بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةدراسات

أثر تصاعد العنف على دعم الأقباط للسيسي

الوسوم

 

يمثل الأقباط أكبر أقلية دينية في الشرق الأوسط، ويفوق عددهم إجمالي سكان بعض دول الإقليم، وتشير التقديرات إلى وصولهم إلى 10 مليون نسمة تقريبا، والغالبية العظمى منهم ينتمون إلى الكنيسة الأرثوذكسية من بين 21 كنيسة تمثل إجمالي طوائف المسيحيين في مصر.

ويعتبر الأقباط مكون رئيسي في المجتمع المصري، ويتمتعون ببعض عناصر القوة التي تم تراكمها تاريخيا، وأبرز هذه العناصر هو عدد الأقباط الكبير نسبيا بالمقارنة بأي جماعة مصالح داخل الدولة، إضافة إلى اتساع العلاقات الخارجية للأقباط والكنيسة الأرثوذكسية، وانتماء بعض عائلات كبار رجال الأعمال إليهم مثل عائلات ساويرس وغبّور، وتتضافر هذه العوامل في تشكيل ما يمكن الإطلاق عليه أكبر جماعة مصالح في النظام السياسي المصري، وظهرت فعاليتهم جليا إبان أحداث 30 يونيو، ودعم وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي لرئاسة الدولة في يونيو 2014.

وتاريخيا، تراوح موقف الأقباط من السلطة الحاكمة بين التأييد والموائمة والمعارضة، وتشهد مصر خلال فترة السيسي تزايدا ملحوظا في أعمال العنف التي تستهدف الأقباط، وصلت ذروتها بدءا من تفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر 2016 في وسط العاصمة، لتتكرر بعدها بعض العمليات الإرهابية التي أودت بحياة عشرات الأقباط.

ومع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة في يونيو 2018، يجدر بنا التساؤل حول مستقبل دعم الأقباط للرئيس الحالي في الانتخابات في ظل تصاعد عمليات العنف ضدهم، لذا تبدأ الورقة باستعراض أبرز مرتكزات علاقة السيسي بالأقباط، ثم تتناول الورقة بالتحليل أزمات العنف ضد الأقباط ونطاقها منذ عام 2016، وطبيعة تعاطي الدولة معها وردود الأفعال القبطية تجاه الأزمات المتتابعة، ما يساهم في استنتاج بعض المعايير المحددة لمستقبل دعم الأقباط للسيسي في الانتخابات الرئاسية المزمع انعقادها في منتصف العام المقبل.

أولا-ملامح العلاقة بين السيسي والأقباط

تتعدد ملامح العلاقة التي تجمع السيسي بالأقباط، وتقوم على بعض الشروط الضمنية، التي ترهن استمرار تأييد الأقباط للسيسي بها، وتحكم موقف الأقباط من تطور العملية السياسية بشكل عام، و فيما يلي أبرز ملامح علاقة السيسي بالأٌقباط:

تحالف السيسي والكنيسة الأرثوذكسية

دعمت الكنيسة الأرثوذكسية حركة 30 يونيو، ومثلت جزءا مؤثرا فيما يعرف بتحالف 30 يونيو، كما عمدت الكنيسة إلى دعم شرعية النظام المنبثق عن بيان 3 يوليو 2013، ما تمثل في عملها على حث الأقباط على المشاركة في التصويت على الاستحقاقات الانتخابية والدستورية، في ظل انخفاض نسب المشاركة العامة في هذه الاستحقاقات.

 وتستند علاقة التحالف التي تجمع السيسي والكنيسة الأرثوذكسية إلى العوامل التالية:

1-يحاول الطرفان حصر العلاقة بين الدولة والأقباط على التحالف بين النظام والكنيسة الأرثوذكسية، ويجمعهما الرغبة في تقويض دور الجماعات القبطية العلمانية المؤيدة للتغيير، التي تهدف إلى التقليل من المميزات السياسية التي تتمتع بها الكنيسة الأرثوذكسية، وهي الحركات التي تكاد تكون اختفت تماما طيلة الفترة الماضية.

2-يعمل نظام السيسي على إظهار الدعم للكنيسة من خلال الحرص على تنفيذ بعض مطالب الكنيسة الأرثوذكسية في مقابل استبعاد مطالب الجماعات والمؤسسات المسيحية الأخرى، ما حدث في عملية إصدار قانون بناء الكنائس على سبيل المثال، حيث اعتمدت الحكومة على المسودة المقدمة من قبل الكنيسة، وحصرت الحوار حول القانون معها، وغضت الطرف عن المسودات الأخرى سواء مسودات الأحزاب السياسية مثل الوفد أو المجموعات المسيحية الأخرى مثل تنسيقية المواطنة.

3-في المقابل تلعب الكنيسة أدوارا وظيفية لصالح نظام السيسي، أهمها التوسط بين النظام والأقباط إبان الأزمات المختلفة، ووقوفها ضد محاولات تأليب الأقباط على النظام في الداخل أو الخارج، عبر معارضة تدويل ملف الأقباط، ودعم السيسي في زياراته للخارج،وسبق ورفضت الكنيسة البيان الصادر عن الخارجية الأمريكية بخصوص أحداث العنف الطائفي في أبو قرقاص في مايو الماضي، كما أعلن البابا تواضروسٍ رفضه وصف نقل المسيحيين من سيناء بصفة ” التهجير”.

الوقوف ضد الإسلاميين: تعتبر من أبرز شروط نجاح العلاقة بين السيسي والأقباط، ويحمل هذا الشرط بُعدين رئيسيين على النحو التالي:

1-البعد الأمني المتعلق بضمان النظام لسلامة الأفراد والمؤسسات القبطية من أي اعتداءات ضدهم، سواء من جانب الجماعات الإرهابية أو أي أحداث توتر طائفي مع الأغلبية المسلمة.

2-البعد السياسي، والمقصود به الحيلولة دون تكوين أي نفوذ لقوى الإسلام السياسي، ما يدلل عليه حرص البابا تواضروس إعلانه رهن تحقيق المصالحة الوطنية بتوقف أعمال العنف ” لمدى زمني طويل”.

3-تحقيق مكاسب سياسية للأقباط: يتحقق هذا عبر زيادة التمثيل السياسي للأقباط، ما تحقق في البرلمان الحالي بزيادة تمثيل الأقباط إلى 39 نائب، كما يطمح الأقباط إلى إعادة صياغة علاقتهم بالدولة عبر إصدار تشريعات جديدة تضمن لهم بعض الحقوق على غرار قانون بناء الكنائس وإنشاء المفوضية الوطنية العليا لمكافحة التمييز.

توفيرالدعم الغربي للنظام: ويلعب الأقباط أدوارا مباشرة وغير مباشرة في هذا على النحو التالي:

يتمثل الدور غير المباشر في تسويق النظام صورته العلمانية دوليا، وتقديم نفسه كأكبر حارس لحقوق المسيحيين في الشرق الأوسط، ويحرص السيسي على مخاطبة العالم الخارجي من داخل الكاتدرائية المرقسية خلال أعياد الميلاد.

أما الدور المباشر تقوم به بعض التجمعات القبطية والكنائس في أوروبا والولايات المتحدة، وتقوم هذه المجموعات بتوفير الدعم للنظام من خلال علاقاتهم بهذه الدول، وتحرص هذه المجموعات على تقديم الدعم للنظام إبان زيارات الرئيس للدول الغربية بتنظيم بعض مسيرات ووقفات التأييد الشعبية.

ثانيا-أزمات العنف ضد الأقباط

تعددت أنماط ممارسة العنف ضد الأقباط خلال فترة السيسي ويمكننا تقسيمها حسب الجهة المنفذة لعملية العنف، وهنا يتم التفرقة بين الأعمال التي تشنها بعض الجماعات الإرهابية والأعمال التي يقوم بها بعض المتشددين الإسلاميين، وبصفة عامة يمكننا حصر الأسباب المباشرة في صناعة الأزمات الطائفية في مصر، في أربعة حزم رئيسية،هي:

1 –أزمات متعلقة بنشاط الجماعات الإرهابية:وشهد هذا النمط ارتفاعا ملحوظا خلال الستة أشهر الماضية، بعد الهدوء النسبي الذي أعقب حوادث الاعتداء على الكنائس في عام 2013، وتحديدا منذ ديسمبر 2016، وهو تاريخ تفجير الكنيسة البطرسية في وسط القاهرة، ثم اتسع استهداف نشاط الجماعات الإرهابية للأقباط في سيناء، ما أدى إلى هروب أغلبهم خارج سيناء، وامتد نشاط الجماعات الإرهابية إلى دلتا النيل مع تفجيرات كنسيتي ماري جرجس بطنطا والكنيسة المرقسية بالإسكندرية، وبهذايصل إجمالي ضحايا الأقباط إلى حوالي 80 متوفيا خلال 4 أشهر فقط، بخلاف المصابين.

2أزمات متعلقة بدور العبادة: من أكثر الأزمات تكراراً في فترة السيسي، وشهدت تزايداً ملحوظاً في شهري يونيو ويوليو 2016 قبيل إصدار قانون بناء الكنائس، مع حدوث 5 أزمات في محافظات المنيا والأقصر وبني سويف، وتكرر هذا النوع من الأزمات في أبريل 2017 في أزمة كوم اللوفي بالمنيا، وعادة ما يأخذ هذا النوع أحد نمطين:

  • منع الأقباط من إجراء بعض الإنشاءات على الكنائس أو استخدام أحد البيوت كدور للعبادة، من قبل قوات الأمن أو الأهالي.
  • الاعتداء على البنايات الدينية القائمة بالفعل بواسطة الأهالي والمتشددين.

وتقترن هذه الأعمال باشتباكات عنيفة في بعض الأوقات؛ وعادة ما تنتهي من خلال التدخل الأمني الذي كثيراً ما يثير غضب الأقباط. وقد تكرر ذلك خلال شهري مايو ويونيو 2016 في أزمتي كنيسة العامرية بالإسكندرية وكوم اللوفي بالمنيا.

3أزمات الأحوال الشخصية: تنتج عن بعض الخلافات الشخصية بين أفراد مسلمين وأقباط، خصوصا المتعلقة بقضايا الشرف والعرض. ويتسم هذا النوع ببعض السمات، أبرزها:

  • الطبيعة الفجائية، حيث تحدث الأزمات من هذا النوع بشكل فجائي دون مقدمات.

  • تركزها في الشرائح الاجتماعية الأدنى.

  • القابلية للانتشار على نطاق واسع.

  • القابلية للتدويل، نظراً لسهولة تصدير صورة الاضطهاد الاجتماعي للأقباط من ناحية، وتقاعس أجهزة الأمن عن حمايتهم من ناحية أخرى، وبالفعل أعلن أسقف المنيا عدم استطاعة الكنيسة منع أصوات الأقباط في الخارج إبان أزمة السيدة المسنة.

4 – أزمات قضايا الرأي والعقيدة: أقل الأنماط ظهوراً خلال فترة السيسي،  ويتعلق بقضايا التحول الديني أو مهاجمة أحد الأقباط للمسلمين، وتكمن خطورة هذا النمط في النقاط التالية:

  • من أكثر الأنماط سرعة في إثارة الاحتقان الطائفي بين الأهالي بسبب الغيرة الدينية.

  • لا يتوقف أثر هذا النمط على منطقة جغرافية بعينها، بل عادة ما يحظى باهتمام وتفاعل المواطنين في مختلف أنحاء الدولة.

ثالثاً-نطاق الأزمات الطائفية

نتناول ذلك بالتركيز على بؤر الانتشار والمنطق الحاكم لتطورها.

  • نشاط الجماعات الإرهابية: توعدت جماعة داعش، الأقباط في مصر بالمزيد من عمليات العنف، ونلاحظ وجود ثمة استهداف منهجي لهم من قبل الإرهاب، كما يتسم هذا الاستهداف باتساع النطاق الجغرافي، واستهدفت داعش الأقباط في سيناء والقاهرة والإسكندرية وطنطا، ما يدل على ثمة تطور مطرد في نشاط هذه الجماعات، وتهدف بهذا تقويض شعبية النظام لدى الأقباط، خاصة فيما يتعلق بقدرته على حمايتهم من الجماعات الإرهابية.

  • بؤر التوتر: من المُلاحظ تَركّز معظم الأزمات الطائفية الأهلية في محافظات صعيد مصر، ويمكن ردّ سهولة انتشار هذه الأزمات إلى عدد من العوامل التالية:

  • تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية: تعاني هذه المناطق من انخفاض مستويات الدخل، وتراجع خدمات الدولة بما في ذلك الخدمات الأمنية، وهى بيئة تساعد على نمو التشدد الديني والتطرف؛ وتاريخياً كانت محافظات الصعيد مصدراً للإرهابيين.

  • الكثافة السكانية للأقباط: تكررت التوترات الطائفية في المحافظات التي ترتفع فيها كثافة الأقباط، مثل أسيوط والمنيا.

  •  دور العدوى الاجتماعية: نظراً للتركيبة العشائرية والعائلية، فعادةً ما تنمو المشكلات الطائفية داخل نفس المناطق الجغرافية، وهذا يفسر تكرار الأزمات الطائفية في محافظات المنيا وبني سويف على سبيل المثال.

  • نمط التطور: من خلال التعقب الزمني لأحداث التوتر الطائفي الأخيرة، يتضح وجود ثمة منطق حاكم وراء اندلاعها، وكأن هناك شكل من أشكال القصد في تأجيج هذه التوترات،ونستنتج مما سبق وجود ثمة نشاط متطور، وربما درجة من التنسيق بين نشاط الجماعات الإرهابية وعمليات العنف الأهلي، وليس من قبيل المصادفة تكرار الأزمات الطائفية بين المسلمين والأقباط بعد كل عملية إرهابية، ما تكرر بعد تفجيري طنطا والإسكندرية، باستهداف الأقباط في كوم اللوفي.  

رابعا-إدارة الدولة لأزمات العنف

يمكن تحديد أبرز السمات التي غلبت على تعاطي النظام مع استهداف الأقباط على النحو التالي:

1 – مركزية دور الرئيس: ويتمثل ذلك فيما يلي:

  • يحرص السيسي على إظهار صورته كفاعل في عمليات العنف المتكررة، كما يحرص على التدخّل في بعض الأزمات بشكل شخصي أو عبر مساعديه، وسبق أن فوض ابراهيم محلب مساعد الرئيس للمشروعات القومية في التفاوض مع الرهبان إبان أزمة دير وادي الريان، كما حرص على الإعلان بشكل شخصي عن مرتكب عملية الكنيسة البطرسية في ديسمبر 2016، وحرص أيضا على إلقاء كلمة متلفزة بعد أحداث الإسكندرية وطنطا.

  • حاول السيسي كسب ودّ الأقباط، من خلال مشاركتهم في الاحتفالات الدينية، وإعلان تحركه السريع لحماية حقوقهم؛ ما تكرر في أزمات دير وادي الريان وأبو قرقاص بالمنيا، ويتسق ذلك مع ترويج السيسي لصورته لدى الغرب كقائد “منفتح دينيا” كما سبق الاشارة.

2 – الكفاءة الأمنية: يعد الملف الطائفي “منطقة نفوذ” تقليدية لجهاز الأمن الوطني، وذات الأمر بالنسبة لملف السلفيين (الطرف الثاني في كثير من الأزمات الطائفية وأحد أدوات تأجيجها). وفي هذا السياق يمكن وصف الدور الأمني بـ “المتراخي” في كثير من الأزمات، ومن الأمثلة على ذلك:

  • الأزمات الإرهابية: وتجلى في تفجير الكنيسة البطرسية وكنيسة ماري جرجس، التي تكرر خلالهما وصول أحد الانتحاريين الى داخل أماكن الصلوات وتفجيرها، دون أن يتعرض لأي فحص أمني دقيق.

  • أزمة المنيا: حدثت بعد عدة مشاحنات داخل القرية، وتقدم بعض أقباط القرية ببلاغ رسمي لقسم الشرطة قبيل الأحداث بـ 24 ساعة، ولم يتدخل الأمن لنزع فتيل الأزمة قبيل اشتعالها.

  • أزمة كنيسة العامرية: على الرغم من اعتداء بعض المتشددين المسلمين على كنيسة تحت الإنشاء، لجأت قوات الأمن إلى إلقاء القبض على بعض الأقباط، ما تسبب في إثارة غضب الأقباط

  • اتهام الأقباط للشرطة: تقدم بعض النواب الأقباط بطلب استجواب لوزير الداخلية بشأن التعامل الأمني مع الأزمات الطائفية، ما يفتح الباب أمام توجيه اتهام للشرطة بالتواطؤ أو الإهمال.

  • خلط الأوراق: على الرغم من وضوح وجود ثمة مشكلة في التعاطي الأمني مع أحداث الإرهاب والتطرف، رفض الرئيس المصري الحديث عن القصور الأمني، ويعود هذا إلىإدراكه أن التشكيك في الأداء الأمني قد يقوض شرعية الحماية التي سبق الإشارة إليها، وبدلا عن ذلك يلجأ الرئيس إلى إلقاء مسئولية الأزمات المتكررة على تطرف المجتمع والخطاب الإعلامي والمؤسسات الدينية، إضافةإلى أعداء الدولة في الخارج.

  • الاعتماد على الهيئات العرفية: على الرغم من صدور قانون بناء الكنائس، إلا أنه لازالت تعتمد الجهات الأمنية على الأليات العرفية في فض النزاعات حول أماكن الصلاة للأقباط، وتعتبر هذه الألية غير فعالة على المدى الطويل لعدة أسباب، هى:

  • تتحكم التوازنات الاجتماعية والسياسية في قرارات المجالس العرفية، ما يجعل الأزمات الطائفية رهينة تلك التوازنات، بل وتزيد من حجم الاحتقان، لذا فلا يحظى هذا المسار بقبول من الأقباط، ورفض الأنبا مكاريوس أسقف المنيا اللجوء للقضاء العرفي أو وساطة بيت العائلة في حل الأزمات الطائفية.

  • يعد افتقاد هذه الأداة للفاعلية أمراً طبيعياً في ظل غياب ضمانات حقيقية تكفل نزاهة عملية التحكيم العرفي، وكذا ضمان إلزام كل الأطراف بما تم التوصل إليه، ما يجعل عنصر التوافق غائب عن هذه الممارسات، وذلك على عكس الحال في جنوب الصعيد، حيث تعد جلسات التحكيم العرفي محل توافق من كل الأطراف نظراً لنجاحها في تحقيق العدالة من منظور الأطراف المتنازعة.

خامسا-موقف الأقباط من عمليات العنف

  • موقف الكنيسة الأرثوذكسية:عادة ما يتجنب بابا الكنيسة توجيه انتقادات للحكومة أو الرئيس، ويستعيض عن هذا بالدعاء لهم بالتوفيق، بينما يختص الأنبا مكاريوس أسقف المنيا بتوجيه الانتقادات، وفي حوار له مع موقع رويترز بتاريخ 13 أبريل 2017 انتقد الأسقف أداء الحكومة، وطالب بمزيد من الضمانات لحماية المسيحيين، كما نصح الرئيس السيسي بالاستعانة بمستشارين أمنيين ودينيين، ولم تكن هذه المرة الأولى التي ينتقد فيها الأسقف علنا الحكومة، وتكرر هذا إبان أحداث العنف في المنيا خلال عام 2016.

  • غضب الأهالي: ونقصد بها الشريحة غيرالمسيسةأوغير المنتميةلتنظيمات خارج الكنيسة، وعادة ما يتسم رد فعلها بالعفوية والتلقائية، وظهر جليا غضب الأقباط من أداء نظام السيسي إبان التفجيرات الأخيرة، ووصل غضبهم إلى الاعتداء بالضرب على مدير أمن الغربية أمام مقر الكنيسة بعد حادثة التفجير في طنطا، كما هتفوا ضد الرئيس والحكومة عقب الحادث مباشرة، في دلالة على وجود ثمة انخفاض في شعبية الرئيس لدى قطاعات من الأقباط.

  • موقف الجماعات القبطية: يثير تحالف الكنيسة والحكومة انتقادات من قبل الجماعات المسيحية العلمانية، وأصدر بعضهم بيانا في سبتمبر 2016، رفضوا ما اسموه “تدخل الكنيسة في السياسة”، ورأوا أن سياسات النظام الحالي لم تختلف تجاه الأقباط عن سابقيه.

  • الساسة الأقباط: على الرغم من حصول الأقباط على أكبر نسبة تمثيل لهم داخل البرلمان الحالي منذ عام 1952، إلا أن هذا الوضع لم ينعكس إيجابياً على فعاليتهم السياسية؛ بل على العكس، فقد فشل حزب المصريين الأحرار-الممثل السياسي الأبرز للأقباط-في تقديم استجواب لوزير الداخلية إبان أحداث المنيا، وهو وضع يصب في صالح الجهات القبطية المطالبة بحلحلة التحالف بين الكنيسة والنظام، مثل الحركات الشبابية القبطية أو أقباط المهجر.

وبصفة عامة تسعى الجماعات السياسية القبطية إلى استغلال الأزمات الطائفية في محاولة إحداث اختراق لاستئثار الكنيسة بالتواصل مع الدولة، وقد طالب اتحاد شباب ماسبيرو في يوليو 2016 بمشاركة الشباب والأراخنة مع رجال الدين في لجنة التواصل مع الدولة، كما ألمحت بعض قيادات الكنيسة إلى صعوبة سيطرتها على تحركات أقباط المهجر، خصوصا المعارضين لسياسات النظام الحالي.

سادسا-مستقبل دعم الأقباط للسيسي

يحدد استمرار دعم السيسي للأقباط بعض المعايير، وأهمها هي مدى نجاحه في الحفاظ على شرعية الحماية، ومدى رضاء الجماعات القبطية عن تحالف الكنيسة الأرثوذكسية معه، بالإضافة إلى تواجد مرشح قوى يستطيع المنافسة في انتخابات الرئاسة القادمة، ودرجة انتشار العمليات الإرهابية التي تستهدف الأقباط، إضافة إلى مدى تكرار أزمات العنف الطائفية؛ وطبقا لهذه المعايير يمكننا وضع ثلاث سيناريوهات رئيسية ترسم مستقبل علاقة السيسي بالأقباط، على النحو التالي:

  • تخلي الأقباط عن دعم السيسي

من الممكن أن يدفع تكرار العمليات الإرهابية وأحداث العنف إلى تخلي الأقباط عن دعم السيسي في الانتخابات الرئاسية القادمة، خاصةحال ظهور مرشح أخر قوى، ما قد يدفع الكنيسة الأرثوذكسية إلى إعلان حيادها تجاه الانتخابات الرئاسية في أضيق الأحوال، خصوصا إذا نجحت الجماعات القبطية العلمانية في كسب تأييد قطاعات واسعة من الأقباط، ونجاحها في تنظيم بعض الاحتجاجات ضد سياسات نظام السيسي، خاصة إذا فشل الأخير في تفعيل قانون بناء الكنائس، وتأخر إصدار التشريعات الأخرى المتعلقة بحقوق الأقباط، كإنشاء مفوضية التمييز وإصدار قانون ازدراء الأديان، علاوة على تضافر هذه العوامل مع الأزمة الاقتصادية الحالية.

ويقيد تحقق هذا السيناريو ارتكاز تحالف السيسي والكنيسة الأرثوذكسية على مصالح استراتيجية للطرفين، وتخوف الأقباط من عودة القوى الإسلامية الى العملية السياسية الرسمية، علاوة على عدم ظهور منافس قوى للسيسي حتى هذه اللحظة.

ويعتبر هذا السيناريو صعب التحقق إلى حد بعيد، إلا حال ظهور معارضة قوية لاستمرار السيسي من داخل مؤسسات الدولة المختلفة، وظهور مرشح رئاسي قادر على منافسة السيسي.

  • تعزيز دعم الأقباط للسيسي

قد يدفع تخوف الأٌقباط من عودة قوى الإسلام السياسي إلى استمرار رهانهم على السيسي، خاصة حال نجاح الكنيسة الأرثوذكسية في احتواء غضب الأقباط، ونجاح النظام في تقويض نشاط الجماعات القبطية العلمانية، وتفعيل قانون بناء الكنائس، واتخاذ خطوات جدية ناحية إقرار التشريعات الأخرى سالفة الذكر، والأهم هو نجاح الأجهزة الأمنية في السيطرة على انتشار العمليات الإرهابية وأحداث العنف الطائفي بين الأهالي، ناهيك عن غياب أي مرشح رئاسي قوى لمنافسة السيسي خلال الانتخابات القادمة.

وتقف عوامل انتشار عمليات العنف ضد الأقباط، وصعوبة تفعيل قانون بناء الكنائس في ظل التوازنات الاجتماعية الحالية أمام تحقق هذا السيناريو، خصوصا في ظل صعود بعض الأصوات القبطية المناهضة لتحالف السيسي مع الكنيسة الأرثوذكسية.

ويصعب تحقق هذا السيناريو أيضا في ظل صعوبة القضاء على الإرهاب في المستقبل القريب، وتوسع قضايا الخلاف التي تجمع السيسي والأقباط، وصعوبة وضع حلول جذرية تمنع تكرار حوادث العنف الطائفي الأهلية.

  • تقويض تحالف السيسي والكنيسة الأرثوذكسية

حال استمرار انحياز الكنيسة الرسمي للسيسي إبان الأزمات، على الرغم من قصور الأداء الأمني واستمرار عمليات العنف، وصعوبة تفعيل القوانين، وتصاعد تأثير نشاط الجماعات القبطية العلمانية؛ قد تدفع هذه الأوضاع نحو استمرار التحالف بين الكنيسة الأرثوذوكسية والسيسي، في مقابل تزايد الغضب القبطي ضد السيسي. وهي الصيغة التي حكمت علاقة الأقباط بالسلطة في السنوات الأخيرة قبل ثورة 25 يناير.

ويقيد هذا السيناريو الرغبة المشتركة لدى السيسي والكنيسة الأرثوذكسية في الحفاظ على الدعم القبطي لكليهما، إلا إنه يظل أكثر السيناريوهات ترجيحا، خاصة إذا ظهر مرشح قادر على منافسة السيسي في الانتخابات الرئاسية القادمة.

خاتمة: نحو حصار أعمال العنف ضد الأقباط

أصبح الأقباط هدفا سهلا للجماعات الإرهابية والمتشددين الإسلاميين، وكما سبق الإشارة تتعدد أسباب استهداف الأقباط، وتعد الأسباب السياسية في مقدمتها، علاوة على التطور الملحوظ في نشاط الجماعات الإرهابية، وفشل الأجهزة الأمنية في منع تكرار حوادث العنف والإرهاب، و المناخ الديني الذي يشوبه التطرف والتشدد، وبهدف تقليل حدة أعمال العنف التي تستهدف المدنيين الأقباط، يمكننا اقتراح بعض التوصيات:

  • تفعيل الإجراءات التشريعية: سواء من خلال تفعيل قانون بناء الكنائس، ومعاقبة مخالفيه بشكل عاجل وفوري، علاوة على سرعة الشروع في إصدار التشريعات المتعلقة بإنشاء مفوضية مكافحة التمييز، وقانون تجريم ازدراء الأديان، ما سيساهم في إصلاح البيئة التشريعية المصاحبة لعمليات العنف الطائفي.

  • إجراء إصلاحات سياسية: ويتم ذلك عبر فتح الباب أمام الجماعات السياسية المختلفة لطرح رؤيتها حول قضايا الأقباط في مصر، وإيجاد ألية للحوار مع الجماعات السياسية القبطية – خاصة أعضاء البرلمان-فيما يتعلق بإصلاح أوضاع الأقباط بصفة عامة، والتخلي عن منهج حصر العلاقة بين الدولة والأقباط على الكنيسة الأرثوذكسية، نظرا لما يمثله ذلك من خطورة قد تتراكم وتسبب صدعا في علاقة الكنيسة الأرثوذكسية بالأقباط.

  • إنشاء أليات وقائية: من الممكن أن تعمل الحكومة على تشكيل بعض اللجان الفنية لدراسة مسببات العنف الطائفي ووضع حلولا جذرية تمنع تكرارها، علاوة على الشروع في تنفيذ بعض المشروعات التنموية في بؤر التوتر الطائفي، ما سيساهم في خفض حدة التوتر إلى حد بعيد، خاصة إذا ما اقترنت بتفعيل خلايا استشعار الأزمات داخل مناطق التوتر.

  • إعادة النظر في الأداء الأمني: يرتفع أثر هذا العامل فيما يتعلق بالعمليات الإرهابية، ومن الممكن أن يتم اللجوء إلى تغيير بعض القيادات الأمنية كوسيلة لتهدئة الغضب القبطي، وإحلال محلهم قيادات أكثر قدرة على التصدي للعمليات الإرهابية قبل وقوعها، علاوة على رفع درجة الاستعداد الأمني وتفعيل أليات التدخل السريع قبل تفاقم الأزمات الطائفية المختلفة.

  • تطوير البيئة الثقافية: من خلال دعوة وسائل الإعلام إلى التركيز على قيم التسامح الديني، وإعادة لفت الانتباه إلى الدور الوطني للأقباط عبر التاريخ المصري الممتد، وتنظيم بعض الندوات بين رجال الدين الإسلامي والمسيحي تحث على قيم المواطنة، وتعيد التركيز على المشتركات الدينية التي تجمعهما.

الهوامش:

  • اسحق إبراهيم، ” في عُرف من؟: دور الجلسات العرفية في النزاعات الطائفية ومسئولية الدولة”، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، القاهرة، 2015.

  • “مقابلة-أسقف مصري: فرض حالة الطوارئ لا يكفي لحماية المسيحيين”، وكالة رويترز،13/4/2017، على الرابط:

http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN17F2C4

  • مارينا ميلاد، ” تصاعد الغضب القبطي من «دعم الكنيسة للسيسي»: لا لإقحام الدين في السياسة”، بوابة التحرير(القاهرة)، 19/9/2016، على الرابط: https://goo.gl/kpCZBW

 

 

إغلاق