بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثية

لماذا لا يفكر المصريون بشكل اقتصادي؟

الوسوم

لم تتطرق أي من الدراسات الاقتصادية الحديثة للأسباب الرئيسية وراء التدهور الاقتصادي التي تعاني منه مصر الآن، حيث تركز أغلب هذه الدراسات– إن لم تكن كلها-على المشكلات الاقتصادية القائمة بالفعل مثل البطالة، والتضخم دون التعرض لمشكلة الأفكار ذاتها أو بالأحرى كيف يرى المصريون الاقتصاد، وللأسف الشديد يغيب عن المصريين فكرة هامة، وهي، أن أوضاعنا الاقتصادية الحالية هي نتاج أفكارنا وسياساتنا الاقتصادية في الماضي، ومن ثم إذا أردنا أن نُغير الوضع الاقتصادي القائم وأن نسير بخطوات سريعة نحو تحقيق عملية التنمية الاقتصادية فعلينا أن نُغير أفكارنا وسياساتنا الاقتصادية سواء من جانب الحكومة أو الاقتصاديين أو العامة، لأن الإبقاء على نفس الأفكار تجعلنا ندور في حلقة مفرغة.

ويوجد العديد من الشواهد والظواهر التي تؤكد أن نظرة وأفكار المصريين عن الاقتصاد لا زالت مغلوطة وناقصة، فالعامة على سبيل المثال قد تكون لديهم الرغبة في سماع الفكرة التي تعمل بها السيارة “فيزياء”، وفي نفس الوقت ليس لديهم الرغبة في سماع حديث عن الموازنة العامة“اقتصاد”، لذلك تتناول هذه الورقة إشكالية الاقتصاديين في نظرتهم وحلولهم للمشكلات الاقتصادية، إضافة إلى مجموعة من الأفكار الخاطئة عن الاقتصاد لدى العامة، وأسباب هذه الأفكار.

 

إشكالية نظرة الاقتصاديين للمشكلات الاقتصادية

لا تقتصر النظرة الخاطئة والأفكار المغلوطة عن الاقتصاد على غير المتخصصين فقط بل تمتد لتشمل الاقتصاديين أنفسهم، وتوضح النقاط التالية بعض مواطن الضعف لدى الاقتصاديين:

غالبا تقدم مقترحات غير كاملة للمشكلات الاقتصادية؛ ويلقى الاقتصاديون اللوم على الحكومة بأنها تتجاهل كل المقترحات والحلول التي يقدمونها للمشكلات الاقتصادية القائمة، وإن كان هناك قصور من الحكومات المتعاقبة بتجاهل حديث الاقتصاديين فهناك قصور أكبر لدى الاقتصاديين بتقديم مقترحات غير كاملة وغير دقيقة للمشكلات الاقتصادية، فعلى سبيل المثال عند الحديث عن مشكلة التضخم يقول أغلب الاقتصاديون، أنه ينبغي على الحكومة أن تضبط الأسواق والأسعار وتعزز المنافسة كي تحارب مشكلة التضخم، ودائماً ما يكتفي الاقتصاديون بقول الجملة السابقة ويتجاهلوا تماماً الإجابة على مجموعة من الأسئلة التي تُثار في ذهن صانع القرار وغير المتخصصين أيضاً مثل،من هي الجهة الحكومية تحديداً المنوط لها تنفيذ هذا المقترح؟وكم سينخفض معدل التضخم عند اتباع هذه السياسات؟ وما حدود التدخل الحكومي هنا في الأسواق، وهل هذا التدخل يؤدي لمزاحمة القطاع الخاص؟ وغيرها من الأسئلة الحرجة.

ولا شك أنه يمكن وصف مقترحات الاقتصاديين في أفضل حال أنها صعبة التطبيق أو غير دقيقة، علاوة على غلبة الأيديولوجية؛ فكثيراً ما تظهر غلبة الأيديولوجية على تفكير الاقتصاديين، حيث تجد دائماً الاقتصاديين المتبنين الفكر الإشتراكي تنصب كل حلولهم للمشكلات الاقتصادية المعاصرة على ضرورة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وكذلك تنصب أغلب حلول الاقتصاديين المتبنين الفكر الرأسمالي على زيادة دور القطاع الخاص في العملية الإنتاجية، وغالباً ما يتجاهل الفريقين المصلحة العامة متناسين دائماً فكرة أنه يمكن قبول حل اشتراكي في مشكلة ما في وقت محدد ورفضه في مشكلة أخرى أو في وقت مختلف،ونفس الشيء بالنسبة للحلول التي يغلب عليها الطابع الرأسمالي، فعلى سبيل المثال الولايات المتحدة الأمريكية وهي أكثر الدول اتباعاً للنظام الرأسمالي يوجد بها نظام للتأمين الصحي”فكرة اشتراكية”.

أضف لذلك غياب الدراسات المستقبلية؛ إذ يركز أغلب الاقتصاديين في مصر في كتاباتهم على وصف المشكلات الاقتصادية القائمة وتحليلها، دون التركيز على أثر هذه المشكلة على المجتمع والاقتصاد القومي في المستقبل، وما السياسات التي يجب أن تتبع الآن لحماية الأجيال القادمة من هذه المشكلة، ثم يعقد بعض الاقتصاديين مقارنات على أسس غير سليمة؛ يحاول أغلب الاقتصاديين إثبات صحة وجهة نظرهم عن طريق إعطاء أمثلة ببعض الدول طبقت سياسة معينة، بالطبع ليست الإشكالية في معرفة تجارب الآخرين كي تتم الاستفادة منها، بل تتمثل الإشكالية الرئيسية هنا في عدم الأخذ في الاعتبار طبيعة الدولة واقتصادها وطبيعة الشعب نفسه الذي تؤخذ من أجله سياسة معينة، فعلى سبيل المثال عند وضع الدستور المصري عام 2012 كانت هناك مادة خاصة بربط الأجر بالإنتاج وهو مبدأ سليم من الناحية الاقتصادية، لكن كانت هناك اعتراضات من البعض على هذه المادة وأنه يجب ربط الأجور بالأسعار وأن هذا يحدث في البرازيل، وتتمثل المشكلة هنا في المطالبة بتطبيق سياسة معينة تتناقض مع الأساس العلمي الذي اتبع في دولة ما دون النظر إلى ظروف تطبيق هذه السياسة في البرازيل، وأن ما طبق في البرازيل دون باقي دول العالم ليس بالضرورة أن يصلح لمصر.

الفشل في تشميل الوعي الاقتصادي لدى المواطن؛ حيث يغيب عن الاقتصاديين دائما فكرة أنه دون الوعي السليملدى المواطن لن يعمل الاقتصاد بالشكل الجيد، حيث ينهض الاقتصاد عندما تتواجد الثقة في المؤسسات الاقتصادية المنوط لها المشاركة في عملية التنمية، ففي مصر يمكن أن تؤدي البورصة والبنوك على سبيل المثال دور أكبر ولكن يعتقد بعض الناس أن الاستثمار في البورصة يعد مقامرة، كما يعتقد البعض أن تمويل البنوك (القروض) له آثار سلبية، وتكمن الإشكالية الرئيسية هنا في عدم تبسيط الاقتصاديين الأمور الاقتصادية للمواطنين البسطاء حتى يتفهموا بصورة أفضل طبيعة النشاط الاقتصادي، بل على العكس من ذلك يميل أغلب الاقتصاديين إلى استخدام المصطلحات المُعقدة، وأخيرا عدم إدراك طبيعة المصريين في طرح الحلول؛ عند طرح الاقتصاديون حلول لمشكلة اقتصادية معينة، فأنهم غالباً ما يغفلوا طبيعة الشعب المصري والفساد والبيروقراطية، فقد يكون الحلول المقدمة من جانب الاقتصاديين جيدة في دولة أو مكان آخر، لكن لا يمكن تطبيقها في مصر، فمثلاً عند الحديث عن مشكلة القمامة نجد بعض المتخصصين يتحدثون عن أن السبب الرئيسي للمشكلة هو ثقافة الشعب المصري، وبالتالي فيكمن حل المشكلة من وجهة نظره في تغيير ثقافة الشعب، والحقيقة أن مثل هذه الحلول قد تكون مفيدة في دولة متقدمة يمكن للمواطن فيها تغيير سلوكه بسهولة، ولكن قد يكون هذا الحل صعباً عند التعامل مع الشعب المصري.

 

كيف ينظر المواطن إلى القضايا الاقتصادية؟

يبدوا أن القضايا الاقتصادية المتتالية التي يتعرض لها المواطنون جعلت هناك نوع من الوعى الاقتصادي إلا أن هناك كم من الأفكار الخاطئة لدى العامة قد تسهم بشكل أو أخر في سوء الأحوال الاقتصادية.

  • كلمة “اقتصادي” تعني بخيل:

عندما تطلق كلمة اقتصادي على شخص ما داخل مصر فيُقصد بها أنه شخص بخيل، ويأتي ذلك نتيجة تصور أغلب الناس بما فيهم جزء غير قليل من الاقتصاديين أن الشخص الاقتصادي عليه أن يوفر قدر الإمكان، وهذا تصور خاطئ حيث يجب أن يُطلق على الشخص لقب اقتصادي عندما يُنفق ما قرر إنفاقه فعلاً ليس أقل من ذلك أو أعلى من ذلك، وأن ينفق هذه الأموال في محلها.

  • العملات المعدنية تعبر عن التدهور الاقتصادي:

يعتقد أغلب المصريين أن التحول إلى العملة المعدنية له دلالة واضحة على تدهور الوضع الاقتصادي، ما أدي في بداية تطبيق فكرة التحول إلى الجنيه المعدنيإلى رفض قطاع عريض من المجتمع التعامل به، بينما الحقيقة هي أن شكل العملة سواء ورقي أو معدني ليس له علاقة بالوضع الاقتصادي، والدليل عودة الجنيه الورقي مرة أخرى عام 2016في ظل وضع اقتصادي متدهور.

 

  • تخزين السلع خوفا من ارتفاع أسعارها:

يخشى قطاع عريض من المصريين عند ارتفاع سعر سلعة معينة من ارتفاع سعرها مرة أخرى لذلك يعيدون شراء هذه السلعة مرة أخرى وتخزينها، وتكمن الإشكالية الرئيسية هنا في أن السلوك الخاطئ للناس يؤدي لزيادة الطلب على السلعة ذاتهاما يؤدي لارتفاع سعرها مُجدداً وتفاقم المشكلة وليس حلها.

  • الاستثمار في البورصة نوع من المقامرة:

يتصور الكثير من المصريين أن الاستثمار في البورصة يعد نوعاً من المقامرة، ما يُعرقل البورصة وأسواق المال عن أداءدورها الرئيسي الذي يتمثل في نقل الأموال من وحدات الفائض المالي إلى وحدات العجز المالي التي تحتاج إلى سيولة كي تستطيع زيادة حجم وعدد مشروعاتها.

  • القطاع الخاص هو كبار رجال الأعمال:

عند الحديث عن القطاع الخاص في مصر تحضر صورة ذهنية سيئة لدى المصريين، حيث يتبادر لدى الكثيرين أن القطاع الخاص يتمثل في كبار رجال الأعمال الذين يسرقون وينهبون أموال الشعب، على الرغم من أن المشروعات المتوسطة والصغيرة في الناتج المحلي الإجمالي تمثل ما يقرب من90% من إجمالي مشروعات القطاع الصناعي في مصر، ويعمل بها نحو ثلثي القوة العاملة، وتسهم بنسبة 40% من إجمالي الناتج القومي، وأن القطاع الخاص يساهم بما نسبته66% في الناتج المحلي الإجمالي وفقاً لإحصائيات عام 2015.

  • الخصخصة نظام يساعد على السرقة:

يرى المصريون أن الخصخصة نظام اقتصادي فاشل وطبق في مصر لسرقة المال العام، على الرغم من أن نظام الخصخصة يُعد ناجحاً في كل دول العالم، وما يغيب عن المصريين هنا أن المشكلة ليست في نظام الخصخصة بل في الكيفية التي طبق بها هذا النظام بها، حيث تقوم الخصخصة على فكرة منطقية وهي أن القطاع الخاص يستطيع إدارة الموارد بشكل أكثر كفاءة من الدولة.

  • الحكومة هي المشكلة والحل:

يرى المصريون أن الحكومة هي المسئولة عن كل المشكلات الاقتصادية أو غيرها؛ ويرجع ذلك إلى فساد المسئولين داخل مؤسسات الدولة وسوء إدارتهم للموارد، وفي نفس الوقت كثيراً ما يُطالب الناس الحكومة بالتدخل في النشاط الاقتصادي والعملية الإنتاجية بشكل صريح كي تضبط حركة السوق، والمشكلة هنا أن الناس مقتنعين أن الدولة مدير فاشل وفي نفس الوقت يطالبون الحكومة بمزيد من التدخل في النشاط الاقتصادي، والأفضل أن يطلب الجميع دور محدود للدولة في النشاط الاقتصادي يتمثل في وضع القوانين الملائمة لضبط الأسواق وجذب الاستثمارات دون تدخل الدولة في أي عملية إنتاجية باستثناء إنتاج السلع الاستراتيجية.

 

وتتعدد الأسباب التي تقف خلف التفكير الاقتصادي الخاطيء لدى المصريين؛ فيمكن إرجاع النظرة الخاطئة للاقتصاد عند المصريين للعديد من الأسباب؛ اعتقاد المصريين أن التقدم يأتي من خلال امتلاك رأس المال، فإنشاء مصنع أو بنكبالنسبة للمصريين هي قضيتهم الاقتصادية الأولى، فالمصريين يغفلوا أن بناء دولة متطورة تتطلب تشييد الإنسان وتغيير سلوكه كي يستطيع تكوين رأس المال وحل المشكلات المعاصرة، فمثلاً ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945تم تدميرهما بشكل شبه كامل ولكن هذه الدول استطاعت أن تكون من القوة الاقتصادية الكبرى في العالم خلال أقل من نصف قرن، وذلك لأنهم يمتلكون العنصر البشري الذي يملك الوعي الاقتصادي، على عكس مصر التي كانت تملك بنية تحتية واقتصاداً قوياً في نفس الفترة ولكنها لم تهتم بتشكيل الوعي الاقتصادي لدى المواطن، ونتيجة ذلك لم تستطع مصر تحقيق أي إنجاز اقتصادي يُذكر، كما أننظام التعليم في مصر لا يُرسخ قواعد الإنتاج والعمل مخرجات التعليم، ولا يهتم بتنمية أفكارهم ، ومن ثم يقوم أغلب الطلاب بعد تخرجهم من الجامعة بالحث عن وظيفة تقليدية لضمان مرتب ثابت دون البحث عن عمل شيء غير تقليدي يمكن أن يحقق طفرة اقتصادية على أرض الواقع، علاوة علىقبول المناهج الاقتصادية؛ اشتراكية كانت أو رأسمالية كما هي دون أي محاولة لعمل منهج اقتصادي يُناسب الواقع الذي نعيشه والمشكلات التي تواجهنا.

وإجمالا يمكن القول أن الوعي الاقتصادي قد ينعكس على تشكيل ملامح جديدة للاقتصاد المصري قوامه الإنتاج وترشيد الاستهلاك، من خلال رفع الوعى العام بالقضايا الاقتصادية وإنشاء ورش عمل داخل المدارس والجامعات خاصة بالاقتصاد والأعمال حتى نُنشيء جيلاً لديه ثقافة اقتصادية، إضف لذلك التركيز على الدراسات المستقبلية باعتبارها الأمل الوحيد لفهم المستقبل بناءً على متغيرات الواقع.

 

 

إغلاق