حصار اقتصادي: هل من خسائر جراء قطع العلاقات المصرية القطرية؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
حصار اقتصادي: هل من خسائر جراء قطع العلاقات المصرية القطرية؟

حصار اقتصادي: هل من خسائر جراء قطع العلاقات المصرية القطرية؟




يبدو أن منطقة الخليج على موعد جديد مع عدم الاستقرار السياسي، ففي توافق تاريخي، أعلنت السعودية و الإمارات و البحرين ومصر قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع قطر في ذكرى النكسة، بعد استهداف غير مسبوق لقطر إعلاميًا من بعض دول الخليج و«بحثيًا» وسياسيًا من قبل بعض الدوائر الأمريكية، والعمل من أجل إحكام الحصار الاقتصادي على قطر.

وفي ظل متغير كبير كالحاصل هذه الأيام، تتجه الأنظار إلى البدائل و الخيارات القطرية، و مواقف الدول المقاطعة لقطر في إحكام الحصار الاقتصادي على الأخيرة، لمحاولة استشراف مستقبل الأزمة ومآلاتها وارتداداتها على قطر وعلى المنطقة برمتها.

كيف يُقرأ القرار؟

لا شك أن الأزمة الحالية مختلفة عن كل الأزمات الخليجية السابقة بما فيها أزمة سحب السفراء من الدوحة في مارس 2014، فالإجراءات التي اتخذتها الدول الخليجية الثلاث مع مصر، تضمنت قطع العلاقات الدبلوماسية و إغلاق المنافذ البحرية والبرية والجوية مع قطر (حصار شبه تام أكبر بكثير من حصار دبلوماسي أو سياسي بل امتد ليكون حصار اقتصادي) و منع العبور في الأراضي والأجواء و المياه الإقليمية (السعودية) ومنع مواطني الدول من السفر إلى قطر و العكس.

يبدو أن نظام الرئيس السيسي لم ينس الوديعة القطرية التي وضعتها الدوحة في البنك المركزي المصري التي سببت أزمة عند سحبها في الأسابيع الأخيرة من 2013، حيث تراجع على أثرها احتياطي النقد الأجنبي في مصر، في خطوة حاولت قطر بها تضييق الخناق على مصر بعدما برز الطرف القطري و التركي كأحد الداعمين الرئيسين لنظام حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، لتقف السعودية و الإمارات و الكويت بقوة إلى جانب الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي و نظامه الجديد، و تقدم منحًا و قروضًا بقيمة 12 مليار دولار، لتظل الأزمة الاقتصادية بمصر قائمة.

كما أن السيسي لم ينس ما قدمته قطر لمصر في عهد الرئيس السابق محمد مرسي من مساعدات مالية بلغت 6.5 مليار دولار، ردت منها حكومات السيسي 6 مليار دولار بعد 30 يونيو، ولم يتبق منها سوى 500 مليون دولار سُددت في عام 2015، إضافة إلى ارتفاع الاستثمارات الأجنبية القطرية في السوق المصري.

و على الرغم  من ذلك هناك اتفاقيات بين القاهرة والدوحة تنظم التعاون الاقتصادي والتجاري بينهما، أبرزها اتفاقية التبادل التجاري و التعاون الاقتصادي المبرمة في يناير 1990، و اتفاقية إنشاء مجلس رجال الأعمال المصري القطري مايو 1996 الذي جمد منذ ثلاث سنوات، واتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات ديسمبر 1999، واتفاقية تجنب الازدواج الضريبي الموقعة في أكتوبر 2005، ورغم ذلك لم تدفع هذه الاتفاقيات قطر إلى الانخراط في دعم النظام المصري في عهد عبدالفتاح السيسي اقتصاديًّا.

هل يصمد الاقتصاد القطري أمام المقاطعة؟

أجاب سابقًا عن هذا السؤال نقابي بريطاني بقوله ( لديهم أموالاً طائلة لينفقوها، وهم يستثمرون في صناعاتنا الاستراتيجية، ما يتيح لهم التأثير على شكل مجتمعنا، و مع تقلص احتياطيات النفط في بحر الشمال، أصبحت هذه الدويلة الخليجية الصغيرة بالتأكيد محورية لازدهار بريطانيا وأمنها المستقبلي من الطاقة).

لم يمرُّ وقت طويل على إعلان استقلال قطر عام 1971، حتى اكتشفت قطر أكبر حقول الغاز الطبيعي المسال في العالم قبالة سواحلها، وثالث أكبر احتياطيات العالم من الغاز بعد روسيا وإيران، وبامتلاكها اليوم 900 تريليون قدم مكعب من الاحتياطيات المؤكدة، أصبحت قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، بل إن الدول ذاتها، وثرواتها، تحولت حتى صارت خلقًا آخر.

وبفضل النفط والغاز، تبوأت قطر مركز أغنى دولة في العالم على أساس نصيب الفرد من الدخل؛ حيث بلغ متوسط دخل الفرد فيها ما يعادل 87 ألف إسترليني عام 2010، و يتمتع سكانها البالغ عددهم 1.7 مليونًا بنمو اقتصادي بلغ 20% في 2011، و أجور جيدة، و بطالة من بين المعدلات الأدنى في العالم، و تخطط لإنفاق 50 مليار إسترليني على البنية التحتية العامة بين 2011 و2016، لتحويل هذه الدولة التي كانت يومًا صحراوية إلى مركز سياحي و تجاري، عبر الجو والبر و ما تحت الأرض و فوق الماء؛ ببناء مطار جديد وسكك حديد وطنية ومترو، وجسرًا لـ(المحبة) يربطها بمملكة البحرين، وبحلول العام 2022  ستلفت هذه الواحة الصغيرة أنظار سكان الكوكب حين تستضيف مباريات كأس العالم، من أجل ذلك كله لم تشهد قطر ربيعًا عربيًّا؛ حيث كان الأمير السابق حريصًا على إدخال بعض الإصلاحات الليبرالية، و هناك صحافة حرة تتمثل في قناة الجزيرة.

اليوم يناطح برج شارد سحاب لندن، ليس فقط ليثبت أنه أطول مبنى من الصلب والزجاج في أوروبا، لكن أيضًا ليجسد الطموح الكبير الذي يرمز إلى تنامي نفوذ مُلاَّكه القطريين في القارة الأوروبية، ويُظهِر كيف اخترقت هذه الدويلة الخليجية الصغيرة حُجُب الأزمة المالية، واستحوذت على مجموعة من أشهر الأصول الأوروبية.

كما أن أوروبا لم تنس ما واجهه بنك باركليز من ورطة في خضم الاضطرابات المصرفية، حيث ظهرت هيئة الاستثمار القطرية QIA كمستثمر جاد، وأصبحت أكبر مساهم في البنك.

لا تزال قطر كيانًا غير معروف لكثير من الأوروبيين، فبعد كل ذلك هل تسقط تلك الإمبراطورية القطرية؟

قالت وكالة «رويترز» في تقرير لها إن قطر قادرة على تجنب أزمة اقتصادية خانقة، إذ يقدر حجم الأصول في صندوق الثروة السيادي بها بنحو 335 مليار دولار، ولديها فائض تجاري بلغ 2.7 مليار دولار في أبريل الماضي وحده، بالإضافة إلى منشآت مواني واسعة يمكنها أن تستخدمها بدلاً من مثيلتها التي أغلقت في مصر.

ولا شك أن الاقتصاد القطري سيفلت من هذا الحصار في ظل إعداد قطر لخطط بديلة، تمكنها من الصمود أمام قطع العلاقات، خاصة بعد فتحها خطوطا مع تركيا و إيران و غيرها من دول لاستيراد الاحتياجات الغذائية، و هناك أسباب عدة تدعم موقف قطر، و منها امتلاك قطر نقد أجنبي يقترب من 400 مليار دولار، سواء من خلال الاحتياطي الأجنبي المباشر أو الصندوق السيادي، و مع امتلاك موارد النقد الأجنبي يمكنك شراء أي شيء من أي مكان كما أن قطر لديها مواني بحرية وجوية قادرة على استيعاب أي سلع مستوردة.

وبالتالي فإن المقاطعة المصرية لقطر شبه صورية إذ أن صاحب النصيب الأكبر في التأثير على الحصار و المقاطعة كان للسعودية و قطر و البحرين، إلا أن قرار مصر قد يفيد في تخفيض التصنيف الائتماني لقطر، حيث سجلت السندات الدولارية السيادية لقطر استحقاق 2026 أقل مستوى منذ مارس الماضي، بواقع 1.8 سنت وفقًا لبيانات (تريدويب) إلى 99 سنتًا للدولار، كما نزلت السندات الأقصر أجلًا استحقاق 2019، وسجلت أقل مستوى لها منذ أواخر 2013 على الأقل.

جاء ذلك بعد أن قال ماتياس أنجونين في دبي، أحد كبيري المحللين لدى وكالة (موديز) للتصنيفات الائتمانية، إن الوكالة قلقة من أن الخلاف بين قطر و دول أخرى في المنطقة، قد يؤثر في التصنيف الائتماني للدوحة، إذا تعطلت التجارة وتدفقات رؤوس الأموال، مضيفًا «هناك درجة كبيرة من الضبابية، ليس هناك الكثير من الوضوح بشأن ما يمكن أن يحل هذا الخلاف بين قطر ودول أخرى في مجلس التعاون الخليجي».

وتابع : «هذه المرة في ظل إغلاق (الطرق) البرية و الجوية و البحرية يظهر تصعيدًا سلبيًّا على الناحية الائتمانية، ونحن قلقون من أن يكون لذلك أثر ائتماني إذا عطل التجارة وتدفقات رأس المال».

وكانت «موديز» خفضت بنهاية الشهر الماضي تصنيف قطر الائتماني إلى Aa3 من Aa2 مع نظرة مستقبلية مستقرة، و أرجعت ذلك إلى زيادة الدين الخارجي والضبابية بشأن استدامة نموذج النمو في البلاد خلال السنوات القليلة القادمة.

كما أن الاستثمارات القطرية في مصر، تندرج تحت قائمة القطاع الخاص، وقد أكدت وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي إن الاستثمارات القطرية محمية وفقًا للقانون، مضيفة أن الدولة المصرية تحترم تعاقداتها وتوفر المناخ الآمن لاستثمارات الأفراد والمؤسسات على أرضها.

من يحاصر من.. مصر أم قطر؟

تملك قطر عددا من الشركات العاملة بمصر في إطار استثمارات أجنبية مباشرة، إذ كشفت بيانات الهيئة العامة للاستثمار و المناطق الحرة، أن قطر تحتل المرتبة الـ 9 من حيث الدول المستثمرة في مصر بعدد 210 شركة، حيث تتركز الاستثمارات القطرية في مصر في القطاع الخدمي (البنوك على وجه الاساس، بنك QNB) الذي يستحوذ على 80% من إجمالي الاستثمارات القطرية في مصر و يليه القطاع الصناعي و الزراعي، وبهذا فإن السوق المصرية رهنٌ للاستثمارات القطرية التي  قاربت إزاء 1.105 مليار دولار.

لا شك أن العمالة المصرية بقطر، قد تتأثر إلى حد بعيد بالقطيعة المصرية القطرية، إذ تقدر العمالة المصرية بقطر في حدود 300 ألف، متوزعة على قطاعات الاقتصاد القطري المختلفة، بين عمالة ماهرة وأخرى فنية مدربة، في الوقت الذي يساور القلق عدد من العاملين المصريين بقطر والتخوف من ترك أعمالهم أكدت السفيرة نبيلة مكرم، وزيرة الدولة للهجرة وشؤن المصريين بالخارج، أنها تتباع عن كثب تطورات ملف العاملين المصريين العاملين بقطر، وأكدت على القدرة على توفير فرص عمل للعائدين من قطر بالسوق المصري، لا شك أن هذا الحديث يتنافي مع واقع ارتفاع معدل البطالة المصري الذي يناهز 13% وفقاً للإحصاءات الحكومية. علاوة على التخوف من تراجع تحويلات العاملين المصريين بقطر، إذ احتلت مصر المرتبة الأولى في مقدمة الدول العربية المتلقية لتحولات العاملين بقطر بإجمالي تحويلات قدرت بنحو 1.05 مليار دولار في العام 2016، كذلك تعد الدوحة في المركز الرابع خليجيا من حيث استيعاب العمالة المصرية.

وقد لا تتوقف الخسائر عند هذا الحد بل قد تطول الصادرات الزراعية المصرية إلى السوق القطرية، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 318 مليون دولار سنويا في المتوسط خلال السنوات الخمس الماضية، وبرغم من تواضع حجم التبادل التجاري الإ انه يصب في مصلحة الميزان التجاري المصري، إذ تصدر مصر بنحو 100 مليون دولار منتجات زراعية للسوق القطري. فتوقف هذه الصادرات يمثل عامل ضغط على السوق القطري ويعتمد تقليل الأثر في ذلك على مدى مرونة السوق القطري عن استيعاض توقف الحاصلات الزراعية إلى قطر من خلال استيرادها من كل من روسيا وإيران، ووفقا لتقرير نشرته وكالة أنباء الشرق الأوسط، سجل حجم التبادل التجاري بين مصر وقطر خلال الأربع شهور الأولى من عام 2017 نحو 118 مليون دولار منها 108 ملايين صادرات مصرية إلى قطر، و10 ملايين واردات مصرية. وتتركز الواردات القطرية بشكل كبير في منتجات كيماوية، ومواد بناء، وأثاث، وسلع هندسية.

وختاما يبدو العلاقات المصرية القطرية، والعلاقات الاقتصادية على وجه الخصوص في طريقها للسوء، وخاصة فيما يتعلق بملفي العمالة المصرية العاملة بقطر، إذ تعد أحد أوراق الضغط القطرية على مصر، وإن كان من الصعوبة بمكان الاستغناء عن تلك العمالة دفعة واحدة بالسوق القطري، ومن ناحية اخرى تراجع الصادرات الزراعية المصرية إلى قطر (الخضر والفاكهة) في الوقت الذي تعاني فيه مصر عدد من القرارات المتلاحقة في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة وبعض من دول الخليج بحظر استيراد المنتجات الزراعية  ووصلت إلى حد حظر نهائي من قبل حكومة السودان مؤخرا.

المراجع:

1- السندات السيادية لقطر تهبط بعد الخلاف الدبلوماسي مع دول عربية، لندن (رويترز)، 5 يونيو 2017.اضغط هنا

2- موديز: الخلاف القطري مع دول عربية قد يؤثر على جدارتها الائتمانية، لندن (رويترز)، 5 يونيو 2017.اضغط هنا

3- وكالة موديز للتصنيف الائتماني: خفض تصنيف قطر إلى AA3 من AA2 وتعديل النظرة المستقبلية إلى مستقرة، لندن (رويترز)، 26 مايو 2017. اضغط هنا

4- قطر وجيرانها قد يخسرون المليارات بسبب القطيعة الدبلوماسية، لندن (رويترز)، 5 يونيو 2017.اضغط هنا 

5- How Qatar bought Britain: They own the Shard. They own the Olympic Village. And they don’t care if their Lamborghinis get clamped when they shop at Harrods (which is theirs, too), EDNA FERNANDES in Doha, 13 March 2012.اضغط هنا