التداعيات الاقتصادية للأزمة القطرية.. وإعادة رسم خارطة التحالفات الإقليمية - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
التداعيات الاقتصادية للأزمة القطرية.. وإعادة رسم خارطة التحالفات الإقليمية

التداعيات الاقتصادية للأزمة القطرية.. وإعادة رسم خارطة التحالفات الإقليمية




 بين ما اسمته قطر حملة ممنهجة ومغرضة ضده، و ما رأته دول خليجية كبرى طعناً قطرياً للإجماع العربي و دعماً للإرهاب تتأجج معركة سياسية شرسة بين القوى الخليجية، ما انتهى إلى قرار بقطع العلاقات مع قطر من قبل كل من السعودية والإمارات والبحرين وإلى جانبهم مصر.

ويأتي هذا القرار عقب انتهاء القمة «الأمريكية الإسلامية» في السعودية، التي دارت حول محور رئيسي هو مواجهة الإرهاب، وهو توقيت يشير إلى وجود موافقة أمريكية أو على الأقل تنسيق سياسي قبل إصدار القرار.

من ناحية أخرى، يعد القرار بمثابة حصار جوي وبري على قطر، ما من شأنه أن يقود إلى تقويض واسع للمصالح الاقتصادية لأطراف النزاع، وإلى رسم جديد لخريطة المصالح والتحالفات الخاصة بإقليم الشرق الأوسط.

خسائر متوقعة

على صعيد التداعيات الاقتصادية، تبقى قطر أكبر الخاسرين، فسيتكبد قطاع النقل واللوجيستيات خسائر قوية نتيجة منع قطر من المرور بالمنافذ البحرية والجوية للدول الأربع، حيث تبلغ الرحلات الجوية بين مطارات قطر وكل من البحرين والإمارات والسعودية حوالي 37 رحلة يومياً، كما تعتمد قطر على المعبر البري مع السعودية لعبور المواد الخام اللازمة لاستكمال مشروعات البنية التحتية اللازمة لاستضافة مونديال 2022، ويقدر حجم الاستثمارات لتلك المشروعات بحوالي 65 مليار دولار (طبقاً لبيانات صندوق النقد العربي)، علاوة على مرور من 600 إلى 800 شاحنة يومياً من خلال هذا المعبر.

وفيما يخص قطاع التجارة الخارجية تعد الإمارات هي الشريك الأهم لقطر من بين الدول الأربع، فعلى قائمة صادرات قطر إلى العالم الخارجي -للعام 2016-تأتي الإمارات في المرتبة الخامسة بقيمة صادرات بلغت حوالي 2.8 مليار دولار، تليها مصر في المرتبة العاشرة بقيمة تقدر بـ1.1 مليار دولار، أما السعودية فتأتي في المرتبة الـ15 بواقع قيمة صادرات 533.6 مليون دولار، فيما تأتي البحرين متأخرة جداً في المرتبة الـ 35 بحجم صادرات 125 مليون دولار.

أما على قائمة واردات قطر من العالم الخارجي للعام 2016، فتأتي الإمارات متصدرة مراتب الدول العربية، حيث تأتي في المرتبة الثالثة بقيمة واردات بلغت 2.72 مليار دولار، ثم تأتي السعودية في المرتبة السابعة بقيمة 1.3 مليار دولار، فيما تأتي مصر في المرتبة 22 بقيمة 422 مليون دولار، والبحرين في المرتبة 22 بقيمة 271 مليون دولار،إضافة إلى ما سبق تشترك الدول المتصارعة في عدد من الاتفاقيات والمشروعات أكبرها  وأهمها هو السوق الخليجية المشتركة.

ويبدو أن المعركة قد تطال الاستثمارات البينية، فالإمارات العربية المتحدة تأتي في المرتبة الأولى، على رأس الدول المستثمرة في قطر في الفترة من 2011-2015 بواقع 88 مشروعاً ويقدر حجم استثماراتها بـ 2 مليار، و771 مليون دولار، فيما تملك السعودية ثالث أكبر شركة في السوق القطري.

وبطبيعة الحال فإن الخسائر الني ستحدث في المعاملات الاقتصادية البينية عقب هذا القرار ستطال مؤشرات المالية العامة، فعقب القرار مباشرة انخفض التصنيف الائتماني لقطر، ما سيؤثر على بيع سندات الدين، وبالتالي قد تحتاج قطر إلى رفع سعر الفائدة الخاصة بها، وفي سياق متصل فإن الخسائر التي ستتكبدها الشركات العاملة في قطر نتيجة لهذا القرار ستؤدي إلى انخفاض الحصيلة الضريبة المقدمة منهم إلى الحكومة القطرية.

محددات الاستمرار

تطرح الأزمة سؤال هام يتعلق بالمدى الزمني المحتمل لاستمرار تطبيق هذا القرار، وهنا يمكن الإشارة إلى محددين رئيسيين من شأنهما أن يحددا قدرة الدول الأربع صاحبة القرار في استمرار تطبيقه، الأول وهو القوانين الدولية، و الاتفاقيات المشتركة بين أطراف النزاع، وعن القانون الدولي فإنه يحرم مثل هذه الإجراءات إذا كانت تمس سلبياً حياة المواطنين المدنين، أو قدرتهم على البقاء على قيد الحياة، وفي هذه الحالة فإن القرار المتخذ من قبل الدول الأربع لا يدخل في نطاق التجريم، إذ أنه قطعاً لن يؤدي إلى تجويع المدنين أو يقلل من إمكانية حصولهم على الخدمات الضوروية، أو يمس قدرتهم على البقاء أحياء، وبالحديث عن الاتفاقيات تبرز اتفاقية القسطنينة المنظمة للملاحة في قناة السويس المصرية، التي تمنع مصر من أن تحظر أي مرور للسفن القطرية في الممر الملاحي لقناة السويس، وأيضاً لا يمكن إغفال الإتفاقيات المشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي الجامعة لأطراف النزاع (عدا مصر بالطبع)،  التي وإن كانت لا تجرم  القرار إلا أنها تحمل آليات لفض النزاعات، وتعويض الخسائر.

أما المحدد الثاني فهو الخسائر المقابلة التي ستتكبدها الدولة الأربعة المقاطعة جراء تنفيذ القرار. وهنا تبدو الخسائر محتملة وأقل تأثيراً بالمقارنة مع خسائر قطر، حيث أن قطر لا تعد شريك رئيسي أو مؤثر مع الدول الأربع، فمن ناحية التبادل التجاري، وعلى الرغم من أن الإمارات والسعودية تحتل مراتب متقدمة في صادرات وواردات قطر، إلا أنه بالنظر إلى قائمة الدول المصدرة  والمستوردة من الإمارات والسعودية والبحرين ومصر، نجد أن قطر لا تقع ضمن نطاق أهم عشر دول، بل إنها في بعض الدول لا تقع ضمن حتى نطاق العشرين دولة.

وكذلك من حيث الاستثمارات البينية، فإن قطر لا تقع ضمن الدول الأكثر استثماراً في أي من الإمارات، السعودية والبحرين،فيما ستكون خسائر مصر أكبر منهم، حيث تشير بيانات المؤسسة العربية لضمان الاستثمار أنه في خلال الفترة 2011 حتى 2015، احتلت قطر المرتبة الرابعة في قائمة الدول الأكثر استثماراً في مصر، بقيمة استثمارات بلغت 4.75 مليار دولار، وبعدد 4 شركات عاملة.

في السياق نفسه يعمل حوالي 300 ألف مصري في قطر، طبقاً لتصريحات وزيرة الهجرة، وتأتي قطر في المرتبة الرابعة بين الدول العربية المستوردة للعمالة المصرية، وبطبيعة الحال فإنه في حالة فقدان وظائف المصريين في قطر فإن الحساب الجاري لمعاملات القطاع الخارجي للاقتصاد المصري سيخسر كثيراً بسبب انخفاض تحويلات العاملين، إلا أن تصريحات قطرية أفادت بأن المصريين العاملين هناك لن يفقدوا وظائفهم، خاصة وأن حجم العمالة المصرية في قطر يمثل 1/10 من حجم قوة العمل في قطر.

مقومات الاحتمال

إن الاقتصاد قطري قوي ويحمل مقومات تمكنه من احتمال الخسائر المتوقعة، من بينها صندوق الثروة السيادي، الذي جرى تأسيسيه لتأمين الاقتصاد ضد المخاطر المستقبلية، الذي تقدر أصوله بحوالي335 مليار دولار.

ثمة مقوم آخر هو الأهم، وهو مقوم الشراكات البديلة حيث تملك تنوع متزن في شراكاتها الاقتصادية في عدد من الدول، ويبدو أن الشراكة مع الدول الآسيوية هي أول بديل متاح، لا سيما اليابان والصين، بالنظر إلى صادرات قطر للعالم الخارجي خلاال العام 2016 -طبقاً لبيانات صندوق النقد الدولي- نجد أن اليابان تحتل المرتبة الأولى بحجم صادرات 10.89 مليار دولار، تليها كوريا الشمالية بحجم صادرات 8.46 مليار دولار، ثم الهند في المرتبة الثالثة بحجم صادرات 7.13 مليار دولار، ثم الصين في المرتبة الرابعة بحجم صادرات 4.47 مليار دولار، أما على قائمة واردات قطر من العالم الخارجي، فتأتي الصين في المرتبة الرابعة بحجم واردات بلغ 2.5 مليار دولار، واليابان في المرتبة الخامسة بحجم واردات بلغ 2.1 مليار دولار.

وعلى صعيد الاستثمار، فإن سنغافورة تأتي في المرتبة الخامسة بين الدول الأكثر استثماراً في قطر ويقدر حجم الاستثمارات 607.4 مليون دولار، فيما تأتي الهند في المرتبة الثامنة بواقع 17 مشروع وحجم استثمارات 318.6 مليون دولار.

الولايات المتحدة أيضاً تملك مقومات شراكة قوية، حيث تحتل المنتجات الأمريكية المرتبة الأولى من حيث حجم الواردات إلى قطر، خلال العام 2016، ويقدر حجمها بـ 4 مليار دولار، و تأتي في المرتبة الثانية مباشرة –بعد الإمارات- من حيث حجم التدفقات الاستثمارية إلى قطر في الفترة من 2011 -2015.

وكذلك تملك بريطانيا وألمانيا مراتب متقدمة من حيث الشراكة التجارية مع قطر، كما أن بريطانيا تولي اهتماماً بالاستثمارات القطرية إليها بعد خروجها من الإتحاد الأوروبي، وقد شهدت بريطانيا في شهر مارس المنصرم منتدى الاستثمار البريطاني القطري وقد أعلنت خلاله الحكومة القطرية عن عزمها ضخ استثمارات إلى بريطانيا تقدر ب5 مليار جنيه استرليني.

وبالاتجاه إلى إقليم الشرق الأوسط، فتتجلى الموانىء العمانية كوسيلة لنقل الغاز القطري إلى الخارج، كما يمكن نقله أيضاً عبر مضيق هرمز.

ثمة دول بات موقفها واضحاً لعل أبرزها إيران التي أعلنت أنها مستعدة لإمداد قطر بما تحتاجه من مواد تموينية، التي تبدو أكثر حماساً لاستغلال هذه الفرصة لتعزيز الشراكة مع قطر، خاصة بعد رفع العقوبات عنها، وطبقاُ لتصريحات إيرانية فإن حجم السوق المتوقع للشراكة بين البلدين يبلغ 5 مليار دولار.

أما تركيا، فمن الناحية السياسية، هي لا تستطيع أن تتخذ موقف مع طرف ضد آخر، ولكن من الناحية الاقتصادية فتبدو أمامها فرصة سانحة لتعزيز شراكة اقتصادية أكبر مع قطر، حيث حتل تركيا المرتبة ال12 من بين الدول المستقبلة للصادرات القطرية.

وعلى جانب آخر، وهو جانب سياسي في المقام الأول، تبدو الآفاق أكثر انفتاحاً ناحية إسرائيل، خاصة بعد بروز أراء سعودية تدعو إلى التطبيع مع إسرائيل، ما سيبدو مفهوماً أكثر إذا ما وضع في سياق حديث الرئيس المصري عن سلام عربي “دافئ” مع إسرائيل، و توقيع اتفاقية تسليم جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية التي بها ستدخل السعودية طرفاً في اتفاقية كامب ديفيد.

المراجع

  • المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات (ضمان)، تقرير مناخ الاستثمار في الدول العربية 2016. اضغط هنا

  • IMF data, Direction of trade statistics, 2016 اضغط هنا

  • The economist intelligence unit, Gulf crisis brings significant economic disruption to Qatar, 9/6/2017. اضغط هنا

  • الشرق الأوسط، “ماهي خسائر قطر الاقتصادية بعد قطع العلاقات، 5/6/2017 اضغط هنا

  • العربي الجديد، بلومبيرج، قطر لديها أدوات لمعاقبة الإمارات اقتصادياً. اضغط هنا