اتجاه دول الوطن العربي نحو تحرير أسعار الصرف..إجبار أم اختيار؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
اتجاه دول الوطن العربي نحو تحرير أسعار الصرف..إجبار أم اختيار؟

اتجاه دول الوطن العربي نحو تحرير أسعار الصرف..إجبار أم اختيار؟




يعتبر سعر الصرف واحداً من أهم المؤشرات الاقتصادية التي تقيس قوة الاقتصاد الوطني لأي دولة حيث يعكس مستوي الثقة المحلية والخارجية في اقتصاد الدولة وتعتمد درجة استقرار عملة دولة ما علي العديد من العوامل الداخلية والخارجية منها ماهو سياسي ومنها ماهو اقتصادي.
و اتبعت الدول العربية أنظمة مختلفة من أسعار الصرف علي مدار العقود الماضية، فدول الخليج العربي اتبعت سعر صرف مربوط بالدولار الأمريكي ماعدا دولة الكويت حيث ربطت عملتها بسلة من العملات الدولية أما كلاً من تونس والجزائر فقد اتبعتا سعر صرف مدار وفق مجموعة من الضوابط والقيود في حين اتبعت اليمن نظام لسعر صرف عملتها.

وفي الأونة الأخيرة مع تراجع أسعار النفط العالمية و الاضطرابات السياسية خاصة مع اندلاع ثورات الربيع العربي التي أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية فإن الاتجاه العام لأسعار الصرف في الدول العربية غلب عليه الانخفاض وبذلك واجهت الدول العربية العديد من عوامل الضغط التي تسببت في عجز موازناتها العامة، وبذلك اتبعت عدة دول عربية أسعار صرف أكثر مرونة بعد أن لجأت تلك الدول إلى صندوق النقد الدولي لعقد برامج تمويلية فزاد سعي الحكومات العربية لتعويم عملتها المحلية اعتقاداً منها أن قرارات التعويم ستساعدها علي تجاوز أزماتها الاقتصادية، ويهدف هذا التحليل إلى البحث عن أسباب الانخفاض في أسعار الصرف في الدول العربية وتتبع قرارات التعويم في الدول العربية للبحث عن أسبابها ونتائجها علي المستويين الاقتصادي والاجتماعي.

ماذا عن أسعار صرف العملات في الوطن العربي ؟

تراجعت عملات غالبية الدول العربية بشكل مقلق خلال العقود الماضية فبعد أن كانت هذه العملات متماسكة في وجه الدولار انهارت قيمتها، لكن الانخفاض الكبير للعملات العربية تركز في دول «الربيع العربي» والدول التي تعاني اضطرابات اجتماعية واقتصادية وسياسية وتتزايد فيها معدلات الفساد، بينما حافظت عملات مجلس التعاون الخليجي علي استقرار نسبي قد يتأثر إذا استمرت تراجعات أسعار النفط حيث يشكل النفط مايقرب من نصف الناتج المحلي لدول الخليج العربي حوالي 49% كنسبة مجتمعة للدول التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي يصل إلى 35.77% من حجم الاحتياطي العالمي وبالتالي يساهم بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي ويتضح ذلك من الشكل التالي.

Source / http://aww.su/muicI

ويرجع السبب في الحفاظ علي ذلك الاستقرار إلى قوة احيتاطيات النقد الأجنبي والذهب في البنوك المركزية لدول مجلس التعاون الخليجي وبذلك فإن ميزة الاستقرار التي تنعم به دول الخليج هو الذي أنقذ عملاتها من تراجع حاد لقيمة أغلب العملات العربية.

الدول النفطية بخلاف مجلس التعاون الخليجي؛ فقد شهدت تلك الدول انخفاضا في قيمة عملاتها الوطنيه أمام الدولار الأمريكي مثل الجزائر واليمن وليبيا والعراق، ونوضح ذلك فيما يلي:

مصدر البيانات: قاعدة بيانات البنك الدولي.

مصدر البيانات: قاعدة بيانات البنك الدولي.

مصدر البيانات: قاعدة بيانات البنك الدولي.

مصدر البيانات: قاعدة بيانات البنك الدولي.

 

الأشكال البيانية السابقه توضح ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي أمام عملات الدول النفطية بخلاف مجلس التعاون الخليجي السابق ذكرها، التي تتشابه فيها أسباب ذلك الانخفاض لعملاتها التي تتمثل في انخفاض أسعار النفط العالمية حيث تعتمد إيرادات تلك الدول بشكل رئيسي علي الإيرادات النفطية المقومة بالدولار حيث توجد علاقة عكسية بين أسعار النفط وقيمة الدولار فعندما ترتفع قيمة الدولار تنخفض أسعار النفط والعكس صحيح، وبالطبع ترتبط عملات تلك الدول النفطية بالدولار الأمريكي كما ذكرنا سابقاً، وارتفاع الدولار يخفض أسعار النفط لأسباب عديدة منها أنه مع ارتفاع الدولار تنخفض تكاليف الإنتاج، ما يمكن الشركات من التنقيب عن النفط في أماكن منافسة لدول “أوبك”، خاصة في بريطانيا والنرويج وروسيا والبرازيل، فضلاً عن اشتداد المنافسة بين الدول المنتجة للنفط ما أدى إلى زياده المعروض عن المطلوب، والجدير بالذكر أن أسعار النفط تحسناً ملحوظاً تشهد حيث ارتفع من 53.85$ للبرميل في مارس 2017 إلى 56.43$ للبرميل، فضلاً عن انتشار الصراعات السياسية وثورات الربيع العربي التي كان لها تأثير مباشر علي تراجع الاحتياطيات من العملات الأجنبية في الدول التي اندلعت بها تلك الثورات مثل مصر واليمن وليبيا وغيرها، بهدف محاولة تغطية الواردات من السلع بالسحب من الاحتياطي إضافة إلى تراجع حجم الاستثمار لسوء الأوضاع السياسية والأمنية وتراجع العائدات السياحية وغيرها من الأسباب.

الاتجاه العام لتعويم أسعار الصرف

منذ نهاية عام 2015 انتشرت علميات التعويم حيث أنه بين الحين والأخر تعلن إحدي الدول العربية عن اتخاذها لقرار تعويم عملتها المحلية ظناً منها أن ذلك سيساعدها علي مواجهه الأزمة الاقتصادية التي تتمثل في الانخفاض الحاد في سعر صرف عملتها وتراجع الاحتياطيات، وتعد الجزائر من أولى الدول التي اتبعت نظام التعويم حيث كانت الجزائر منذ الاستقلال تعتمد على التثبيت ثم اتجهت نحو تبني نظام التعويم المدار في إطار الاصلاحات الاقتصادية في التسعينات.

ثم في نوفمبر 2016 أعلن البنك المركزي المصري عن اتباع سياسة تعويم الجنيه المصري بسبب استنزاف الاحتياطي من النقد الأجنبي وتدهور قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي بهدف تحقيق الاستقرار النقدي والقضاء علي نشاط السوق الموازية وكان لذلك القرار العديد من التبعات سواء علي المستوي الاقتصادي أو الاجتماعي.

ثم في فبراير 2017 أعلنت المغرب عن نيتها لتعويم عملتها المحلية وستبدأ المغرب في تعويم سعر صرف عملتها بالتدريج ابتداء من النصف الثاني من عام 2017 بعد أن عملت مؤسسات الدولة علي الترويج لتلك الخطوة وبعث الاطمئنان لدي الشعب المغربي بالحديث علي أن تجربة المغرب في التعويم لن تلقي أثار التجربة المصرية التي سبقتها حيث أعلن البنك المركزي المغربي عن أسباب التوجه نحو تلك السياسة التي تتمثل في أنه يهدف إلى مواكبة الاقتصاد العالمي وتحسين القدرة التنافسية والحد من الأعباء الخارجية وتطوير القطاع المالي وفي خطوة نحو اتباع سياسة المرونة خفض البنك المركزي وزن اليورو في سلة العملات إلى 60% بدلاً من 80% ورفع وزن الدولار إلى 40% بدلاً من 20% حيث يرتبط الدرهم المغربي بكلاً من الدولار واليورو.

القاسم المشترك بين تلك الدول

علي الرغم من اختلاف تجربة وظروف كل دولة عن الآخرى عند اتباعها لسياسة التعويم لعملتها المحلية حيث تمتلك المغرب أكثر الظروف ملائمة لقرار التعويم مقارنة بمصر والسودان لانخفاض نسبة التضخم التي تقدر بأقل من 2% وغياب نشاط السوق الموازية مع توافر حجم احتياطي ملائم من النقد الأجنبي يبلغ حوالي 25 مليار دولار، يكفي لسد احتياجات البلاد من الواردات لمده تصل إلى 7 أشهر في حين كان وضع الاحتياطي حرجاً في كلاً من مصر والسودان، إلا أن القاسم المشترك بين تلك الدول هي اتباعها لسياسات صندوق النقد الدولي التي ستجابت لها تلك الدول علي الرغم من الأسباب التي أعلنها البنك المركزي المغربي بعد عقد مقارنة مع التجربة المصرية وإعلانه أن استجابة مصر لصندوق النقد الدولي في قرار التعويم تمت تحت ضغط بينما يختلف الوضع بالنسبة للمغرب، إلا أنها في حقيقة الأمر ليست أسباب واقعية حيث تجدر الإشارة إلى أن المغرب يعد من أكثر الدول مديونية كما أعلن معهد ماكنزي الأمريكي في تصنيفه للبلدان الأكثر استدانة في العالم حيث احتلت المغرب المرتبة 29 بين الدول الأكثر استدانة في العالم كما تعد المغرب من أكبر الدول اقتراضاً من صندوق النقد الدولي الذي وافق علي قرض للمغرب بقيمة 3.5 مليار دولار العام الجاري، و حصلت المغرب علي قرض من الصندوق بقيمة 6.21 مليار دولار عام 2012 وقرض أخر بقيمة 5 مليار دولار عام 2014 وبذلك وصلت حجم القروض إلى 136% من الناتج المحلي الإجمالي للمغرب وهو الأمر الذي تشابهت فيه كلاً من مصر والسودان عند اتخاذهما قرار التعويم، ولن تتوقف عاصفة التعويم عند ذلك بل ستشمل دولاً آخرى تعتمد علي برامج تمويلية من صندوق النقد الدولي وهي، العراق وتونس ولبنان التي من المتوقع أن تنتهج سياسة التعويم لعملاتها المحلية، خاصة مع تراجع قيم عملات تلك الدول فقد انخفضت قيمة الدينار التونسي خاصة في السنوات الخمس الأخيرة ليصبح الدولار يساوي نحو دينارين ونصف، كما انخفضت قيمة الليرة البنانية علي مدار العقود الماضية بعد أن كان الدولار يعادل 3 ليرة في الثمانينات أصبح يعادل 1500 ليرة.

والجدير بالذكر أنه ليس هناك نظام واحد يناسب كل الدول ولكن تشير التجارب الناجحة للدول التي حررت أسعار الصرف أنه لابد من توافر أربع عومل ضرورية حتي يمكن تبني سياسة سعر صرف مرنة ناجحة، و تتمثل تلك العوامل في:

1-توافر السيولة في سوق النقد الأجنبي وارتفاع حجم الاحتياطيات

2-سياسات واضحه للبنك المركزي تتسم بالشفافية تحكم عمليات تدخله في سوق النقد الأجنبي سواء بائعاً أو مشترياً

3-تبني ركيزة اسمية ملائمة تحل محل سعر الصرف الثابت

4-تبني نظام فابل لتقييم وإدارة مخاطر سعر الصرف

ماذا عن نتائج الاضطراب في أسعار صرف الدول العربية والاستمرا في الاعتماد علي سياسات صندوق النقد الدولي ؟

تختلف النتائج المترتبه علي التراجع في أسعار صرف عملات الدول العربية بين ماهو إيجابي وماهو سلبي حيث تتمثل النتائج الإيجابية في:

أن ذلك التراجع يعتبر عامل جذاب لتدفقات أكبر من الاستثمارات الخارجية ورؤس الأموال بسبب انخفاض التكاليف في تلك الدول، لكن يشترط ذلك تحقيق استقرار نسبي في العملات مع توفير بيئة مناسبة جاذبة للاستثمار تتوافر فيها معدلات عالية من الاستقرار الأمني والسياسي، في حين يرى البعض أن ذلك التراجع لا يعد بالضرورة عامل إيجابي وجاذب للاستثمار حيث تزداد نسبة المجازفة بالنسبة للمستثمر في هذه الدول الذي غالباً سيختار صفقات وقتية قصيرة الأجل ليستفيد من تدني العملة وليس بالاستثمار طويل الأجل، ومن ناحية آخرى فإن الاستمرار في تدني قيمة العملات العربية يتسبب في خسائر ناتجه عن عجوزات الميزان التجاري لتلك للدول خاصة أن غالبية الدول العربية لا تتمتع بالتنوع في مصادر الإيرادات في ظل تراجع معدلات أداء الاقتصاد العالمي.

أما عن النتائج السلبية فهي تفوق النتائج الإيجابية وتتمثل في عدة نقاط منها:

1-تشير التقارير الاقتصادية أن الدول العربية التي تنخفض عملاتها بشكل كبير أمام الدولار تعاني من ازدياد وتوسع نشاط السوق الموازيه والمضاربة على العملة في تلك الأسواق ما يزيد من تدهور العملة الوطنية.

2-اتساع الفجوة بين العملات العربية والعملات الأجنبية يعني ازدياد تكلفة الواردات للدول العربية التي تستورد غالبية السلع والمنتجات من الدول الأوروبية ودول النمور الأسيوية ما يعكس ارتفاعا في معدلات التضخم في تلك الدول، ما يوضحه الشكل التالي الذي يوضح اتجاهات أسعار السلع المحلية في الدول العربية.

مصدر البيانات: تقرير أفاق الاقتصاد العربي، صندوق النقد العربي، إبريل 2017.

ويلاحظ أن بيانات عام 2017 هي بيانات تقديرية، وبيانات إجمالي الدول العربية لا تشتمل علي سوريا لعدم توافر البيانات عنها.

3- زيادة التبعية الاقتصادية للخارج حيث أن كل دولة تعتمد بشكل رئيسي علي برامج تمويلية من صندوق النقد الدولي فسينطبق عليها نفس الشروط والآليات التي تنص عليها السياسة الاقتصادية الخاصة بالصندوق التي دائماً تتبعها الدول المقترضة رغماً عنها.

2- زيادة التوترات السياسية والأمنية نتيجة لسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ماينتج عن ذلك من احتجاجات شعبية.
توصيات ختامية للحد من تدهور قيمة العملات العربية

مع تدهور وضع غالبية عملات الدول العربية أمام العملات الأجنبية ومع تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تلك الدول،أصبح لزاماً علي الدول العربية اتخاذ إجراءات تصحيحية لأوضاعها الاقتصادية منها:

1-التوقف عن اقتناء الأصول المقومة بالعملات الأجنبية والبدء في شراء تلك الأصول بعملات محلية فهذا من شأنه أن يزيد الطلب علي العملة المحلية ويقلل من الطلب علي العملة الأجنبية ومن ثم ارتفاع قيمة العملة المحلية.

2-رفع أسعار الفائده في البنوك حيث يعمل ذلك على جذب مزيد من التدفقات الأجنبية ومن ثم يزداد عرض النقود الأجنبية كما أن رفع أسعار الفائدة المحلية تحد من معدلات التضخم.

3-العمل علي الحد من معدلات التضخم حيث أن معدلات التضخم المنخفضة من شأنها أن تذيد عرض النقود المحلية في الأجل الطويل من خلال اتباع سياسات انكماشية تهدف إلى تقليل عرض النقود.

4-الاستمرار في اتباع سياسات تهدف إلى الحد من الإنفاق الترفي خاصة في دول الخليج العربزي بهدف الحد من العجوزات في الميزانيات العامة للدول

5-ضرورة التوقف عن اتباع سياسة التبعية الاقتصادية سواء للمؤسسات الدولية أو للدول الأجنبية نفسها والاعتماد علي سياسات الاكتفاء الذاتي وتحفيز التبادل التجاري بين الدول العربية وبعضها البعض.

6-العمل علي تنويع الإيرادات العامة للدولة بهدف مواجهة الانخفاضات المتتالية لأسعار النفط العالمية، والبحث في إمكانية تسعير المنتجات النفطية بعملات عربية.

المراجع
أفاق الاقتصاد العالمي، صندوق النقد الدولي، أكتوبر 2016 .

تقرير أفاق الاقتصاد العربي، الصادر عن صندوق النقد العربي، مارس 2016

نون بوست، هل تتشابه تجربة تعويم العملة في المغرب مع تجربة مصر؟، تاريخ النشر 19 مارس 2017، رابط: https://www.noonpost.org/content/17157

دويتشه فيله، ثمانية أسباب وراء انهيار أسعار النفط، رابط: https://goo.gl/gRS7XE

قاعدة بيانات البنك الدولي، رابط: https://www.worldbank.org/

بيانات موقع XE، رابط: http://aww.su/MpUov