بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتحليلات

اقتراض مصر من صندوق النقد الدولي. الأبعاد والتداعيات السياسية

الوسوم

مدخل:

في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الحالي في عدة مرات عمله على تحقيق استقلال القرار المصري، مطالبا المصريين بتحمل تكلفة تلك الاستقلالية المزعومة. كان يسعى جاهدا للتفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار لدعم الاقتصاد المصري، وغني عن الذكر ان الصندوق يسيطر عليه القوى الغربية، ويشترط خبراؤه تنفيذ الحكومات لبعض التغييرات الاقتصادية الهيكلية، التي تؤدي بدورها الى تبعات سياسية بطبيعة الحال. كما تمس “استقلالية” القرار السياسي والقرار الاقتصادي، والأخير استغرق الباحثون الاقتصاديون في تحليله ورصد نتائجه المتوقعة. بينما تحاول هذه الورقة لفت الانتباه إلى الأبعاد السياسية لعملية الاقتراض، فلا يمكننا النظر إلى عملية الاقتراض من الصندوق بمعزل من الظروف السياسية المُحيطة.

وبشكل أكثر تحديدا، ما يعنيا في هذه الورقة أولا هو تحليل الدوافع السياسية التي دفعت صانع القرار المصري إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وثانياً تحليل طبيعة التداعيات السياسية للإجراءات الاقتصادية المتوقعة، من خلال تحليل التفاعل بين ثلاثة مكونات سياسية رئيسية، وهي: دوافع النظام المصري، وأهداف القوى الغربية، وتحالفات القوة بين النخبة المصرية

وفي سبيل الخروج بنتائج منضبطة قدر الإمكان، سنستعين في هذه الورقة باقتراب تحليل علاقات القوة بين النخب، حيث ذهبت أغلب الدراسات المتعلقة بتطور البنية السياسية للدول النامية إلى ارتباطها بشكل رئيسي بصراع القوة داخل النخبة، ولا نعني هنا النخبة المحلية فقط، فتلعب النخب الأجنبية دورا أيضا في مألات الصراع، في حالة تحالفها مع إحدى مكونات النخبة المحلية[i].

 أولا-علاقات القوة بين النخب المصرية منذ 2011

يمكننا حصر صراع القوة بين النخب المصرية بين ثلاثة أطراف رئيسية، وهي الأطراف التي استطاعت الوصول إلى سدة السلطة منذ الإطاحة بالنظام الملكي في 1952، ونعني بها هنا أولا البيروقراطية العسكرية. بينما الطرف الثاني يتمثل في البيروقراطية المدنية التي نمت قوتها مع إجراءات الانفتاح الاقتصادي منذ سبعينات القرن الماضي، من خلال تحالفها مع بعض قطاعات رجال الأعمال.[ii] وأخيرا النخبة ذات الطيف الإسلامي وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، التي نعتبرها طرف أصيل في النظام السياسي المنبثق عن انقلاب يوليو 1952.

ونطرح هنا فرضية ان في حالة تحالف طرفين من النخبة، تتأُثر مصالح الطرف الثالث ما يدفعه للسعي جاهدا نحو تغيير معادلة القوى لصالحه. نزعم ان هذه المعادلة تحكم التطور السياسي في مصر من 1952، وهي اللحظة التي تحالفت فيها أطراف النخبة العسكرية مع جماعة الإخوان، ثم أطاحت بهم لصالح جماعات البيروقراطية المدنية.

بينما شهدت مصر قبيل 2011، تحالفا غير معلن بين قطاعات رجال الأعمال والبيروقراطية المدنية وجماعة الإخوان التي سُمح لأعضائها بتمثيل القوى السياسية المعارضة داخل البرلمان في 2005. كما أعلنت جماعة الإخوان موافقتها على مشروع “التوريث”. وهنا للمرة الأولى وجدت النخبة العسكرية نفسها بصدد خسارة مقعد الرئيس، وما له من سطوة على التفاعلات السياسية والاقتصادية.

منحت انتفاضة يناير 2011 فرصة ذهبية للنخبة العسكرية لإعادة تشكيل معادلة القوى، من خلال تفتيت تحالف الإخوان المسلمين والنخبة المدنية في الحزب الوطني، والأخيرة فقدت تمثيلها السياسي بشكل كبير في برلمان 2012، وللمرة الأولى استطاعت جماعة الأخوان المسلمين الوصول لمقعد الرئاسة بعد منافسة مع أحمد شفيق ممثل النخبة المدنية القديمة أنذاك، في ظل علاقات قوية كانت تجمع الجماعة بالنخبة العسكرية.

سرعان ما تحالفت النخبتين المدنية والعسكرية بروافدهم المتنوعة، فيما عُرف بتحالف 30 يونيو الذي أطاح بجماعة الإخوان المسلمين، ليصل العسكريون مرة أخرى إلى قمة الدولة المصرية.

وباستثناء الرئيس المصري الأسبق محمد نجيب، لم يسبق وان انتقل مباشرة أحد الرؤساء “العسكريون” من الحياة العسكرية للرئاسة، فعمل جمال عبد الناصر كرئيس للحكومة قبيل توليه الرئاسة، ما تكرر مع السادات ومبارك والاثنين قضيا عدة سنوات في الحياة السياسية قبيل تولي مقعد الرئاسة.

لجأ المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية إلى ” تفويض” وزير الدفاع للترشح على مقعد الرئاسة في انتخابات يونيو 2014[iii]، التي حسمها الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي دون منافسة تُذكر، وحتى دون اللجوء لطرح برنامج سياسي أو دعائي، وبالطبع دون سابق انخراط في الحياة السياسية.

تدفعنا السردية السابقة الى القول بأن الرئيس الحالي يلعب دوراً رئيسياُ في تمثيل مصالح النخبة العسكرية، خصوصا في مواجهة النخب المدنية والإسلامية، ويمكننا الدلالة على ذلك باستبعاد الوجوه السياسية المعروفة من سياق الحياة السياسية، حتى هؤلاء الذين لعبوا دوراً في الإطاحة بمحمد مرسي، لاسيما أعضاء جبهة الإنقاذ الوطني. بالتزامن مع محاولة الدولة المصرية للقضاء على نفوذ جماعة الإخوان محليا وإقليميا. وفي ظل هذه الوضعية السياسية، لجأ الرئيس المصري الحالي إلى الاقتراض من صندوق الدولي. وسنحاول في المحور التالي تحليل واستنتاج الدوافع السياسية وراء عملية الاقتراض.

ثانيا-الدوافع السياسية لعملية الاقتراض:

لم يكن لجوء الحكومة المصرية للاقتراض من صندوق النقد الدولي هو الأول من نوعه بعد 2011، فسبق وأن حاولت جماعة الاخوان المسلمين الاقتراض إبان وجودها في سدة السلطة، كما أعلنت حكومة الببلاوي عن نيتها التوجه للاقتراض من الصندوق في 2014. وفشلت المحاولات السابقة لأسباب تتعلق بمدى قدرة الحكومتين على فرض شروط صندوق النقد، واستعدادها لمواجهة الضغوط السياسية من الجماعات المعارضة والقطاعات المتضررة من داخل مؤسسات الدولة أو خارجها. ما انعكس بالفعل في استقالة حكومة الببلاوي تحت نير الضغوط الاقتصادية[iv]. بينما أصبح السياق السياسي أكثر ملائمة مع تولي السيسي، والنجاح في تنفيذ سياسة غلق المجال العام واضعاف المعارضة، وهنا يجدر بنا اثارة مسألة الدوافع السياسية لدى الحكومة الحالية للجوء للاقتراض، على النحو التالي:

1-  إضفاء مشروعية على إعادة هيكلة قوى الاقتصاد:

عمد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ توليه الحُكم إلى إعادة ترتيب جماعات القوى داخل الاقتصاد، وهي منقسمة بالأساس الى قطاعات الدولة الاقتصادية والخدمية وجماعات رجال الأعمال، سواء رجال الأعمال القريبون من السلطة أو المعارضين، والأخيرة تتضمن رجال الإعمال من أعضاء جماعة الإخوان، ولجأ النظام إلى فرض الحراسة والمصادرة على بعض مشروعاتهم وأموالهم، في مقابل انخراط مكثف للقوات المسلحة في بعض المشاريع الاقتصادية.

ويمنح القرض المبرر الكافي للرئيس السيسي لإجراء بعض التعديلات الهيكلية في الاقتصاد، وعلى رأسها تقليم أظافر القطاع العام المغذي الرئيسي لرجال الأعمال[v]، ما من شأنه خفض سطوة القطاعات المدنية في الدولة على الاقتصاد الوطني، وهي هنا تأتي في صورة أحد شروط صندوق النقد، الذي كان لافتا عدم اشارته لأي إجراء يتعلق باقتصاديات القوات المسلحة المصرية.

2-  ضمان التأييد الدولي للإجراءات السياسية:

تعرض النظام المصري الحالي فيما سبق للعديد من الانتقادات الدولية، خاصة فيما يتعلق بموقفه من قضايا حقوق الإنسان والقمع السياسي، ويطمح نظام السيسي في أن يوفر الصندوق له الغطاء السياسي المناسب في قمع الاحتجاجات المتوقعة والتضييق على القوى المعارضة، خاصة في ظل إعلان بعض قوى المعارضة رفضها للقرض، وينبغي الإشارة هنا إلى أن للصندوق سجل حافل بتأييد قمع الاحتجاجات السياسية في الدول المقترضة، ومنها الأرجنتين وتشيلي وغيرهما.

3-  ربط مصالح النخبة الحاكمة بمصالح رؤوس الأموال الأجنبية:

يعتبر هدف البقاء هو رأس أهداف جميع النظم السياسية، وتعرض النظام المصري لضغوط دولية وغربية بالأساس مع توليه للحُكم، ولحلحلة هذا الوضع؛ يسعى النظام الحالي الاستفادة من القرض عن طريق توظيفه في جذب رؤوس مال أجنبية بغرض الاستثمار والاستفادة من وجوده في السلطة، مقابل أن تدعم بقاءه وتحول دون تعميق الخلاف الغربي مع الرئيس السيسي، ما يُفسر لنا من ناحية أخرى إصدار التشريع المتعلق بإمكانية أن تتشارك القوات المسلحة مع الشركات الأجنبية الطامحة للعمل في مصر[vi]، وهى ألية يعتبر الهدف الرئيسي منها هو مأسسة التعاون بين النخبة الحاكمة الحالية في مصر والنُخب الغربية.

4-  توظيف المؤشرات الاقتصادية في الدعاية السياسية:

يوفر برنامج صندوق النقد إطارا نظريا لعملية الإصلاح الاقتصادي في مصر، ومن المنتظر أن يرتكن السيسي إلى بعض المؤشرات الصادرة عن التعاون مع الصندوق، في التسويق السياسي لعمل نظامه على إصلاح أوضاع الاقتصاد المصري، ما يجعل من ترشحه لفترة رئاسية ثانية مسألة حتميه، بذريعة استكمال خطوات مشروع الإصلاح الاقتصادي.

ثالثا-العلاقة بين السيسي والقوى الغربية

أضحى من الصعوبة الحديث عن قرار سياسي مستقل لإحدى الدول، لاسيما في ظل حالة تشابك المصالح الدولية كنتاج للعولمة ولثورة الاتصالات، وترتبط استقلالية القرار السياسي بترتيب الدولة على سلم القوى الدولية أو الإقليمية. وفي حالة الشرق الأوسط، نجد اننا يجانبنا الصواب حينما نتحدث عن قرار مستقل لأحدى الدول الإقليمية بسبب تزايد انخراط القوى الدولية في تفاعلات الإقليم، ما ينحسب بالضرورة على الحالة المصرية. علاوة على أن قرض صندوق النقد الدولي ربما سيؤدي إلى تعميق تبعية القرار السياسي المصري للدول الخارجية، وتزخر أدبيات مدرسة التبعية في العلاقات الدولية بمقولات تفسيرية ووصفية لدور الاقتصاد في تعميق تبعية الدول النامية تتلخص في العلاقة بين اقتصاد مسيطر وأخر تابع. وهنا يجد صانع القرار المصري نفسه مضطرا على التوائم مع مصالح الدول ذات النفوذ الأعلى في صندوق النقد الدولي. ما دللت عليه بعض المؤشرات التالية:

1-  قضايا الهجرة واللاجئين:

تتمتع الدول الأوروبية بتأثير قوي على قرارات صندوق النقد الدولي، ونفت مؤخرا الحكومة المصرية وجود رغبة ألمانية بقيام مصر بإيواء المهاجرين غير الشرعيين المتسللين لأوروبا عبر البحر الأبيض، في مقابل تيسير تسليم حصص القرض.

إلا ان هناك عدة شواهد على النقيض من النفي الحكومي، حيث سبق وزار محافظ البنك المركزي المصري المانيا في سبتمبر 2016 للتنسيق فيما يخص قرض صندوق النقد، وتزامنت الزيارة بتكثيف النشاط المصري في ملاحقة المهاجرين غير الشرعيين عبر البحر الأبيض[vii]، كما عمد مجلس النواب المصري إلى إصدار قانون للهجرة غير الشرعية في نفس التوقيت، ونشرت جريدة الأهرام الحكومية خبرا عن وجود جهود المانية لتوقيع اتفاقية بين مصر والاتحاد الأوروبي للاجئين على غرار الاتفاق الأوروبي التركي[viii].

ويدلل كل ما سبق على وجود ضغوط على صانع القرار المصري فيما يخص ملف الهجرة، ما يعني مزيد من الضغوط على الاقتصاد المصري في ظل ارتفاع معدلات البطالة والضغط على البنية التحتية للدولة.

2-  مكافحة الإرهاب:

تتلاقي مصالح النظام المصري مع القوى الغربية فيما يتعلق بمواجهة الجماعات الدينية العنيفة، لاسيما مع الصعود المطرد لجماعات اليمين القومي في بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة. ومن المنتظر أن يتسع إطار التعاون بين النظام المصري والدول الغربية فيما يتعلق بحصار نشاط الجماعات العنيفة أو الدينية المعتدلة. وتتوافق أفضليات صانع القرار المصري مع هذه التوجهات بالفعل، وربما سيجبر النظام المصري على التوائم بشكل أكبر مع التوجهات الغربية في المستقبل القريب، لاسيما فيما يخص الأوضاع في ليبيا.

3-  العلاقات مع إسرائيل: يعتبر ضمان أمن إسرائيل من ثوابت توجهات الدول الغربية في الشرق الأوسط، و يري العديد من المراقبين أن الحكومة المصرية عملت على توطيد التعاون مع الحكومة الإسرائيلية، كما يُذكَر أن نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي خلال لقاء صحفي أجراه في أبريل 2016 وصف التعاون المشترك مع مصر بانه لم يسبق له مثيل وكان ذلك إسقاطاً للتعاون في مجال مكافحة الارهاب ويُذكر أن هذا التصريح جاء لتصدير صورة محفزة للتطبيع [ix]، وشهد نفس الشهر إجراء زيارة من كبار رجال الصناعة الإسرائيلية للقاهرة في تفعيل لاتفاقية الكويز[x]، بهدف توثيق العلاقات الاقتصادية بين الدولتين، وهي الزيارة الأولى من نوعها منذ 10 سنوات.

4-  ملف حقوق الإنسان: يعتبر هو الملف الخلافي الأبرز، وتوترت العلاقات المصرية مع بعض الدول الأوروبية لا سيما المانيا وإيطاليا، على أثر قضية ريجيني وإغلاق منظمات المجتمع المدني، التي استدعت صياغة البرلمان الأوربي لعشرة توصيات في مارس 2016 [xi]، تستهدف الضغط على النظام المصري بغية تحسين أوضاع حقوق الإنسان ويعتبر ملف حرية المجتمع المدني هو أكثر الملفات التي ستشهد ضغوطاً غربية، خصوصا في ظل قناعات خبراء الصندوق بضرورة مشاركة المجتمع الأهلي في صناعة ودعم شبكات الأمان الاجتماعي.

 رابعا: التداعيات السياسية لعملية الاقتراض

ستعمل الإجراءات الاقتصادية التي يشترطها صندوق النقد إلى تغيير حالة الاستقرار النسبي التي يعيشها النظام المصري، وربما تؤدي إلى تغييرات في معادلة القوة في مصر على المديين القصير والطويل، وفق لما يلي:

1-  اتساع قاعدة المعارضة ضد النظام: من المنتظر أن تؤدي إجراءات قرض الصندوق ومن بينها خفض الانفاق الحكومي وتحرير أسعار الصرف إلى رفع معدلات التضخم وارتفاع مستويات الفقر، وستؤدي هذه العوامل إلى اتساع القاعدة الاجتماعية لمعارضة الرئيس السيسي على النحو التالي:

  1. تفاقم التوتر مع العاملين بالدولة: طبقا لإجراء خفض الانفاق الحكومي، سربت بعض التقارير الصحفية عن عمل الحكومة المصرية على تقليص عدد العاملين بالدولة وخفض امتيازاتهم[xii]، ويلعب العاملون بالدولة دوراً رئيسياً في دعم السلطة خصوصاً في أوقات الاستحقاقات الانتخابية، كما ان لهم دورا رئيسيا في الإطاحة بالرئيسين مبارك ومحمد مرسي وكذا حكومة الببلاوي، لذا فمن المنتظر ان يفقد النظام دعم الشريحة المدنية الأبرز في تحالف 30 يونيو.
  2. تصعيد الخلاف مع القطاع الأهلي: شهد مصر عدة توترات بين منظمات المجتمع المدني والحكومة خلال العام الحالي، فاحتجت قطاعات واسعة من أعضاء اتحاد المهن الطبية ونقابة الصحفيين، واعترضت بعض منظمات المجتمع المدني على مسودة مشروع قانون تنظيم الجماعات الأهلية المُقدم من قبل الحكومة، ما ينذر بخلافات واسعة مستقبليا نتيجة لتوتر الأوضاع الاجتماعية، ورغبة هذه القطاعات في لعب دورا فيما يخص شبكات الأمان الاجتماعي التي سبق وأشارنا إليها.

2-  انخفاض شعبية الرئيس السيسي: حسم الرئيس المصري انتخابات الرئاسة لصالحة بنسبة 97% تقريبا من اجمالي المصوتين، وطبقا لاستطلاعات الرأي التي أجراها مركز بصيرة-المعروف بقربه من الحكومة-تراجعت نسبة الراضيين عن أداء السيسي إلى 68% فقط[xiii]، مقارنة بـ 82% في أغسطس 2016. ومن المتوقع ان تتراجع كثيرا هذه النسبة مع الإجراءات الاقتصادية المفروضة من قبل صندوق النقد الدولي، ما سينعكس على فرص السيسي في حسم انتخابات الرئاسة المقرر لها الانعقاد في يونيو 2018.

3-  انتشار العنف: يقسم الباحث السياسي د. ابراهيم حسنين توفيق العنف السياسي الى اربعة انواع وهي:

–         العنف الموجه من السلطة إلى المواطنين أو إلى جماعات وعناصر معينة منهم. وذلك لضمان استمراره وتقليص دور القوى المعارضة والمناوئة له وتمارس السلطة العنف من خلال أجهزتها الأمنية والمخابرات والقوانين الاستثنائية… الخ. ويعرف العنف في هذه الحالة باسم العنف الرسمي أو الحكومي، ومن المتوقع ان ينتشر هذا النمط في حالة ظهور احتجاجات، لاسيما مع ارتكان السلطة على الدعم الغربي بسبب القرض.

–         العنف الموجه من المواطنين أو فئات معينة (العمال، الطلبة، الفلاحين، الأقليات، الأحزاب والتنظيمات السياسية… الخ)، إلى النظام أو بعض رموزه، ويتخذ العنف في هذه الحالة شكل التظاهرات والإضرابات والاغتيالات والانقلابات… الخ. ويعرف بالعنف الشعبي أو غير الرسمي، ومن المنتظر أن تشهد مصر انتشارا لهذا النمط أيضا، خصوصا مع التضييق على العمل الاحتجاجي السلمي.

–         العنف الموجه من بعض عناصر أو أجنحة النخبة الحاكمة إلى بعض عناصرها أو اجنحتها الأخرى. ويدخل هذا العنف في إطار الصراعات داخل النخبة، ويتخذ عدة أشكال منها: التصفيات الجسدية، والاعتقالات، وانقلابات القصر، وقد يصل الأمر إلى حد الصدامات المسلحة بين العناصر والقوى الموالية للأجنحة المتصارعة داخل النخبة الحاكمة. وقد يوظف الجيش والبوليس وبعض القوى المدنية في هذه الصراعات، وهو يعتبر أكثر أنواع العنف السياسي تأثيراً في مألات الصراع، وغالبا ما تصل إليه الأوضاع بعد أن يتم غلق كل منافذ الحلول السياسية.

–         العنف الموجه من بعض القوى أو الجماعات ضد جماعات أخرى داخل المجتمع، نتيجة أسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية. وقد يتدخل النظام لتصفية مثل هذه الصراعات أو ليلقي بثقله إلى. جانب أحد أطرافها ويطلق البعض على هذه الحالة «العنف السياسي المجتمعي»، وشهدت مصر خلال العام الحالي بعض بوادر هذا النمط، وعلى سبيل المثال قامت بعض المجموعات باستخدام العنف بغية الاستيلاء على أسطوانات الغاز المدعومة حكوميا، ثم أعادت توزيعها على المواطنين.

–         وأخيراً يمكننا ان نشير الى نوع أخر ظهر في المشهد المصري وهو استخدام السلطة الحاكمة لجماعات الداعمين والمؤيدين في ممارسة العنف السياسي ضد معارضيهم، بل ان ذلك النوع هو الاكثر ظهورا في المشهد السياسي المصري بعد انتفاضة يناير نظرا للسيولة الشديدة في تفاعلات النظام السياسي المصري وعدم استقرار المؤسسات السياسية المصرية كنتاج لانتفاضة يناير 2011.

4-  زيادة الاستقطاب الداخلي: ستؤدي الأوضاع الاقتصادية الى تعميق درجة الاستقطاب بين الأطراف السياسية، ما ينذر ببعض التداعيات السلبية على تماسك مؤسسات الدولة المصرية، وربما العودة لحالة عدم الاستقرار السياسي، وتقوية التيارات الدينية التي ستجد البيئة خصبة لمعارضة سياسات النظام، وسيشكل تضافر تلك العوامل إلى ارتفاع مستوى المخاطر على الدولة المصرية وتهديد السلم الاجتماعي.

 خامسا-مستقبل تحالفات القوة

أدت سياسات نظام السيسي إلى تضرر مصالح عدة شرائح من النخب الرئيسية في مصر، وعلى رأسها النخبة الإسلامية، وبعض جماعات النخبة المدنية مثل العاملين بالدولة، والنخبة السياسية سواء في المعارضة أو المحسوبة على الحزب الوطني، وفي ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، واستبعاد النخب من معادلة السلطة، فمن المرجح أن يحدث تغييراً ما في تحالفات النخب في مصر، ويمكننا طرح عدة سيناريوهات قد تحدث، على النحو التالي:

1-  تحالف النخبة المدنية والإسلامية: يدفع استبعاد نظام السيسي لكلا الطرفين، لحدوث توافق في المصالح بينهما بشكل ما، لاسيما مع الدعم الخليجي لبعض أعضاء هذه النخب، وظهرت مؤخرا بعض بوادر التقريب بين الطرفين، فأعلن محمد البرادعي (الممثل المدني الرئيسي في تحالف 30يونيو) أن هناك ثمة انقلاب قد حدث في الإطاحة بمحمد مرسي، كما أعلن الاخوان مبادرة للتصالح مع الشخصيات (الحكيمة) داخل الدولة والجيش، بالتزامن مع رفع المرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق من قوائم ترقب الوصول، والأخير خرجت له بعض التسريبات التي هاجم خلالها السيسي[xiv]، وربما يمثل شفيق أحد بوابات التواصل مع القيادات (الحكيمة) في النخبة العسكرية المصرية. وقد يظهر هذا التحالف في التوافق على مرشح رئاسي في الانتخابات المقرر لها الانعقاد في يونيو 2018، أو قبل ذلك إذا تسارعت واتسعت الاحتجاجات، ويرتهن تحقق هذا السيناريو أيضا بقدرة نظام السيسي على المناورة داخليا وخارجيا، ونجاحه في وأد التحالف المستتر.

2-  تحالف النخبة المدنية والعسكرية: تحت ضغط الظروف الاقتصادية والاجتماعية، قد يضطر نظام السيسي إلى توسيع قاعدة التحالف الموالي له، من خلال جذب بعض عناصر النخبة المحسوبة على نظام مبارك، ويمكننا رصد هذا التوجه، في ضوء بعض إجراءات التصالح الأخيرة مع حسين سالم ورشيد محمد رشيد، والظهور الإعلامي لأحمد عز، كما نُشرت بعض التقارير الصحفية عن وجود ثمة تفاهمات تجمع بين السيسي ومحمود محي الدين وزير الاستثمار الأسبق، ويبدوا أن نظام السيسي  يحرص على إبقاء الباب موارباً مع رجال مبارك، تمهيداً لأى مبادرات تحالف مستقبلاً، أو على الأقل الحيلولة دون انضمامهم لتحالف المعارضة المدنية والإسلامية. ويرتهن تحقق هذا السيناريو بمدى قدرة الطرفين على صياغة توافق مصالح يجمعهما، كما من الممكن أن يؤثر سلبا هذا التحالف على شعبية الرئيس، خصوصا بين بعض أعضاء النخبة العسكرية التي جمعها خلاف مع توجهات الحزب الوطني، ناهيك عن المعارضة الشعبية المتوقعة لمثل هذا التحالف.

3-  تحالف النخبة العسكرية والإسلامية: لم تهدأ مبادرات التصالح بين الإخوان المسلمين والدولة بعد 30 يونيو، إلا أن أغلب هذه المبادرات لم تتجاوز حدود الإعلام، خرج بعضها من أطراف وسيطة مثل مبادرة سعد الدين إبراهيم ، كما سارع التنظيم الدولي إلى المبادرة بطلب التصالح مع النظام المصري، عقب كلمة لوزير الدفاع المصري في 21 أبريل 2016 عن وحدة المصريين، والمبادرة الأخيرة جاءت من إبراهيم منير أمين التنظيم الدولي، وتشهد مثل هذه المبادرات معارضة من داخل الجماعة، وكذا لم يصدر عن إدارة السيسي أي تجاوب معها، ومن الأرجح أن تكون مثل هذه المبادرات تمهيدا لفتح قناة اتصال مع بعض أجنحة الجماعة المعتدلة قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية.

 خاتمة:

مع حلول الذكرى السادسة لانتفاضة يناير، يبدوا أن مصر لازالت تعجز عن إيجاد ثمة معادلة سياسية تجمع الأطراف المتناحرة على السلطة، وكذلك افتقدت نُخبها لبوصلة يمكن من خلالها تحديد المسار التنموي الملائم، ما دفعها للذهاب إلى خبراء صندوق النقد الدولي، وأشارت أغلب التحليلات الاقتصادية إلى تدهور أوضاع الطبقات الوسطى والفقيرة كنتاج للقرض، وذهبت أكثر الأراء تفاؤلاً إلى اقتصار هذا التدهور على المدى الزمني القصير، وهو المدى الذي يمتد حتى موعد اجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة في يونيو 2018. ما يدفعنا للقول بانعكاس هذا التدهور على الأوضاع السياسية.

وربما يصعب على نظام السيسي فرض السيطرة نتاج لارتفاع التكلفة المالية والاجتماعية، كل هذا يجعل مستقبل نظام السيسي أمام خيارين رئيسيين، الخيار الأول يتمثل في استمرار سياسة استبعاد النخب المدنية والإسلامية، وتكثيف توظيف الأداة القمعية في وأد أي احتجاجات مناهضة له، ويؤدي هذا الخيار إلى ضمان النظام الحالي لاستمراره ولو بشكل مؤقت ويؤجل تفجير الأوضاع في مصر إلى وقت لاحق غير معلوم بالتحديد، بينما يؤدي الى تحالف جميع عناصر المعارضة السياسية ضد النظام الحالي، ما قد يعصف بالاستقرار السياسي في مصر.

والخيار الثاني الأكثر عقلانية هو لجوء النظام للفتح التدريجي للمجال السياسي، من خلال منح فرصة لصعود بعض قوى المعارضة المعتدلة وتمثيلهم في مؤسسات الحُكم مثل مجلس الوزراء، وفتح الباب أمام منظمات المجتمع المدني لممارسة دورها في التقليل من الأثار الضارة للقرض على الطبقات الأكثر تضرراً، ويمنح هذا الخيار الفرصة لنظام السيسي في إفشال محاولات التقارب بين معارضيه، وضمان استقرار سياسي نسبي، من شأنه المساهمة في تحسين أوضاع الاقتصاد المصري.


 

المراجع / 

[i] نادية رمسيس، الاقتصاد السياسي لمصر، ترجمة: مصطفى قاسم، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص 20.

[ii] نزيه الأيوبي، الدولة المركزية في مصر، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،1989)، ص ص  179-188.

[iii] أحمد عبد العظيم،” نص بيان القوات المسلحة لتفويض السيسي للرئاسة”، الوطن ، القاهرة، 27/1/2014، على الرابط:http://www.elwatannews.com/news/details/405796 (أخر إطلاع 28/11/2016).

[iv] نرمين عشرة، ” طعنات المطالب الفئوية تطيح بأربع حكومات “،بوابة الوفد(القاهرة)، 26 /2/ 2014. في: http://goo.gl/9AHeo6

[v] نزيه الأيوبي، مرجع سبق ذكره.

[vi] “مصر. قرار جمهوري يتيح للجيش تأسيس شركات مع الأجانب”، العربية، 4/12/2015، على الرابط: https://goo.gl/rJsWws  (أخر مشاهدة في 30/11/2016).

[vii] “بالفيديو: وزير الخارجية يوضح جهود مصر في مكافحة الهجرة غير الشرعية”، مصراوي (القاهرة)،22/9/2016، على الرابط:https://goo.gl/VzZbkr (أخر مشاهدة في 30/11/2016).

[viii] مازن حسن، “جهود ألمانية لإقناع بروكسل بضرورة ابرام اتفاقية مع مصر لمواجهة الهجرة غير الشرعية”، الأهرام (القاهرة)، 22/10/2016.على الرابط: https://goo.gl/p6eY52 (أخر مشاهدة في 29/11/2016).

[ix] “الجيش الإسرائيلي: التعاون العسكري مع مصر والأردن لم يسبق له مثيل”، CNN العربية، 21/4/2016، على الرابط: http://arabic.cnn.com/middleeast/2016/04/20/israel-egypt-jordan-isis (أخر مشاهدة في 28/11/2016.

[x] عنتر فرحات، ” وفد إسرائيلي في القاهرة لتنشيط الكويز”، المصري اليوم (القاهرة)، 25/4/2016، على الرابط: http://arabic.cnn.com/middleeast/2016/04/20/israel-egypt-jordan-isis (أخر مشاهدة في 27/11/2016).

[xi] علياء حامد، ” البرلمان الأوروبي يوافق على قرار ينتقد وضع حقوق الإنسان في مصر بأغلبية كاسحة”، الشروق (القاهرة)، 10/3/2016، على الرابط:http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=10032016&id=41ff00c2-52e2-46fe-ac52-b56008092607(أخر مشاهدة في 27/11/2016).

[xii] محمد الدعدع، ” انفراد. الحكومة تطارد «جيش الموظفين» بهيكلة 33 وزارة «سراً» قبل نهاية 2016″، الوطن (القاهرة) 10/1/2016، على الرابط:http://www.elwatannews.com/news/details/907843 (أخر مشاهدة في 28/11/2016).

[xiii] موقع مركز بصيرة، 22/10/2016على الرابط: http://baseera.com.eg/RecentPolls2.aspx?ID=127 ( أخر مشاهدة في 30/11/2016).

[xiv] ” تسريبات شفيق المنتقدة للسيسي تثير جدلا في مصر”، بي بي سي العربية، 14/3/2014، على الرابط: http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2014/03/140313_egypt_shafiq_leaks ( أخر مشاهدة في 30/11/2016).

إغلاق