دور منقوص : لماذا تتزايد مخاوف تحقيق الأمن الغذائي فى مصر؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
دور منقوص : لماذا تتزايد مخاوف تحقيق الأمن الغذائي فى مصر؟

دور منقوص : لماذا تتزايد مخاوف تحقيق الأمن الغذائي فى مصر؟




تشكل قضية الأمن الغذائي تهديدا على أمن واستقرار الدول من الناحية السياسة والاقتصادية والاجتماعية،فهي إحدى الأولويات التى تستحوذ على الاهتمام فى ظل ارتفاع نسبة من يعانون من نقص التغذية.

وعالمياً يعاني نحو 800 مليوناً من نقص التغذية، لذا ثمة تخوف دولي من تزايد حالة انعدام الأمن الغذائي وقضايا الفقر والحرمان، فعادة ما تحدث اضطرابات داخلية حينما تعجز الدول عن تلبية احتياجات المواطنين من الغذاء بالقدر الذي يمكنهم من العيش الكريم.

هذا، ووفقا لمفهوم الأمن الغذائي الذي تبنته منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وهو “ضمان أن كل الناس وفى كل الأوقات لديهم إمكانية بدنية واقتصادية للوصول إلى ما يحتاجونة من طعام أساسى”،نجد في الحالة المصرية نحو 5% يعانوا من نقص فى التغذية، بينما من يعانوا الفقر فى مصر نحو 27.8% من السكان آي أكثر من 30 مليون مواطن تحت خط الفقر ليس لديهم إمكانيات اقتصادية لتوفير الأمن الغذائي واحتلت مصر المركز 59 من بين 118 دولة على مستوى العالم في مؤشر الجوع والثالث عربيا عام 2016، وبهذا ثمة ما يدعو للقلق حيال وضغ الأمن الغذائي في مصر، ليس هذا فحسب بل إن الظاهرة في طريقها للتفاقم في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار نتيجة لسياسات الإصلاح الاقتصادي القائمة على تحرير العملة من جهة وخفض الإنفاق الحكومي والدعم.

 

 

معوقات تحقيق الأمن الغذائي في مصر

عقابات تواجة الأمن الغذائى

1- ارتفاع الأسعار:

واصلت الأسعار في مصر الارتفاع، ووصل معدل التضخم لمستويات قياسية، فكان لتعويم الجنيه المصري ورفع أسعار المحروقات أثرا كبيرا على معدلات التضخم التي وصلت إلى أرقام قياسية بعد أن بلغت نحو 33% في شهر نوفمبر 2017، كذلك يعزي جزء من ارتفاع أسعار السلع الغذائية لنقص المعروض السلعي والاعتماد على الواردات خاصة الغذائية منها، وكان انعكاس ذلك في تحميل الطبقة المتوسطة والفقيرة عبء ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية لدخولهم الأمر الذي تسبب في انخفاض نمو الاستهلاك فى الربع الأول من العام الجارى إلى 3.4% مقابل 5.1% في نفس الفترة من العام الماضي.

مصدر البيانات: البنك المركزي المصري.

2- تقلص نصيب الفرد من السلع الأساسية.

خاصة الحبوب الغذائية، القمح والأرز، فوفقا لدراسة بعنوان “اقتصاديات الأمن الغذائى فى مصر خلال الفترة (2006-2015)” الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن نسبة الاكتفاء الذاتي انخفضت من 56.4% إلى 49.1%، علاوة على انخفاض متوسط نصيب الفرد من القمح من 192.4كجم إلى 173.0 كجم بنسبة تراجع بلغت 10.1%،ويرجع ذلك إلى قلة الإنتاج من محصول القمح، إضافة إلى أزمة القمح الفترة السابقة نتيجة لوقف الواردات من القمح الروسى لاحتوائها على فطر(الإرجوت) مايشكل خطرا نتيجة لاعتماد مصر على نحو40% من احتياجاتها من القمح من الاستيراد، إذ يبلغ إنتاج مصر من القمح سنويا نحو 9.4 مليون طن، بينما حجم الاستهلاك الفعلي يبلغ 15 مليون طن، إلى جانب انخفاضمحصول الأرز من نحو976 ألف طن إلى 141 ألف طن.

 

3- تدهور القطاع الزراعي في مصر:

يمثل القطاع الزراعي الدرع الأساسي في تحقيق الأمن الغذائي في الدولة فهو يشكل القطاع الارتكازي من المنظور الاقتصادي والاجتماعي، وعدد العاملين به32% من إجمالي العاملين الذي يبلغ 9 ملايين شخص، فهي تمثل المصدر الأول للتشغيل، بينما تراجعت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، حيث بلغ 11.9% عام 2015 بعد أن كان يساهم بـ 15% من الناتج المحلي الإجمالي عام2000.

وبلغت نسبة مساحة الأراضى الزراعية 3.7% من المساحة الكلية عام2014،فهناك تآكل للرقعة الزراعية وتصحر بعض الأراضى الزراعية سواء للممارسات البشرية أو نتيجة للمتغيرات المناخية وقد تم حصر إجمالي الأراضي الزراعية التى جرى التعدى عليها سواء بالبناء أو التجريف حيث بلغت مليونا و443 ألف منذ عام2011.

فضلا عن غياب التصنيع الزراعي، وتدنى جودة المنتج، إذ تحتل مصر المركز 58 عالميا فى جودة وسلامة الغذاء.

4- أثر التغير المناخي على الأمن الغذائي:

تعد ظاهرة التغير المناخي من الظواهر المرتبطة ارتباطا وثيقا بالأمن الغذائي لتأثيرها على الإنتاج الزراعي لبعض المحاصيل بالسلب، فالدراسات التي أعدتها الجهات المتخصصة في مصر أوضحت أن تغير المناخ على مصر سيتسبب في نقص موارد المياه وبالتالي نقص الإنتاج الزراعي فإن التغيرات المناخية ستؤدى إلى نقص محصول القمح بنسبة 18% والذرة بنسبة 19% والأرز بنسبة 11%حتى عام 2050، علاوة على صعوبة زراعة بعض أنواع المحاصيل مع حدوث تراجع فى معدل تدفق المياه فى نهر النيل ما يؤثر بالتبعية على كمية المياة الجوفية في دلتا النيل والمياه الجوفية الصحراوية والخزانات الجوفية وتغير فى أماكن سقوط الأمطار ومواسمها، ومن المتوقع أن تتأثر التربة الزراعية وتتآكل، وهناك ظواهر في زيادة مساحات الأراضي المصابة بالتملح وارتفاع مستوى الماء الأرضي، كل هذا يؤثر على إنتاجية هذه الأراضي.

5- التبعية الاقتصادية:

اعتماد الدولة على المصادر الخارجية في توفير جزء كبير من السلع ومن ثم زيادة اعتمادها على العالم الخارجي في سد العجز الغذائي عن طريق الواردات الغذائية وفي ظل الزيادة السكانية وزيادة الطلب على الغذاء بمعدلات أكبر من معدلات نمو الناتج المحلي من الغذاء والارتفاع المتواصل للأسعار وقد لا تمتلك الدولة الموارد المالية الكافية لاستيراد الغذاء فتلجأ إلى الاقتراض مما يترتب عليه زيادة حجم ديونها الخارجية وزيادة فى عجز موازين التجارة الخارجية.

هذا دفع إلى انخفاض في موارد النقد الأجنبي في تغطية الواردات الغذائية فأصبح إعطاء الأولوية لاستيراد الغذاء على استيراد السلع الاستثمارية، وهذا يبطيء معدلات التنمية الاقتصادية، فإن فاتورة استهلاك المصريين للقمح تصل إلى نحو 4.5 مليار دولار، فالدولة ملزمة بتوفير نحو 3.5 مليار دولار سنويا من أجل فاتورة واردات القمح فقط.

المصدر البيانات:وزارة التجارة والصناعة( قطاع نقطة التجارة الدولية المصرية).

 

 

استراتيجية تحقيق الأمن الغذائي في مصر

لا بقاء بدون غذاء، لذا فإن توفير الغذاء وتحقيق الأمن الغذائي يستوجب استراتيجية شاملة ومستدامة لتحقيق قدر معقول من المحاصيل المنتجة محليا والسعي المستمر نحو رفع معدلات النمو الاقتصادي وتوفير النقد الأجنبي للقدرة على الوفاء بمتطلبات استيراد الغذاء، و يواجه قطاع الزراعة عدد من التحديات المعيقة فعليا لأي تقدم في مسار الأمن الغذائي فالقطاع الزراعي في حاجه عاجلة لضخ استثمارات جديدة وتنميته أفقيا ورأسيا من خلال:

1. زياده حجم الاستثمار في القطاع الزراعي: من خلال زيادة دور صناديق الاستثمار في المشروعات الصغيرة والمتوسطة للاستثمار فى أنشطة القطاع لأن غالبية الشركات الخاصة بالاستثمار في القطاع الزراعي شركات صغيرة ومتوسطة، وأن يكون هناك استثمارات طويلة الأجل تضمن تطوير البنية التحتية في مناطق الاستثمار وزيادة فاعلية مؤسسات الاستثمار مع الحد من المخاطر التي يتعرض لها الاستثمار الزراعي، علاوة على إنشاء شركات استصلاح أراضى وشركات خاصة بالقطاع تأخذ الطابع المؤسسي وتستوفي شروط القيد في البورصة، وأن يكون هناك تدخلا فاعلا من الدولة لتقديم الدعم المالي والفني ووضع قوانين استثمارية مناسبة من حيث الضرائب والرسوم الجمركية على مستلزمات الإنتاج الزراعي وعلى آلات الزراعة والتكنولوجيا التى تستورد من الخارج وتحديث البنية التحتية لقطاع الزراعة وإنشاء بنوك زراعية جديدة في تمويل القطاع الزراعي.

2- حماية الأراضى والبيئة الزراعية: زادت التعديات على الأراضي الزراعية مؤخرا خاصة منذ عام 2011 وهنا نلاحظ ضرورة تفعيل كل القوانين والتشريعات التي تحمي الأراضي الزراعية، واستحداث تشريعات جديدة تجرم التعدي على الأراضي الزراعية والعمل من أجل زيادة إنتاجية الأراضي الزراعية بالتنمية الرأسية وتشجيع بحوث الإنتاج الزراعي وتحسين السلالات ذات الإنتاجية العالية.

3- تطبيق نظم الري الحديثة والحفاظ على مياة الري: باعتبار أن المياه هى العنصر الحاسم في التنمية الزراعية والتوسع الأفقي والرأسي واستخدام أساليب قديمة في الري تتسبب فى هدر كميات كبيرة من المياه، وطرق الري بالغمر الذي يتسبب في رفع نسبة الفاقد من المياه، لذا يجب توسيع استثمارات البنية الأساسية مثل إعادة تطهير المصارف والترع والتوسع في استخدام الري بالتنقيط والري بالرش.
أصبح إلزاما البحث عن مصادر جديدة للمياه في ضوء محدودية المياه والمخاطر المتوقعة من جراء سد النهضة الأثيوبي،فدور الحكومة مهم في سن التشريعات والقوانين في رقابة مصادر المياه وإعادة تدوير مياه الصرف الزراعى لإعادة استخدامها بالري وذلك وفقا للمواصفات العالمية التي لا تؤدي لتلوث الغذاء،والبحث عن المياه الجوفية ومساهمة القطاع الخاص في تدوير وتكرير مياه الصرف الزراعي بإعفاء المعدات المستخدمة فى تكرير المياه من الرسوم الجمركية.

4-السياسة السعرية الزراعية: تبنى سياسة سعرية عادلة لحماية الأسعار من التقلبات الشديدة وعدم التلاعب بالأسعار وتنظيم العلاقة بين المنتجين والمستهلكين،بأن يكون هناك سعرا مناسبا ومجزيا للمزارعين يحفزهم لزيادة الإنتاج ومن ثم زيادة الدخل وارتفاع مستوى المعيشة والحصول على الغذاء المناسب من خلال إنشاء صندوق لموازنة الأسعار لمواجهة ظروف الإنتاج الطارئة بما يحقق الاستقرار والأمان للمنتجين على أن يخصص تمويله من ميزانية الدولة، لتوفير السلع الغذائية في الأسواق بأسعار ملائمة للمستهلك، فالسياسة السعرية ضرورة لتحقيق التنمية الزراعية المستدامة وزيادة الناتج المحلي الإجمالي لقطاع الزراعة.

6- استراتيجية النهوض بقطاع التصنيع الزراعي: بخلق قيمة مضافة للحاصلات الزراعية، بدلا من تصديرها في صورتها الخام، علاوة على تحسين جودة المنتج الزراعي الذي بدء يفقد أسواقا خارجية نتيجة للإفراط في استخدام المبيدات والمخلفات الحيوانية.

7-السياسة التسويقية وارتباطها بالتصنيع الزراعي: تفعيل دور الشركات التسويقية وتطويرها لتقوم بعمليات التسويق وتقوم الجمعيات بإنشاء مراكز لتجميع المنتجات الزراعية وتوفير وسائل النقل والعبوات الجيدة، و إنشاء شركات تسويق كبيرة ذات إمكانيات مناسبة تزيد من قدرة تنافسية المحاصيل الزراعية المصرية فى الأسواق العالمية وتكون قادرة على الوصول للمنتجين في مزارعهم ومدهم باحتياجاتهم ومساعدتهم على تحديث أساليب الزراعة ما يساعد على النهوض بالتصنيع الزراعي في تطوير الحاصلات الزراعية المستخدمة في التصنيع ومنافستها السلع البديلة المستوردة.

8- تفعيل قانون الزراعة التعاقدية: وهي تساهم فى تحفيز المزارعين،فالأسعار المعلنة مسبقا تشجع المزارع على زيادة إنتاجه وعدم الخوف من تدهور الأسعار أو عدم القدرة على تصريف الإنتاج فعلى سبيل المثال يمكن زراعة مساحة لاتقل عن 3.5 مليون فدان من القمح بنظام الزراعة التعاقدية بسعر إردب 600جنيه وهو سعر أعلى من السعر العالمي فهذا يدفع المزارع لبذل الجهد ما يساعد على زيادة المساحة المنزرعة للقمح ويساعد على توفر قيمة استيراد القمح الذى يبلغ 3.5 مليار دولار سنويا من الموزانة العامة للدولة، وقدر صدر القانون بإنشاء مركز للزراعات التعاقدية بموجب القرار رقم 14 لسنة 2015 إلا أن دوره غير فاعل.

9- ترشيد الاستهلاك الغذائي: يتمثل في الإجراءات التى تتبعها الدول لضبط وتنظيم الاستهلاك بما يحقق أكبر منفعة اقتصادية على المستوى القومي و الفردي عن طريق تشجيع الزيادة في استهلاك السلع الزراعية الأقل تكلفة وهذا يتطلب نشر الوعي الغذائي للمستهلكين وإعداد نمط غذائي يتماشى مع المعايير الدولية وتعديل أنماط استهلاك الغذاء عن طريق اتخاذ إجراءات تتمثل في فرض سياسة ضريبية تستهدف الأغنياء المستهلكين ممن يستفيدون بالدعم الاستهلاكي، وتحديد الفئات المستهدفة آى الفئات محدودة الدخل عند تطبيق أى سياسة من سياسات الدعم حتى لايتسرب إلى غير مستحقين مع المتابعة الدورية لمستحقي الدعم لأن مستحق الدعم اليوم قد لا يستحق الدعم غدا.

10- زيادة المعروض من السلع الغذائية: من خلال توفير صوامع جيدة لتخزين الغلال حتى لا تتعرض للتلف مع التسهيل على الفلاحين الصغار توريد محصولهم والوصول إلى الأسواق لبيع إنتاجهم بأسعار مجزية ودعم الفلاح سواء فى الإنتاج أو التصدير أو عن طريق شراء المنتجات مع توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي بتكلفة مناسبة،مع ضمان توفر شروط الجودة في السلع الغذائية المنتجة محليا أو المستوردة لضمان توفير الغذاء الصحي وسهولة الوصول إليه بالأسعار المناسبة وفي جميع الأوقات.

 

وإجمالا: فقد أصبحت قضية الأمن الغذائي فى مصر من قضايا الأمن القومي، وهي بذلك أضحت من الأولويات على أجندة الحكومة لتحقيق الاستقرارالداخلي، ويعد تنمية قطاع الزراعة محور هذه القضية في ظل الزيادة السكانيةالمتنامية.

علاوة على ضرورة حماية الأراضي الزراعية وتأمين الموارد المائية والعمل على التعاون العربي ودول حوض النيل وفتح الأسواق بين الدول والتعاون بين مصر والسودان في إمكانية التوسع الزراعى و خلق سوق عربي مشترك مايزيد من القدرة التنافسية بين الدول.

المراجع:

1- معهد التخطيط القومي، نحو تحسين أوضاع الأمن الغذائى والزراعة المستدامة والحد من الجوع فى مصر: سبل آليات تحقيق الهدف الثانى من أهداف التنمية المستدامة العالمية(2016-2030)، يوليو 2016.

2- أحمد بن محمد توفيق الفيل، استراتيجية الأمن الغذائى في جمهورية مصر العربية، مجلة الحقوق للبحوث القانونية الاقتصادية (مصر)، 2009.

3- Global Food security index, The Economist, Intelligence Unit,2015/2016

4- اليوم السابع، اقتصاديات الأمن الغذائى فى مصر خلال الفترة (2006-2015)”، مارس 2017.

5- الأهرام الاقتصادى، الزراعة قاطرة النمو المعطلة، العدد2496، 9 أبريل 2017.

6- الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، مصر في أرقام 2016.