوار، ولهذا لم يكن غريب أيضاً أن تشكل سوريا وقتها معبر أولي وأولوية للسياسات الخارجية التركية واتجاهها نحو المنطقة العربية، ومخاطبة وعي شعوب هذه الدول من على منبر القضايا القومية والإسلامية كقضية فلسطين، وتعزيز الخلفية الأيدلوجية عن «العدالة والتنمية» لدى نُخب وكثير من شرائح هذه الشعوب من بوابة التاريخ المشترك وكذلك الجغرافيا. هذا كله بالإضافة إلى واقع التأثير الاقتصادي وفرص الاستثمار التي لم يكن من الممكن إغفالها من ناحية سوق كبير ومستهلك كالسوق العربي والخليجي، وهو في نفس الوقت ما وفر تعويضاً لخسارة تركيا لحصة مفترضة من السوق الأوربية.(3)


([*]) : هي الركيزة الأساسية للسياسات الخارجية التركية وعلاقاتها بدول الجوار والمنطقة، وجاءت كقاعدة في ذلك الوقت مع صعود «العدالة والتنمية» للحكم.. للمزيد: http://goo.gl/CJUSoG

 

 

استقبلت السعودية هذه التطلعات التركية بانفتاح لم يشوبه سوى خشية من لعب دور سياسي في المنطقة عن طريق استغلال التشابهات الأيدلوجية بين النظام الحاكم في تركيا ممثلاً في «العدالة والتنمية» وتيارات الإسلام السياسي في المنطقة وعلى رأسها جماعة «الإخوان المسلمين»، إلا أن سوابق التعامل الاقتصادي والسياسي بين تركيا والمملكة لم يكن به هذه النقطة في الماضي، بل أنه يمكن القول أن العلاقات التركية السعودية كانت بها طمأنة واستفادة متبادلة لم تكن لتمنع فرص تطويرها وزيادتها بسبب التخوف السابق الذي كان ينطوي أيضاً على ميزه هامه تتفوق على التخوف السابق وهو ضمان السعودية لثقل “سُني” أمام الخصم الإيراني “الشيعي”، وهنا يرى البعض أن “تركيا توجهت أكثر نحو الشرق الأوسط اقتصادياً، للإفادة من المزية الاقتصادية النسبية التي تملكها أنقره حيال الدول العربية، ولتأمين وارداتها من النفط. بعدها زار الرئيس التركي كنعان إفرين السعودية العام 1984، وفي العام 1985 زارها أيضاً رئيس الوزراء تورجوت أوزال، فاتحين الطريق أمام شركات الإعمار التركية للعمل في المملكة وسوقها الواعدة. وبعدهما، زار رئيس الوزراء سليمان ديميريل المملكة العام 1993 على خلفيات اقتصادية أيضاً. وتغيرت الديناميكيات التي تتحكم في العلاقات الثنائية التركية – السعودية بعد وصول «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة في تركيا العام 2002، بسبب التخفيف من الطابع العلماني – العسكري لنظام الحكم في تركيا ورغبة الحكومة الجديدة في التعاطي بفعالية أكثر مع قضايا الشرق الأوسط. من وقتها أرست السعودية سياساتها حيال تركيا على قاعدة الاستفادة من ثقلها السني في مواجهة غريمتها الإقليمية إيران، خصوصاً بعد احتلال العراق عام 2003. بالمقابل استمرت الرؤية التركية للسعودية باعتبارها شريكاً تجارياً مربحاً كأساس للعلاقات الثنائية، مع توسيعها سياسياً بهدف تمتين ذلك الأساس الاقتصادي المربح. على ذلك، تأسس «مجلس الأعمال التركي – السعودي» في عام احتلال العراق، و «صندوق الاستثمار التركي – السعودي» العام 2005، ثم تتوج التقارب بزيارة الملك السعودي الراحل إلى تركيا مرتين عامي 2006 و2007”.(4)

فيما يرى البعض الأخر أن تركيا لم تكن هي الطرف الوحيد الذي رغب بتطوير العلاقات مع السعودية، بل أن الأخيرة رغبت في هذا على ضوء ظروف موضوعية  تمثلت في “تقليص اعتمادها على القوى العالمية. ولذلك، واصل كل بلد من البلدين إتباع سياسة إقليمية لا تقوم على إقصاء الآخر، وقلل من الاعتماد على الغرب. وبينما اتبعت تركيا سياسة فاعلة لحل المشاكل الإقليمية من خلال الديناميات الإقليمية وجذب دول المنطقة، السعودية على الجانب الآخر سياسة إقليمية تأخذ بعين الاعتبار الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط. ورأت القيادة السعودية أنه إذا تم تهميش تركيا بسبب مبادراتها الإقليمية المتزايدة، فإن أنقرة ستقترب من إسرائيل والغرب، وبالتالي تدير ظهرها لدول المنطقة، وهو الأمر الذي يتعارض مع مصالح الشعوب العربية والمملكة العربية السعودية. الحكومة السعودية أيضا خشيت من إعادة إنشاء تحالف تركي إسرائيلي جديد في المنطقة. فعلى مدار الفترة الكمالية، كانت تركيا كلما حسنت علاقاتها مع إسرائيل والغرب، كلما أدارت ظهرها للعرب. لذلك فإنه من الأفضل للمملكة العربية السعودية تحسين العلاقات والتعاون مع تركيا تحت قيادة أردوغان وإتباع سياسات مماثلة في المنطقة”.(5)

وطبقاً لهذه الزاوية فإنه يمكن القول بأن العلاقات السعودية- التركية كانت اقتصادية بالدرجة الأولى، ولم تتوفر هوامش لأي تطوير للعلاقات السياسية بينهم سواء في التوافق أو الاختلاف لعدم توافر حاجة إقليمية أو دولية، ناهيك عن انتفاء الغرض الثنائي لكل منهما في أن يكون هناك حاجة إلى تطوير هذه العلاقات الجيدة اقتصادياً إلى تحالف سياسي وقتها –إذ كانت رؤية الاستقطاب الطائفي السعودية وقتها في طوّر البداية-  كما أن السياسة التركية كانت وقتها تقوم «صفر مشكلات» وفوائدها الاقتصادية، وبالتالي لم تكن أنقرة قد بدأت بعد في هذه الفترة لعب دور سياسي بوصفها قوة إقليمية في المنطقة العربية وملفاتها، وخاصة أن لا تماس يجمعها في هذا السياق مع الرياض أو غيرها من عواصم الدول العربية الكبيرة مثل القاهرة ودمشق ليتفقا أو يختلفا حوله. هذا الأمر أنعكس أيضاً على القفزة الاقتصادية التي شهدتها العلاقة بين السعودية والرياض كما هو موضح في الجدول والإحصائيات التالية: (6)

 

حجم العلاقات التجارية بين تركيا والسعودية (القيمة بالريال السعودي)

1

رسم بياني للواردات

2

رسم بياني للصادرات

3

رسم بياني للميزان التجاري

4

رسم بياني لنمو حجم التبادل التجاري

5

رسم بياني يقارن بين الواردات والصادرات

Untitled

الفصل الثاني:

من حافة التحالف إلى حافة الصدام

(2010: 2015)

 pzislam14

  

حصدت تركيا ثمار «صفر مشكلات» في السنوات الأولى لتوجهها نحو المنطقة، وإن ظلت العلاقات بينها وبين السعودية اقتصادية بالدرجة الأولى، وظلت مسألة تطويرها إلى علاقات سياسية سواء التحالف أو وحدة الموقف تجاه قضية معينة قيد التكلس لأسباب عدة جوهرها، انتفاء التقاطع المصلحي بين البلدين، فمثلاً كان دور تركيا السياسي في المنطقة في أواخر عِقد الألفيات يدور حول إيجاد موطئ قدم في القضية الفلسطينية والنزاعات الداخلية بين الفصائل المختلفة هناك، وهو بخلاف أنه كان دور في طوّر البداية غير متبلور كدور لدولة تريد منافسة القوى التقليدية في المنطقة، كان خارج دائرة الاهتمام السعودي، ومن ناحية أخرى كانت الرياض تسعى لأن تكون أنقرة على وفاق مع سياساتها الخاصة في العراق وتجاه إيران، وهذا الأمر يتضح في سياق محاولات تطوير العلاقات السياسية بين البلدين منذ 2007، والذي من خلاله يتضح عدة أمور أولها  استعجال الرياض لجذب تركيا إلى تحالف ضد إيران وبالحد الأدنى عدم استفادة إيران من علاقاتها الجيدة مع تركيا في تدعيم سياساتها الخاصة بالمنطقة وخاصة في العراق، وهو ما كان يقابله تحفظ تركي يأتي لرؤية أنقرة لطبيعة علاقاتها مع إيران، والتي هي علاقات جيدة لا يجوز إفسادها بسبب طرف ثالث، ذلك بخلاف الدواعي الجيوسياسية التي أقلها الحدود ومشروعات الطاقة المشتركة بين طهران وأنقرة على عكس الأخيرة والرياض، وبالتالي كان سقف التعاطي السياسي بين تركيا والسعودية في هذه الفترة هو العلاقات العادية ومن خلال أُطر إقليمية ودولية مثل «منظمة التعاون الإسلامي» أو «مجموعة العشرين»، فيما ظلت نقاط التخوف السعودية قُبيل 2011 ساكنة في محلها، نظراً لعدم تجاوز تركيا للخطوط الحمراء في توجهها نحو المنطقة، والذي أولها وأهمها هو عدم منافسة السعودية في نفوذها الإقليمي وبالتالي لم يكن هناك مانع من إيجاد شراكة بين الطرفين على قاعدة العلاقات الاقتصادية، ولكن بالنسبة للتحالف السياسي فكان وقتها أمر غير مُلّح ويتناسب عكسياً مع رؤية كل من البلدين للاستفادة من الأخر، وهو في هذه المرحلة كانت الرؤية التركية لها الغلبة والتي لم تكن تتجاوز العلاقات الجيدة التي توفر بيئة جيدة للاستثمارات الاقتصادية.(7)

لكن حسب وقائع وثقتها وثائق وزارة الخارجية السعودية التي سُربت العام الماضي على موقع «ويكيليكس»، فإن العلاقات التركية السعودية لم تكن على هذا الحد من الحيادية، وأن وتيرة التخوف والقلق السعودي من تنامي الدور التركي في المنطقة العربية وحتى غيرها من المناطق كان باعث قلق حاولت الرياض استجلاء واقعه وفرص تحققه لمخاوف حقيقية أو إجهاضه، وذلك في حدود عام 2007/2008، هذا الاستجلاء كان حول عدة محاور هي:

– العلاقات التركية الإيرانية ومدى تأثيرها على مصالح السعودية في أكثر من ساحة ومجال. (8)

– فرص الجذب التي قد توفرها السعودية نظير توافقها مع الرياض حول قضايا معينة على رأسها الأوضاع في العراق ومجابهة النفوذ الإيراني هناك. (9)

– تقاطع تركيا مع قطر ومصر حول ملف قطاع غزة ومدى تأثيرها فيه وتأثير ذلك على علاقة هاتان الدولتان بالسعودية.(10)

– احتمالية تكوين تركيا مع دول من المنطقة لمحور سياسي يقوض النفوذ السعودي.(11)

 

وطبقاً لما ورد في وثائق «ويكيليكس» فإن ميزان العلاقات السعودية – التركية تأرجح ما بين تحدي واستجابة كل من أنقرة والرياض لما يريده كل طرف منهم، ويرى البعض أن “تأرجح الأمل السعودي في اجتذاب تركيا لمعسكرها الإقليمي صعوداً وهبوطاً، بسبب التعاون الاقتصادي الكبير بين تركيا وإيران وعدم رغبة أنقره في القطع مع جارتها إيران لاعتبارات اقتصادية وسياسية وإستراتيجية. لذلك لم يتحقق الرهان السعودي على تركيا في الفترة ما بين وصول «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة عام 2002 وحتى «الربيع العربي» عام 2011، بالرغم من التحسن المطرد في التبادل التجاري والاستثماري بين الرياض وأنقره. بمعنى آخر، استفادت تركيا اقتصادياً خلال تلك الفترة من السعودية بشكل يفوق المزايا السياسية التي حققتها الأخيرة من علاقتها مع تركيا”.(12)

فيما رأى البعض الأخر أن هذا التوازن والشد والجذب بين الرياض وأنقرة لم يجمد العلاقات عند حد العلاقات الاقتصادية الجيدة، بل أن هناك عوامل دفعت إلى تطوير العلاقات السياسية على مستوى التعاون الإقليمي بغض النظر عن اختلاف حسابات كل منهما تجاه أطراف إقليمية ثالثة، بل يذهب هذا الرأي إلى أن التموضع “السُني” من جانب الرياض وأنقرة قد بدأ حتى قبل الربيع العربي، مبرراً ذلك بأنه “على الرغم من استمرار اتصالات كل من أنقرة والرياض بإيران، إلا أنهما شرعا أيضا في إقامة تعاون سني ضد الكتلة الشيعية الإقليمية التي تقودها إيران وبالإضافة إلى القيادة الجديدة لحزب العدالة والتنمية، ساهمت التطورات الوطنية والإقليمية الأخرى في عملية التطبيع وتحسن العلاقات بين البلدين منذ عام 2003. فكلاهما يعاني من الأنشطة الإرهابية، ويقعان في منطقة مليئة بالنزاعات ومحاولات لعب دور إقليمي. اتبعت السعودية وتركيا سياسات إقليمية مستقلة نسبيا ووافقت كلتا الدولتان على التعاون في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي. ففي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، تدهورت العلاقات السعودية مع الغرب وبدأ تنظيم القاعدة في زعزعة سلطة الأسرة الحاكمة في المملكة. عندئذ قررت المملكة التعاون مع تركيا ضد التهديدات الداخلية والإقليمية. وعندما كان النضال ضد الإرهاب الدولي نقطة اهتمام مشتركة بين الطرفين، حينئذ بدأت السلطات السعودية والتركية على حد سواء في إدراك الاختلافات السياسية. وفي الوقت الذي بدأت فيه المملكة العربية السعودية بالاعتراف بسياسة تركيا ونظامها السياسي العلماني، الموالي للغرب تخلت تركيا عن النظر إلى المملكة على اعتبارها “الآخر”. وعلى الرغم من أنهم لم يتمكنوا من وقف الغزو الأمريكي للعراق، إلا أنهما اتخذا مواقف مماثلة تجاه العراق بوصفهم دول جوار”.(13)

ويتفق هذا الرأي مع واقع أن تركيا والسعودية انخرطا في جهد مشترك لإقامة تعاون سُني في مواجهة إيران، بدأ رسمياً من الاجتماع السُباعي التشاوري في فبراير 2007 بإسلام آباد، والذي ضم كل من السعودية وتركيا ومصر والأردن وإندونيسيا وماليزيا بالإضافة إلى باكستان البلد المضيف،  لمناقشة إقامة جبهة مشتركة لحل المشاكل الإقليمية. وفي إعلانهم المشترك، أعطوا الأولوية للقضية الفلسطينية، ووحدة الأراضي العراقية، والسياسة اللبنانية. واتفقت الدول السبع أيضا على أنه يجب حل الملف النووي الإيراني من خلال الوسائل السلمية.(14)

إلا أنه على الرغم من التوافق البادئ قبيل 2011 بين تركيا والسعودية، فإن الأخيرة ظلت تشدد على ضرورة التزام الأولى بـ”البوابة الشرعية” للدور التركي في المنطقة، أي عبر القوى التقليدية فيها وعلى رأسها الرياض، والتي تصاعدت شكوكها ومخاوفها من توسع النفوذ التركي عقب حرب غزة أواخر 2008، لتصل إلى واقع جديد مفاده عزم أنقرة على تكوين ثقل إقليمي بالتعاون مع دول عربية على رأسها قطر، وهو ما كان تجاوزاً للخطوط الحمراء السعودية التي ليست فقط متعلقة بنفوذ المملكة في المنطقة وحسابات الضرر الواقعة على حلفاء لها مثل مصر، ولكن أيضاً على مزاحمة الدوحة لها في منظومة مجلس التعاون الخليجي، وهو ما جعل وزير الخارجية السعودية السابق، سعود الفيصل يؤكد في زيارة له في بداية يناير 2011 لتركيا على أن هناك تحفظات سعودية على الدور الإيجابي التركي، الذي تجاوز التعاطي المشترك فيما يخص العراق وفلسطين، إلى ملفات أخرى.(15)

إذا سلمنا أن السابق كان جوهر معادلة العلاقات بين تركيا والسعودية قبل 2011، فإن هذه المعادلة برمتها قد ضُرب بها عرض الحائط، سواء خطوطها الحمراء التي كانت تخشى الرياض أن تتجاوزها أنقرة، أو شكل توجه تركيا إلى المنطقة بشكل عام. فغني عن الذكر أن حالة السيولة التي انتابت دول المنطقة وخاصة مصر وتونس وسوريا واليمن وليبيا تكفي لإعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط، بل والعالم كله. وهذا الأمر استغلته تركيا جيداً لتصبح عشية 2011 لاعب إقليمي مهم بعدما كانت طيلة العِقد السابق شريك لقوى المنطقة التقليدية يبحث عن موطئ قدم بموافقتهم وفي هامش الفراغ المتروك من جانبهم في ملفات عدّة، هذا بالإضافة إلى أن حالة الفراغ التي انتابت دول المنطقة كان لابد من ملئها خاصة وأن بعض من هذه الدول يخص تركيا بشكل مباشر مثل سوريا ذات الحدود المشتركة، ومصر التي صعد فيها تيار الإسلام السياسي و«جماعة الإخوان المسلمين» الظهير الأيدلوجي لحزب «العدالة والتنمية» وأحدى ركيزتي التمدد التركي في المنطقة بعد التحالف مع دولة قطر، ليتشكل محور جديد يضم الثلاثة أطراف السابقة، وهو ما تُرجم لدى السعوديين على أنه تحقق للمخاوف سابقة الذكر دون حتى أن يكون هذا الأمر مرتبط بالتكتل الطائفي الذي تعمل عليه الرياض؛  كما أن هذا التحالف نشأ في واقع ليس اعتيادي ويمتاز بالسيولة والتغيرات بوتيرة متسارعه. ولكن كما كان الحال بالنسبة لتركيا فيما يتعلق بـ”الثورات العربية” من ناحية استغلال وخلق الفرص الإستراتيجية، فإن السعودية كان لها نفس الفرصة تقريباً، وإن اختلفت الساحات، فمن ناحية كانت تماثل اليمن ما تماثله سوريا لتركيا من حيث الحدود المشتركة بالإضافة لاعتبارات تاريخية أخرى بين البلدين، ومن ناحية أخرى كانت الأحداث في سوريا وتدهور عجلة الاحتجاجات السلمية إلى الاقتتال المسلح ثم الحرب الأهلية فتدخل أطراف إقليمية ودولية بغرض إسقاط النظام السوري، وهو ما سعت إليه السعودية منذ البداية كون أن سوريا تمثل أحد أركان محور “المقاومة” وعلى رأسه إيران. ولكن على الرغم من هذا التقاطع المصلحي بين الرياض وأنقرة إلا أن كل منهما رأى إدارته حسب رؤيته ومصلحته الكاملة، وبالتالي كان الموقف السعودي تجاه دور تركيا في سوريا دائماً ما يشدد على إقصائها بصفتها “شأن عربي”، وبالتالي تصاعدت التوترات بين البلدين، وهو ما اقتضى معادلة سعودية جديدة أمام التمدد التركي على حساب تقويض النفوذ السعودي عقب 2011، في إطار تعديل الأولويات السعودية؛ فأصبح مجابهة وتقويض نفوذ المحور (التركي-القطري- الإخواني) على رأس أولويات السياسة الخارجية السعودية.(16)

ذروة هذه السياسة تمثلت في دعم السعودية لأحداث/ثورة/انقلاب الثلاثين من يونيو2013 في مصر والإطاحة بحكم الإخوان المسلمين، وقبل هذا تخلي الرياض عن حلفائها في اليمن الذين يتكونوا بالأساس من إخوان اليمن –وهو ما ساعد في تمدد نفوذ الحوثيين- بالإضافة إلى قيادة المملكة في الفترة ما بين يونيو 2013 إلى ديسمبر يناير 2015 لسياسة تقويض ولجم الطموحات القطرية سواء في الخليج أو في المنطقة العربية بشكل عام، وهو ما جعل الموقف تجاه تركيا يتميز بالتوتر إلى حد الخصومة، خاصة وأن أنقرة قد بنت تغيير شكل وسياسة توجهها للمنطقة منذ 2011 على صعود الإخوان المسلمين الذين باتوا بمساعدة السعودية لما حدث في مصر رهان خاسر بعدما كانوا الحصان الرابح في مرحلة ما بعد فوضى 2011 بالمعنى السياسي، ومحاولة الرياض في هذه الفترة لإعادة محور «الاعتدال» التقليدي بينها وبين مصر، وشكلا بالإضافة للإمارات محور جديد جعل اجتثاث الإسلام السياسي من المنطقة هدف واضح يفوق حتى ركيزة السياسة الخارجية السعودية المتمثلة في مواجهة إيران، حيث جاء استعجال تركيا فرصتها في القيادة الإقليمية مع اندلاع «الربيع العربي»، فابتعدت قليلاً عن السعودية وانحازت إلى جماعة الإخوان المسلمين التي بدت حصاناً رابحاً في الموجة الأولى من ذلك الربيع في تونس ومصر وليبيا. كذا قطع الشعرة الأخيرة في ميزان العلاقة التاريخية بين الجماعة والمملكة، حيث دعمت السعودية جماعة الإخوان المسلمين مادياً ومعنوياً لعقود طويلة في مواجهة نظم الحكم الشمولية بغرض تعزيز شرعيتها الإسلامية؛ لكن الأمر اختلف مع وصول الجماعة إلى الحكم في تونس ومصر، لأن الشرعية ذاتها أصبحت محلاً للتنازع بين المملكة والجماعة. ومع بروز تحالف تركي ـ «إخواني» كان الأمر مقلقاً للسعودية، من بروز تحالف جديد يهمش أدوارها الإقليمية. فكان الافتراق في العلاقات بين الرياض وأنقره وتنديد الملك الراحل عبد الله بدعم أردوغان للجماعة وانحيازه الواضح للحكم المصري الجديد منذ يوليو 2013. (17)

هذا الأمر تجلى في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة 2014، والتي وقع فيها القطاع بين رحى الصراع بين المحور (المصري- السعودي-الإماراتي) وبين المحور (التركي-القطري- الإخواني)، باعتبار أن حركة «حماس» أحد مكونات هذا المحور، وبالتالي شهدت مجريات هذه الحرب شبه تناغم بين هدف كل من الرياض وتل أبيب في كسر حركة «حماس»، سواء لأسباب معاداتها للطرف الثاني أو كونها طرف من محور يناهضه الطرف الأول.  كذلك كان الأمر بالنسبة للقاهرة التي تلكأت في دور الوسيط التقليدي بين المقاومة في غزة وتل أبيب، مما سمح بهامش لكي تلعب كل من الدوحة وأنقرة لإزاحة الدور المصري في هذا الملف، وهو ما قابله رضا مبدئي عند كل من «حماس» وإسرائيل.(18)

إزاء هذا التغير في الموقف التركي عقب 2011 والاستجابة السعودية المقابلة، فإن تطوير العلاقات السعودية –التركية تجمد في حدوده الدنيا، إن لم يكن قد تأثر في مجال أو أكثر، لكن دون الاصطدام المباشر، فباستثناء الموقف في مصر عقب يوليو 2013، فكل من توجه السعودية الجديد تجاه جماعة الإخوان المسلمين مع مصر والإمارات، وتقويض النفوذ القطري، لم يكن سوى تقليص لأدوات النفوذ التركي في المنطقة، وليس الوصول إلى حد الاصطدام والمعاداة بين تركيا والسعودية، ولذلك نجد أنه في هذه الفترة اكتفت الدولتين بالإبقاء على حد أدنى من العلاقات السياسية يسمح بعدم الانجرار للخصومة، والحفاظ على التميز في العلاقات الاقتصادية، وهو ما لم يتوسع إلى مجالات أخرى؛ فعلى سبيل المثال وبواقع وثيقة تقدير موقف عسكرية فإن تجميد العلاقات العسكرية –التي كانت في طوّر البداية- بين البلدين جاء بسبب “التعاون بين البلدين يواجه صعوبات في الوقت الراهن”، والملاحظ أن هذا الأمر  بدأ في نهاية 2010 وتفاقم طيلة سنوات 2011 و2012 و2013 حسب الوثيقة، وربما أمتد حتى العام الماضي.(19)

الفصل الثالث:

التحالف الهشّ

(2015: 2016)

 1034883559

لم تدم معادلة  السياسة السعودية تجاه تركيا وسياساتها سابقة الذكر لأكثر من عام ونصف، وذلك لارتباطها بتوجهات داخلية في السياسة السعودية والصراع على الحكم، كذلك ارتباطها بشخص الملك عبدالله بن عبد العزيز ومنظومته، ومن ثم فإنه بوفاته تم العودة إلى مربع ما قبل2011 في العلاقات بين السعودية وتركيا، بما ما فيها التحفظات السعودية على النفوذ التركي وحدوده، بل أن الأمر امتد إلى ما هو أبعد من ذلك بتجاوز هذه التحفظات وزوال مسبباتها، وكذا استحداث ضرورات أجبرت كل من البلدين على إعادة النظر في سياساتهم وتباعاً ضرورة التقارب فيما بينهم وصولاً إلى حد التحالف السياسي منذ بداية العام الماضي، وتولي الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم وعودة الأولويات السعودية لسابق عهدها ناحية إيران، ولكن مع استقطاب المحور الإخواني إلى هذا التوجه واستثماره بجذب تركيا إليه وما انعكس كمتغير على كافة سياسات السعودية الخارجية وعلاقاتها بدول المنطقة، فمثلاً كانت الرياض تعاني من زوال الغطاء السياسي الأميركي الذي كان يشكل عماد سياساتها الإقليمية، وميل الإدارة الأميركية إلى عدم تصعيد الأمر مع طهران حول ملفها النووي إلى حد الحرب، وهو ما كان عكس الرغبة السعودية والتي لم يكن أمامها إلى تشكيل تكتل إقليمي يساعد على موازنة ما تطمح إليه مع المتغيرات التي انتابت المنطقة منذ 2011، بالإضافة إلى أنه على مستوى الأزمة السورية كان لتدخل روسيا هناك وتحالفها الميداني مع كل من دمشق وطهران عامل حاسم في ضرورة تنحية الخلافات مع أقرب قوة إقليمية تتقاطع معها السعودية من حيث المصلحة وهي تركيا.(20)

الحال نفسه كان بالنسبة لتركيا، التي سرعان ما تلقفت الانقلاب في الداخل السعودي وسارعت في لملمة فوضى ما بعد الثلاثين من يونيو مع الرياض، خاصة وأن القائمين على هذه السياسة هناك قد خرجوا من المشهد وصعد محلهم جناح يميل إلى التعامل مع المحور الإخواني وضبط العلاقات مع قطر وتركيا حتى قبل وفاة الملك عبد الله، لذلك شكلت زيارة أردوغان إلى المملكة في مارس 2015 نقطة بداية للتحالف التركي-السعودي، والذي كان دافعه الأساسي بالنسبة لأنقرة هو خسارة كل حلفائها الإقليميين، أو بمعنى أدق لم يعد لديها أي حليف في المنطقة سوى قطر المقيدة والتي رزحت تحت ضغط العقوبات السعودية منذ2013، ناهيك عن عدم توافق أنقرة مع أي من القوى الدولية في الشرق أو في الغرب فيما يخص الأزمة السورية، وهذا بالطبع يأتي كتتويج لتبدل السياسة الخارجية لتركيا وتحولها من «صفر مشكلات» إلى كل المشكلات مع كل الأطراف الإقليمية والدولية.(21)

 

ويمكن حصر محاور التحالف التركي السعودي منذ مارس 2015 في ثلاث نقاط:

  • سوريا، وفيها تم الاتفاق على تنسيق الجهود السياسية والميدانية، وهو ما كان معدوم في السابق منذ 2011 وحتى 2015، وبالتالي انتهت نقاط الخلاف بين الدولتين وسياسة “الحل العربي” التي انتهجتها الرياض، ونتج عن ذلك أيضاً الاتفاق على أن يكون ثقل “المعارضة السورية” في الخارج في أيدي الرياض، وكذلك كان الأمر على الواقع الميداني، فنتج توافق بين الفصائل المسلحة التي ترعاها السعودية وتلك التي ترعاها تركيا وقطر، متجلياً ذلك في تجربة «جيش الفتح» الناتج عن اندماج كل من «جبهة النُصرة» المدعومة من قطر وتركيا، و«جيش الإسلام» المدعوم من السعودية، ونجاح هذا الكيان الهجين في معارك مدينة إدلب السورية.(22)
  • اليمن، والتي شكلت أولوية للحكم السعودي الجديد، سواء من ناحية الدواعي الجيوسياسية أو دواعي إثبات الحكم الجديد ومكوناته، وهنا يجب ملاحظة أن الاهتمام التركي بالملف اليمني لم يكن سوى عربون وفاء للتحالف الجديد مع السعودية، ولذلك حدث أن انسحبت أنقرة من مشاركتها الشرفية في تحالف “عاصفة الحزم” فور بيان أن أفق العدوان على اليمن غير واضح، بخلاف أن إيران نجحت في تحييد كل من تركيا وباكستان –التي وجدت نفسها في تحالف دون علمها- في هذا التحالف عن طريق العلاقات الجيدة بينها وبينهم وتطويرها اقتصادياً، ناهيك عن أن الإستراتيجية السعودية كانت في هذا المضمار غير ناضجة بما يكفي لأن تقود تحالف عسكري أتضح أنه ناتج عن رغبة في إثبات جدارة شخصية لهذا الأمير أو ذاك في صراع داخلي على الحكم، ولهذا فحتى لو كان توجه السعودية هناك يصب في مصلحة إخوان اليمن –على عكس إجراءات الملك عبدالله السابقة هناك- فإن ترجمة ذلك عن الأتراك لم تكن بنفس فائدة أن يتم الدعم السعودي لإخوان مصر مثلاً، ناهيك عن أن السياسات السعودية في اليمن جاءت بحرب واقتتال لا يعرف مداه ولا نتائجه.(23)
  • ليبيا، والتي كانت الركيزة الثالثة بعد مصر وتونس لصعود الإخوان ومحور تركيا- قطر، وإن كان الأمر يثمن أكثر من حيث القيمة عند أنقرة، فليبيا مثلت خزان بشري وتسليحي للجماعات المسلحة المتوجهة إلى سوريا، كما أنها شكلت معبر للاجئين السوريين لأوربا، ومن ثم شكلت ليبيا للسياسة التركية ركيزة جيوستراتيجية متعددة الفوائد؛ وهذا ما انعكس عليه التحالف مع السعودية؛ فمثلا ناهضت السعودية الخطوات المصرية-الإماراتية المشتركة في ليبيا وصفت بجانب قطر وموقفها في جامعة الدول العربية التي استصدرت قراراً يدين هذه الخطوات، لتتواصل حصد ثمار هذا التحالف على الساحة الليبية والذي كان دور السعودية فيه هناك هو تقويض الدور المصري المزعج للتوجهات القطرية-التركية.(24)
  • المصالحة المصرية مع الإخوان، ومثلت هدف هام للتحالف بين البلدين، فأنقرة ابتغت أن تتخذ السعودية تحت حكم سلمان موقفاً متشدداً من النظام المصري على عكس ما كان إبان السنة الأخيرة في حياة الملك عبد الله، أو بالحد الأدنى تفرض عليه بدواعي النفوذ مصالحة تعيد الإخوان إلى ساحتهم الرئيسية في الشرق الأوسط. ولكن شكل هذا الأمر العقبة الرئيسية في مسار التحالف التركي السعودي، ليس من باب تسببه في تعطيل مآلاته، ولكن لتوتير العلاقة بين القاهرة والرياض طيلة العام الماضي، ومن ثم أصبح الأمر بمثابة معادلة صفرية مفادها ضرورة تصالح النظام المصري مع الإخوان الذي كانت الإطاحة بهم سبب شرعية النظام الحالي، وبالتالي انتظرت تركيا أن يتحقق هذا من البوابة السعودية ولكن دون أن يحدث مما أضعف مقومات أحد أهم أسباب التحالف بين أنقرة والرياض.(25)

وكما نرى هنا أن كل من المحاور السابقة حمل بداخله أسباب تعطل فاعلية التحالف-التركي السعودي، سواء أسباب ذاتية تخص كل منهما على حدا، أو موضوعية ترتبط بتغير الظرف الإقليمي العام واستجابته لمتغير خارجي. فمثلاً جاء التدخل الروسي في سوريا ثم التفاهم الروسي الأميركي والانجازات الميدانية التي تحققت هناك على يد الجيش السوري وحلفائه، وهو ما جعل كل فاعلية ممكنة للتحالف بين أنقرة والرياض هناك تنخفض من فرض أمر واقع مغاير ميدانياً وسياسياً، إلى مجرد محاولة المحافظة على بعض المكاسب السابقة لكي يكون لهم دور في أي تسوية مقبلة متعلقة بالأزمة السورية. الأمر نفسه كان في اليمن بالنسبة للمصلحة التركية التي لم تكن منشغلة أصلاً بالموضوع اليمني، ناهيك عن نجاح إيران في تحييدها، وبالتالي أصبح هذا المحور ككل يخص السعودية حصراً. الأمر نفسه كان في ليبيا ولكن مع تبدل الأدوار؛ فالسعودية لم تقدم ما يتجاوز الضغط على النظام المصري لتحجيمه في مسعى التدخل في ليبيا، وهو ما لم يصبح ذو معنى بتدخل الغرب وواشنطن هناك وفرض معادلة سياسية أوسع من الإمكانيات السعودية وخارج اهتمامها بالأساس. (26)

أما عن المصالحة مع الإخوان المسلمين في مصر فكانت تعقيداتها كافية لأن تكون غير عاجلة لأي من أطرافها الثلاث في القاهرة وأنقرة والسعودية، وتحولها في النهاية منذ مطلع العام الجاري إلى فتح أفق مصالحة بين النظام التركي والمصري وترك مسألة المصالحة بين النظام المصري والإخوان جانباً باعتبارها شأن داخلي، بل أنه يمكن القول أن النظام في مصر فضل تقديم بعض المكاسب السياسية الإقليمية للنظام السعودي بدل من عقد مصالحة مع الإخوان، أو بالحد الأدنى تأجيلها، وذلك في تسوية أخيرة للتوتر الذي ساد العلاقة بين الرياض والقاهرة منذ بداية العام الماضي، والتي في مجملها كانت متسقة مع أولويات النظام المصري الذي لا يرى غضاضة في تقديم بعض التنازلات للمملكة، التي بذلت الكثير مادياً واقتصادياً في دعمه، نظير انحيازها للرؤية المصرية لا التركية تجاه ما يتعلق بمسألة المصالحة مع «جماعة الإخوان المسلمين»، واستطاعة النظام توفير ما لا تستطيع الجماعة تنفيذه ولا محورها على مستوى إقليمي يتعلق بصراع الرياض مع طهران ومحورها.(27)

وهذا بخلاف أن الضعف البنيوي الذي لحق بجماعة الإخوان وبالتالي وهن ذراع محور قطر-تركيا في المنطقة، وأصبح لا يستطيع أن يقدم للسعودية سوى التمترس الطائفي ضد إيران بعيداً عن أي أدوات قوة حقيقية في المضمار نفسه، غير أن تركيا بعيده كل البُعد عن التصادم مع إيران بمنطق جيوسياسي وجيوستراتيجي، ويرى باحث في هذا السياق أن “لا قوة للإخوان حقيقية قادرة على إسقاط النظام في مصر من خلال أحلاف إقليمية (..) فظن البعض أن التدخل الروسي في سوريا، سيدفع السعودية بعيداً عن مصر ويدعم إمكانية ضم الإخوان في حلفها السني الواسع المزعوم. إلا أن التدخل الروسي في حقيقة الأمر قلل من حجم الدور الذي يمكن أن يلعبه الإخوان، ووسع رقعة المناورة للنظام المصري الذي يرى الحفاظ على الدولة السورية وضرورة تدمير «داعش» و«جبهة النصرة» وكل التنظيمات الجهادية، كما أضعف التدخل الروسي قوة الجماعات الإسلامية الجهادية في سوريا وأعطى نفس للنظام السوري وحلفه الإيراني لاستعادة بعض من زمام الأمور ميدانياً وسياسياً. والأخطر أن التدخل الروسي دفع تركيا خطوتين إلي الخلف. ومؤخراً بدأت تركيا في أخذ خطوات جادة للتقارب مع روسيا وإعادة رسم بعض الملفات الإقليمية. إذا كل ما يتعلق بعودة الإخوان من خلال عباءة الملك سلمان لم يكن أكثر من تفكير بالتمني ورغبة أكثر منها حقائق ووقائع على الأرض قادرة على الدفع بالإخوان مرة أخرى كلاعب مركزي في مصر”.(29)

استنتاجات عامة واستشراف

رئيسية

بتتبع مسار السياسة الخارجية لكل من السعودية وتركيا وتقاطعهم في بعض الملفات إبان الفترة قيد الدراسة نجد أن أنقرة منذ 2002 وهي تتبع إستراتيجية مفادها التأثير كلاعب إقليمي هام ليس فقط فيما يتعلق بشئون المنطقة، ولكن استقواء بنفوذها في مجالات السياسة الخارجية مع القوى الغربية وواشنطن، وهنا كإستراتيجية عامة قامت على أساسين: الأول خلق فرص سياسية وإستراتيجية بمشاركة قوى المنطقة التقليدية أو من خلالها، أو توظيف الفراغ الحادث بعد المتغيرات التي لحقت بها، والأساسين السابقين أتوا كتكتيك لتحقيق الإستراتيجية سابقة الذكر، والتي تتسم بالمرونة والتكيف مع المتغيرات الطارئة وتوظيفها لصالحها، والتي على مستوى المنطقة العربية وعلاقة أنقرة بدولها يأتي اعتبار تدعيم الموقف التركي أمام القوى الدولية كدافع أولي، وهو ما ينتفي عند تحقق ما تبتغيه تركيا بتوافق سياسات القوى الدولية شرقاً أو غرباً مع مصلحتها؛ هذا الأمر وضح مؤخراً في التفاهم التركي –الروسي حول تسوية الأزمة السورية، وكذلك التقارب بين أنقرة وطهران في المضمار نفسه، وذلك بإهمال مقومات التحالف التركي السعودي في سوريا الذي من الجلي أنه في أيامه الأخيرة سواء كنتيجة عن السابق، أو إخفاقه من الأساس في تحقيق مآرب تركيا.(30)

أما السعودية فإستراتيجية سياستها الخارجية قامت بالأساس على الاعتماد على السياسة الأميركية تجاه المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي، والعلاقات الثنائية الخاصة المتعلقة بتأمين النفط عقب الحرب العالمية الثانية، وبالتالي بانتفاء كل من العاملين السابقين فإنه من عدم الحكمة أن تعتقد الرياض أن واشنطن ستنحاز بلا مقابل أو داعي إلى توجهات السياسة الخارجية السعودية والتي بُنيت في السنوات الأخيرة على مجابهة إيران من منطلقات طائفية، خاصة في ظل التغيرات الكبرى التي لحقت بالمنطقة، منذ 2011 وانتهاء بالاتفاق النووي، ومن ثم يمكن القول أن المملكة تلقفت الانعزال التركي في السنوات الأخيرة منذ 2013 لكي تعوض بالتحالف معها ما خلفه رفع الغطاء الأميركي عن السياسات الخارجية للسعودية، ولكن الفرق بالنسبة للرياض عن أنقرة في هذا السياق هو انعدام الإستراتيجية، أو بالحد الأدنى بقائها على تكلسها بديماجوجية تجاه إيران، وهو ما يتعارض مع الإستراتيجية التركية التي لا محل فيها لعداء ضد طهران مماثل للعداء بين الأخيرة والرياض، وهو ما أنعكس في ارتجال وعشوائية السياسة الخارجة السعودية خلال عام من التحالف بين الرياض وأنقرة، ومثال واضح على هذا ما حدث في «عاصفة الحزم» وموقف تركيا الشكلي منه واتخاذها الحياد بدافع من علاقاتها الجيدة مع إيران، والأمر نفسه وصل إلى المحور السوري بصفته المحور الأهم بين محاور التحالف السعودي التركي، فنرى الأن أن تركيا اتجهت نحو روسيا وإيران لإيجاد تسوية مشتركة للأزمة السورية بعيداً عن اعتبارات التحالف مع السعودية، حيث أن الأخيرة لا تملك ما تقدمه في مسائل مثل الكيان الكردي على عكس كل من موسكو وطهران.(31)

أما عن الأسباب المباشرة الداخلية التي أدت لتحولات كبيرة في العلاقات السعودية –التركية على مدار سنوات رصدها في هذه الدراسة، فيمكن القول أنها لا تعد سوى سبب مباشر غلب اتجاه موجود بالفعل داخل النخبة الحاكمة في البلدين، سواء كان صعود «العدالة والتنمية» 2002 في تركيا، أو الانقلاب السديري في الحكم السعودي 2015، أو محاولة الانقلاب الفاشل في يوليو الماضي في تركيا، لا تزيح دواعي موضوعية لضرورة وجود العلاقات بين البلدين، وإن أثرت بالطبع على درجة فاعليتها وعمقها، وأن المحرك الرئيسي لإيقاع العلاقة بين الرياض وأنقرة يكمن في التحدي والاستجابة لكل منهما تجاه المتغيرات في المنطقة ووفق مصلحة كل منهما، وتالياً على هذا الأمر كان دينامية جذب كل منهما تجاه الأخر وقضاياه وأولوياته، والتي إن لم تحدث في مجملها فإنها تبقى ضمن حدود العلاقات الطبيعية بين دولتين؛ أي باختصار هناك مربع آمن للعلاقات بين البلدين لا يختلف كثيراً عن ما كانت عليه قبل 2010، والتي كان ملمحها الأساسي العلاقات الاقتصادية الجيدة وعلاقات سياسية ودبلوماسية تسمح بتطوير هذه العلاقات الاقتصادية وتوسيعها.

وكاستشراف عام لتقديرات قصيرة ومتوسطة المدى للعلاقات بين تركيا والسعودية فإن البديهيات تحل محل التوقعات؛ فأولاً لم ولا يوجد داعي لصدام بين أنقرة والرياض، فالمثال الوحيد كان بسبب طرف ثالث وعلاقة كل منهما به، ونقصد هنا ما حدث في مصر في يونيو 2013، وهو ما دفع بالخلاف إلى حدود الخصومة ولكن ليس إلى حد الصدام، والذي سيكلف -حال فرض حدوثه جدلاً- كل من البلدين الكثير، سواء في مدى علاقاتهم الثنائية أو كتأثيرهم كقوى إقليمية فاعلة.

أيضاً لا يمكن اعتبار أن التحالف التام بين السعودية وتركيا قد يحدث بصورته المثالية التي صُدرت في الإعلام خلال العام الماضي؛ فكل من رؤية البلدين الخارجية مختلفة بنيوياً وجوهرياً، وحتى إن تقاطعا في ملف ما  -سوريا كمثال- فإن لكل منهما أولويات يختلف ترتيبها عن الأخر. ولا يمكن أيضاً الجزم بأن العلاقات السعودية- التركية في السنوات الأخيرة كانت على نفس نمط التحالف بين الرياض والقاهرة، أو بين أنقرة والدوحة، فما يجمع هذه الدول الأخرى بأي من البلدين لا يمكن أن يكون على نفس خط العلاقات السعودية-التركية حتى وإن بدت كأنها تحالف سياسي قوي؛ ففي النهاية كانت المتغيرات في الساحة السورية أكبر من قدرة استيعابها واستجابتهما المشتركة بواقع التحالف لها، وبالتالي تبقى تخوفات الرياض من تقويض نفوذها من جانب أنقرة بتحالفها مع قوى إقليمية غيرها محل واقع لم يتغير، وبالمقابل تبقى حدود علاقات أنقرة بالرياض في حدود ضمان السوق الرائج والعلاقات الاقتصادية الجيدة وليس الانجرار لتوجه سعودي يفرض عليها معاداة جارة وقوة إقليمية كبيرة بينهما علاقات سياسية واقتصادية ودواعي جيوستراتيجية جيدة مثل إيران.

وفي إيجاز أخير؛ فإن العلاقات بين تركيا والسعودية كان الاستثناء فيها هو التحالف قصير المدى، أما القاعدة فهي أن كل منهما باعتبارهما قوى إقليمية فاعلة يمكنهم التعاون في الملفات المشتركة طبقاً لرؤية واضحة لم تتوفر لكل منهم مع اختلاف الظروف البنيوية في السياسات الداخلية والخارجية وأسلوب إداراتها، كذلك لم يشكل هذا التعاون أولوية إلا في فترات طارئة قصيرة المدى والمفعول، وختاماً فإن كل من البلدين لا يستقر إيقاع علاقاتهم الثنائية أو تعاونهم الإقليمي إلا عند حدوده الدنيا المتمثلة في الشأن الاقتصادي.

 

هوامش المصادر والمراجع:-

  • (1)          : ثائر البياتي، “العلاقات العربية التركية بين الماضي والحاضر”، الحوار المتمدن، العدد3348، 27-4-2011. http://goo.gl/bNfQvt

    (2)          : أحمد داوّد أوغلو، “العمق الاستراتيجي، ترجمة محمد ثلجي وطارق عبد الجليل، (بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2010، ص 357: 387).

    (3)          : هيثم الكيلاني، “تركيا والعرب.. دراسة في العلاقات العربية التركية”، (الإمارات، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، سلسلة “دراسات استراتيجية” (6)، 1996، ص 31 :88).

    (4)          : مصطفى اللباد، “التقارب السعودي ـ التركي: الخلفيات التاريخية والسياق الإقليمي”، السفير، 4-1-2016.https://goo.gl/HPJxsE

    (5)          : : Türkiye’yi İsrail’e Kaptırmayalım, Al-Jazeere, May 3, 2005, translated by Radikal, May 4, 2005. http://goo.gl/huxNMJ

    (6)          : العلاقات التجارية الخارجية إصدار 2009، (الرياض، مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، التقرير السنوي الصادر عن مجلس الغرف السعودية، 2009). http://goo.gl/MhpDDe

    (7)          : Muhittin Atamanm,(2012), Turkey and Saudi Arabia: Newly Discovered Partners?, SETA Brief vol. 57,Turkey, S E TA | FOUND ATION FOR POLITICAL ECONOMIC AND SOCIAL RESEARCH. https://goo.gl/d9Qtwy

    (8)          : “تقييم الاجتماع الوزاري الخليجي التركي”، رئاسة الاستخبارات العامة، 2009، رقم: Doc#3797، ويكيليكس: https://goo.gl/jRNDO2.

    (9)          : “تصريح سموه لكونا..”، السفارة السعودية في أنقرة، 24 يناير 2007، رقم: Doc#120598، ويكيليكس: https://goo.gl/7q49st .

    (10)        : “البيان الافتتاحي..”، السفارة السعودية في أنقرة، 12 يناير 2011، رقم: Doc#122724، ويكيليكس: https://goo.gl/xVnY46 .

    (11)        : “تقييم الاجتماع الوزاري..” ، مصدر سبق ذكره.

    (12)          : اللباد، مصدر سبق ذكره.

    (13)          : محي الدين أتامان، “العلاقات التركية السعودية خلال الربيع العربي: نحو شراكة استراتيجية؟”، (تركيا، مجلة رؤية تركية، العدد (4)، 2012). http://goo.gl/CqhwBl

    (14)          : اجتماع تشاوري سباعي في باكستان يدعو لإتباع مقاربات دبلوماسية لحل أزمات المنطقة، (كونا، 25 فبراير 2007). http://goo.gl/TT3306

    (15)          : “البيان الافتتاحي..”، مصدر سبق ذكره.

    (16)          : “تعميم لكافة بعثات المملكة في الخارج”، وزارة الخارجية السعودية، د.ت، رقم: Doc#122064، ويكيليكس: https://goo.gl/oq613M

    (17)          : أتامان..”مصدر سبق ذكره”. وكذا اللباد.. “مصدر سبق ذكره”.

    (18)          : ديفيد هيرست، “العدوان على غزة جاء بمرسوم ملكي سعودي”، ت. أسلام أبو العز، البديل، 23-7- 2014، http://goo.gl/XS8S2H . كذا: “هل يخسر السيسي غزة لصالح أردوغان؟”، نفسه، 19-7-2014، http://goo.gl/aLgP4h  . كذا: “«غزة» و«داعش» و«قطر» و«تركيا».. ملفات تسارع من التقارب المصري الإيراني”، نفسه، 20-8-2014، http://goo.gl/jmI3eH .

    (19)        : “كشف للاتفاقيات الموقعة”، وزارة الدفاع السعودية، د.ت، رقم: Doc#120513، ويكيليكس: https://goo.gl/vV06w3 .

    (20)        : إسلام أبو العز، “بعد توافق مع قطر وتركيا..ماذا تمثل مصر للسياسة السعودية؟”، البديل بتاريخ 25-2- 2015. http://goo.gl/lrdmnY، كذا: “خلافات مبكرة بين السيسي وسلمان؟”، نفسه، 25-1- 2015. http://goo.gl/W5qjow . كذا: “تنفيذ الاتفاق النووي..ثلاث نقاط لفهم خريطة التحالفات في المنطقة”، نفسه 18-1-2015 http://goo.gl/P47mBR .

    (21)        : “السيسي لسلمان: «قوة عربية مشتركة» ولا لقاء بأردوغان ولا تفاوض بشأن الإخوان” المرجع السابق، 1-3-2015، http://goo.gl/h1LSFv. كذا: استمرار دعم تركيا لـ«داعش» يكسبها عداوة الجميع، نفسه، 25-8-2014، http://goo.gl/mNAUBZ . كذا: “قلق أميركي من دعم السعودية وتركيا لـ”جبهة النُصّرةّ” في معارك إدلب”، نفسه، 13-5-2015 http://goo.gl/KXW0Mg .

    (22)   : المرجع السابق نفسه.

    (23)   : ” محمد بن سلمان ..الفتى المدلل يقترب من عرش المملكه بدماء اليمنيين”، مرجع سبق ذكره، 29-4-2015، http://goo.gl/qWBbHc . كذا: ” تفكك تحالف الحزم..عبثية العدوان تعجل بنهايته”، نفسه، 16-4-2015، http://goo.gl/k9sQRf.

    (24)   : “بين رفض خليجي ومعارضة غربية وترحيب روسي..ما هي خيارات مصر في ليبيا؟”، المرجع السابق، 20-2-2015، http://goo.gl/oyyRtB.

    (25)   : “الإخوان جزء من الشعب.. هل قرر السيسي المصالحة؟”، المرجع السابق ، 4-2-2015، http://goo.gl/RF1Pvp. كذا: ” بعد توافق مع قطر وتركيا.. “نفسه.

    (26)   : “الانسحاب الروسي.. توافق مع واشنطن وأمر واقع لحلفاء الطرفين”، المرجع السابق، بتاريخ 15-3-2015، http://goo.gl/1cSU11. كذا: “مأزق تركيا والسعودية في سوريا.. تقبل الهزيمة أو إشعال حرب عالمية!”، نفسه، بتاريخ 14-2-2015، http://goo.gl/2xa8BS.

    (27)   : “ما الذي أجبر السيسي على التنازل عن تيران وصنافير؟”، مرجع سبق ذكره، بتاريخ 17-4-2016، http://goo.gl/CgEFYs. كذا: “الملك سلمان في مصر.. العلاقات المصرية السعودية بين الشراكة والتبعية”، نفسه، 6-4-2016، http://goo.gl/MM44PG. كذا: “تيران وصنافير.. عربون تسوية أم تبعية؟”، نفسه، 11-4-2016، http://goo.gl/uwENQy.

    (29)   : علي الرجّال، “3 أعوام على فض رابعة: حديث المصالحة والعودة الصعبة للإخوان”، إضاءات، 14-8-2016، http://goo.gl/q1OrMo.

    (30)   : أبو العز، التداعيات الخارجية للانقلاب الفاشل.. تركيا نحو روسيا وإيران؟”، مرجع سبق ذكره، 19-7-2016، http://goo.gl/HGRmOY .

    (31)   : “أردوغان يزور إيران بعد روسيا.. هل انتهى التحالف التركي – السعودي؟”، المرجع السابق، 18-8-2016، http://goo.gl/EKrfRk.

إغلاق