بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةدراسات

سباق تسلح خفى .. كيف تمثل غواصات «التايب المصرية» نقلة نوعية أمام الغواصات الإسرائيلية؟

الوسوم

كسلاح بحري، برهنت الغواصات منذ استخدامها الأول فى المسارح العملياتية الحربية قبل 100 عام على أهمية دورها كعنصر رئيس من عناصر تحقيق السيادة البحرية، نظرًا لإمكانية الإبحار المستتر الذى توفره الغواصات وحدها دون أعتى وحدات السطح الشبحية حاليّا، ومع مرور الوقت وتتابع الحروب بدءًا من الحرب العالمية الأولى مرورًا بالثانية وصولاً للحرب الباردة؛ زادت القيمة القتالية للغواصات وأصبحت محل تنافس قوى ودائم بين بحريات أقطاب الأقاليم والعالم للسيطرة على أعالى البحار و إحكام التفوق النوعى فى المياة الإقليمية، ما أدّى إلى توجيه جزء ليس بالهين من التطور التكنولوجى العسكرى لسلاح الغواصات، فتم تحسين أدائها الميكانيكي، وعتادها التسليحى، وأنظمة الحرب الإلكترونية والاستطلاعية العاملة ببدنها، وعلى الرغم من التطور التقنى الحاصل بمكينات الحرب بصورة عامة، إلا أن الغواصات لازالت تتمتع بالقدرة على الاختفاء والاقتراب من أهدافها المعادية بدرجة تثير القلق والحذر المبالغ لمختلف نوعيات سفن السطح، حيث أصبحت مهام التأمين ضد الغواصات من المهام الصعبة والمعقدة التى تتطلب تكوين وحدة  قتالية متكاملة الأركان والمهام تُفَعِل بدورها أولى مبادئ معركة الأسلحة المشتركة، لتحقيق التصدى لخطر الغواصات بدرجة محدودة النجاح، إذ لا يمكن على الرغم من وجود تطور كبير فى هذا الاتجاه ضمان التأمين ضد الغواصات بدرجة عالية من الكفاءة.

أما على المستوى الاستراتيجي، يتضح أن سلاح الغواصات يوفر للبحريات الصغيرة القدرة على إعاقة وتهديد نشاطات البحريات الكبيرة، فمثلاً كانت حكومة ألمانيا النازية قٌبيّل اندلاع الحرب العالمية الثانية بوقت قصير لا تمتلك أسطول بحرى كبير يمكنه مواجهة أكبر قوة بحرية فى العالم فى ذلك الوقت “البحرية الملكية البريطانية”، فاتجهت ألمانيا النازية إلى التركيز على سلاح الغواصات ومحاصرة جزيرة بريطانيا عبر مهاجمة السفن التجارية والحربية، ففى أول ثمانية أشهر من عام 1941، نجحت الغواصات الألمانية فى إغراق 328 سفينة انجليزية (تجارية – حربية)، وبات سلاح الغواصات الألمانية على وشك تجويع بريطانيا، وشلّ قدرتها على الصمود بقطع خطوط الإمداد والتموين، وتدمير أسطولها البحرى بوتيرة متسارعة ومن الأعماق لولا الدعم الأمريكى والبدء فى تطوير أجهزة السونار المختصة بالكشف عن الغواصات. توفر الغواصات ثقلاً نوعيًا للبحريات الصغيرة، وتعطيها ذراعًا إضافية، قادر على تهديد وإرهاق الأهداف المعادية حتى مع تطور أساليب مواجهة الغواصات (anti submarine warfare)، لذلك حرصت البحريات الصغيرة على مواكبة التطور الحاصل فى صناعة الغواصات وإدخال تعديلاتها الخاصة عليها، وتحويلها فى بعض الترسانات البحرية المتقدمة تقنيًا وتسليحيًا لمنصات إطلاق للصواريخ الباليستية القادرة على حمل الرؤوس النووية فضلا عن الصواريخ الجوالة، التى تهدد قطح السطح البحرية والأهداف الساحلية، وكذا البرية فى عمق البيئات التضاريسية شديدة العدائية. فى البحريات الصغيرة يمثل امتلاك الغواصات الحديثة خطوة ضرورية لتعويض الفارق الكمّى والكيّفى مع الخصم والعدو إن وُجِد فى نطاق بحرى عالمى أو إقليمى.

وبالنظر إلى إقليم شرق المتوسط، نجد أن هنالك العديد من البحريات التى تشهد سباقًا خفيًا نحو امتلاك أفضل القطع البحرية بشتى أنواعها، للإبقاء على موازين القوى كما هى من جهة، ومن جهة أخرى لتعويض فارق نوعي بينها وبين غيرها، من هذه البحريات، البحرية المصرية، والإسرائيلية. فعلى الرغم من تفوق البحرية المصرية كمًا ” إذ تمتلك قرابة الـ 245 قطعة بحرية تقريبًا، بينما تمتلك “إسرائيل” 66 قطعة”، فالإثنين متعادلين فى القوة النارية بعد حذف القدرة النووية الإسرائيلية.

لكن سرعان ما أدركت “إسرائيل” أنها ليست بحاجة لتعدد وكثرة أعداد قطع السطح من مدمرات وفرقاطات ولنشات صواريخ، نظرًا لطبيعة السواحل التى تنشط قبالها، واحتكام العقل الإسرائيلي لعدة اعتبارات جيوستراتيجية في نظرية الردع النووى. توجهت إسرائيل للأعماق، بعدما درست نقطة ضعف حساسة فى قوام أركان البحرية المصرية، وهي اهتراء وتهالك أسطول الغواصات المصرية. حيث تمتلك مصر 4 غواصات قديمة، طراز “روميو”،  صينية، يشكلون نواة وحيدة لسلاح الغواصات لديها وذلك قبل إبرام صفقة الغواصات الأخيرة.

خضعت الروميو المصرية للتطوير في أواخر التسعينات لرفع كفائتها القتالية من عدة محاور منها :

أولاً : قدرات ميكانيكية

  • مولدات كهربائية جديدة بقوة 7 كيلوفولت
  • تعديلات على المحركات وتركيب عوازل صوتية لخفض البصمة الضوضائية للمحرك.
  • زيادة قدرة الغواصة للبقاء تحت الماء على عمق 300 متر لمدة 50 يومًا تقريبًا ما يثير التساؤل والشك حول تركيب نظام دفع وتوليد هواء مستقل AIP Air) Independent-Propulsion) وهو نظام يعمل على توليد الأوكسجين داخل الغواصة دون الحاجة لأنبوب غاطس للتزود بالهواء من فوق سطح البحر.

ثانيًا : قدرات نارية

  • قدرات إطلاق صواريخ (UGM-84/Harpoon) الأمريكية المضادة للسفن من تحت سطح البحر.
  • قدرة إطلاق طوربيدات MK-37 الأمريكية بجانب الطوربيدات الصينية التي تحملها الغواصة من عيار 533 ملم

ثالثًا: أنظمة تحكم نيراني

نظام تحكم وإدارة نيرانية مصري ENFCS Egyptian Navy Fire-Control System مع شاشتي عرض بيانات ومهمات متعددة الأغراض

  • أنظمة سونار في مقدمة وأعلى منتصف الغواصة من شركة ATLAS ELEKTRONIK الألمانية من النوع CSU-3-4 إيجابي/ سلبي مع مصفوفة مسح سلبي من النوع PSU-2/83 مع تعديل الهيكل الأمامي لاستيعاب السونار الجديد

كانت تلك أبرز أعمال تطوير غواصات الروميو المصرية، التى مكنتها من القيام بمهام الدورية الساحلية، لكنها لا ترقى لمهام الردع والحماية مع الوتيرة المتسارعة لصناعة الغواصات التى أنتجت أجيالاً جديدة أكثر فاعلية وأهمية، جعلت من أعماق البحار خطرًا لا يٌستهان به. شكلت نقطة الضعف تلك (سلاح الغواصات) لدى البحرية المصرية حجر زاوية في إنطلاق سباق تسلح خفى بين مصر و”إسرائيل” في الأعماق، يدور السباق طبقًا للجهة المصرية لمعادلة موازين القوى، ومن الجهة الإسرائيلية يدور حول تعظيم الفجوة والفارق بين قدرات البحريتين فى أعماق البحار.

غواصات الدولفين .. ابتزاز سياسي واحتكار للغواصات الألمانية

بدأ الاهتمام الإسرائيلي لتحقيق التفوق فى أعماق البحار فى أواخر التسعينات، بعد تركيزه مع الترسانة المصرية الضعيفة من الغواصات، حيث أدرك صانعوا القرار فى “إسرائيل” أن ثمة فرصة متاحة لتحقيق “هيمنة الأعماق”، فظهرت غواصات الدولفين أمام أعين العسكريين الإسرائيليين حين قام نظام الرئيس العراقى الراحل صدام حسين بمفاوضات مع شركة “دويتشية فيفريت” الألمانية المصنعة لغواصات الدولفين فى التسعينات، ما استغلته إسرائيل لإطلاق حملة ضغط سياسي وإعلامي على الحكومة الألمانية لوقف الصفقة، بل وتحويلها إليها، وبالفعل وفي عهد المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر استلمت إسرائيل الغواصات الثلاثة، حيث شارك مع وزير خارجيته يوشكا فيشر، في احتفال رسمي عقد بميناء حيفا، برفع العلم الإسرائيلي على الغواصات الثلاثة في 1999.

ونتيجة لمحطات الابتزاز الإسرائيلي تحملت ألمانيا معظم تكاليف تصنيع الغواصات الثلاثة، لكن “إسرائيل” واصلت ابتزازاتها السياسية لاحتكار امتلاك هذا النوع من الغواصات فى محيط عربى وإسلامى واسع يشمل دائرة تبدأ من باكستان وتنتهي بأطراف الأطلسي غربًا، حيث اعترضت “إسرائيل” على نية ألمانيا تزويد باكستان بهذا النوع من الغواصات الحديثة “دولفين”. حيث صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حوار له قبل أربعة أعوام مع صحيفة “بليد” الألمانية بمعارضته لصفقة تزويد باكستان بهذه الغواصات، مذكراً  أن باكستان لا تعترف رسمياً بإسرائيل وتنغمس في سباق تسلح نووي مع الهند، وتزويدها بالغواصات الألمانية قد يشعل سباق تسلح في العالم، مشدداً على أن تسليح باكستان بهذه الغواصات ضد مصلحة إسرائيل.

 كما ساد فى ألمانيا حينها اعتراض بعض صانعى القرار  الألمان على هذه الصفقة، لأسباب منها عدم الاستقرار السياسي في باكستان وكثرة التهديدات الإرهابية واكتشاف علاقات بين مسئولين في الاستخبارات الباكستانية وتنظيمات متطرفة، كذلك خشية وقوع هذا النوع من الأسلحة المتطورة في أيدي أي نظام متطرف قد يأتي في باكستان وينتهج نسق دفاعى عدائى ضد إسرائيل.

وبهذا احتكرت تل أبيب ضمنيًا عروض غواصات الدولفين الألمانية فى الشرق الأوسط لفترة قصيرة، بيد أن الاحتكار كان غير مُجدى اقتصاديًا للشركات المصنعة، نظرًا لابتزاز “إسرائيل” المستمر وتحمُّل حكومة ألمانيا لمعظم التكاليف فى الدفعة الأولى من الغواصات. فكانت صفقة “تايب 209” مع مصر هي الحل الآمن بالنسبة للحكومة الألمانية، فمن ناحية أوجدت برلين زبون أخر يكسر الاحتكار الإسرائيلي البخس، ويصحب معه احتمالية فتح سوق واسع في المنطقة للغواصات والقطع البحرية ألمانية الصنع، ومن ناحية أخرى التزمت الحكومة الألمانية  بتعهدات لطالما أكد عليها ساستها، منها ضمان تفوق البحرية الإسرائيلية، وضمان “سلامة الشعب اليهودي”. حيث جاء هذا الالتزام ليقوي موقف الحكومة الألمانية فى سعيها لتوسيع دائرة زبائنها في الشرق الأوسط، فضلا عن تطمين مراكز الضغط الإسرائيلي المتمثلة في الدوائر الدبلوماسية والاستخباراتية التى تضع نصب أعينها لتعطيل حصول دول جوارها الاستراتيجي على أي من قطع السلاح النوعية الحديثة، لكن قبل الخوض فى غمار صفقة غواصات “التايب 209″ بين القاهرة وبرلين وما صاحبها من معركة دبلوماسية واستخباراتية، يجب أولاً تقدير الأطر الاستراتيجية لهمينة تل أبيب على أعماق بحار الشرق الأوسط، من خلال عرض قدرات غواصات الدولفين التى حصلت عليها والإطار الزمنى لاستلام دفعات الغواصات الجديدة، تمهيدًا لإيضاح الدور الذي ستلعبه نظيرتها المصرية ” تايب 209″.

الدولفين .. نقلة نوعية فى استراتيجية تل أبيب للهيمنة البحرية

فى أكتوبر من العام الماضى أعلنت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، أن إسرائيل بصدد التعاقد على 3 غواصات دولفين إضافية طراز ” دولفين 2″ بعقد تبلغ قيمته 1.2 مليار يورو. تأتي تلك الدفعة الجديدة من غواصات “الدولفين2 ” لاستبدال أول 3 غواصات حصلت عليها تل أبيب من ألمانيا  بدءا من عامي (1998 – 1999)، “دولفين1”. تمتلك البحرية الإسرائيلية حاليًا 5 غواصات دولفين مُنقسمة إلى 3 غواصات دولفين-1 دخلت الخدمة في يوليو 99 ونوفمبر 99 ويوليو 2000 على التوالي، وغواصتين دولفين-2 دخلتا الخدمة في سبتمبر 2014 ويناير 2016، وفي حين أن الغواصة السادسة طراز دولفين-2 من المنتظر وصولها عام 2018 . وبعد التعاقد على 3 غواصات دولفين-2 إضافية، ستخرج الثلاث غواصات دولفين-1 من الخدمة ليصبح لدى البحرية الاسرائيلية 6 غواصات سوبر دولفين هي الأغلى والأكثر تطورًا في قواتها المسلحة، لتمثل غواصات الدولفين 2 بذلك العصب التسليحي لهيمنة تل أبيب على الأعماق، فضلاً عن كونها سلاح الدرع الرئيسي وذراعها الطولى في ترسانتها العسكرية بجانب مقاتلات الجيل الخامس F35.

مواصفات غواصات “الدولفين2”

لدي “الدولفين2” تسليح متنوع يمكنها من حمل 16 طوربيدًا مختلف الأعيرة، أو صاروخًا من نوع هاربون الذي يزن 227كجم، ويصل مداه إلى 130كلم، فضلاً عن صواريخ سطح/ جو، ونظام (Trayen) المضاد للطائرات العمودية، لكن تكمن قوتها النيرانية الرئيسية فى الطوربيدات حيث تمتلك :

أربعة أنابيب عيار (650) مم.

6  أنابيب، عيار (533) مم، كما يوجد في المقدمة نظام (STN Atlas DM24-A4)

أما عن الآداء الميكانيكي، فتبلغ إزاحتها قرابة 1900 طن، ويزيد طولها بـ 10 أمتار عن “الدولفين1″، ليصل لـ 65 مترًا، وبدنها مبنى على الغواصة تايب 212، وهي مصممة طبقًا للمواصفات الإسرائيلية لإطلاق الصواريخ الجوالة للأهداف بعيدة المدى من طراز (Popeye Turbo) البالغ مداها 1500 كيلومتر، والحاملة لرؤوس نووية تكتيكية تمنح “إسرائيل” قدرة شنّ ضربة نووية ثانية، فهى قطعة بحرية تجسد فكرة الاحتفاظ بقوة ردع نووي بحري مستندة إلى الغواصات النووية حاملة الصواريخ الباليستية عابرة القارات التى لا تزال القاعدة الأساسية التي تبنى عليها نظرية الردع النووي.

المعدات والتجهيزات الإلكترونية للغواصة تخضع لسرية شديدة في بعض مكوناتها، لكن ردارها الرئيسي من نوع (Elta) وهو رادار بحث/ ملاحى يمكنها من إجراء عمليات الرصد والاستطلاع وجمع المعلومات وتوجيه الضربات بدقة كبيرة، يصل مدى الإبحار لديها طافية لـ 15 ألف كليو متر، بسرعة 14 كيلومتر / ساعة، وغائصة بمدى 752 كيلومتر بنفس السرعة تقريبا،  قدرة بقائية من 30 – 50 يوما وأقصى عمق 350 مترا وطاقم من 30 فرد منهم 5 ضباط وعمر افتراضي يصل لـ 40 عامًا.

تتكلف الغواصة الواحدة حوالي 500 مليون يورو (للدولفين) و 700 مليون يورو (للسوبر دولفين) و تقوم الحكومة الألمانية بتحمل 1/3 التكلفة تقريبا. وبسبب حساسية مشروع “الدولفين” بالنسبة لإسرائيل؛ تم منع مزدوجى الجنسية من الصهاينة من الخدمة على تلك الغواصة، فهى تعتبر سلاح ردع استثنائي من خلاله يمكن لإسرائيل أن تطول أهداف إقليمية حساسة، منها مهاجمة الأهداف النووية لطهران وهو الأمر المسيطر على هواجس صانعي القرار في تل ابيب.

في هذا السياق، رأى جاي بيخور، المحلل العسكري لصحيفة “يديعوت أحرنوت” في مقال له قبل أربعة أعوام، معنون بـ”هيمنة إسرائيل على الأعماق”، أن سعي إسرائيل الكبير لامتلاك أسطول غواصات قوي، لا يتوفر إلا لدول قليلة بخلاف روسيا والولايات المتحدة والصين، ومن هذا المنطلق سيوفر لإسرائيل “اليد الأطول” في أي مواجهات قادمة في المنطقة، وفي إشارة لتفوق البحرية الإسرائيلية لأول مرة على البحرية المصرية بفضل أسطول الغواصات، قال بيخور أن التفوق النوعي والعددي للبحرية المصرية على البحرية الإسرائيلية أصبح غير ذا قيمة بعد التفوق الإسرائيلي في أعماق البحار، وأن القاهرة القلقة حالياً لا تملك موارد تجعلها تلحق بإسرائيل في هذا المضمار، حيث أن تكلفة الغواصة الواحدة تتراوح  بين 500 إلى 850 مليون دولار، مشيرا إلى عدم صلاحية سلاح الغواصات المصري، واصفاً إياه بـ”عفا عليه الزمن”، مضيفاً، أن مصر لم تكن تهتم  في السابق بمسألة غواصات دولفين وتملك إسرائيل لها سابقاً، والنظام الحاكم الآن لا يستطيع الآن شراءها.

بطبيعة الحال إن المدى العملياتى الكبير لغواصات الدولفين الإسرائيلية، وصواريخها الجوالة طراز (Popeye) يقع ضمن البناء الاستراتيجي لحجم القوة الإسرائيلية المطلوبة التي تتكيّف وتتلائم مع التهديدات والعدائيات المسيطرة على عقل صانعي القرار في تل أبيب.

 هذا البناء الاستراتيجي لا يقف عند تحجيم القوة البحرية المصرية فحسب، بل يصل ليوائم هواجس واضعي نظرية الأمن الاستباقي ليطال دولاً كإيران مثلا، فمصر فى حالة جوار استراتيجي مع “إسرائيل” وقواتها المسلحة لا تحتاج لمعدات تنفذ ضربات طويلة المدى، كما أن قرب الجوار الاستراتيجي يحيد القدرة النووية الإسرائيلية، وبالتالى تتكافئ قدرات الغواصات نسبيًا حسب مهارة استخدامها، ومدي التنسيق بين مختلف الوحدات والتشكيلات في إطار معركة الأسلحة المشتركة.

كما أن تقديرات جاي بيخور المحلل العسكري لـ يديعوت أحرنوت، لم تكن سديدة، وعكست بزوغ فجوة بين مراكز الفكر ودوائر صنع القرار في إسرائيل. حيث صاغت مراكز الفكر هناك العديد من الأوراق البحثية بشأن مستقبل هيمنة تل أبيب على الأعماق دون وجود منافس قوى، قد يغير من قواعد اللعبة أو يضع عائق أمام غواصات الدولفين الإسرائيلية ببحار الإقليم. وكذا مثل استقدام البحرية المصرية لغواصات التايب الألمانية الهجومية 209، نقطة تحول وإعادة نظر في دعائيات تفوق البحرية الإسرائيلية على نظيرتها المصرية فى الأعماق. فكيف تبدو إمكانيات غواصات التايب الهجومية المصرية؟ وكيف بدأت الصفقة؟

«التايب 209» المصرية .. تزاحم هيمنة تل أبيب على الأعماق.

بدأ الاهتمام المصرى بمعادلة ميزان قوي “هيمنة الأعماق “، بمطلع الألفية الجديدة، خاصة بعد إتجاه تل أبيب للتعاقد على غواصتين جديدتين ” دولفين2 ” وسط اهتراء وتهالك أسطول الغواصات المصرية “روميو”، الأمر الذى جعل من استقدام غواصات مصرية جديدة ذات تقنية عالية، وإمكانيات هجومية؛ أمرًا ضروريًا في استراتيجية القوات المسلحة المصرية الرامية إلى تحديث وتطوير عتاد أفرعها الميدانية، والحفاظ على توازن القوي مع “إسرائيل”،  في البداية حازت غواصات (Type 206A) الألمانية على اهتمام الجانب المصري  في ديسمبر 2004، لكن ثمة معوقات حالت دون إتمامها، كما ذكرت العديد من التقارير في وقت لاحق  في عام 2009 أن هناك اتجاها مصريا لشراء غواصتين طراز (636/kilo-class) الروسية، لكن مسارات التفاوض تعطلت أمام معوقات مالية.

في هذا السعى المصري الحثيث نحو الارتقاء بمستوة سلاح الغواصات لديها، راقبت تل أبيب بعين الحذر والاهتمام ديناميكات التحرك المصري، ودفعت مراكزها الدبلوماسية للضغط على الحكومة الألمانية لتعطيل وإفساد الصفقة، لكن التركيب البنيوي لعناصر الائتلاف الحاكم فى ألمانيا وفّر فرصة ومساحة للعسكريين المصريين بالتفاوض ومن ثم إبرام الصفقة.

فمثلاً هناك تقاسم أدوار بين عناصر الائتلاف الحاكم في ألمانيا تجاه العلاقة مع إسرائيل، فحزب الاتحاد الديموقراطي المسيحي بزعامة المستشارة الألمانية انجيلا ميركل يدعم إسرائيل ويتعهد بحرص ألمانيا على “سلامة الشعب اليهودي”، فيما يذهب الحزب الديموقراطي الاجتماعي يساراً ليطرح تساؤلات حول دور ألمانيا بخصوص مساعدة إسرائيل التي تستمر في سياستها العدوانية تجاه جيرانها. خلقت دينامية هذه الحالة فرصة مواتية للمفاوض المصري كما أضافت اتفاقية السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل ثقلا استخدمه عناصر الائتلاف الحاكم تجاه الضغط الإسرائيلي.

لكن الجهود الاستخباراتية الإسرائيلية الرامية للمراقبة والهادفة لتعطيل الصفقة لم تتوقف عند برلين، فشكلت تل أبيب خلية استخباراتية داخل وادي النيل بين عامي 2008 و 2012، أمدتها بمعلومات أولية عن اتجاه القيادة المصرية للتعاقد على نوع متطور من الغواصات الهجومية بأحدث إصدراتها (Type HDW class209/1400mod)، فيما عُرِف إعلاميا بقضية الغواصات الألمانية، حُكم فيها مؤخرًا بالمؤبد على عناصر الخلية وكان من بينهم ضابطين اسرائليين هاربيين هما “صموائيل بن زائيف”، و “ديفيد وايزمان”.

بعد العديد من الجهود الدبلوماسية والاستخباراتية المضادة، نجحت القيادة المصرية في التعاقد على توريد الغواصات الألمانية الهجومية طراز (Type209/1400mod) التى تعد الأحدث في عائلة غواصات HDW class209))، وجاءت الصفقة على دفعتين، الدفعة الأولى بتاريخ 12 ديسمبر 2011 وشملت توريد غواصتين من هذا الطراز، والدفعة الثانية في عام 2014، وشملت توريد غواصتين أيضًا ليرتفع العدد لـ 4 غواصات هجومية، جرى استلام الغواصة الأولي ورفع العلم المصري عليها بعد إجراء مراسم الاحتفال الرسمية في  12 ديسمبر 2016، وحملت اسم “S41″، وانطلقت بعدها في رحلة إبحار للسواحل المصرية،  كما تم تدشين الغواصة المصرية الثانية  S42 لتبدأ تجارب واختبارات الإبحار قبل تسليمها لمصر نهاية العام الجاري، على أن يتم تشييد وتسليم آخر غواصتين بحلول عامى 2018 و2020 بحد أقصي.

غادرت أول غواصة مصرية S41 ميناء مدينة كيل الألمانية صبيحة يوم الثلاثاء الموافق 28 مارس 2017، وبدأت الإبحار لمسافة (3644) ميل بحرى لمدة (22) يوما، مرت خلالها عبر عدد من الممرات و القنوات الملاحية الدولية (قناة كيل و نهر إلبة ببحر الشمال – مضيق دوفر و القناة الإنجليزية بالمحيط الأطلنطى – مضيق جبل طارق و مضيق بنتلاريا بالبحر المتوسط) وصولاً إلى رأس التين بالإسكندرية، ونفذ طاقم الغواصة أول مهامه القتالية من خلال تدريب مشترك مع وحدات من القوات البحرية يوم 18 إبريل 2017 قبالة السواحل المصرية.

المواصفات الفنية لغواصات التايب الهجومية (Type209/1400mod)

المواصفات العامة:

الطول: 62 مترا

الارتفاع: 12.5 مترا متضمنة البرج

العرض: 6.25 مترا

عدد أفراد الطاقم: 30 فردا

المدى الأقصى:

20 ألف كم في وضع الإبحار فوق سطح البحر على سرعة 20 كم / س.

 15 ألف كم في وضع الغطس مع استخدام أنبوب التنفس من تحت الماء Snorkeling على سرعة 20 كم / س.

740 كم في وضع الغطس الكامل في الأعماق على سرعة 7.4 كم / س.

عمق الغطس : 300 متر كعمق عملياتي و500 متر كعمق أقصى.

الدفع: ديزل كهربي Diesel Electric مكون من 4 محركات ديزل طراز MTU-396 12V

– السرعة القصوى : 40 كم / س أثناء الغطس و20 كم / س أثناء الإبحار فوق سطح البحر.

أهم التجهيزات الإلكترونية:

• نظام القيادة وإدارة المعارك طراز ISUS-90 والنظام مسؤول عن إدارة كل الأنظمة القتالية للغواصة كالطوربيدات والصواريخ والتدابير الدفاعية، يعد النظام بمثابة قاطرة جمع وتحليل المعلومات والبيانات من كل أنظمة الاستشعار ببدن الغواصة، سواء السونارات السلبية أو الإيجابية أو أنظمة الرادار والبيروسكوب ( منظار الأفق ) أو مستشعرات الاستخبار الإلكتروني الراداري واللاسلكي، كما لديه إمكانية أن يتخذ القرارات بناءًا على تحليلها وتحديد المخاطر من حيث أولويتها، كما يُوفر قدرة غدارة المستشعرات المختلفة أوتوماتيكيا، بالإضافة إلى مهام الملاحة والدعم، فهو أشبه بدماغ الغواصة وأهم مكوناتها الإلكترونية، كما يحوز على شهرة واسعة لدى البحريات التى تستخدم أحدث طرازات الغواصات الألمانية خاصة عائلة HDW

• نظام الحرب الإلكترونية Electronic Warfare EW ويتمثل في منظومة الدعم والاستخبار الإلكتروني التكتيكي Tactical ESM Electronic Support  هو المسؤول عن اعتراض الإشارات اللاسلكية والرادارية المعادية ومعالجتها وتحليلها وتصنيفها وتحديد موقعها واتجاهها وخطورتها.

• نظام الإجراءات المضادة للطوربيدات Torpedo Countermeasures TCM من شركة ” تيسين كروب Thyssen Krupp TKMS ” الألمانية، وهو نظام حماية ذاتية يطلق الشراك الخداعية والمؤثرات المضللة للطوربيدات التي تقوم بأعمال التشويش الضوضائي المضلل للبواحث الصوتية لدى السونارات، وهو الأوسع انتشارا على غواصات Type-209 / Type-214, 

أهم نقاط تسليح الغواصة:

تمتلك الغواصة 8 أنابيب عيار 533 مم، يتم التحكم فيها بواسطة ” نظام إدارة الأسلحة Weapon Handling System ” المسؤول عن التلقيم الآلي للأنابيب بالأسلحة سواء طوربيدات أو صواريخ أو ألغام بحسب ما يتطلبه الموقف التكتيكي وبنسبة عالية من الأمان.

اختارت البحرية المصرية نظام إدارة أسلحة بالغ التطور من شركة ” طاليس Thales ” الفرنسية، وهو نفسه العامل على Type 212 الألمانية والإيطالية وType 214 البرتغالية واليونانية والتركية

كما تتسلح الغواصة بـ 14 طوربيدًا ومن هذه الطوربيدات

الطوربيد الألماني Seahake Mod4 أو DM2A4 الثقيل عيار 533 مم والبالغ وزنه 1.37 طن ويمتلك رأسا حربيا ثقيلا يزن 260 كيلو جرام من المتفجرات اللدائنية PDX Polymer-bonded Explosive ( تُعادل 460 كج من مادة TNT ) مع صاعق تصادمي Contact Fuze وذات حساسية مغناطيسية Magnetic Influence وذات حصانة كاملة ضد النبضات الكهرومغناطيسية، ويصل مداه إلى 50 كم وسرعته القصوى 92 كم / ساعة، ويتم توجيهه بالسلك Wire Guided بواسطة كابل من الآلياف الضوئية Fiber-optic ذات قدرة معالجة أكثر تطورا ويمنحه قدرة أعلى على مقاومة الأنظمة الدفاعية المضادة للطوربيدات، ويمتلك باحثا صوتيا يعمل بنمط نشط وسلبي Active / Passive Acoustic Homing ويُعد الطوربيد الرئيسي للغواصة Type-209 بمُختلف فئاتها، ويُعد كذلك الطوربيد الأوسع انتشارا في البحريات المُشغّلة للغواصات الغربية على مستوى العالم.

التسليح الرسمي الصاروخي لغواصات التايب ٢٠٩ / ١٤٠٠ مود هو صاروخ Harpoon Block II الأمريكى المطلق من الأعماق، و البالغ مداه 140 كلم .

و هو صاروخ مضاد للسفن و الأهداف البرية الساحلية، يعمل بنمط الطيران المنخفض علي ارتفاع 2: 4 متر بحد أقصى فوق سطح البحر لإصابة الهدف .

لدى الغواصة إمكانية حمل أفراد من لواء الوحدات الخاصة، ونشرهم بالقرب من سواحل العدو، لتنفيذ عمليات خاطفة أو تقديم خدمات الدعم اللوجيستي.

بصورة عامة، تجعل المواصفات والإمكانات السالف ذكرها الغواصة تايب 209، غواصة هجومية بالأساس، وتكسبها القدرة علي فرض دائرة تأمين أوسع من دائرة تأمين غواصات الروميو ” في الأعماق لقطع السطح المصرية من سفن ولنشات صواريخ، يتداخل الشق الهجومى للغواصة مع إمكانيات الحرب الإلكترونية العاملة ببدنها، لتتحول كركن فاعل فى منظومة معركة الأسلحة المشتركة التى تعتمد بالأساس على الجانب التقنى ومشاركة المعلومات وتحليلها وسرعة اتخاذ التدابير والقرارات وإبلاغ الوحدات المرافقة من سفن قيادة وإنزال بتقارير “الأعماق”.

تحليل كمّي .. الميسترال وخطر الغواصات الإسرائيلية

فور نجاح إسرائيل في ابتزاز حكومة وشركات ألمانيا للحصول على غواصات السوبر دولفين واحتكارها، خاصة بعد التفوق الكيفي للتقنية العسكرية الإسرائيلية في مواضع الحرب الإلكترونية ومنظومات الرصد والتهديف المرافقة لقطع السلاح الحديثة ومنها سلاح الغواصات؛ هيمنت إسرائيل على أعماق مجالها البحري الاستراتيجي، وانطلقت لتعزيز تلك الهيمنة انطلاقا من 3 مرتكزات رئيسية

تعظيم الفارق النوعي والقدرة الاستراتيجية بينها وبين القوات البحرية المصرية، واستغلال نقطة الضعف الرئيسية لدي البحرية المصرية “سلاح الغواصات” لتعويض التقدم الكمى المصري لقطع السطح.

رتحقيق القدرة على شن ضربة نووية ثانية من الأعماق للاستعداد لأسوأ السيناريوهات مع طهران.

رفع كفاءة مهام القوة البحرية الإسرائيلية للوقوف أمام عتبة تحديات جمة بمنطقة شرق المتوسط ومنابع الطاقة الحيوية فيها.

من المرتكزات السابقة قطعت إسرائيل شوطا كبيرًا في تحقيق هيمنة الأعماق، وبات الخطر القادم من أعماق المياة أكبر بكثير من قطع السطح الإسرائيلية المتواضعة.

 إبحار مستتر وتكنولوجيا عسكرية شديدة التطور من سونارات وأجهزة حرب إلكترونية، وتشويش. قوة كامنة في العمق، تتداخل بصورة مركبة مع أنظمة معركة الأسلحة المشتركة ما جعل من أسطول الغواصات الإسرائيلية أسلحة ردع وأذرع طويلة للقوة، بإمكانها تهديد جميع قطع السطح البحرية وكذا حتي الأهداف البرية والساحلية في العمق الجغرافي لدول الإقليم. تمنح غواصات الدولفين تفوق استراتيجي إسرائيلي فيما يخص قدرة الردع النووى، لكن مع القرب الجغرافي لمصر، فإن القدرة النووية سيتم تحيدها وبالتالي سينخفض مستوي التهديد من استراتيجي لتكتيكي، وبالنظر إلى إمكانات الحرب الإلكترونية لغواصات التايب الهجومية المصرية، فضلا عن أهم نقاط تسليحها، وبمقاربة تلك العناصر مع أسطول غواصات الدولفين الإسرائيلية نجد أن:

تعمل إسرائيل على تطوير تقنيتها العسكرية الخاصة، فمكونات الحرب الإلكترونية العاملة لديها على الغواصات مشابهة إلى حدِ كبير لمكونات الحرب الإلكترونية للشركات الغربية، لكن دائما ما تتجه إسرائيل إلى التطوير التقني الذاتي بترسانتها العسكرية عن طريق شركاتها الخاصة نظرًا لتفوقها الكيفي الطفيف على بعض أنظمة مثيلاتها الغربية. فحجم الفارق التقني بين أسطول الغواصات المصرية والإسرائيلية صغير للغاية، لدرجة التكافؤ فيما يرتبط بأنظمة الرصد والتهديف وقيادة المعارك والأسلحة.

تفوق إسرائيلي بنطاق الصواريخ الباليستية.

تفوق مصري بنطاق قطع السطح الصاروخية الدفاعية.

ما يجعل ميزان القوى يميل للتكافوء في الأعماق حسب مهارة استخدام السلاح وتوظيفه التوظيف الأمثل. لكن التقدم النوعي للغواصات الإسرائيلية بهذا التكافوء يمثل خطرًا لا يستهان به خاصة مع تسارع وتيرة التحديث الجارية بالقوة البحرية المصرية واستلام مصر صيف العام الماضي لأول حاملة مروحيات وسفينة إنزال وهجوم برمائي “جمال عبدالناصر”، طراز “ميسترال”، انتلقت مصر من بحرية تأمين السواحل إلى بحرية قادرة علي ارتياد أعالي البحار.

حاملة المروحيات “ميسترال” تعد قاطرة نقل تعبوي استراتيجي خارج الحدود الدولية فضلا عن كونها مركز قيادة عائم، وسفينة هجوم وإنزال برمائى، قادرة على حمل 40 مدرعة ودبابة، و700 فرد مقاتل بكامل عتادهم التسليحي، فضلا عن 16 مروحية قتالية ثقيلة، ما يحولها لهدف استراتيجي في عرض البحر لأي من العدائيات المحتملة، ولأن آية حاملة طائرات في العالم ضعيفة في الحماية الذاتية ضد مختلف صنوف العدائيات، تم تخصيص أكثر من قطعة بحرية لمرافقة وحماية الميسترال في عرض البحر، حيث تمثل خسارتها ثمنا باهظا. ما يتضح من القوام التنظيمي والتسليحي للأسطول الجنوبى مثلا، الذي رصدناه سابقا في الأوراق البحثية المنشورة. حيث خصص لواء مدمرات ومرور ساحلي ولواء وحدات خاصة، والعديد من لنشات الصواريخ لمرافقة الميسترال في عرض البحر، لكن القوام التنظيمي للأساطيل المصرية، قبل استلام أول غواصة مصرية من طراز تايب، كان يفتقر لسلاح الغواصات الذي سيتكامل في مهامة مع باقي القطع البحرية، لتحقيق أكبر مظلة تأمين للأساطيل المصرية الناشئة – الشمالي والجنوبي – فخصصت القوات البحرية المصرية بشكل مبدئي عدد 2 غواصة لكل أسطول. وهو ما يتضح من إبرام الجانب المصري عقد توريد 4 غواصات تايب 209، على دفعتين 2011، 2014.

تتطلب الميسترال حماية ضد الأهداف الجوية والبحرية، تمتلك القوة البحرية المصرية عدد كافي من قطع السطح للحماية من العدائيات الجوية فضلا عن استقدام مقاتلات من الجيل الرابع ونصف “رافال”، وميغ 35” التى ظهرت في المصانع الروسية بالتمويه البحري لأعمال الاعتراض والسيادة الجوية، يأتى ذلك بالتكامل في منظومة من التشكيلات المقاتلة مع أحدث الفرقاطات متعددة المهام “فريم” الذي يجري الآن التفاوض على توريد قطعة إضافية منها لمهام مكافحة الغواصات، إذ  تصنف كفرقاطة ثقيلة تبلغ إزاحتها 6000 طن و يبلغ مداها الأقصى أكثر من 11 ألف كيلومتر علي سرعة 15 عقدة و تتسلح بمدفع واحد من عيار 76 ملم من طراز OTO Melara بالإضافة لـ 8 صواريخ سطح – سطح مضادة للسفن من طراز إكسوسيت بمدى أقصى يبلغ 200 كيلومتر، و الفرقاطة مجهزة بعدد 16 خلية من طراز Sylver A-43 مخصصة لإطلاق صواريخ سطح –  جو، من طراز ASTER-15  يبلغ مداها الأقصى 30 كيلومتر و يستطيع الوصول لارتفاع أقصى 13 كم بالإضافة لمدفعين عيار 20 ملم يستخدم للتعامل مع الأهداف الجوية و البحرية المقتربة و يبلغ مداه 2 كم و أيضاً يتضمن تسليح الفرقاطة قاذفين ثلاثيين لإطلاق طوربيدات MU-90 و البالغ مداها 23 كم على سرعة 53.7 كم / ساعة و الفرقاطة مجهزة لإضافة 16 خلية إطلاق عمودى إضافية “مغطاة حالياً” يمكن إستخدامها لإطلاق صواريخ السطح – جو، أو صواريخ الكروز إذا توفرت.

التغيير الكبير الذي أحدثته حاملة المروحيات ميسترال في المستوي التخطيطي والتسليحي في القوة البحرية المصرية لن يكتمل إلا بوجود أسطول من الغواصات الهجومية الحديثة، يعمل على حفظ الأعماق من أى تهديدات قد يحدثها العدو، فيمكننا القول أن الميسترال قاطرة النقل التعبوي الثقيل خارج الحدود الدولية، هي من فرضت بالأساس ضرورة وجود أسطول من الغواصات الهجومية الحديثة لأعمال التأمين. بدون غواصات التايب209 وإمكانياتها التسليحية والعملياتية شديدة التطور ستصبح حلقة الحماية للأساطيل المصرية الناشئة عرضة للقتل الصامت من قبل غواصات الدولفين الإسرائيلية، وإن كانت إسرائيل حققت تفوقا استراتيجيا بالقدرة النووية والصاروخية الباليستية، فإن غواصات التايب الهجومية مثلت تحدا إضافيا لهيمنة تل أبيب علي الأعماق، وقد حلت ركنا جديدا لمعركة الأسلحة المشتركة. ركن يختص بمهام اصطياد العدائيات والهجوم عليها قبل أن تخلق تهديدًا للأهداف الاستراتيجية.

إن التطور الحاصل في التكنولوجيا العسكرية قد فرض واقع مغاير من المواجهة المباشرة، لتنتهي حقبة المواجهة الكمية، مقاتل أمام مقاتل، طائرة أمام طائرة، دبابة أمام دبابة، ولتبدأ مواجهات عصر معركة الأسلحة المشتركة، وهى باختصار عبارة عن منظومة من التشكيلات القتالية أمام منظومة معادية، منظومة تضم مقاتلات وسفن وغواصات، الكل يعمل بالتكامل والتضافر مع الآخر، فهناك تبادل للمعلومات والبيانات بين جميع وحدات المنظومة للتناوب على هدف أو أكثر، ولسد الثغرات ونقاط الضعف فى أى من وحدات القتال، الأمر الذى مهّد بدوره إلى انطلاق سباق تسلح خفي يدور بين القاهرة وتل أبيب في الأعماق، تمكنت فيه القاهرة من إعادة نظر تل أبيب في دعائياتها الخاصة بتفوق بحريتها علي نظريتها المصرية، بعد أن مثلت غواصات التايب الهجومية نقلة نوعية أمام الغواصات الإسرائيلية وحجّمت من قدرتها على الانفراد بالهيمنة على الأعماق، بعكس لو كانت المواجهة بين الدولفين الإسرائيلية والروميو المصرية المتهالكة.

انتقل سباق التسلح الجاري  ليطال غالبية الأفرع الميدانية للقوات المسلحة. بيد أن الغلبة ليس لمن امتلك السلاح، الغلبة لمن يجيد استخدام السلاح وتحقيق كفائته التشغيلية القصوى داخل منظومة متكاملة الأركان.

إغلاق