بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتقديرات

الأسطول المصري الجنوبي ..خطوة نحو الردع أم النفوذ؟

الوسوم

اقرأ في هذا المقال

  • لقد باتت الأوضاع في البحر الأحمر، وعلى ضوء التحديات التي تواجهها المنطقة تحتاج إلى بلورة رؤية استراتيجية مصرية محددة للتعاطي مع كل التطورات في المنطقة. ويبدو أن مصر أدركت في الآونة الأخيرة خطورة هذه التحديات على أمنها القومي، فجاء قرار تدشين قيادة الأسطول الجنوبي، كخطوة على الطريق، بدأت بالردع، وكي تتحقق السيادة والسيطرة يجب ان ترتكز لشقي الردع و النفوذ، لا كل علي حده،  لحفظ الأمن القومي المصري وتحييد الأخطار المحدقة به بصورة متضافرة و تكاملية بأقل تكلفة ممكنة.

شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، برفقة الفريق أول صدقي صبحى، وزير الدفاع، صباح الخميس، الموافق 5 يناير، تدشين الأسطول الحربي الجنوبي بخليج أبو سومة بسفاجا، خلال افتتاح ميناء سفاجا البحري، و مثّل ذلك الإعلان نقلة نوعية كبيرة للقوات البحرية المصرية علي الصعيد التسليحي، والتنظيمي، والتخطيطي، كما فتح الباب أمام أسئلة متعددة الاتجاهات، فيما يخص القوام التسليحي للأسطول الجنوبي، ومهامه، وتداعيات إنشائه وسط بيئة جغرافية تعج بالصراعات، والتحولات العميقة التي تمس صميم الأمن القومي المصري، ومجاله الحيوي. ولإيضاح معالم الأسطول وماهيته ومسرح عملياته، يجب أولاً الوقوف أمام العوامل المُرَكبة التي أفضت في تفاعلاتها إلي بلورة اتجاه استراتيجي قائم في الفكر العسكري المصري إلي ضرورة إنشاء اسطول جنوبي، تلك العوامل يمكن أن تنقسم إلى شقين، الأول يرتبط بالتحديث الذي يجري لعتاد القوة البحرية المصرية تكتيكياً وتقنياً، والثاني يرتبط بتغيير موازين القوي في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالصراعات الطاحنة ذات التأثير الحاد في الجغرافية السياسية، والعسكرية، بالإقليم ومناطقه الاستراتيجية التي تشمل المضائق البحرية ومناطق الاختناق المرورية للتجارة العالمية.

البحرية المصرية .. وتيرة سريعة للتطوير و التحديث:

تعد البحرية المصرية من أقدم و أعرق الأسلحة البحرية، و تزامن تأسيسها مع تأسيس أول جيش نظامي مصري، تشير النصوص التاريخية على جدران المعابد والمقابر الفرعونية إلى الدور الذي لعبه رجال الأسطول المصري القديم في المعارك التي دارت خلال تلك الحقبة الفرعونية التاريخية، و عبرت مراكب وسفن الجيش المصري نهر النيل والبحرين الأبيض والأحمر لعدة أسباب منها إخماد الثورات ضد الدولة، والسيطرة على سواحل الإقليم المصري، وحماية حدود البلاد البحرية والقضاء على أعدائها، حتى وصل الأسطول المصري إلى باب المندب وسواحل الصومال في البحر الأحمر، وسواحل سوريا وفلسطين في البحر المتوسط.

1

(رمسيس الثالث في معركة الدلتا بين البحرية المصرية القديمة وشعوب البحر حوال 1198-1166 ق.م”).

القوات البحرية المصرية هي أحد الفروع الرئيسية للقوات المسلحة المصرية، و المسئولة عن حماية أكثر من 2000 كيلومتر من الشريط الساحلي المصري بالبحرين الأبيض والأحمر، وتأمين المجرى الملاحي لقناة السويس وكل الموانئ المصرية البالغ عددها 21 ميناء، إضافة إلى 98 هدفاً بحرياً، بخلاف الأهداف الساحلية على البحر و عمقه في المناطق الاقتصادية المصرية، التي تعاظمت بعد اكتشافات الغاز الأخيرة في شرق المتوسط، و بحسب العديد من المحللين العسكريين يعتبر منطقة صراع محتملة.

تعتبر القوات البحرية المصرية أقوى سلاح بحري في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتحتل المرتبة السادسة عالمياً من حيث عدد السفن، كما تتفوق علي اسطول الكيان الصهيوني، إذ تبلغ ثلاثة أضعافه من حيث الكم، إلا أنها قبل اتجاه القيادة العسكرية المصرية لتحديث أفرع قيادتها كانت تفتقر لذراع الجو الخاص بها وتعتمد على القوات الجوية في عمليات الاستطلاع البحري والحماية ضد الغواصات وتأمين حمايتها الجوية وطرق الإمداد والتموين والنقل الجوي، وتنفيذ مهام الإنقاذ البحري. حتي شهدت البحرية المصرية إضافات نوعية في العاميين الماضيين، وعززت قوتها في الميادين البحرية التي أشارنا إليها في تقريرنا السابق المفصل ” الصفقات العسكرية التي توقعها مصر مع فرنسا “.

حديثاً، تشكلت القوات البحرية بقرار ملكي تحت اسم السلاح البحري الملكي، وعين محمود حمزة باشا قائداً له، إضافة إلى عمله مديراً عاماً لإدارة المرافئ والمنائر في 30 يونيو 1946، وشكل ضباط البحرية والبحارة الذين كانوا يعملون في مصلحة خفر السواحل نواة القوات البحرية، وفي 30 سبتمبر 1959 أطلق عليها اسم القوات البحرية لتمثل أحد الفروع الرئيسية للقوات المسلحة.

2

(“الملك فاروق وبجواره محمود حمزة باشا أول قائد لسلاح البحرية الملكي”.)

و مع حروب هامة خاضتها البحرية المصرية منها حرب الشام 1831، و حرب المورة 1823 و حرب القرم و حروب 48 و 56 و 67 و حرب الاستنزاف، و 73، تعاظم سجل المعارك لدي القوات البحرية المصرية، و عززت فعاليتها في الميادين البحرية، إضافة لتطور العلوم العسكرية، و مفاهيم الحروب بعد الحرب العالمية الثانية تحديداً، حيث ظهرت الحاجة الي السيطرة علي الجو و البحر قبل الدخول إلي أي أرض أو ميدان قتال، فبدأت العديد من الدول العظمي تعمل على  تطوير السفن الحربية بأنواعها، و مهامها المختلفة، وركزت بشكل رئيسي علي سلاح ”حاملات الطائرات” فزودته بقدرة بقائية أطول في أعالي البحار ومدي عملياتي أوسع وأنظمة حماية شديدة التطور، حتي ظهرت أنواع أخري من حاملات الطائرات تختلف حسب اختلاف التهديدات، و التحديات، و أشكال المهمات العسكرية المنوط بها تنفيذها، و من هذه الأنواع كانت سفن القيادة و الهجوم البرمائي و حاملات المروحيات.

أبدي الجيش المصري قبل 4 أعوام اهتماماً بالغاً بالارتقاء بمستواه القتالي والتقني، بالتزامن مع التطورات العنيفة والسريعة التي يشهدها إقليم الشرق الأوسط خاصًة مع تصاعد كبير لوتيرة الإرهاب المنظم في الإقليم، فأجري الجيش المصري أكبر عملية تحديث في تاريخه ـ كماً و كيفاً، شملت كل أفرع قياداته الميدانية، ومع فتور العلاقات بين القاهرة و واشنطن بعد 30 يونيو، و تجميد الأخيرة تسليم القاهرة 10 مروحيات أباتشي و مقاتلات الـ”اف 16 بلوك 52″، سارعت مصر في تنويع مصادر تسليحها نحو الشرق و الغرب، و كان للبحرية المصرية نصيب الأسد من هذه الصفقات، و أصبحت فرنسا بالتتابع الحلقة الأهم في تزويد مصر بالسلاح النوعي كما و كيفاً، إذ شهدت العاصمتين باريس و القاهرة توقيع عقود تسليح تجاوزت الـ 5 مليار يورو، إلا إن الحلقة الأهم في صفقات الجيش المصري و قواته البحرية، كانت تتمحور في كلمة واحدة “ميسترال”.

3

تعرف سفينة الميسترال باسم ” سفينة الإبرار والقيادة، وتُصنّف كحاملة للمروحيات ” LHD Landing Helicopter Dock ” ودخلت الخدمة لدى البحرية الفرنسية لأول مرة عام 2005 وامتلكت 3 سفن منها.

تبلغ إزاحة السفينة حوالي 21.5 ألف طن، ولديها القدرة على نقل 16 مروحية ثقيلة هجومية ـ ناقلة ( أو 35 مروحية خفيفة ) و70 مركبة قتالية متضمنة 13 دبابة قتال رئيسية ( او 40 دبابة ) بخلاف 450 فرد مشاة بكامل العتاد القتالي و وسائل الإعاشة في العمليات بعيدة المدي، و من 750 لـ 900 فرد مشاة بكامل التجهيزات القتالية أيضاً، في العمليات قصيرة المدي، إضافة إلى 4 مركبات انزال برمائي مُتخصصة تنقل الأفراد والمركبات من السفينة الى الشاطئ والعكس،و وقّعت مصر عقد شراء حاملتي مروحيات من هذا الطراز في أكتوبر 2015.

مثّلت “الميسترال” إضافة نوعية كبيرة للقوات البحرية المصرية، إذ تعد قاطرة النقل التعبوي الاستراتيجي خارج نطاق الحدود الدولية، وعصب الأساطيل المصرية الناشئة، كما أضافت للقدرة العسكرية المصرية مرونة أكثر لتحريك القوات، وتنفيذ العمليات البرمائية (Amphibious Operations) ومهام القيادة والإخلاء الطبي، وتحتوي غرف قيادة الميسترال على نظام المعلومات التكتيكي البحري المتطور ” System for Naval Usage of Tactical Information ” المسؤول عن جمع المعلومات من كل مستشعرات السفينة لإدارة المعارك، وأنظمة الاتصال بالأقمار الصناعية، ما يعطيها مناخاً كافياً لأعمال القيادة المشابهة لمراكز القيادة الأرضية.

لم تكن تبعات دخول “الميسترال” للخدمة في البحرية المصرية مقتصرة في “الكم” فقط، وإنما في “الكيف” كذلك، إذ أضحي تكوين سلاح جوي خاص بالبحرية المصرية أمراً ضرورياً لتحقيق الكفاءة التشغيلية القصوى لهذه القطع البحرية شديدة التطور، ولهذا الصدد وقعت مصر عقود شراء مروحيات الكاموف الروسية ونسختها البحرية للعمل علي ظهر حاملتي الطائرات.

4

الفرقاطة فريم .. أقوي مدمرة بالشرق الأوسط:

5

– تبلغ ازاحتها ( وزنها ) 6000 طن، و يصل طولها الى 142 متر، و سرعتها 50 كم / ساعة، و مداها 11 ألف كم، و عدد أفراد الطاقم 145 فرد، مجهزة إلكترونياً لمهام القيادة والرصد والحرب الإلكترونية ومنها:

ـ نظام SENIT لإدارة المعارك Combat Management System المسؤول عن إدارة كل أنظمة الرصد والقتال في السفينة للتعامل مع كل الأهداف والتهديدات والرد عليها في وقت قياسي.

ـ – نظام Sagem NGDS شديد التطور للدفاع الذاتي ضد مختلف التهديدات سواء الطوربيدات أو الصواريخ المضادة للسفن حيث يُطلق التدابير الوقائية والوسائل الخداعية المضللة للصواريخ، والطوربيدات باستخدام الشراك الخداعية المُضللة للرادار RF Decoy والأشعة تحت الحمراء IR Decoy والليزر Laser Decoy بخلاف الشراك الصوتية النشطة المُضللة والمُغرية للطوربيدات Active Seduction, Confusion, Delusion or Distraction

– 8 صواريخ طراز اكسوسيت الفرنسي الجوال المضاد للسفن من الجيل الثالث MM-40 Exocet Block III مع قدرة ضرب الأهداف البرية الساحلية، ويبلغ مداه 180 – 200 كلم، ويمتلك قدرة هائلة على مقاومة التشويش الإلكتروني ومنظومة ملاحة بالقمر الصناعي GPS وقدرة على تنفيذ المناورات واتخاذ المسارات المغايرة المتعددة لتفادي وسائل الحماية الذاتية على السفن، ويتميز بالطيران شديد الانخفاض اللصيق بالبحر حيث يطير على ارتفاع لا يتجاوز 1 – 2 متر فوق سطح البحر ما يجعل انظمة الرصد تقرأه أحيانا كطوربيد وليس كصاروخ،  تخدم الآن الفرقاطة فريم بالبحرية المصرية بلواء المدمرات تحت اسم “تحيا مصر” بكامل عتادها التسليحي عدا الصواريخ الجوالة ذات المدي 1000 كلم المحظور تصديرها.

الغواصة تايب 209 :

6

واحدة من أفضل الغواصات الهجومية ذات الدفع بمحركات الديزل الكهربية Diesel-Electric Attack Submarine على مستوى العالم من تصميم وإنتاج شركة ” Howaldtswerke-Deutsche Werft HDW ” الألمانية لبناء السفن.

تعاقدت البحرية المصرية على 4 غواصات Type-209 / 1400mod، بقيمة 450 مليون يورو للغواصة، حيث وقع عقد أول غواصتين عام 2011، وثاني غواصتين عام 2014.

تم تدشين أولها يوم 10 ديسمبر 2015، وحملت اسم ” S41 ” والرقم التسلسلي ” 861 “، وخضعت لتجارب الإبحار والتشغيل على مدار عام كامل، إلى أن رفع العلم المصري عليها وسلمت للبحرية المصرية يوم 12 ديسمبر 2016، وهو نفس اليوم الذي تم خلاله تدشين الغواصة الثانية ” S42 “.

الغواصة الاولى S41 ستخضع لتدريبات مكثفة لطاقمها مع البحرية الألمانية في بحر البلطيق، ومن المنتظر أن تعود إلى مصر في ربيع 2017، وفي حين أن الغواصة الثانية ستخضع لتجارب الإبحار والشتغيل، قبل رفع العلم المصري عليها وتسليمها للبحرية المصرية بحلول نهاية 2017، وستعود لمصر في 2018.

الغواصتان الثالثة والرابعة سيتم الانتهاء منهما بحلول عامي 2018، و2019، وسينتهي تسليمهما بحلول 2020، وستحملان التسميات ” S43 ” و ” S44 ”

تُوفّر الغواصة للبحرية المصرية قدرات تنفيذ أعمال الهجوم والقتال ضد السفن والغواصات والأهداف البرية الساحلية التابعة للبحريات المعادية في نطاق الشرق الاوسط، ومرافقة وحماية حاملاتي المروحيات ” جمال عبد الناصر ” و” أنور السادات ” طراز ” ميسترال Mistral “، وكذلك أعمال الاستطلاع والاستخبار الإلكتروني، ومهام نقل وإسناد عناصر الضفادع البشرية لتنفيذ المهام الخاصة. وتأتي هذه القدرات بفضل بصمتها الصوتية الشبحية وامتلاكها أفضل التقنيات المتاحة للرصد والحرب الإلكترونية والقتال، إضافة، إلى الموثوقية الهائلة في التقنيات الألمانية على المستوى العالمي في مجال بناء الغواصات.

كانت تلك أبرز التحديثات التي أجرتها القوات البحرية المصرية، ثالوث التفوق البحري “ميسترال ـ فرقاطة – فريم ـ غواصات تايب 209” شكلوا عصب الاساطيل المصرية الناشئة وأعادوا تغيير تكتيكات المعارك البحرية في العلوم العسكرية المصرية، كذلك غيّروا من تشكيلات القطع البحرية الأخرى الاصغر “كورفيتات ـ لنشات صواريخ ـ لنشات دورية ساحلية، العاملة معهم في مسرح عملياتي متكامل يحقق أولي مبادئ معركة الأسلحة المشتركة، بعد استعراض أبرز محطات التطوير والتحديث للبحرية المصرية، ننطلق للشقّ الثاني الذي دفع بتلك التطورات، وهو موازين القوي في الشرق الأوسط.

تغيير موازين القوي وبروز القرن الإفريقي:

7

مع اختلال موازين القوى في الشرق الأوسط  نتيجة لتحول ما يُسمي بالـ “الربيع العربي” إلي موجات من العنف المنظم وخلقه بيئات من التمرد المسلح، عملت إلى تحجيم دور الدولة المركزية وبروز اللاعبين من غير الدول None State Actors  كالتنظيمات الإرهابية كقوى فاعلة، ومع حذف السوري، والعراقي من أية مواجهات قادمة مع “إسرائيل”، أولت القيادة العسكرية المصرية اهتماماً لتدعيم ركائزها العسكرية لمواجهة تداعيات تغيير موازين القوي وتقليل الفارق الكمي والكيفي بينها وبين “اسرائيل”، ومن جهة أخري لمواجهة التهديدات المحتملة نتيجة للفراغ الحاصل بمناطق عدة في الإقليم وتصاعد وتيرة الإرهاب المنظم وتنامي خطه الاستراتيجي.

وكمحصلة للأوضاع الداخلية المصرية الحرجة طيلة 5 أعوام والتعثر الاقتصادي الحاصل، وجمود التمثيل المصري في مواضع وغيابه في مواضع أخري من مناطق الصراعات بالشرق الأوسط، غابت مصر عن مناطق نفوذها نظراً للتكلفة العالية لخطط وجودها في طاحون حروب العصابات المنظمة علي أطراف مجالها الحيوي بالتزامن مع عدم اكتمال أعمدة قوتها الشاملة، إذ يتضح للمراقب تحييد مصر لبعض المعارك العسكرية التي فُرضت عليها وتفضيلها تنفيذ خطط نظرية الحدود الآمنة عوضاً عن ذلك، فاعتمدت علي شنّ العمليات العسكرية الاستباقية الوقائية ضد التنظيمات المسلحة المتاخمة لجغرافيتها كما برز خلال ضرباتها الجوية بالأراضي الليبية، وتدعيم دور الجيش الوطني الليبي هناك كحائط صد تجاه المد الإرهابي بالساحل والوسط الليبي.

القرن الإفريقي.. وبوابه البحر الأحمر الجنوبية:

تعد منطقة القرن الإفريقي من المناطق الاستراتيجية والحيوية في العالم لعدة اعتبارات جيوستراتيجية، إذ تشكل جغرافية القرن الإفريقي مضيقاً بحرياً مع السواحل اليمنية “باب المندب”، ليشكل البوابة الجنوبية للبحر الاحمر وقناة السويس، شريان التجارة العالمية، والتي يمر من خلاله نفط أوروبا بواقع مليون و ثلاثة آلاف برميل يومياً، وتشهد بلدن القرن الإفريقي صراعات سياسية عميقة منذ ما يقرب لقرن ونصف، وقد لعب موقع القرن الإفريقي الاستراتيجي دورًا في عملية تقسيم القوى الإمبريالية للقارة الإفريقية بعد مؤتمر برلين 1885، فبريطانيا فرضت حمايتها على شمال الصومال لأن بربرة كانت تزوِّد عدن باللحوم والأطعمة، وتقع على مدخل خليج عدن الجنوبي، كما سارعت لتأمين وضع يدها في كينيا لإبعاد فرنسا عن منابع النيل ومصالح بريطانيا في السودان ومصر، وحين تسلَّلت فرنسا واحتلت جيبوتي ووجدت لنفسها منفذًا على البحر الأحمر، بادرت بريطانيا وأوعزت لإيطاليا باحتلال إريتريا لقطع الطريق أمام تمدد فرنسا.

كما شهدت المنطقة تنافسًا بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي في حقبة الحرب الباردة، وأسهمت القوتان العظميان في سباق تسلح لكل من الصومال وإثيوبيا، وحظي الاتحاد السوفيتي بقاعدة عسكرية على ميناء بربرة، ثم طُرد منه ليستلمه الأمريكان بعد ذلك.

وفي فترة التسعينات، جرت تغييرات كبرى في القرن الإفريقي؛ فقد أصبح للسودان نظام إسلامي بعد ثورة 1989، وسقطت حكومة مينغستو وأصبحت إثيوبيا دولة غير ساحلية بعد استقلال إريتريا، وظهرت جمهورية صومالي لاند التي أعلنت انفصالًا أحادي الجانب ولم تنل اعتراف من أى منظمة أو حكومة حتى الآن، وسقط باقي الصومال في الفوضى والحرب الأهلية، وكان لهذه التغييرات الكبرى تأثيرها في إذكاء المطامع الإقليمية والدولية. ومع طول فترة الصراعات الداخلية في دول القرن الإفريقي، أو سيطرة حكومات تتسم بالهشاشة على مقاليد الحكم، تصاعدت ظاهرة استثمار الموانئ والسواحل فيها، فقد سمحت أطراف صومالية لجهات أجنبية بأن تحوِّل سواحل الجنوب الصومالي إلى مكب للنفايات، وعانى الصيادون من الاعتداء المتكرر عليهم من قبل سفن الصيد غير الشرعية، وبرزت مشكلة القرصنة التي تسببت بأزمة عالمية، ومنحت القوى العالمية ذريعة لعسكرة البحر الأحمر ومداخله الجنوبية في القرن الإفريقي، بدعوى حماية الملاحة البحرية الدولية من القرصنة، وخروجها فعليًّا من أيدي الدول العربية المشاطئة له. فأصبح القرن الافريقي ساحة مفتوحة للقواعد الأجنبية، تتنافس دوله المطلة علي الساحل في إقامة شراكات استراتيجية مع القوي الإقليمية والدولية لإقامة منصات عسكرية و موانئ و مطارات تهدف جميعها لمراقبة حركة المرور والتجارة وبسط السيطرة علي المحيط الهندي وتجاذباته وصولاً لمناطق الاختناقات المرورية بمدخل البحر الاحمر، يأتي هذا في ظل اتساع دائرة التمرد في القرن الافريقي و انتقال الصراعات من ضفتي مضيق هرمز لمضيق باب المندب وسط حالة حرجة يعيشها الشرق الأوسط أفضت لاشتعال الحرب في اليمن.

(جيبوتي ـ إريتريا ـ الصومال) المثلث الحاكم للقرن الإفريقي، ونافذة القوي الإقليمية نحو التواجد و مزاحمة احداها الأخرى، تضم جيبوتي قواعد عسكرية للولايات المتحدة و فرنسا و السعودية والصين واليابان، فيما تضم إريتريا قواعد للإمارات المتحدة و إيران و إسرائيل، فيما تحل الصومال بقواعد عسكرية لتركيا والامارات المتحدة حسب المعلن حتي كتابة هذه السطور.

و بالنظر إلي التشريح العضوي السالف، يتضح أن منطقة القرن الإفريقي وسواحله ضمت أشرس خصوم مصر في الإقليم، يذهبوا في محصلة تفاعلاتهم بنتيجة ثقيلة تمس صميم أدبيات الأمن القومي المصري، ونظراً لغياب بناء القواعد خارج الحدود عن العقيدة العسكرية المصرية، وتوتر الأوضاع مع دولة محورية في القرن الإفريقي كأثيوبيا فإن أي خطوة مصرية نحو التمركز بالقرب من جغرافية إثيوبيا سيكون باهظ التكلفة في وقت يسعي فيه صانع القرار المصري لإيجاد مخرج سياسي لأزمة مياه النيل، إضافة إلى انتقال الصراع من مضيق هرمز إلي باب المندب، دفع ذلك التسلسل إلي بروز اتجاه استراتيجي لدي القيادة العسكرية المصرية نحو إنشاء اسطول جنوبي، يتولى الوقوف أمام محصلة التفاعلات المركبة المندفعة من القرن الافريقي وبسط السيطرة علي مياه البحر الأحمر و منابع الطاقة فيه، فما القوام التسليحي للأسطول الجنوبي المصري؟

القوام التسليحي للأسطول الجنوبي:

في افتتاح مقر قيادة الاسطول الجنوبي يوم الخميس الموافق 5 يناير، أعلن اللواء بحري أركان حرب مقاتل جمال محمد إبراهيم قائد الأسطول وحدات الأسطول الفاعلة:

لواء أول لنشات تحت قياد عميد بحري أ.ح مقاتل مصطفي محمود عويضه

لواء ثاني مدمرات تحت قيادة عميد بحري أ.ح مقاتل أسامة صالح محمد

لواء ثاني مرور ساحلي تحت قيادة عميد بحري أ.ح مقاتل محمد فاروق سماحي

فضلاً عن لواء الوحدات الخاصة للبحرية المصرية بعتادها التسليحي الكامل، و يتمثل عصب قوام الاسطول الجنوبي في حاملة المروحيات “جمال عبدالناصر” إذ أن وجودها شكل تغيير حاد في تكتيكات معارك البحرية المصرية تنظيماً وتخطيطاً، فأية حاملة طائرات بالعالم تفتقر للحماية الشاملة جواً وبحراً و تستلزم الحاجة استقدام بعض القطع البحرية لمرافقتها في عرض البحر، من هذه القطع المدمرات و الغواصات و لانشات الصواريخ الشبحية واسراب المقاتلات التي تعمل في بيئة شديدة العدائية خارج نطاق الدفاعات الجوية المصرية كمقاتلات الرافال.

فكيف ستوفر الحماية الشاملة للميسترال في عرض البحار؟

يعتقد البعض أن قدوم الميسترال للبحرية المصرية سيكون نهاية المطاف، لكن الحقيقة الميسترال ستكون حجر الأساس وبداية النقلة النوعية للبحرية المصرية لمستوى مختلف تماما من تكتيكات ومفاهيم العمليات البحرية، نحن الآن بصدد الحديث عن مفهوم قوتين للمهام البحرية Task Force تتكونان من حاملتي الميسترال والقطع المرافقة لهما، ضمن اسطولين بحريين في البحر المتوسط والبحر الأحمر، وبناء عليه، يمكن أن نضع تصورا مُقاربا للواقع، للشكل المُستقبلي للمجموعة القتالية المُرافقة للميسترال

1-  مدمرة دفاع جوي ( مدمرة لكل حاملة )، وهي أساس قوة الحماية والدفاع عن الميسترال، لقدرات الرصد والحرب الإلكترونية المُوسّعة والحمولة الكبيرة من صواريخ الدفاع الجوي بعيدة ومتوسطة المدى.

2 – فرقاطات متعددة مهام ( فرقاطة دفاع جوي + فرقاطة مكافحة غواصات لكل حاملة )، لضمان وجود قدرات كشف متعددة لأكثر من رادار، وتخفيف الضغط عن رادار المدمرة، لتكوين مظلة إنذار مبكر متكاملة بعيدة المدى حول المجموعة القتالية، بجانب دعم قدرات الحرب الإلكترونية للإنذار المبكر والحماية الذاتية من كل التهديدات الجوية والبحرية.

3 – غواصتين لتوفير أقصى قدرة لمكافحة الغواصات المُعادية، وتوفير قوة نيرانية إضافية ضد سفن السطح المعادية بواسطة الصواريخ المضادة للسفن والمُطلقة من الاعماق .

4-  سفينة دعم لوجيستي بالوقود والمؤن .

5-  كورفيتات متعددة المهام ( كورفيتين لكل حاملة ) ، حال وجود مهمة مُطولة أو بعيدة المدى تتطلب عددا أكبر من سفن الإمداد وسفن القتال.

ما يتضح من ضم لواء أول لنشات، و لواء ثاني مدمرات و لواء ثاني مرور ساحلي تحت إمرة قيادة الأسطول الجنوبي كما تم الإعلان.

تداعيات إنشاء الأسطول تنظيمياً وتخطيطياً:

استحداث أفرع قيادية جديدة

فرض دخول “الميسترال” لسلاح البحرية المصرية، تشكيل جناح جوي مخصص لدعم الأسطولين البحريي، بمعنى آخر تشكيل قوة طيران مستقلة للبحرية،  بأن الصفقة المُقبلة للرافال ستخصص (حال التعاقد على 12 مقاتلة ) أو تخصيص جزء منها لدعم القوات البحرية (حال التعاقد على 24 مقاتلة تُخصص 12 منها للبحرية )، لأن الرافال هي المقاتلة الوحيدة التي يُمكنها العمل بشكل مستقل في بيئة عدائية كاملة خارج نطاق تغطية الدفاعات الجوية الصديقة، وبالتالي سيمكنها توفير الغطاء الكامل للقوات البحرية في اعالي البحار والتعامل مع كافة العدائيات البحرية وتشكيل تهديد وردع حقيقيين لها، ويُمكن دعم الرافال حال الحاجة بعدد من الـ”اف-“16 المُسلحة بصواريخ الهاربون المضادة للسفن أو الميج – 35 التي ستأتي بحزمة مُتنوعة من الصواريخ المضادة للسفن كالـKh-35 والـKh-59 والـKlub-A، مع التأكيد أن الرافال هي الأساس وأي أنواع أخرى من المقاتلات ستعمل تحت غطائها.

وإضافة إلى ما سبق، تظهر قوة المروحيات البحرية الهجومية التي لن تقل عن 30 مروحية Ka-52K هجومية

ومعها قوة المروحيات المضادة للغواصات والمروحيات الناقلة، أي اننا نتحدث عن قوة جوية كاملة ستكون مخصصة لدعم البحرية، وبالتالي ستكون تابعة مباشرة لقيادة القوات البحرية وتحت كامل تصرفها.

8

وبذلك الميسترال تُمثّل للبحرية المصرية نقطة تحول هائلة في العقيدة القتالية والتكتيكات البحرية مُستقبلا، و تعطي احتمالات تكوين قوة مشاة البحرية حظوظاً كبيرة، للظهور كفرع من أفرع قيادات القوات المسلحة.

بالنظر لقدرات الميسترال، فإنها تعد أداة لتنفيذ مهام تأمين المصالح الاقتصادية كحقول الغاز في البحرين المتوسط والأحمر، بالاشتراك مع السفن الحربية من مجموعة المهام والحماية المرافقة لها، فالأمر سيكون مُتمثلا في إطلاق المروحيات القتالية البحرية ومروحيات مكافحة الغواصات لضرب كل العدائيات البحرية كسفن السطح ( بواسطة مروحيات Ka-52 المسلحة بالصواريخ المضادة للسفن ) أو الغواصات ( بواسطة مروحيات NH-90 المضادة للغواصات ) ومواجهة أي محاولات قرصنة أو اعتداء على حصة مصر من الغاز الطبيعي، بل سيصل الأمر إلى حد تحقيق الردع البحري كاملا ضد أية اطماع أو تحرّشات بحرية إسرائيلية أو تركية مُحتملة مُستقبلا، خاصة مع تزايد الصراع على حقول الغاز في هذه المنطقة . و لعل إطلاق اسم الزعيم “جمال عبدالناصر” علي اول سفينة ميسترال تتسلمها مصر اليوم إشارة لتغيير مهام البحرية المصرية نحو نقلة تكتيكية و استراتيجية كبيرة، تأخذ علي عاتقها الردع، و توجيه الإجراءات الاستباقية حيال التهديدات.

مهام الأسطول الجنوبي؟

وجود الأسطول الجنوبي ومسرح عملياته بالبحر الأحمر يعني أن مهامه القتالية ستندرج نحو تأمين المصالح الاقتصادية و منابع الطاقة في البحر وحماية حركة الملاحة، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن بصفتها المسؤول الاول اتجاه أمن المضائق البحرية في العالم كما تقتضي استراتيجيتها العسكرية ـ فوجود أسطول بحري لمصر يعمل بالبحر الاحمر أمراً قد يعزز الشراكة مع واشنطن والغرب نظراً لتكلفة التأمين العالية لديهم واتساع رقعة التمرد بالقرن الافريقي، و تدعيم القدرة العسكرية للقوات المسلحة المصرية بتوسيع مداها العملياتي، و الوقوف أمام محصلة التفاعلات المركبة المندفعة من الجغرافية السياسية والعسكرية للقرن الإفريقي، وعليه فإن خطوة إنشاء الأسطول الجنوبي تعني “الردع” بكل ما تحمل الكلمة من معني، لكنها تبقي بعيدة عن تعزيز النفوذ المصري في الجغرافية المليئة بنقاط تماس دوائر توازن القوي. بيد أن استراتيجية الردع المصري القائمة علي التواجد امام منصة التفاعلات المركبة “القرن الافريقي” تبدوا حذرة وناقصة دون تحقيق مبدأ ” النفوذ ” من خلال الموضع علي الأرض بجغرافيا القرن الافريقي من خلال نقاط الارتكاز، التي تعمل كرأس جسر ومنها تؤمن المضايق ومزاحمة قوي الإقليم، و إن استعصي تحقيق النفوذ بإقامة القواعد العسكرية خارج الحدود، وإن كانت تكلفتها السياسية باهظة، فالتنسيق ضروري مع الامارات المتحدة التي تتمركز بقواعد عسكرية في اريتريا والصومال لتحقيق الكفاءة التشغيلية القصوى من الأسطول الجنوبي دون الدخول في معترك التواجد المصري بجغرافيا القرن الافريقي، ويبدو أن الإمارات تتبني نهجا يقوم على قاعدة أوسع في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، ومنطقة المحيط الهندي، وكانت أبو ظبي منذ فترة طويلة متبرعا سخيا ومستثمرا رئيسيا في دول المحيط الهندي مثل جزر سيشل وموريشيوس ومدغشقر وجزر القمر، و تهتم دولة الإمارات بشرق أفريقيا أيضا، مع الأخذ في الاعتبار أنشطة الغاز الطبيعي، والموانئ، والأمن الغذائي، و يهدف دعم تطوير سياسة المحيط الهندي وشرق أفريقيا الأوسع إلى توثيق علاقات التعاون الأمني مع مجموعة دول القرن الأفريقي، التي تهدف إلى الحد من نمو التنظيمات المتطرفة في المنطقة.

الصومال هي مثال على ذلك. في أوائل شهر مايو عام 2015، سعت دولة الإمارات لتطوير شراكة مع الصومال لمكافحة الإرهاب، و فتح مركز التدريب بتمويل من الإمارات مقرا جديدا في مقديشو لتدريب العديد من وحدات القوات الصومالية، في أواخر شهر مايو عام 2015، زودت الإمارات إدارة جوبا المؤقتة في كيسمايو بمجموعة من المركبات. وتلا ذلك في يونيو شحنة أخرى ثم شحنة ثالثة من ناقلات الجند المدرعة والشاحنات الناقلة للمياه، والدراجات النارية للشرطة، و في أكتوبر 2015، تعهدت دولة الإمارات بدفع رواتب قوات الأمن الحكومية الاتحادية الصومالية على لمدة أربع سنوات.

و في مايو 2016، فازت موانئ دبي العالمية بعقد مدته 30 عاما لإدارة ميناء بربرة وتوسيعه ليصبح مركزا إقليميا للخدمات اللوجستية، ولكسر احتكار جيبوتي الظاهري لحركة سفن الشحن عبر محطة حاويات من خلال التنمية المشتركة من قبل الصومال وإثيوبيا واعتبار ممر بربرة طريقا لوجستيا بديلا، وقيل إن دولة الإمارات أيضا تسعى إلى الوصول إلى ميناء بربرة كمهبط للطائرات لدعم عملياتها في اليمن، ويمكن أن توفر الصومال ذلك مقابل حزمة المساعدات المالية و التدريب العسكري.

يأتي ذلك في ظل تزايد مناطق النفوذ والصراعات في الشواطئ المتقابلة على البحر الأحمر، وتدخل العديد من القوى الدولية للحفاظ على مناطق نفوذها، وإنشاء قواعد عسكرية ومناطق ارتكاز باتت ضرورية للعديد من الأطراف المتشاطئة مع سواحل البحر الأحمر أو المرتبطة بمناطق النفوذ في المنطقة.

ولا شك في أن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى محافظة البحر الأحمر، والمناورات البحرية، التي جرت خلال زيارته، صبت جميعها في سياق الإدراك المصري لخطورة الأوضاع في البحر الأحمر؛ حيث تحولت المنطقة إلى ساحة للتنافس الدولي، ما ترى فيه مصر تهديدا مباشرا لأمنها القومي، إذ إن تلك المنطقة تشكل البوابة الجنوبية لقناة السويس، ومن يتحكم بها، يتحكم ولا شك بحركة الملاحة في القناة.

وفر الأسطول الجنوبي المصري أولي خطوات الردع تجاه محصلة الغياب المصري عن مناطق الصراعات المتاخمة لمجاله الحيوي، وتبعات نقل الصراع من مضيق هرمز لباب المندب، وبات لاعبًا ثقيلاً بالبحر الأحمر، وغني عن البيان أن استمرار الحرب اليمنية، والتنافس السعودي-الإيراني، على مناطق النفوذ في البحر الأحمر يضاعف من حجم التحديات بين البلدين في المنطقة، ويؤكد أهمية السعي المصري لإنشاء قيادة الأسطول الجنوبي في البحر الأحمر، وهو اهتمام بدا واضحا في المناورات العسكرية التي سبق أن أجرتها مصر مع الجيش الروسي هناك.

لقد باتت الأوضاع في البحر الأحمر، وعلى ضوء التحديات التي تواجهها المنطقة تحتاج إلى بلورة رؤية استراتيجية مصرية محددة للتعاطي مع كل التطورات في المنطقة. ويبدو أن مصر أدركت في الآونة الأخيرة خطورة هذه التحديات على أمنها القومي، فجاء قرار تدشين قيادة الأسطول الجنوبي، كخطوة على الطريق، بدأت بالردع، وكي تتحقق السيادة والسيطرة يجب ان ترتكز لشقي الردع و النفوذ، لا كل علي حده،  لحفظ الأمن القومي المصري وتحييد الأخطار المحدقة به بصورة متضافرة و تكاملية بأقل تكلفة ممكنة.


 

إغلاق