بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

قراءات

الفورين بوليسي: وداعًا تركيا (1921-2017)

الوسوم

كتب “ستيفن كوك” فى مجلة الفورين بوليسي الأمريكية بتاريخ 16 إبريل الجاري:

لم يفز رجب طيب أردوغان باستفتائه الدستوري فحسب، بل كانت نهاية فصل من فصول تاريخ التقدم والحداثة التركية على يديه.

في العشرين من كانون الأول عام 1921، مررت حكومة الجمعية الوطنية الكبرى بتركيا قانون التنظيم الأساسي، الذي ساهم بعد ثلاث سنوات تقريبا في إعلان تركيا جمهورية على يد مصطفى كمال أتاتورك (الذي يلقّب بأتاتورك أو أبا الأتراك)، ذلك التشريع الذي كان علامة حاسمة على تغيير جذري لهيكلية الحكم بمنطقة الأناضول .

سُميت الدولة الجديدة “تركيا” ، وفي اتجاه معاكس لمسار الإمبراطورية العثمانية، فقد تم تأسيس نظام تركيا الجديدة على طرز حديثة، تُدار بسلطات تشريعية وتنفيذية، فضلاً عن أن مجلس وزرائها مؤلف من نواب منتخبين برلمانياً، وكل ما كان يخص السلطان العثماني في السابق من سلطة منفردة سياسياً وحتى دينياً، أصبح يجري تقريره عن طريق نواب منتخبون ممثلون لسيادة الشعب .

كان (قانون التنظيم الأساسي) أبرز تغيير للحالة التركية، فقد مهد الطريق من حكم متوارث عائلياً إلى عهد جديد من تداول السلطة، ذلك التغيير الذي بات على شفير الهاوية في استفتاء نهاية هذا الأسبوع .

الكثير من الاهتمام في هذا التصويت منصب على حقيقة أن هذا مجرد استفتاء على سلطة رئيس الجمهورية التركية والاستقطاب السياسي لشاغل هذا المنصب “رجب طيب أردوغان”، لكن حقيقة الأمر في الواقع أبعد من هذا بكثير .

وسواء أدرك الناخبون الأتراك هذا أم لا، فإن تصويتهم بـ (بنعم) يعتبر هدماً لـ (قانون التنظيم الأساسي)، وكذلك الرؤية التي يمثلها “أتاتورك” وراودت مخيلته عن تركيا الحديثة. وعلى الرغم من كفاح المعارضة حتى الرمق الأخير لمعادلة النتائج النهائية للتصويت، يبدو أن الشعب التركي أعطى الضوء الأخضر لأردوغان وحزب العدالة والتنمية لإعادة هيكلة شكل إدارة الجمهورية التركية، وهو الأمر الذي يحوي هدماً للقيم الأساسية التي شُيدت عليها .

وحتى لو ضعفت عزيمة المعارضة، فإن مشروع أردوغان سيضفي المزيد من الاحتقان في معسكراتهم على تنوعها ، والنتيجة المتوقعة هو مزيد من التطهير لساحات المعارضة وتفريغها من العناصر الفاعلة، الأمر الذي يحدث باستمرار منذ محاولة الانقلاب الأخير في يوليو الماضي، بما فيه مزيد من الاعتقالات وأيضا انضمام المزيد من المعارضة السياسية البرلمانية، وهذا كله ما يزيد من زعزعة الاستقرار السياسي التركي .

الإسلاميون الأتراك لديهم حنين وتمجيد للماضي العثماني، وبذلك فإنهم يعبرون بشكل ما عن ازدراء – ولو خفي- للجمهورية التركية الحديثة، فبالنسبة لـ”نجم الدين أربكان” الذي قاد الحركة الإسلامية منذ أواخر الستينات حتى ظهور حزب العدالة والتنمية في أغسطس 2001، كانت الجمهورية هي تنازل عن الهوية الإسلامية وكانت العلمانية القمعية هي أداة “أتاتورك” لتطبيق ما يؤمن به من أفكار دونية التي ترى أن التغريب الفج هو السبيل الوحيد لقبول تركيا في المجتمع الدولي الغربي، وكبديل عن ذلك كانت رؤية “أربكان” هي أن تركيا مكانها الطبيعي ليس عضواً في حلف الناتو في بروكسل، ولكن كقائدة للعالم الإسلامي مع شركاء أساسيين وهم مصر، وباكستان، وماليزيا، و إيران، وإندونيسيا .

عندما انفصل أتباع “نجم الدين أربكان” عنه – ومنهم أردوغان والرئيس السابق عبدالله غول، وأنشأوا حزب العدالة والتنمية، تخلوا عن الخطاب التقليدي للحرس القديم والمناهض للغرب والتغريب، وتعهدوا بمتابعة تقدم عملية ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الأوربي، وبإدراك كامل اصطنعوا لأنفسهم صورة إسلامية معادلة للديموقراطية المسيحية بأوروبا، ومع ذلك فقد احتفظوا أيضاً بالأفكار الإسلامية التقليدية حول دور تركيا في الشرق الأوسط، والعالم الإسلامي ككل .

وألقى المفكرون في حزب العدالة والتنمية، خاصة رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، تحفظاتهم حول مدى توافق المؤسسات السياسية والاجتماعية الغربية مع مجتمعهم الذي يغلب عليه الطابع الإسلامي، لكن قيادات الحزب لم تتصرف طبقاً لهذه الرؤية، فقد اختارت البديل وهو أن يتم تقويض دعائم إرث “أتاتورك” تدريجيا كإطار وشكل للحكم، ذلك الرأي البديل الذي نجح بمسعاه بشكل ما .

ويرى حزب العدالة والتنمية ومؤيدو التصويت بـ “نعم” أن انتقادات التعديلات الدستورية غير عادلة، ويشيرون إلى أن التغييرات لا تمس البرلمان المنتخب شعبيا ولا الرئيس المختار، فضلا عن عدم المساس بسلطة القضاء المستقل (على الأقل شكلياً)، نعم هذا كله صحيح، لكن هو أيضاً وصف قاصر تماماً للنظام السياسي الذي يتصوره ويطمح إليه “أردوغان”.

بالأحرى فإن الصلاحيات التي ستمنح للرئيس بعد الموافقة على الاستفتاء هي صلاحيات واسعة، بما تشمل من تعيين القضاة والمستشارين دون أي استشارات برلمانية، و إصدار مراسيم بقوة القانون، فضلاً عن صلاحياته في حل البرلمان، كما سيكون للرئيس أيضا الحق الوحيد في جميع تعيينات المناصب العليا في الهيكل الحكومي، وممارسة السيطرة الفردية على القوات المسلحة بموجب منصبه .

وتنفي التعديلات الدستورية الجديدة الحاجة إلى منصب رئيس الوزراء، الذي سيتم إلغاؤه، مع احتفاظ الجمعية الوطنية الكبرى ببعض الصلاحيات الرقابية والتشريعية، ولكن إذا كان الرئيس والأغلبية البرلمانية من نفس الحزب السياسي، فإن سلطة الرئاسة ستكون سلطة شبه مطلقة.

ومع وجود اختلالات هائلة في التوازن السياسي وعدم إجراء أية رقابة على رئيس الدولة، الذي سيصبح الآن هو أيضاً رئيس الحكومة، فإن التعديلات الدستورية تجعل قانون المنظمة الأساسية وجميع الجهود اللاحقة لمحاكاة المبادئ التنظيمية للدولة حديثة هي محل جدل، ويتبين من ذلك أن “أردوغان” الذي يمارس سلطة غير مخولة لأي قائد تركي منذ عهد السلاطين، أنه فعلياً سلطان عثماني جديد .

ساعد الطموح الضخم لـ “أردوغان” في دفع تركيا لهذه النقطة، ولكن على عكس الشخصيات النمطية التي تسعى للسلطة فقط من أجل السلطة، فالرئيس التركي فعلياً لديه رؤية لتحويل تركيا لدولة مزدهرة، أكثر قوة، وأيضاً أكثر أيديولوجية إسلامية، ما يعني أن القيم المحافظة والدينية ستشكل دعامة أساسية لسلوك وتطلعات الأتراك في طريقهم إلى الحياة .

والمشكلة هنا هي أن “أردوغان” مقتنع بأنه هو الوحيد الذي يتمتع بالمهارات السياسية، والمكانة للقيام بذلك، وبالتالي فهو يحتاج إلى قيادة الدولة وترويض ساحتها السياسية على طريقة الرؤساء الأتراك، الذين من المفترض كونهم بعيدين عن التنافس الحزبي البرلماني وممارسة مهمتهم بسلطة رئاسية محدودة في ثوب نمطي، الذي لا يتسع لتنفيذ هذا الطموح .

وبالنسبة لجميع النجاحات السياسية التي حققها “أردوغان”، فإن تشكيل “الرئاسة التنفيذية” التي يسعى إليها كان سلسلة مستمرة من خيبات الأمل حتى الآن، ففي أكتوبر 2011 أعلن أن تركيا ستحظى بدستور جديد خلال عام واحد، ومع حلول عام 2013، كانت اللجنة البرلمانية المشتركة بين الأحزاب المكلفة بكتابة الوثيقة الدستورية الجديدة تسير بطريق مسدود، لذلك وضع أردوغان رؤيته في الدستور الذي كتبه حزب العدالة والتنمية، بيد أنه من أجل الحصول عليها كان بحاجة إلى دعم من الأغلبية البرلمانية، بينما لم يحصل حزبه في إجرائيين انتخابيين في 2015 على 367 من أصل 550 مقعداً، ما كان سيتيح له كتابة الدستور والتصديق عليه بدون استفتاء شعبي، فأدى ذلك لاستقرار رأي الرئيس التركي على إجراء التعديلات الدستورية وطرحها باستفتاء شعبي يوم الأحد الماضي .

وبهدف تعزيز الدعم لمشروع الرئاسة التنفيذية، لوّح “أردوغان” بطيف عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي حدث في التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، عندما أثبتت سلسلة من الحكومات الائتلافية أنها فاسدة وغير جديرة لإدارة تحديات تركيا كدولة، فالعديد من الأتراك يعتبرون فعلياً تلك الحقبة من فترات التيه والضياع وغير مستعدون لتكرارها وخوضها مجدداً، وأضافت موجة الهجمات الإرهابية من قبل المتمردين الأكراد الذين قتلوا العشرات بين صيف عام 2015 وأواخر عام 2016 إلحاحا وضرورة لرسالة أردوغان الداعية لإقامة نظام رئاسي مجرد .

سعى الرئيس التركي المستبد، سعياً حثيثاً لإقصاء أية معارضة حقيقية وواعية من على الساحة السياسية، مع تأكيد وتعميق فلسفة الاستبداد بالرأي القيادي، وتم تهميش الرتابة النظامية بالحكم، تلك العملية التي بدأت حتى من قبل الانقلاب الفاشل الأخير في يوليو الماضي، فتم تفكيك حركة جولن المعارضة، وجرى إسكات الصحافيين عن طريق الاعتقال أو التضييق عليهم وتهديد استقرارهم المعيشي ومصادر أرزاقهم ، مع مطاردة وتعقّب الداعين للتصويت بـ “لا” على الاستفتاء بخصوص التعديلات الدستورية الأخيرة .

ومن أجل بناء جبهة شعبية أكبر للتصويت بـ”نعم”، لعب أردوغان على المشاعر القومية والوطنية من خلال الأزمات المصطنعة مع الحكومتين الهولندية والألمانية حول التجمعات التركية المؤيدة لحزب العدالة والتنمية في بلدانهم .

وليس مفاجئاً أن أردوغان قضى على كل ما يعوق طموحه الكبير المبني على نتيجة الاستفتاء الدستوري الأخير، وبعد كل شيء فإن هذه التعديلات تعتبر تغييراً في التنظيم الهيكلي الإداري التركي بطرق جوهرية، بدون رقابة ولا أية توازنات سياسية داعمة للاستقرار .

هذه القيود على السلطة التنفيذية لم تكن مقنعة أبداً للبدء بها على أرض الواقع، لكن أردوغان بالفعل صعد الأمر بطريقة مباشرة كضرورة لممارسة العملية، والآن يسعى لإضفاء شرعية على هذه التغييرات في المبادئ الدستورية للدولة، لماذا ؟

بجانب حقيقة أن النخبة الحاكمة المستبدة تميل إلى إلباس ممارساتها غير الديموقراطية عباءة الشرعية لتتمكن بعدها من المطالبة بـتطبيق “سيادة القانون”، يحتاج “أردوغان” لغطاء شرعي لتحقيق التغيير واسع النطاق طبقاً لأجندة طموحاته، ويبدو أن الطريقة المثلى لتحقيق مراده هو أن يتحول منصبه من منصب رئاسي إلى عرش شبه سلطاني .

أردوغان كطاغية مثله مثل كل النخب الاستبدادية في العالم، ولكنه أيضاً يستلهم أجندته من تاريخ الخلافة العثمانية وهناك دعائم من سياسات حكمه هي عبارة عن ترديد لأصداء تلك الحقبة من تاريخ تركيا الماضي، فهو كرئيس لتركيا يعتمد على دائرة استشارية ضيقة جداً، تشمل أفراداً من أسرته، وكذلك “القصر الأبيض” الرئاسي بأنقرة جرى بناؤه على أرض كان امتلكها “أتاتورك” يوما ما، وأصبح يشبه – ليس فقط في العظمة – قصور السلاطين العثمانيين .

وعلى كل حال فإن جهود “أردوغان” لتأمين مفهوم الرئاسة التنفيذية تذهب لأبعد من ذلك بكثير، فهو يطمح إلى الإطاحة بالنظام الجمهوري المعتمد بتركيا لما قد عاناه في الماضي سواء هو أو الإسلاميين الذين ينوب عنهم على أيدي قادة ومؤسسي هذا النظام .

وسيكون من المستحيل وغير المنطقي إعادة إنتاج النظام الهيكلي العثماني الحاكم بصورته النمطية السابقة، ولكن في مخيلة الإسلاميين الأتراك فإن الحقب العثمانية لم تقم فقط على تمجيد الثقافة والسلطة التركية، إنما على أسس التقدمية والتسامح .

وبالنسبة للكتلة الأساسية من الناخبين الداعمين لـ”أردوغان” ، بصفة خاصة، فإن عصر حكم وتمكين حزب العدالة والتنمية هو عصر ذهبي، وهو المعادل الحديث للماضي العثماني المجيد من وجهة نظرهم، ويتمتع هؤلاء الأتراك المحافظون، المتدينون، والطبقة الوسطى بكل الحريات الشخصية والسياسية التي حرموا منها على يد النظام الهيكلي الفلسفي الأتاتوركي، بما يصاحب ذلك حالياً من مظاهر ازدهار وحركة اقتصادية واجتماعية في تصاعد مطرد، ومن خلال منح “أردوغان” تلك الصلاحيات الخاصة بالرئاسة التنفيذية، التي لطالما طمحوا بها، فإنهم حالياً يستعدون لتحقيق إنجازات أكبر بكثير .

بالطبع هناك الملايين ممن صوتوا بـ “لا” على التعديلات الدستورية، الذين يخشون من توطيد وتدعيم ذلك الاستبداد والطغيان على رأس الهرم في الحكم التركي، وأيضاً هؤلاء الذين يرون في الأفكار الأتاتوركية للدولة شيء مقدس ولا يجوز المساس به بأي حال من الأحوال .

إن الجمهورية التركية لها تاريخ معقد متشابك لا يمكن إنكاره، لقد قامت بإنجاز هائل .
ففي غضون قرن تقريبا، تحولت تركيا من مجتمع زراعي كبير دمرته الحرب إلى قوة مزدهرة متنامية تمارس نفوذا وفاعلية في القرار إقليمياً ودولياً، وفي الوقت نفسه، كان تاريخ تركيا الحديث أيضا غير ديمقراطي، وقمعي، ويتسم بالعنف في أحيان كثيرة .

ومن ثم فإن الرؤية السياسية المثالية لـ “أردوغان” هي السعي إلى تحوير هيكلية تركيا عن طريق تطبيق فلسفة الرئاسة التنفيذية، وبالتالي إغلاق الإمكانية مرة واحدة وإلى الأبد على أن أناس مثله من المحتمل أن يكونوا ضحايا للجمهورية في المستقبل .

في نهاية المطاف، فإن “أردوغان” ببساطة يستبدل نظام مستبد بنظام آخر مستبد، فقانون التنظيم الأساسي والشكل الجمهوري لتركيا كان تعبيراً عن الحداثة، ولكن الدولة التركية دائما عرضة للانشقاق والتصدع، ورغم ذلك فإنها دائما ما تحوي تطلعاً ما نحو الديموقراطية على خلفية المبادئ الأمينة المتواترة الداعمة للدستورية والحكم الدستوري .

وحالياً تغلق الدولة الأردوغانية الحديثة بتركيا هذا الاحتمال .

رابط المقال الأصلى: اضغط هنا

إغلاق