نزاع "النقابات المهنيةوالدولة".. دروس مستفادة وسبل الاحتواء - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
نزاع “النقابات المهنيةوالدولة”.. دروس مستفادة وسبل الاحتواء

نزاع “النقابات المهنيةوالدولة”.. دروس مستفادة وسبل الاحتواء




مقدمة:

يوجد في مصر حوالي 27 نقابة مهنية، تحتوي على الملايين من أبناء المهن المختلفة، وأنشأت  هذه النقابات خلال عهود مختلفة سابقة.

وشهدت مصر خلال فترة الرئيس عبد الفتاح السيسي، نشوب بعض الخلافات بين النقابات المهنية، والحكومة، ونظرا لما تمثله هذه الخلافات من أهمية، وانعكاسات تمس الاستقرار السياسي والاجتماعي في مصر، نتناول بالتحليل في هذه الورقة أبرز الدروس المستفادة من الحراك النقابي خلال هذه الفترة، بهدف استخراج بعض التوصيات التي من شأنها تقليل حدة هذه الخلافات، وتحسين أحوال أعضاء النقابات المهنية، على الصعيد المهني والتنظيمي، وما لذلك من أثار إيجابية على الاقتصاد المصري.

لذا سنخصص المحور الأول لإلقاء الضوء على ملامح خريطة النقابات المهنية في مصر، وعناصر البنية التشريعية الحاكمة للنقابات المهنية، إضافة إلى تناول التاريخ القريب للحراك النقابي بشكل موجز، بهدف استنتاج طبيعة علاقته بالمناخ السياسي العام.

ثم ننتقل في المحور الثاني لتناول أبرز المطالب النقابية خلال المدي الزمني القريب العام الجاري و الماضي، وتحليل التفاعلات النقابية -الحكومية، بهدف الوقوف على أسباب الأزمات، وقياس فعالية الأداء النقابي وطبيعة استجابة الحكومة لمعالجة مسببات الأزمات.

بينما نخصص المحور الثالث لتقييم الأداء الحكومي والنقابي إبان فترات الأزمات، والوقوف على نقاط القوة والضعف في أداء كلا الطرفين.

ونخصص المحور الرابع لتقديم نظرة استشرافية موجزة عن مستقبل احتجاجات النقابات المهنية، بالاسترشاد ببعض المحددات المُستخرجة من المحاور سالفة الذكر، ما يساعدنا في تقديم بعض التوصيات التي قد تساعد في تطوير التفاعل بين النقابات المهنية، والحكومة في مصر.

 

أولا- المعطيات التشريعية والسياسية: 

كما سبق الإشارة، سنخصص هذا المحور لتناول الإطار التشريعي الحاكم لعمل النقابات المهنية، إضافة إلى تحليل علاقتها بالمناخ السياسي العام خلال أخر 10 سنوات.

 

1-     الإطار التشريعي:

خلط دستور 1971 بين النقابات المهنية، و العمالية، ولم ينص على كفالة الدولة للحريات النقابية، أو حتى دور النقابات في الدفاع عن مصالح أعضائها، وأحال الأمر برمته إلى القانون[1].

وفي عام 1993، اتخذت علاقة الدولة بالنقابات المهنية منحى تصادميا، بعد 3 سنوات من اجتماع ممثلي النقابات المهنية ودعوتهم الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلى إلغاء حالة الطوارئ وترك رئاسة الحزب الوطني وإطلاق حرية الأحزاب.

وتُرجم هذا الصدام تشريعيا بصدور القانون رقم 100 لسنة 93، أو قانون ضمان ديمقراطية النقابات المهنية، وضمن هذا القانون للدولة نوعا من الوصاية على النقابات المهنية[2]، وبموجبه فرضت الحراسة على أكثر من 10 نقابات، بينها المحامين والمهندسين والتجاريين والمعلمين والزراعيين والأطباء والصيادلة وغيرهم.

وقضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القانون قبيل ثورة 25 يناير [3]2011.

بينما ميز الدستور المصري في نسختيّ 2012 و2014 بين النقابات المهنية والعمالية للمرة الأولى، وفصل بينهما في مادتين دستوريتين، ونصت المادة 77 من نسخة 2014 على أن ينظم القانون إنشاء النقابات المهنية وإدارتها على أساس ديمقراطي، ويكفل استقلالها ويحدد مواردها وطريقة قيد أعضائها، ومسائلتهم عن سلوكهم في ممارسة نشاطهم المهني، وفقا لمواثيق الشرف الأخلاقية والمهنية، ولا تنشأ لتنظيم المهنة سوى نقابة واحدة، ولا يجوز فرض الحراسة عليها أو تدخل الجهات الإدارية في شؤونها، كما لا يجوز حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائي، ويؤخذ رأيها في مشروعات القوانين المتعلقة بها[4].

كما عدّل الدستور الحالي المادة الواردة في نسخة 2012 المتعلقة بجواز حل التشكيلات النقابية بُحكم قضائي، ليقصرها فقط على حل مجالس إدارات النقابات.

ورغم تطور النص الدستوري، إلا أننا نلاحظ انه حافظ على ثمة وصاية من سلطات الدولة على العمل النقابي، على النحو التالي:

أ‌-         أشارت المادة إلى تنظيم القانون لطريقة قيد أعضاء النقابات المهنية، وهو شأن نقابي داخلي، والأجدر أن ينظم هذه المسألة اللوائح الداخلية للنقابات، ونعزي هذا إلى تخوف الدولة من سيطرة بعض الجماعات المناوئة لها على النقابات المهنية.

ب‌-    لم تشر المادة إلى الحق في تشكيل النقابات المهنية بمجرد الإخطار، استرشادا بالمعايير الدولية للحريات النقابية، وعوضا عن ذلك ستظل للجهات الإدارية المختصة سلطة الموافقة على إنشاء النقابات.

ج‌-     كما خالف الدستور بشكل واضح معايير منظمة العمل الدولية المتعلقة بالتعددية النقابية، التي تقر الحق في تشكيل أبناء المهنة الواحدة أكثر من نقابة، حتى لو تعلق الأمر بأشخاص من نفس الإقليم أو محل العمل، كما أن لهم الحق في أن يشكلوا اتحادا أو أكثر يضم أكثر من نقابة، فاتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 تنص على أن للعمال وأصحاب العمل الحق في إنشاء ما يختارونه هم أنفسهم من منظمات.

كما يمنح القانون المصري عدة صلاحيات واسعة للنقابات المهنية فيما يتعلق بإدارة شؤون المهنة، فالتقييد أو الشطب من سجلات النقابة، بمثابة الترخيص من عدمه بمزاولة المهنة. علاوة على تسيير الملفات التأديبية والعقوبات في حق منتسبي المهنة، ويجعل القانون المصري النقابات المهنية جهازاً إدارياً ينوب عن الدولة في دفع وتنفيذ الكثير من الالتزامات المالية والاجتماعية، تجاه المهنيين، ومنها منح التقاعد والعلاج، كما تعتمد النقابة على الدولة في جزء من تمويلها[5].

2-     علاقة العمل النقابي بالمناخ السياسي:

 

أ‌-       قبل ثورة 25 يناير 2011:

في ظل ضعف الأحزاب السياسية قبل ثورة يناير، تحولت النقابات المهنية لساحة تنافس بين التيارات السياسية المختلفة، وركزت التيارات الإسلامية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين على العمل النقابي، ما تكلل لها بالسيطرة على مجالس أكبر النقابات المهنية مثل المحامين والأطباء والمهندسين.

وتخطى الدور النقابي خلال هذه المرحلة حدود العمل النقابي، أو حتى الشؤون السياسية المحلية، وعلى سبيل المثال، شكلت نقابة الأطباء لجنة لإغاثة قطاع غزة قبل ثورة يناير، وكان لنقابة الصحفيين أيضا دورا هاما في عقد الفعاليات المناهضة لنظام مبارك.

دفعت النقابات المهنية ثمن مواجهتها مع نظام مبارك، واعتبرها النظام أحد خصومه الرئيسيين في الداخل، وانعكس الانخراط النقابي في سياق العملية السياسية بالسلب عليها لسببين رئيسيين:

  • أدت مواجهة النقابات المهنية للنظام الحاكم، إلى لجوء النظام إلى التضييق على العمل النقابي، من خلال فرض الحراسة على بعضها أو اللجوء لدعم الموالين له في الترقي داخل النقابات المهنية.
  • أدى تركيز النقابات المهنية على العمل السياسي إلى التقصير في مجال العمل النقابي، وانخفض دورها في تحقيق مصالح أعضائها.

لكن استفادت النقابات أيضا من حراكها السياسي، وتمثلت هذه الاستفادة في بناء قدرات وكوادر نقابية تتمتع بخبرات تراكمية في مجال الضغط على الحكومة، كما اكتسبت النقابات بعض الخبرات فيما يخص حملات التضامن والتشبيك المدني بين بعضها البعض من ناحية، وبينها وبين التنظيمات المدنية والسياسية الأخرى.

ب‌-   بعد ثورة 25 يناير 2011

على عكس ما قبل ثورة يناير، تركز العمل النقابي بعد الثورة بشكل أكبر على المسائل النقابية الفئوية مثل الحد الأدنى للأجور وقضايا الحريات النقابية، ونستنتج من هذا أن النقابات المهنية تنشط سياسيا في حالات غلق المجال العام، والتضييق على الأحزاب السياسية. ويعود هذا إلى النقاط التالية:

  • اتجاه التيارات السياسية إلى محاولة السيطرة على النقابات وتوظيفها لخدمة أهدافها السياسية، في ظل صعوبة العمل من خلال الأحزاب.
  • في حال غياب الأحزاب، تفقد النقابات الحلقة الوسيطة مع الحكومة، ما يجعلها تلجأ إلى المواجهة المباشرة معها، ما يترتب عليه إضفاء الطابع السياسي على العمل النقابي بالضرورة.
  • ترى النقابات المهنية أن مناخ الغلق السياسي يؤثر سلبا على قدرتها وأدواتها في الدفاع عن مصالحها، ويجعلها هدفا للسيطرة من قبل الدولة.
  • في حال توفر مناخ سياسي مفتوح، تنشط النقابات في ناحية الدفاع عن مصالحها الفئوية، مع التقليل من مساحة العمل السياسي، تفاديا لتأثرها بحالة الاستقطاب السياسي.

 

وعقب أحداث 30 يونيو 2013، شهدت مصر حالة من مناخ التخبط السياسي، بالتزامن مع انخفاض فعالية الأحزاب السياسية، وغياب دورها كوسيط بين مصالح المواطنين والدولة، ما دفع النقابات المهنية الى خوض بعض المواجهات مع الحكومات المتلاحقة  بشكل مباشر، دفاعا عن مصالح أعضائها، ما سنحاول تحليله في المحور التالي من الورقة.

ثانيا- أبعاد أزمات النقابات المهنية في عهد السيسي.

شهدت فترة السيسي بعض الأزمات السياسية بين الحكومة والنقابات المهنية، ووصلت هذه الأزمات إلى تنظيم بعض الفعاليات الاحتجاجية ضد الحكومة، وسنحاول فيما يلي تسليط الضوء على أبرز هذه الأزمات، من خلال تحليل أزمتي نقابتي الأطباء والصحفيين، لكونهما يمثلا أوسع احتجاجين نقابيين، كما سنلقي الضوء على بعض الخلافات الأخرى التي جمعت الحكومة بكلا من نقابتيّ الصيادلة والمحامين على النحو التالي:

1-     احتجاجات نقابة الأطباء (فبراير 2016)

على خلفية تكرار بعض الأزمات بين الأطباء وأفراد وزارة الداخلية، التي وصلت إلى التعدي والاشتباك بين بعض أطباء مستشفى المطرية وبعض أفراد الداخلية، نشطت حركة نقابة الأطباء في مواجهة ما اعتبرته انتهاكات بحق الأطباء.

ودعت النقابة إلى تنظيم جمعية عمومية للدفاع عن كرامة الأطباء، ورفعت هذه الجمعية عدة مطالب كما أعلنت عن نيتها الضغط على الحكومة لتنفيذ هذه المطالب، ويمكننا تحليل حراك الأطباء على النحو التالي:

أ‌-        البعد الفئوي

عملت النقابة على توظيف القضايا الفئوية، واتخاذها مدخلا في توجيه الانتقادات إلى الحكومة عبر ما يلي:

  • على الرغم من تنازل أطباء حادثة مستشفى المطرية عن محضر الحادثة، لم تتراجع النقابة عن موقفها إزاء وزارة الداخلية، ونجحت النقابة في حشد عدد كبير من الأطباء على أرضية تكرار انتهاكات الداخلية، خاصة مع تكرار احتجاجات النقابات الفرعية في محافظات الفيوم والإسماعيلية لنفس السبب، ما جعل النقابة توصف انعقاد جمعيتها العمومية بـ”جمعية الكرامة”.
  • غاب الطابع السياسي المباشر عن حراك النقابة، وبهذه الخطوة تفادت النقابة إمكانية اتهامها بتنفيذ أجندات سياسية مناهضة للسلطة الحالية.
  • رفض بيان نتائج الجمعية العمومية الطارئة[6] مشروع إنشاء المجلس المصري للتخصصات الطبية، و قرار رئيس الوزراء بإنشاء هيئة التدريب الإلزامي، وهي القرارات التي رفضتها النقابة بسبب عدم تشاور الحكومة معها، وترى النقابة أن هذه القرارات تهدف إلى تقليص قاعدة الأطباء وإلقاء عليهم مزيداً من الأعباء، وحظيت هذه المطالب بتأييد واسع بين قطاعات الأطباء، ما ساعد في عملية الحشد الداخلي.

ب‌-  البعد السياسي والأمني:

  • بعد 28 عاماً من السيطرة، غابت جماعة الإخوان المسلمين عن المشهد النقابي الاحتجاجي، ويعود هذا لخسارتها أغلبية مجلس النقابة العامة في انتخابات 2013 لصالح تيار الاستقلال المحسوب على التيار المدني.
  • أمنياً، إضافة إلى انتقاد تعامل الأمن مع أعضاء النقابة، طالبت النقابة بمنح المستشفيات صلاحية كتابة المحاضر الشرطية، ما يحدث ازدواجية للأدوار بين المستشفيات وأقسام الشرطة، وتوفير الأعداد الكافية لتأمين المنشآت الطبية.

 

ج- البعد التنظيمي:

أظهرت احتجاجات نقابة الأطباء ثمة تطور في الفعل النقابي، ما دلل عليه ضخامة الحشد الداخلي، واستفادت النقابة من تراكم نشاط جماعة “أطباء بلا حقوق”، والخبرات المتراكمة لدى الدكتورة منى مينا وكيلة النقابة، المنسق العام للجماعة التي تأسست في مايو 2007، كجماعة ضغط فئوية، ونظمت العديد من الفاعليات الاحتجاجية المتنوعة، ما تجلي في إعلان النقابة تسجيل 10 الأف طبيب في الجمعية الأخيرة، ما أضفي كثيراً من الشرعية للحٍرّاك، وعزز من إمكانية تنظيم احتجاجات أكبر.

إلا أن النقابة عجزت عن تنفيذ دعوتها بالامتناع عن تحصيل الرسوم المالية من المرضى، بسبب تخوف أغلب الأطباء من التعرض للعقوبة من قبل الحكومة.

د- البعد الزمني:

راعت نقابة الأطباء عامل الوقت في إدارة أزمتها مع الحكومة، ووضعت جدول زمني تدريجي للاحتجاج حال عدم الاستجابة لمطالبها، وبدأ الاحتجاج بتنظيم وقفات احتجاجية أمام المستشفيات في 20 فبراير 2016، والامتناع عن تحصيل الرسوم المالية من المواطنين بدءا من الأسبوع التالي، ثم إغلاق العيادات الخاصة في 19 مارس، والتلّويح باستقالات جماعية في 25 مارس، ما مثل ضغطاً على الحكومة أمام الرأي العام[7].

ه- البعد الدعائي:

على الرغم من الطابع الفئوي الغالب، دعت النقابة المتضامنين من غير الأطباء للحضور في المقر الرئيسي قبيل انعقاد الجمعية العمومية، كما كثّف مجلس النقابة من تواصل أعضائه مع وسائل الإعلام، وكان لافتاً سرعة التغطية الإعلامية في وسائل الإعلام الغربية لاحتجاجات الأطباء في مصر.

و- البعد الاجتماعي

تحاشت النقابة وضعها في مواجهة مع المجتمع، وحاولت جذب التعاطف الشعبي، عبر الخطوات التالية:

  • إضافة إلى الامتناع عن تقديم الخدمات الصحية للجمهور، دعت النقابة إلى تقديمها دون تحصيل رسوم مادية، وكما سبق الإشارة، لم تلق الدعوة قبولاً واسعاً، بسبب حاجة المستشفيات إلى موارد اقتصادية، في حين أصدرت وزارة الصحة تحذيراً للأطباء من تنفيذ الدعوة.
  • دعا الأمين العام للنقابة، رئيس الجمهورية إلى ضرورة إعادة النظر في مشروع قانون التأمين الصحي الشامل، ورجح أن المشروع الحالي سيزيد الكلفة على الفقراء ـ ولا يضمن تغطية كل المستحقين.

أفضى احتجاج النقابة على إعادة صياغة العلاقة بين الشرطة والأطباء، وحرصت الداخلية على عدم تكرار أسباب التوتر، بينما فشلت النقابة في تنفيذ برنامجها الاحتجاجي، وفشلت دعوة الأطباء لجمعية عمومية أخرى في أبريل 2016 لعدم استكمال النصاب القانوني.

2-     احتجاجات نقابة الصحفيين (مايو 2016):

أدى إلقاء وزارة الداخلية القبض على بعض الصحفيين من داخل مقر النقابة إلى دعوة نقابة الصحفيين إلى تنظيم جمعية عمومية احتجاجا على ممارسات الداخلية تجاه الصحفيين. وتصاعدت الأزمة مع مطالبة النقابة باعتذار الرئاسة عن ممارسات الداخلية، وكانت هذه الأزمة أكثر ارتباطا بالمشهد السياسي عن احتجاجات نقابة الأطباء، للأسباب التالية:

  • جاءت أزمة نقابة الصحفيين على خلفية قضية “تيران وصنافير”، وهي القضية الأبرز على الساحة السياسية حاليا، ولعبت النقابة دورا بها من خلال تنظيم التظاهرات على أبواب النقابة، ما دفع الداخلية إلى محاصرة مقر النقابة.
  • ترتبط تلقائيا أزمات الصحفيين  بقضايا حرية الرأي والتعبير، وبالرغم من قلة عدد أعضاء النقابة (10 ألاف عضو تقريبا) يتمتع الصحفيون بدور مؤثر في السياق السياسي، لطبيعة تأثيرهم في الرأي العام.
  • استفادت نقابة الصحفيين من طبيعة القضية محل الخلاف في كسب تضامن عددا من الرموز النقابية والسياسية، حيث تضامن معها نقابات المهندسين والأطباء والمحامين وأطباء الأسنان، ما أكسب حراك الصحفيين الطابع الوطني فوق الفئوي.

وضع اتجاه نقابة الصحفيين نحو التصعيد ضد الحكومة متمثلة في وزارة الداخلية  إلى إصباغ الاحتجاج النقابي بالطابع السياسي المباشر، ما تسبب في تركيز الدولة على إخماد الغضب النقابي، ونجحت في هذا بعد الخطوات التالية:

  • استخدمت الدولة مؤسسات الصحافة القومية في احتواء الحراك، واستضافت جريدة الأهرام مؤتمر ما سُمى “جبهة تصحيح المسار”، وهي جبهة شُكلت بعضوية بعض الصحفيين المتوافقين مع إجراءات الدولة  التي اتبعتها في التعامل مع الازمة، كما شارك في اجتماعها 5 من أعضاء مجلس النقابة، وعمدت الجبهة إلى إحداث استقطاب داخلي في النقابة، خاصة بعد رفضها توجهات النقيب، واتهامه بتنفيذ أجندات سياسية مناهضة للدولة.
  • دخل البرلمان على خط الأزمة النقابية، وحاول بعض النواب من الصحفيين التدخل لحل الأزمة، والتقليل من حدة الخطاب التصعيدي للنقابة.
  • جرى توجيه تهمة إيواء مطلوبين أمنيا لنقيب الصحفيين، وأصدر النائب العام تصريحا اعلاميا يفيد بصحة الموقف القانوني لوزارة الداخلية[8]، على أثره أفرج عن نقيب الصحفيين بكفالة مالية، في سابقة هي الأولى في مصر.
  • تحت وطأة هذه الضغوط، استجابت النقابة لمساعي التهدئة مع الحكومة، وتراجعت عن المطابة باعتذار الرئيس، وقرارات عدم تغطية أخبار وزير الداخلية.

3-     اضطرابات أخرى:

شهدت نفس الفترة  توترات أخرى مع بعض النقابات المهنية، بشكل أقل زخما من الخلاف مع نقابتيّ الأطباء والصحفيين، وكان من أبرز هذه الاضطرابات ما يلي:

أ‌-       نقابة المحامين: تواترت و خلافات بين النقابة والحكومة، وتنوعت هذه الأزمات بين اعتراض النقابة على معاملة الداخلية لأحد أعضائها، أو المطالبة ببعض المطالب الفئوية مثل المطالبة بإلغاء قانون القيمة المضافة بسبب تضرر المحامين منه[9]. واتسمت احتجاجات النقابة بالطابع الفئوي، دون الامتداد لأي مطالب سياسية.

ب‌-            نقابة الصيادلة: انطلاقا من دوافع فئوية أيضا، لوحت نقابة الصيادلة في أكثر من مناسبة بتنظيم إضرابات اعتراضا على سياسة الحكومة في قطاع الدواء، فضلا عن رفض النقابة تقليص مميزاتها فيما يتعلق بالإشراف على عملية فتح الصيدليات الجديدة. وهي المطالب التي هدأت بعد قيام وزير الصحة بتلبية أغلبها، نظرا للطابع الاجتماعي الخاص بمسألة الدواء، وخطورة تداعيات إضراب الصيادلة المزمع على مستوى الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

ج‌-     نقابة المهن التعليمية: بعد قرار فرض الحراسة على النقابة في 2014، نظمت بعض روابط المعلمين عدة فعاليات احتجاجية، وطالبت هذه الاحتجاجات بإلغاء الحراسة على النقابة، إضافة إلى تحسين أجور ومعاشات المُعلمين، وانحصر الشكل الاحتجاجي في تنظيم عشرات المُعملين لبعض الوقفات الاحتجاجية. بينما استجابت الحكومة لبعض المطالب المتعلقة بتحسين الأجور والمعاشات.

ثالثاتقييم حراك النقابات المهنية الحالية:

من خلال تتبع الحراك النقابي خلال الفترة الجارية، يمكننا استنتاج عدة نقاط فيما يخص فعالية الحراك النقابي في مصر، ومدى نجاحه في تحقيق المطالب النقابية، كما يلي:

1-      من جانب النقابات المهنية:

أ‌-        الناحية المطلبية: باستثناء حراك نقابة الصحفيين، حافظت النقابات المهنية على الطابع الفئوي لمطالبها، واستفادت نقابات الأطباء والصيادلة والمحامين من هذا من عدة أوجه: الأول تمثل في وقاية هذه النقابات من تهمة تنفيذ أجندات مناهضة للدولة، وتفويت فرصة تسييس الأزمة، أما الوجه الثاني يتمثل في تيسير مسألة الحشد الداخلي لأعضاء النقابة، ومنع حدوث عمليات استقطاب داخلية تؤثر على القضية المطلبية مثلما حدث مع نقابة الصحفيين.

ب‌-   الناحية الاحتجاجية: يمكننا القول إن الحراك النقابي عانى من فقر أدوات الضغط خلال الفترة الماضية، وانحصرت أغلب الأدوات الاحتجاجية في تنظيم وقفات احتجاجية أمام مقرات النقابات، بينما أظهرت النقابات فشلاً في تخطى هذا النمط الاحتجاجي، ما دلل عليه فشل دعوة نقابة الأطباء لتنظيم إضرابا جزئيا، وربما يكون الاستثناء الوحيد هو لجوء نقابة الصحفيين لاستخدام المطبوعات كوسيلة للاحتجاج، وكانت هذه المبادرة ناجحة إلى حد بعيد.

ج – الناحية التنظيمية: مثلت هذه النقطة الثغرة الأبرز في الحراك النقابي، ويعود هذا إلى انعكاس الاستقطاب السياسي في مصر على الانتخابات النقابية الداخلية، ومدى توافق أعضاء النقابات مع توجهات مجالس إدارتها. ناهيك عن الصعوبة القانونية في استكمال النصاب القانوني للجمعيات العمومية، ما دلل عليه فشل الدعوة لجمعية عمومية في نقابات الأطباء والصحفيين، وعدم التزام الأعضاء بتنفيذ خطط الفعاليات الاحتجاجية، وظهور جماعات غير رسمية داخل النقابات مثل جماعة تصحيح المسار في نقابة الصحفيين.

د-الناحية التشبيكية: أظهرت النقابات درجة عالية من التشبيك على مستوى القيادات النقابية، ويعود هذا إلى وجود أطر تنسيقية تجمع النقابات وبعضها على غرار تنسيقية “تضامن” لرفض قانون “الخدمة المدنية”. وتبادلت النقابات التضامن مع بعضها البعض. إلا أن درجة التشبيك تنخفض جدا وتكاد تختفي في المستويات التنظيمية الأدنى، ويندر وجود مستوى مناسب من التشبيك فيما بينها، خصوصا إبان فترات التوتر مع الحكومة.

ه -الناحية التفاوضية: باستثناء نقابة الصيادلة، لم تنجح النقابات المهنية في صياغة موقف تفاوضي ملائم مع الحكومة، وغالبا ما اتسم موقفها بالتصعيد غير الملائم لموازين القوى، ما يتسبب في خسارة النقابات عملية التفاوض مع الدولة، ما تكرر في أزمات نقابات المحامين والأطباء والصحفيين.

2-      من جانب الحكومة: ميزت الحكومة المصرية بين احتجاجات النقابات المهنية على أساس الأبعاد الاجتماعية والسياسية لطبيعة المهنة، ويمكننا مما سبق استنتاج النقاط التالية:

أ‌-        يمكن القول إنه كلما زادت علاقة المهنة بالعملية السياسية المباشرة، زادت حدة الهجوم الحكومي على التحركات النقابية، ما ظهر جليا في التعامل مع احتجاجات نقابة الصحفيين.

ب‌-   بينما كلما ارتفعت الكلفة الاجتماعية للاحتجاج النقابي، تُظهر الحكومة درجة استجابة أكثر مرونة مع المطالب النقابية، ما يشهد عليه الاستجابة الحكومية لمطالب نقابة الصيادلة، وتلبية بعض مطالب نقابة الأطباء.

ت‌-    تُفصح الأزمات المتتابعة عن غياب قناة للتواصل والتنسيق بين الحكومة والنقابات المهنية، خاصة فيما يتعلق بالقرارات الحكومية ومشروعات القوانين، ما يتسبب في اتساع الفجوة بين توجهات الحكومة والنقابات، ما تكرر في حراك نقابات المحامين والصحفيين والأطباء والصيادلة.

ث‌-   تنوعت أدوات التعامل الحكومي مع الحراك النقابي، من خلال الاعتماد على بعض التكتيكات المختلفة، ينخفض فيها حدة استخدام الأدوات الأمنية، ليحل محلها الأدوات السياسية، سواء عن طريق توفير مساحة للتفاوض مع النقابات المهنية، أو العمل على إخماد حدة الحراك النقابي من الداخل، عن طريق تعميق الاستقطاب الداخلي داخل النقابات المهنية.

ج‌-     لعب أداء وتوجهات بعض الوزارات مثل الداخلية، والصحة علاوة على القرارات الاقتصادية دورا رئيسيا في تأجيج الخلافات النقابية الحكومية، ومثلت الأسباب المباشرة في إشعال الحراك النقابي داخل نقابات الأطباء والصحفيين والمحامين.

رابعا: مستقبل الحراك النقابي:

طبقا لمحددات الأزمة الاقتصادية، والتعامل الحكومي مع النقابات المهنية، وفعالية الحراك النقابي، يمكننا أن نتوقع المستقبل القريب لاحتجاجات النقابات المهنية في مصر على النحو التالي:

1-      صعود احتجاجات النقابات المهنية: قد تدفع عوامل تزايد معاناة الاقتصاد المصري، خاصة في غياب الحوار الاجتماعي بين الحكومة وجماعات المصالح، إضافة إلى استمرار التعامل الأمني العنيف مع أعضاء النقابات المهنية، إلى نشوء موجات متلاحقة من احتجاجات النقابات المهنية، وتقل فرص تحقق هذا السيناريو حال تفادي الحكومة للممارسات السابقة، بينما يحفزه تراكمات الخلاف بين الحكومة وعدة قطاعات مهنية، ويؤدي هذا السيناريو إلى انخفاض في رصيد شعبية الحكومة، خاصة حال نجاح النقابات في تحقيق مستوى مرتفع من التشبيك مع القوى الاجتماعية والسياسية المعارضة.

 

2-      خمود احتجاجات النقابات المهنية: ربما يدفع تعثر معظم الاحتجاجات السابقة للنقابات المهنية إلى خمود الحراك النقابي، خاصة مع إجراء الانتخابات الداخلية في بعض النقابات، وهي الانتخابات التي تحاول الحكومة استغلالها في الدفع ببعض العناصر النقابية الموالية للتوجهات الحالية، بينما يحول دون تحقيق هذا السيناريو تزايد تداعيات التوجهات الاقتصادية للحكومة على قطاعات واسعة من المهنيين، وعدم رضاء بعض القيادات النقابية عن توجهات الحكومات المتلاحقة حيال حرية العمل النقاب.

3-      استمرار حالة الشد والجذب: تزداد فرص تحقق هذا السيناريو في ظل حالة التذبذب التي تربط علاقة الحكومة بالنقابات المهنية، ومن المتوقع أن تحاول النقابات المهنية أن توظف قرب موعد الانتخابات الرئاسية في يونيو 2018، من خلال ممارسة بعض الضغوط، بهدف انتزاع بعض المكاسب الفئوية، وبطبيعة الحال سينعكس الاستقطاب السياسي على التماسك الداخلي لأعضاء النقابات المهنية، ويعتبر هذا السيناريو هو الأقرب للواقع، والأكثر ترجيحا.

خامسا- التوصيات

بهدف تقليل حدة الخلاف بين النقابات المهنية وتوجهات الحكومة الحالية، نقترح التوصيات التالية:

1-      إنشاء لجنة تنسيقية تضم الحكومة وأعضاء مجالس النقابات المهنية، وتختص هذه اللجنة بإجراء عملية التوافق بين الحكومة والنقابات، وتحديد أليات وبرامج التعاون فيما يخص تطوير الأداء المهني لأعضاء النقابات، وتيسير الدعم الاجتماعي لأعضاء النقابات المهنية.

2-      ابتعاد الحكومة عن الانتخابات الداخلية في النقابات المهنية، حتى تتجنب توظيف الانتخابات الداخلية في مهاجمتها، وفتح الفرصة أمام ظهور كوادر مهنية من شأنه تقليل حدة الخلاف بين الحكومة وأعضاء النقابات، وتزايد الثقة بين القيادات النقابية وأعضاء النقابات.

3-      تركيز النقابات المهنية على احتياجات أعضائها، ما من شأنه تحسين الأوضاع المعيشية والتنافسية للموارد البشرية، والحفاظ على تماسك البنيان النقابي الداخلي، وتفادي المواجهة المباشرة مع الحكومة، وما لذلك من أضرار قد تصل إلى فرض الحراسة على النقابات المهنية، وتفكيكها من الداخل.

4-      تفعيل أدوار البرلمان والأحزاب كقناة وسيطة بين الحكومة والنقابات، ويؤدي هذا إلى تفعيل الاستشعار المبكر للأزمات النقابية، وتيسير عملية التوافق معها، وترشيد القرار السياسي.

5-      التشديد على أفراد الداخلية بعدم إجراء أي انتهاكات تخص المواطنين بصفة عامة، تفاديا لحدوث أزمات  سياسية تتخطى مسألة الفئوية النقابية، وتمس الاستقرار السياسي بصفة عامة.

6-      فتح المجال التفاوضي وإيقاف الملاحقات القضائية للقيادات النقابية، والنظر في ضرورة تعديل قانون التظاهر، بما يسمح بمساحة من الحراك النقابي، وتفويت الفرصة على تسييس الحراك النقابي.

7-      الحيلولة دون تفاقم الأزمات الحالية، من خلال حل الأزمات المتصاعدة في نقابة المعلمين على سبيل المثال، وعلاج مسببات الأزمات النقابية المتوقعة الفترة القادمة.

8-      توسيع مستوى الحوار المجتمعي مع القطاعات المختلفة، وتحديدا في القرارات التي تمس مصالح القطاعات العامة كالصحة والمالية والأمن، واستخدام وسائل الإعلام في تنظيم لقاءات بين ممثلي الحكومة وممثلي تلك القطاعات.

9-      تغيير القوانين المقيدة للعمل النقابي في مصر.

 

 


 

 

الهوامش:

[1] المادة 56، دستور مصر 1971.

[2] نص القانون متوفر على الرابط: http://www.esoph.org/af/laws/100-1993.htm

[3] يسري العزباوي “محلك سر: الإطار التشريعي للعمل النقابي في مصر”، الملف المصري، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد 23، يوليو 2016، ص 7.

[4] الدستور المصري الحالي.

[5] هبة كمال عبد الحميد، ” النقابات المهنية في عهد مبارك والتحولات بعد ثورة يناير”، مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، 4-12-2015، متوفر على الرابط: https://www.beirutme.com/?p=15404

[6] “قرارات الجمعية العمومية غير العادية لأطباء مصر”، الموقع الرسمي لنقابة الأطباء، 12-2-2016، متوفر على الرابط:http://www.ems.org.eg/our_news/details/3931

[7] المرجع السابق.

[8] عماد عبد العال، “النائب العام ينتصر للداخلية في أزمة الصحفيين”، موقع صحيفة المصريون (القاهرة)، 3-5-2016، على الرابط:https://goo.gl/xKsGdm .

[9] هناء البلك، ” 10 أزمات لاحقت المحامين في 2016″، موقع مصر العربية، 28-12-2016، على الرابط:https://goo.gl/NNAVZk