بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقديرات

مصر وإيران .. صراع المحاور والوصاية الأميركية (2011: 2016).

الوسوم

مقدمة

مثلت الأزمة الأخيرة بين القاهرة والرياض ذروة التوترات بين البلدين، فبعد محاولات ضبط إيقاع العلاقات بين “الحليفين” على مدار العامين الماضيين منذ تولية الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم في المملكة، والذي كان يعتقد أن التجاذبات بين النظامين قد انتهت بزيارة الأخير إلى مصر في فبراير الماضي، سرعان ما اتضح أن هذا الأمر كان مجرد تسكين لأزمة أكبر من أن تحل بزيارات متبادلة، كونها مرتبطة بأسباب بنيوية متمثلة في سياسات المملكة الداخلية والخارجية التي لم يعد في استطاعتها نظراً للأزمة المالية الإيفاء بمساعداتها لمصر، كذلك عدم استطاعة النظام المصري أن يلبي اشتراطات الرياض والتي أهمها إرسال قوات من الجيش المصري إلى اليمن أو سوريا، خاصة بعد تحول موقف السعودية إلى النقيض فيما يخص التحالف مع تركيا-قطر-جماعة الإخوان المسلمين بعد وفاة الملك السابق، وهم الذين يعدهم النظام المصري خصومه الرئيسيين في الداخل والخارج. كذلك تحول الدعم غير المشروط أو المتفق عليه كما الموقف السياسي إبان العام الأخير من حياة الملك عبدالله بن عبد العزيز، إلى دعم مشروط دخلت فيه المساعدات المالية إلى مصر في باب “المال السياسي” الذي يعد أحد أهم أدوات السياسة الخارجية السعودية، وبالتالي حسب أبجديات أصيلة ومستحدثة فإنه يجب أن يكون هناك مقابل مجزي، تمثل في الحالة المصرية في تذيل القاهرة لموقف الرياض تجاه ملفات إقليمية مثل الأزمة السورية وحرب اليمن، وصولاً إلى قبول النظام المصري لفرض رؤية حلفاء الرياض في أنقرة والدوحة عليه، في ملفات أخرى مثل ملف المصالحة مع جماعة الإخوان، أو الملف الليبي.

الأزمة الأخيرة التي تمثلت في قطع الإمدادات البترولية ووقف المنح والقروض المالية عن مصر، جعلت السؤال المؤجل منذ تحول السياسات السعودية منذ أواخر 2014 مُلح أكثر من أي وقت مضى، وهو ما هي بدائل القاهرة عن الابتزاز السعودي؟ الإجابة البديهية هي تطوير العلاقات مع إيران، سواء رفعها إلى مستوى العلاقات العادية بين أي دولتين لهما سيادة واستقلال القرار الخارجي، أو حتى كمناورة لتحييد عوامل الابتزاز السعودي الذي وصل في الأزمة الأخيرة إلى حد خطير متمثل في خلق أزمات معيشية في الداخل المصري، وضرب الإستراتيجية الاقتصادية للنظام.

على الرغم من بديهية الإجابة وقدمها، إلا أن طرحها في هذه التوقيت له وجاهة من بعض الزوايا، أولها وأهمها تحول إيران بعد الاتفاق النووي مع القوى الدولية إلى “دولة عادية” ليس لدى أي من القوى الدولية حيثية في التعامل معها على مستويات دبلوماسية وتجارية وغيرها من أوجه التعاون المعتاد بين الدول. بالإضافة وبشكل ثنائي تثمين طهران لدور القاهرة مرتين خلال الأعوام الثلاث المنصرمة، أولهما إبان حرب غزة الأخيرة 2014 ودفع إيران نحو تثمين وتفعيل الدور المصري مقابل الدور القطري والتركي، وأخيراً اشتراطها على القوى الدولية وجود مصر على طاولة مفاوضات لوزان الأخيرة الخاصة بالأزمة السورية، وهو ما لم يأتي من السعودية والتي من المفترض أنها “حليف” للقاهرة.(1)

عامل “الطرف الثالث”

هذا السؤال وإجاباته المطروحة والمتوقعة أفضى إلى طرح علامات استفهام حول سبب تعطل العلاقات بين مصر وإيران وعدم ارتقائها إلى حد العلاقات العادية حتى الأن، وخاصة مع التغيرات التي طرأت على الأسباب التي كان يسوقها الطرفين طيلة العقود الماضية، وأخرها ثورة 25 يناير التي فتحت مجال من فرص تطوير العلاقات بين البلدين. ليصبح المعطل الرئيسي ما يطلق عليه منظري العلوم السياسية: (third part effects)، أو “تأثير الطرف الثالث”، والذي يعني أن العلاقات بين دولتين تتأثر بما هو خارج علاقاتهم الثنائية سلباً وإيجاباً، ليس فقط لاعتبارات التحالف والعداء التقليدية والتي تنتج عن منافسة اقتصادية أو سياسية أو عسكرية، ولكن ارتباط معيار العلاقات بين البلدين بعلاقة كل منهما بطرف ثالث سلباً وإيجاباً.(2)

وإذا افترضنا أن المنطقة العربية شهدت في العقود الثلاث الماضية تطور وتفاعل هذه النظرية بشكل واقعي على مستويات متعددة ومتشعبة، فإن النموذج الأوضح على مستوى علاقة دولتين ببعضهما البعض، وتأثرها بطرف ثالث يكاد يكون المحرك الأول لسيولتها أو جمودها، هو نموذج العلاقات المصرية الإيرانية، التي كانت دائماً رهن طرف ثالث مثل الولايات المتحدة والسعودية طيلة هذه العقود الماضية، فيما على مستوى ثنائي لم تكن العلاقات تتجاوز التمثيل الهامشي الذي هو دون الحد الأدنى في العلاقات العادية بين الدول، مثل التمثيل الدبلوماسي الذي لا يرقى إلى حد وجود تمثيل على مستوى السفارات في كل من البلدين، ويرجع ذلك إلى مكون رئيسي في سياسات دول الشرق الأوسط وهي أن السمت العام للسياسات الخارجية كان مرتبط بالانحياز أو العمل تحت مظلة طرف ثالث من القوى الدولية، سواء في فترة الاحتلال والانتداب والحماية، أو في حقبة الحرب الباردة، وصولاً إلى التماهي التام مع السياسات الأميركية منذ منتصف السبعينيات، وهو ما جعل مصر في تحولها إلى المعسكر الأميركي الذي بدأ بمعاهدة السلام أن تتجنب إقامة علاقات مع إيران الثورة، التي استعدت الولايات المتحدة وإسرائيل منذ لحظتها الأولى، وسرعان ما أصبح هذا الاستعداء هو عقيدة الدولة الإيرانية بشكل صَعب من جعل علاقاتها مع مصر لا يدخل ضمن خطوط حمراء فرضتها سياسات التبعية المصرية للقرار الأميركي طيلة عقدي الثمانينيات والتسعينيات، وتبرير ذلك بخطاب دعائي متعلق بأسم شارع في طهران أو دفن الشاه في القاهرة، فكان أرقى تطور وصلت إليه العلاقات بين البلدين هو وجود مكتب رعاية مصالح، والذي يُعد أقل تمثيل دبلوماسي ممكن بين بلدين.(3)

ولكن بتغير الظروف والمعادلات بعد 2011، وزوال كل أسباب الدعايات السابقة، وحلحلة السياق العام للسياسات الأميركية في المنطقة، والخروج من معادلات صفرية مثل “من ليس معنا هو ضدنا”، وخلق هامش عشية 2011 سمح لدول المنطقة بتطوير علاقاتها مع مختلف القوى الدولية بمعزل عن السياسات الأميركية، وهو ما تضاعف بعد 2011، طرحت على الفور مسألة تطوير العلاقات المصرية الإيرانية، بدافع من غياب الفاعل في تعطيلها وهو الطرف الثالث، بمعنى أن التغيرات الداخلية في مصر قد خلقت فرصة للتقارب بين البلدين، كذا التغيرات الإقليمية ورفع الولايات المتحدة لوصايتها على قرارات الدول العربية، بخلاف أن مؤشر العلاقات بين إيران والغرب كان إلى تحسن مطرد كلل بالاتفاق النووي، وهو ما حول إيران من دولة “مارقة” في أدبيات السياسة الأميركية إلى دولة عادية، تستطيع دول المنطقة والعالم إقامة علاقات عادية معها، ولكن كان هذا الأمر على افتراض أن الطرف الثالث المتحكم في تطور العلاقات المصرية الإيرانية كان فقط الولايات المتحدة الأميركية.(4)

قبيل 2011 كانت هناك عامل ثانوي في تحديد وتيرة العلاقات المصرية الإيرانية، وهو دور السعودية والتحالف المصري معها منذ مطلع الألفية الجديدة، والذي تحدد بأساسيات ثلاثة هي: أن كل من مصر والسعودية بوزنهما الإقليمي العربي والإسلامي شريكتان في قاطرة السياسات الأميركية، كذلك أن الأولى تمثل للثانية ظهير استراتيجي في مواجهة إيران خاصة بعد حرب 2006 في لبنان، وتصعيد السعودية للخلاف مع إيران إلى حد الصراع الطائفي، وهو ما جعل مصر بالنسبة للمملكة ورقة رابحة من حيث الترهيب فيما انزلقت الأمور إلى شفا الحرب، وثالثاً والأهم أن كل من سياسة القاهرة والرياض ورؤيتهما للسياسة الإيرانية كانت تتسق مع رؤية واشنطن في هذه المرحلة، والتي كانت بدورها ترسم حدود التعاطي والصراع بين دول المنطقة وإيران حسب مصلحتها ورؤيتها.(5)

مصر في خارطة الصراع السعودي- الإيراني والمحفز الإخواني

لكن بعد 2011، والتغيرات الكبيرة في المنطقة، وفي مصر بشكل خاص، أضحت مسألة تطور العلاقات المصرية الإيرانية رهن للعامل السعودي كطرف ثالث متحكم في مداها وتطورها سلباً أو إيجاباً، ليس فقط لمدى التباين بين الرياض وواشنطن في معالجة ملفات المنطقة المتماسة مع إيران، ولكن أيضاً كون أن السياسات السعودية في هذا التوقيت استشعرت خطر أن يكون هناك تمدد إقليمي منافس لدول أخرى غير إيران، وتحديداً تركيا وقطر، وهو ما جعل أولويات السياسة السعودية تتغير لاستيعاب التغيرات الجديدة، والتي أبرزها صعود جماعة الإخوان في أكثر من بلد، وهو ما اعتبرته بمنظور لحظي خطر على السلطوية الأيدلوجية التي تستند إليها المملكة في نفوذها الإقليمي، وخاصة أن طهران تنظر إلى جماعة الإخوان وأيدلوجياتها على أنها مُكمل أو نظير لأيدلوجية الثورة الإسلامية، وبالتالي استقرت التحفظات السعودية تجاه تطوير العلاقات المصرية الإيرانية عند الأساسيات السابقة، فيما كان التغير الأبرز هو كيفية احتواء النفوذ الإخواني المهدد لسيادة ونفوذ المملكة.(6)

هذا الأمر أستمر حتى وفاة الملك عبدالله يناير 2015، وكانت ذروته دعم السعودية آنذاك للإطاحة بحكم الإخوان في مصر 2013، ومحاصرة نفوذهم في اليمن وليبيا ومنطقة الخليج، وهو ما جعل أولوية العداء لإيران كمحرك للسياسات السعودية تحتل أولوية ثانية في هذه الفترة، والتي جعلت مصر تستثمرها كورقة غير مكلفة بأنه نظير مساعدة الرياض ودعمها للنظام المصري الجديد وتحالفها معه ضد الإخوان سيكون موقف مصر هو تأكيد دعمها للمملكة في حال انزلاق الأمور مع إيران ومحورها إلى حد الحرب، فكانت سياسية “مسافة السكة”، بالتوازي مع دعوة لحضور الرئيس الإيراني، حسن روحاني، لحفل تنصيب السيسي كرئيس للجمهورية. يشير إلى احتمالين، الأول: هو قبول إيران ضمنياً بتطوير العلاقات مع مصر السيسي ولكن بشكل مرحلي، والاحتمال الثاني أن إيران ترى أن مسألة تطور العلاقات مع مصر تحتاج لأكثر من مجرد دعوة لحفل تنصيب الرئيس المصري، وأن هناك أمور أخرى يجب توافرها قبل أن يكون هناك زيارات رسمية على مستوى الرؤساء بين البلدين، أقلها وجود تمثيل دبلوماسي على مستوى السفراء، وهذا على المستوى الإجرائي، أما على المستوى السياسي فعلى الرغم من توفر مناخ يسمح بتحسين العلاقات إلا أنه من الواضح لا يوجد إرادة سياسية تريد أن يدخل هذا طور التنفيذ.(7)

السابق سرعان ما أصبح رهن الاختبار بعد وفاة الملك عبدالله وتولي الملك سلمان واستدارة منظومته الإيجابية ناحية تركيا وقطر وجماعة الإخوان، وعودة الأولويات السعودية الخارجية لسابق عهدها قبل 2011، بل وشروع آل سعود في تأكيد الإستراتيجية الصفرية تجاه إيران ومحورها بالفعل والحرب مثلما حدث في اليمن، وهو ما جعل المسألة التي استثمرها السيسي والخاصة “بمسافة السكة” رهن الاختبار، والتي أتت على عكس ما أرادته الرياض من استخدام القوة العسكرية المصرية لخدمة أهدافها في اليمن وسوريا، وهو ما لم يحدث بالشكل الذي يرضي الرياض، وهنا دخل عامل إضافي يمكن تصنيفه من ضمن عوامل “الطرف الثالث”، وهو جماعة الإخوان المسلمين، فأضحى التقارب السعودية ناحيتهم يقابله نظرياً تقارب مصري مع إيران ومحور المقاومة، وأصبحت هذه المعادلة تمتاز بسيولة جعلت مسألة التقارب بين القاهرة وطهران مادة دعائية محفزة في أوقات الأزمات بين مصر والسعودية يضطلع بصناعتها إعلام المحور الإخواني، كون أن نقطة الخلاف الرئيسية بين الرياض والسعودية منذ تولي الملك سلمان هي موقف المملكة الإيجابي من الإخوان، وبالتالي تصبح الدعايات المقابلة بأن مصر تتعاطى إيجابياً مع إيران وحلفائها في المنطقة عاملاً محفزاً لزيادة الخلاف بين الرياض والقاهرة، وهو ما يصب في مصلحة المحور الإخواني خاصة بعد التحالف مع السعودية.(8)

وهنا يجب النظر إلى التحولات في العلاقات المصرية السعودية لم يكن في أي مرحلة منذ الثمانينيات يتعلق بموقف القاهرة من طهران، بل على العكس استثمرت القاهرة الخوف السعودي من تصاعد الدور الإيراني إقليمياً في توطيد التحالف، ولكن هذه المعادلة تغيرت أكثر من مرة على مدى السنوات الخمس الماضية؛ بعد 2011، وبعد 2013، وبسبب متغير رئيسي أخر هو جماعة الإخوان المسلمين، كما كانت أيضاً المتغير الأهم عقب الثلاثين من يونيو والإطاحة بها. ناهيك عن أن إيران لم تكن عاملا رئيسا في المعادلة سابقة الذكر في أي وقت من تاريخ العلاقة بين القاهرة والرياض، بل أن بعد الثورة الإسلامية في إيران وما حدث بعدها من استضافة السادات للشاه واستعداء الأول للثورة هناك جاء بتأثير النفوذ الأميركي على نظام السادات عشية كامب ديفيد وذهاب القاهرة تحت قيادته إلى تبعية قرار واشنطن – ما يشي بأن علاقة جيدة بين الجمهورية الإسلامية ومصر خط أحمر أميركي – وهو ما استمر حتى الإطاحة بنظام مبارك، الذي شهدت آخر سنوات عهده تلاقي مع الرياض ضد طهران، كمحصل بديهي لدول “الاعتدال” على ضوء السياسات الأميركية المستكبرة في المنطقة، ولكن حتى هذا لم يكن إلا على هامش العلاقة بين السعودية ومصر وليس في متنها.(9)

لكن هل كانت جماعة الإخوان جادة في وضع العلاقات المصرية-الإيرانية في مسارها الطبيعي؟ خاصة وأن طهران كانت منذ 2011 ترغب في تطوير العلاقات مع مصر ولكن ليس بغية إحلالها محل السعودية كما صور الإخوان بذلك بعد الثلاثين من يونيو2013. يجيب على ذلك مسلك وسلوك الجماعة منذ توليها السلطة وحتى الإطاحة بها فيما يخص العلاقات مع إيران والتناقض بين الإدعاء بتطويرها والممارسة التي أثبتت عكس ذلك، حيث البداية بالتلويح بتطبيع العلاقات مع إيران كفزاعة للسعودية لجلب الدعم أو كف المناهضة، والتأكيد للقاعدة الشعبية للإخوان والتي تكونت وقتها من تيارات سلفية طائفية أن ذلك لبحث “نجدة أهل السُنة في سوريا” مروراً إلى اعتماد المعزول محمد مرسي لخطاب طائفي في كلمته بقمة دول عدم الانحياز التي عُقدت في طهران 2012، وصولاً إلى كارثة مؤتمر “نًصرة سوريا” الذي عُقد عقب انتصارات القُصير وقبل الإطاحة بمرسي بأيام، والذي حُشد له من قاعدة الإخوان الشعبية سابقة الذكر، والذي بالبداهة لا يعبر عن أي تقارب بين القاهرة وطهران. بل أن حتى هذه الفزاعة انقلبت عليهم وجعلت السعودية تمضي في دعمها للإطاحة بالإخوان حتى بعد قبول الجماعة ضمناً وتصريحاً بالمشاركة في المخطط الأميركي-الخليجي لشن حرب على سوريا في صيف 2013.(10)

ماذا تريد إيران.. ماذا تريد مصر؟

تفسير وإيضاح السابق يكمن في أن ورقة تحسين العلاقات بين مصر وإيران كانت ضمن عدة أوراق مناورة اُستخدمت في الصراع بين السعودية وقطر وتركيا وجماعة الإخوان منذ “الربيع العربي”، وما لبث أن استمرت بعد الثلاثين من يونيو بين محوري مصر-السعودية-الإمارات و قطر-تركيا- فلول الجماعة وتبدل ذلك بعد وفاة الملك عبدالله ثم عودة الأمور إلى ما كانت بعد المبادرة الروسية وحاجة السعودية لمصر كوسيط مقبول، فكل ذلك كان ولا يزال بمعزل عن محور المقاومة الذي إن اهتم بشيء من السابق خلال السنوات الثلاث الماضية خارج معركته في سوريا والعراق، كان هذا الشيء هو قطاع غزة الذي وقع بين المحاور المتصارعة، وتجلى ذلك إبان العدوان الإسرائيلي الأخير، فدور محور المقاومة وقتها كما جاء على لسان حسن نصر الله في حديثة لصحيفة الأخبار اللبنانية في أغسطس العام قبل الماضي من أجل غزة، حيث قال أن غزة وقعت بين محورين متصارعين، وأنه اقترح على الإيرانيين إجراء اتصالات مع مصر وتركيا وقطر لحلحلة موقف الوساطة المتأزم وقتها. وهو ما يعني أن إيران تحديداً ومحور المقاومة بشكل خاص لا يتلهف إلى التدخل في هذا الصراع بين المحورين سابقي الذكر، وأن مسألة فتح قنوات اتصال مع طرف من هذا المحور أو ذاك لا تحدث إلا خدمة لقضايا محور المقاومة الأساسية وعلى رأسها فلسطين.(11)

في نفس السياق نجد أن تمسك إيران بدور فاعل لمصر في مختلف الأزمات الإقليمية -أخرها ضرورة ضم القاهرة لمائدة مفاوضات لوزان الخاصة بالأزمة السورية- يأتي في إطار تعويل طهران على أن تلعب الأولى دور فاعل نابع من مصلحة مصر ويتقاطع مع مصلحة إيران خاصة فيما يتعلق بقطاع غزة أو سوريا، وهما شأنان متعلقان بالأمن القومي المصري أصلاً ولا يقعا فيما يمكن تسميته بطموح مصري في لعب دور إقليمي يتخطى اهتماماتها القُطرية، أو بالحد الأدنى يكون هناك حياد إيجابي تجاه بعض القضايا التي توليها طهران اهتماماً مثل حرب اليمن أو الأوضاع في البحرين، هنا يرى باحثون أن العلاقات بين البلدين يرها الجانب الإيراني في عموما تتعلق بمسائل: العداء لإسرائيل، مشروع الشرق الأوسط الإسلامي، التعاون الاقتصادي. وإن لم يكن هذا يصلح في الوقت الراهن لظروف داخلية خاصة بمصر في المرحلة الحالية، فعلى الأقل تكون هناك تقاطعات غير مباشرة في دوائر التماس بين البلدين.(12)

في المقابل رهنت مصر تطور علاقاتها مع إيران بطرف ثالث، بداية من الولايات المتحدة ووصولاً إلى السعودية وإسرائيل، إلا أن هذا يتعلق بشكل العلاقات الثنائية وتطبيعها وجعلها في مستوى عادي متعارف عليه بين الدول، والذي أساسه التمثيل الدبلوماسي المتبادل والعلاقات الاقتصادية والثقافية، إلا أن هذا الأمر لم يتحقق لأن مقابل عدم تحققه بالنسبة للقاهرة كانت أجدى على مدار العقود الماضية من تحققه، وحتى بعد 2011 وخلق التغيرات الداخلية في مصر لفرص تطوير العلاقات مع إيران سواء من بوابة تطبيع العلاقات أو التكامل السياسي بين نظامين كل منهما “إسلامي”، يمثله الطرف المصري جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن هذه النقطة سرعان ما تكشف إنها ورقة تحسين موقف بالنسبة لحكم الجماعة وعلاقاتها مع السعودية والولايات المتحدة، أي مجرد مناورة لتحسين الشروط في إطار صراع المحاور عشية 2013 والتي تمثلت ذروته في حرب  في إطار صراع المحاور عشية 2013 والتي تمثلت ذروته في حرب غزة 2014، وبعد 2013 تحولت ورقة المناورة هذه إلى فزاعة موجهة للسعودية أيضاً التي أجادت اللعب على مخاوف كل من الجماعة بعد الإطاحة بحكمها والنظام المصري الجديد في تقريب وإبعاد كل منهما على حساب الأخر، وبالتالي عندما وصلت الخلافات بين القاهرة والرياض إلى ما وصلت عليه حالياً طرحت مسألة العلاقات المصرية الإيرانية مرة أخرى ولكن في سياق مختلف.(13)

هذا السياق شكلته عدة متغيرات على علاقة مصر بـ”حليفها” الأول المتمثل في السعودية، أولها استدارتها ناحية المحور الإخواني على حساب القاهرة، ثانياً ممارسة ضغط على النظام المصري من أجل إجراء مصالحة مع الجماعة التي يعتبرها “إرهابية”، وكانت الإطاحة بها سبب أول ورئيسي لشرعية هذا النظام، بالإضافة إلى اشتراط تذيل مواقف المملكة الإقليمية في معادلة صفرية ليس فيها حل وسط، مثل طرح فكرة القوات العربية المشتركة، والتي أتت بعد تحفظ السعودية ودعمها لقطر وتركيا في مهاجمة الخطوات العسكرية المصرية في ليبيا، وكذا بديل عن عشوائية تحالف الحزم وعنجهية التهديد بالتدخل العسكري البري في سوريا بقوات مُجمعه على غرار تحالف “عاصفة الحزم”، كذلك استخدام مصر في تطوير العلاقات العربية بقاطرة سعودية مع إسرائيل، وهو استبدال لدور مصر التقليدي، وأخيراً التضييق على النظام بخلق أزمات معيشية ناتجة عن تملص المملكة من تعهداتها الاقتصادية. وبالتالي المعطيات والمتغيرات أدت إلى خلق سياق جديد طُرحت فيه مسألة العلاقات المصرية- الإيرانية، ولكن دون إرادة أو حتى إعلان حقيقي، على الرغم من تغير الظروف الذاتية والموضوعية في المنطقة وأخرها الاتفاق النووي.(14)

النظر هنا إلى الاتفاق النووي الإيراني كمعامل رئيسي ساهم في توسيع هامش المناورة ويغير شكل الخارطة السياسية للمنطقة بشكل عام، فأمامه هرولت السعودية في ضبط تحالفاتها في المنطقة على أساس طائفي، يهدف إلى تعزيز وتكريس الصراع السياسي بينها وبين إيران في صورة صراع بين السُنة والشيعة، وما يتطلبه ذلك من إسراع الرياض في معالجة وتسوية باقي التحفظات والخلافات مع أطراف المحور الإخواني، فالعام قبل الماضي قيل أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة جاءت بأوامر ملكية سعودية، والأن يُستقبل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، بحفاوة وترحيب في الرياض ويعقد مقابلات مع الملك والمسئولين على ضوء رغبة السعودية في الإسراع في توطيد تحالفاتها الجديدة على النحو سابق الذكر أو ما يزيد عن ذلك بسحب ملف المصالحة والتهدئة وغزة ككل من أيدي القاهرة، في حين أن القاهرة لم تقدم على استغلال هذا الاتفاق وتداعياته والفرص التي خلقها ليس حتى لتطوير علاقاتها مع إيران، وإنما وبالحد الأدنى تخفيف وموازنة الضغوط السعودية التي وصلت ذروتها إلى الإضرار بمصالح النظام وهز صورته إعلامياً في الداخل والخارج.(15)

خلاصة عامة

طبقاً لمسار دوافع ومعوقات العلاقات المصرية-الإيرانية في الخمس سنوات الماضية، نجد حتى أن الفرص التي نتجت عن عوامل غير خاصة بجهود البلدين لتطوير علاقاتهما الثنائية لم يتم استثمارها لغياب الإرادة السياسية بشكل ثانوي، وتوقفها على تأثيرات طرف ثالث بشكل رئيسي، وبالتالي داخل هذه المعادلة لم يكن سقف تطور العلاقات بين البلدين هو تطبيعها بشكل اعتيادي بما في ذلك التمثيل الدبلوماسي رفيع المستوى والعلاقات الاقتصادية وغيرها، ولا حتى إدارة علاقات ذات طابع تكتيكي تجاه قضية إقليمية معينة، فحتى تقاطعات طهران مع القاهرة بخصوص غزة أو سوريا جاء من باب أن الملفين شأن مصري أصيل لاعتبارات أمنية واستراتيجية، وأن الموقف المصري تجاه الملفين أقل ضرراً من باقي الخيارات، فيما كان الجانب المصري ينظر لفرص التقارب مع إيران بعين مدى تأثيرها سلباً على علاقات القاهرة بالرياض وواشنطن وتل أبيب، وأن أقصى مدى قد تصل إليه العلاقات بين البلدين في الفترة الأخيرة هو التشاور الغير مباشر حول قضايا إقليمية اختلفت فيها القاهرة مع الرياض مثل سوريا، وبالتالي طلب إيران وجود مصر على مائدة المفاوضات ضروري لاعتبارات أصيلة متعلقة بها، وكذلك لتوضيح أن الصورة التي تصدرها السعودية عن اتفاق الدول العربية لرؤيتها تجاه سوريا –وخاصة قرارات الجامعة العربية- ليست سوى وهم بدليل أن أهم حلفاء المملكة لهم رأي أخر.

في السياق نفسه كانت المعضلة التي نتجت عن الخلافات بين مصر والسعودية، والمتمثلة في تقاطع المصالح بين مصر وإيران تجاه ملفات معينة على عكس تنافرها بين القاهرة والرياض، هو ما أدى إلى طرح علامة الاستفهام حول مصير العلاقات المصرية- الإيرانية، وخلق سياق من خطوات متبادلة يوحي بأنه سياق عام ومستمر لتطوير العلاقات بين البلدين، إلا أن الثابت أن تطبيع العلاقات المصرية-الإيرانية، أو التحالف الاستراتيجي أو التكتيكي بينهما لا يزال رهن تفاعل طرف ثالث مع كل منهما، حتى وإن تهيأت الظروف الموضوعية لإقامة علاقات طبيعية، أو تضررت العلاقات بين مصر والسعودية –التي تمثل مؤثر ثالث على العلاقات بين القاهرة وطهران، فإن سقف تطور العلاقات بين مصر وإيران ظل في أقصاه في تقاطع مصالح غير مباشر تجاه طرف ثالث متمثل في غزة أو سوريا.

أيضاً لا يمكن إغفال أن سوء العلاقات بين مصر السيسي والسعودية، يصب في عكس مصلحة إيران، حيث يقابل ذلك انسجام تام بين الرياض وتيار الإخوان في المنطقة يرسخ من فكرة الصراع الطائفي لا السياسي بين السعودية وإيران، وأن كثير من ما يقال عن تعاطي مصري إيجابي مؤخراً مع إيران ومحور المقاومة لا يزيد عن كونه دعايات إعلامية الغرض منها بالأساس تأزيم الموقف بين القاهرة والرياض لصالح المعادلة السابقة، وبالتالي إزاء الرؤية المصرية والرؤية الإيرانية لعلاقة البلدين ببعضهما البعض في اللحظة الراهنة، فإنه يمكن القول أن ما حدث في الفترة ما بين 2011 وحتى كتابة هذه السطور فيما يخص التقارب بين البلدين لم يكن سوى “صدف” غير مقصود بها تطوير العلاقات في حد ذاتها بل حلحلة أزمة أخرى أو توسيع هامش التفاوض والمناورة تجاه ملف إقليمي ما، لتظل العلاقات المصرية الإيرانية محكومة بمعادلة يتحكم فيها طرف ثالث بسبب غياب إرادة متبادل وكذا عوائق بنيوية متعلقة بموقف كل من البلدين تجاه خصوم وحلفاء الأخرى.


المراجع /

(1): إسلام أبو العز، “«غزة» و«داعش» و«قطر» و«تركيا» ملفات تسارع من التقارب المصري الإيراني”، البديل، 20-8- 2014،  https://goo.gl/qKUOHg. كذا: ” Iran ‘wanted Egypt at Syria talks’ as Middle Eastern alliances shift”، The guardian، 20-10-2016، https://goo.gl/aYUg0M.

(2) : تامر كامل الخزرجي، العلاقات السياسية الدولية وإستراتيجية إدارة الأزمات، (الأردن، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، 20099، ص 270 : 273.

(3) : العلاقات المصرية الإيرانية، موسوعة المعرفة، القاهرة، 26-10-2016. https://goo.gl/pmIqAG .

(4) : د. معتز سلامة، “الطرف الثالث:تأثير «العامل الأمريكى» فى العلاقات الثنائية”، الأهرام، 1-9-2015، https://goo.gl/C1DHJU.

(5) : أبو العز، المرجع السابق.

(6) : “خلافات مبكرة بين السيسي وسلمان؟”، البديل، 25-1-2015،.https://goo.gl/w5igdD

(7) : “دلالات دعوة روحاني  للقاهرة وأفق العلاقات المصرية – الإيرانية في عهد  السيسي”، المرجع السابق، 8-6-2014. https://goo.gl/R8pX7i.

(8) : ” أنصار السيسي: #أهلا_بدعم_إيران_لمصر”، موقع الجزيرة، 20-10-2016، https://goo.gl/vR6q3F. كذا: “أسلحة مصرية للحوثيين وقنوات اتصال مع الاستخبارات”، العربي الجديد، 14-10-2016. https://goo.gl/LNz1Gj.

(9) : أبو العز، التقارب الإيراني المصري فزاعة الإخوان للسعودية، العهد، 24-8-2015، https://goo.gl/VLtmJE.

(10) : المرجع السابق.

(11) : نفسه. كذا: ” حسن نصرالله ينتصر للسيسي على حساب تركيا وقطر والسعودية”،المصري اليوم، 15-4-2015، https://goo.gl/jAgIsn.

(12) : رانيا مكرم، “كيف تفكر طهران، السياسة الدولية، د.ت، https://goo.gl/kKqaKb

(13) : أبو العز، “أفق العلاقات بين مصر والسعودية بعد الاتفاق النووي الإيراني”، البديل، 21-7-2015، https://goo.gl/Kotx1C.

(14) : المرجع السابق.

(15) : أبو العز، “السعودية تبتز مصر: التبعية الكاملة أو التهديد بأزمة اقتصادية”، البديل، 11-10-2016، https://goo.gl/ro24lf.

 

إغلاق