بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتحليلات

دبلوماسية طهران بعد الاتفاق النووي.. أمريكا اللاتينية نموذجًا.

الوسوم

مقدمة:

بعد أكثر من 20 شهرًا من المفاوضات المستمرة التي أعقبت التوصل إلى اتفاق تمهيدي في جنيف في نوفمبر 2013، توصلت إيران أخيرًا في العام الماضي إلى اتفاق تاريخي مع المجموعة السداسية (الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا)، يقضي برفع العقوبات المفروضة عليها وقبولها ضمنيًا كلاعب إقليمي ودولي فعّال بجانب قبولها كقوة نووية، وذلك بمقابل قبول طهران بمطالب الدول الست المتعلقة بدينامية عمل برنامجها النووي. وينص الاتفاق في مبدئه العامّ على رفع العقوبات الدولية عنها مقابل تخليها عن الجوانب العسكرية لبرنامجها النووي. وفي حين رحّبت أطراف دولية عديدة بالاتفاق، تحفظت أطرافٌ أخرى، فيما وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” بـ”الخطأ التاريخي”. ويمكن تلخيص مكاسب إيران من الاتفاق النووي الأخير على ثلاثة أصعدة منها السياسي والاقتصادي والعسكري، كما سيتبين خلال السطور القادمة.

تمثل أولى مكاسب إيران في تخليصها من التهديدات والإجراءات العسكرية الأمريكية والغربية بشكل عام، إذ إن التدخلات الأمريكية التي بدأت بإسقاط حكومة مصدق المنتخبة عام 1953 ما زال يثقل العقلية الاستراتيجية الإيرانية، فإن انتهاج الحوار من قبل الحكومة الأمريكية يعني أن الخيار العسكري بات بعيدًا، وتبددت معه الكثير من الهواجس التي طالما شغلت صانع القرار الإيراني وأثقلت ميزانيته الدفاعية والأمنية.

فيما جاء رفع العقوبات المفروضة على إيران كـ “مكسب ثانِ”، ووفقًا لذلك ستضاعف صادرات إيران من الطاقة وارتفاع نسب ومستوى الاستثمارات الأجنبية خلال سنتين من الاتفاق بحسب العديد من التقديرات.

أما ثالث المكاسب الإيرانية فتمثلت ضمنيًا بتوطيد علاقة طهران مع المجتمع الدولي، وانطلاقها نحو علاقات وشراكات أكثر فاعلية على الصعيدين الإقليمي والدولي، لقد غيرت حكومة “روحاني” خطاب السياسة الخارجية وتأكيدها على الحلول غير الصفرية. ومن هذا المعطى تحولت بوصلة السياسة الخارجية الإيرانية في شقها الدولي نحو أمريكا اللاتينية والتي ترجمت إلى حدِ واضح ملامح تلك السياسة الدبلوماسية وأطر التعاون والشراكات الاستراتيجية لطهران هناك.

أولاً ـ نشاط متزايد:

شهدت الفترة الأخيرة نشاطًا إيرانيًا متزايدًا في دول أمريكا اللاتينية، حيث قام وزير الخارجية “محمد جواد ظريف” بزيارة إلى ست دول لاتينية في نهاية أغسطس الماضي، شملت كلاً من (كوبا، ونيكارجوا، والإكوادور، وبوليفيا، وفنزويلا، وشيلي). هذا فضلاً عن توجه الرئيس الإيراني “حسن روحاني” بعقد لقاءات قمة مع الرئيس الإكوادوري “رافئيل كوريا” والبوليفي “إيفو موراليس” والفنزويلي “نيكولاس مادورو” على هامش قمة عدم الانحياز التي عقدت في فنزويلاً يومي 17 و18 سبتمبر الماضي. وأيضًا توجه “روحاني” إلى هافانا بعد القمة للقاء كل من الرئيس الكوبي الحالي “راؤول كاسترو” والسابق “فيديل كاسترو”. ومن أهم ما لفت الانتباه في هذه الجولات والاجتماعات الإيرانية أنها استهدفت دول الكتلة الأكثر يسارية ومقاومة للهيمنة الأمريكية في منطقة دول أمريكا اللاتينية، فباستثناء شيلي يمكن اعتبارها زيارة لدول البديل البوليفاري (ALBA).

جاءت تلك الزيارات الإيرانية للتأكيد على أن السياسة الخارجية الإيرانية لا تنوي الانسحاب من أمريكا اللاتينية، بل أصبحت مقصدًا رئيسيًا للسياسة الإيرانية ومصالحها التي تشعبت واتسع مداها بعد الاتفاق الأخير، فما هي المصالح وتحدياتها؟

1ـ التعاون في مجال النفط وانخفاض أسعاره:

تتضرر إيران مع بعض الدول في أمريكا اللاتينية جراء انخفاض أسعار النفط، لذا تسعى طهران إلى التنسيق مع تلك الدولة المنتجة للنفط بشأن سياسة شبه موحدة تضمن رفع سعر البرميل وتفادي الخسائر الاقتصادية، وقد ترجمت زيارة وزير الخارجية الإيراني “جواد ظريف” لفنزويلا هذا الهدف.

تدعيم المواقف الدولية الإيرانية:

تتقاطع السياسات الإيرانية في إقليم الشرق الأوسط مع الدول الرئيسية في أمريكا اللاتينية، إذ تبنت الدول الرئيسية فيها مواقف مشابهة للموقف الإيراني من الأزمة السورية، وساندت الأصوات اللاتينية إيران في المحافل الدولية، ولاسيما حول ملفها النووي.

ومن هذا المنطلق، سعى المسؤولون الإيرانيون من خلال الزيارتين الأخيرتين إلى الحفاظ على حلفائها الداعمين لمواقفها السياسية الراهنة والمستقبلية. وقد بدا هذا الأمر واضحًا في جولة “ظريف”، حيث تكررت عبارات من قبيل “مواجهة الهيمنة الغربية” و”الاقتصاد المقاوم” في التصريحات الرسمية الإيرانية واللاتينية.

3ـ إيجاد ظهير للانفتاح الايراني الاقتصادي:

على الرغم من مكاسب الاتفاق النووي الأخير على الصعيد الاقتصادي، إلا أن الجوار العربي الإيراني ظل منغلقًا أمام الشراكات الجدية معها، كما هو الحال في الجانب الخليجي، ولذلك لأسباب أمنية واضطرابات سياسية وتخوفات عربية من تنامي النفوذ الإيراني. لذا توجهت بوصلة صانع القرار الإيراني نحو جغرافية أبعد ومحيط أكثر جدية ـ أمريكا اللاتينية ـ في التعاون يضمن لها فرص استثمارية واعدة تستطيع من خلالها تعويض ما تكبدته من خسائر اقتصادية طيلة السنوات الماضية.

ثانيًا ـ تحديات التواجد الايراني في امريكا اللاتينية:

1ـ عودة الولايات المتحدة للساحة اللاتينية:

أخذت منطقة الشرق الأوسط وصراعاتها الدموية المعقدة الولايات المتحدة من امتدادها الطبيعي الجغرافي المتمثل في أمريكا اللاتينية خلال العقدين الماضيين، بعد أن خاضت معارك استخباراتية وعسكرية بمناطق بعض الدول اللاتينية، لكنها عادت مجددًا من خلال زيارة الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” التاريخية لكوبا في مارس 2016، إذ يمكن اعتبار تلك الزيارة إشارة لأن الولايات المتحدة قد اتخذت أساليب جديدة في التعامل مع الأنظمة الحاكمة في أمريكا اللاتينية. وعلى الرغم من وقوف الأمريكي والإيراني على عتبة حل الملف النووي، إلا أن الأخير سيواجه تحديات أمريكية في تلك المنطقة الهامة استراتيجيًا لدوائر السياسة الأمريكية.

2ـ خفوت اليسار وصعود حكومات اليمين:

جولات السياسة الإيرانية إبان فترة الرئيس “أحمدي نجاد” ما كان ليكتب لها النجاح لولا حكومات هوجو شافيز ولولا داسيلفا ودانيال أورتيجا ورافائيل كوريا وكاسترو وغيرهم من أبناء تيار اليسار. فقد كان اليسار اللاتيني عاملاً فعالاً للتقارب الإيراني مع حكومات وشعوب تلك المنطقة.

ولعل المثال الأوضح على ذلك، هو التحول الجذري في الموقف الأرجنتيني الرسمي تجاه طهران فيما يخص قضية تفجير الرابطة اليهودية (AMIA) في التسعينيات. إذ ألغى الرئيس الأرجنتيني موريسيو ماكري مذكرة التفاهم الأرجنتينية – الإيرانية حول هذه القضية، والتي كانت قد أُبرمت من طرف حكومة الرئيسة اليسارية السابقة كريستينا كريشنر في عام 2013، ونصت على عدم ملاحقة المتهمين الإيرانيين. وما حدث في الأرجنتين ربما يكون مرشحًا لأن يتكرر في دول لاتينية أخرى مع تغير حكومتها من اليسار إلى اليمين.

الخلاصة.. حرصت الدبلوماسية الايرانية بعد الاتفاق النووي على التوجه إلى منصات ومناطق جغرافية وإن كانت بعيدة فهي تقف على أرضيات مشتركة مع مصالحها، لذا تسعى الآن للحضور في أمريكا اللاتينية اقتصاديًا وثقافيًا، لجني ثمار الانفراجة الكبيرة في علاقاتها الدولية واقتناص فرص تدعيم المواقف الإيرانية في المحافل الدولية وتعويض عداء دول الجوار العربي معها وآثاره الاقتصادية والسياسية.

إغلاق