الدولة المصرية و القوى غير التقليدية - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

الدولة المصرية و القوى غير التقليدية




يعود تاريخ الدولة المصرية المركزية إلى آلاف السنوات، و المثير للانتباه في هذا التاريخ الطويل هو ثبات المعادلة السياسية التي تحكم مصر منذ تاريخ توحيد القطرين تقريبا، حتى في ظل موجات الغزو الأجنبي، لم يجنح المحتلون في تغيير هيكل القوى التقليدية في النظام المصري باستثناء رأس الهرم أو رأس المعادلة.

يكمن السر في استقرار هذه المعادلة في الثبات الجغرافي النسبي لإقليم الدولة المصرية، خاصة فيما يتعلق بمحورية دور نهر النيل في استمرار الحياة في مصر، شكّل هذا النهر مفتاح فهم ديناميكية تكوين النظام السياسي في مصر لدى دارسى الدولة المصرية وفي مقدمتهم د. نزيه الأيوبي ود. جمال حمدان وغيرهم.

ووفقا لهؤلاء الدارسين يتم تصنيف المجتمع المصري عادة بأنه مجتمع هيدروليكي، و تكتسب الدولة شرعيتها التاريخية فيه من قدرتها على ضبط مياه النهر، لذا رٌسّم هيكل القوى في مصر وفقا لدرجة النفاذ إلى النهر، و القدرة على استخدام المورد المائي و توزيعه، و هي المهمة الأقدم للسلطة المركزية.

و عادة ما تستخدم السلطة المورد كألية للتدخل في موازين القوى المحلية، فيمنح الملك أو الخديوي الأراضي القريبة من النهر لحاشيته، و ينزع الضباط الأحرار هذه الأراضي و يمنحوها لفئات أخرى، و مؤخرا أطلق الرئيس المصري الحالي حملة لاستعادة أراضي الدولة و هكذا، وربما أكثر مثال يفسر هذه الظاهرة هي أن أسعار الأراضي أو العقارات القريبة من النهر هي الأعلى حتى يومنا هذا، فكلما اقتربت من النهر كلما ازدادت قوتك، و كلما زاد معدل احتفاظك بهذه الأراضي فأنت من بين القوى التقليدية داخل مصر، و هى القوى التي ظلت صامدة على الرغم من الثورة الصناعية.

و جاءت العولمة لتنجح فيما فشلت فيه الثورة الصناعية، وبينما لم تستطع الأخيرة التلاعب بهيكل القوى التقليدية في مصر، أدت الأولى إلى انتاج نوع جديد من القوى، هي القوى التي ترفض هذه المعادلة المستقرة، و تدافع عن حقها في الوجود و التمثيل السياسي، و نجحت في البرهنة على استحقاقها ذلك في 25 يناير.

ويتكون هيكل القوى غير التقليدية في مصر من مجموعات الشباب و عناصر من النخبة غير القريبة من مؤسسات الدولة، و يعملون جميعا في فضاءات المواقع الإلكترونية و منظمات الجمعيات الأهلية و أحزاب المعارضة و روابط الأندية الجماهيرية (الألتراس)، و شكل هذا المزيج قوى جديدة أحدثت حالة من الحراك السياسي و المجتمعي طيلة العقد الأخير في مصر.

و تتسلح هذه القوى الجديدة بعلاقات دولية جيدة، و بتميز نسبي في استخدام وسائل الاتصال الحديثة، خاصة في مجالات التشبيك و الدعاية و الاستقطاب، كما أدت ثورة 25 يناير إلى اكتسابها القدرة على بناء التنظيمات التقليدية، و التي مثلت رأس الحربة في مشروعها السياسي الجديد، و هو مشروع يسعى إلى توسيع موازين القوى في مصر، و توسيعه ليستوعب عناصر جديدة، بل و الخروج من المجتمع الهيدروليكي إلى مجتمع معلومات.

أدت المواجهة بين القوى التقليدية و غير التقليدية إلى تعثر الأخيرة، وكان هذا منطقيا في ظل تفاوت القوى بين الطرفين، خاصة مع لجوء الأولى إلى استخدام القوة الصلبة، وحشد كل مؤسسات الدولة في صد هجمة القوى الجديدة، ما تحقق بالفعل.

استعادت الدولة زمام السيطرة على الأمور بعد 30 يونيو 2013، وخذلت داعميها من القوى الجديدة باستبعاد كل عناصر هذه القوى من التمثيل السياسي، الأكثر أن الصراع انتقل إلى داخل الدولة بين القوى التقليدية و بعضها البعض، ومادام المعيار هو القوة الصلبة، استعادت القوات المسلحة المصرية السيطرة على رأس السلطة في مصر.

في خضم هذا الحراك، شنت السلطة الحالية حربا حقيقية ضد القوى غير التقليدية، و استهدفت هذه الحرب شل كل عناصر التميز لدى هذه القوى، وبدأت أولى خطوات هذه الحرب بالإعلان عن تقييد الحق في التظاهر، وإلقاء القبض بل و قتل من ينتهكون هذا المبدأ الجديد.

تبنت السلطة استراتيجية متكاملة لدحر هذه القوى، و لم تغفل استخدام الحرب الدعائية أيضا ضد كل من ينتمون للقوى الجديدة، فأطلقت وسائل الأعلام لتهاجمهم وتتهمهم بالعمالة للخارج، و تحرك الدعاوي القانونية ضد العناصر الناشطة، و كثفت من استخدام الأداة الأمنية في تصفية القوى الجديدة.

قبل ذلك عمدت الدولة إلى شن حرباً ضد رأس حربة القوى الجديدة، و هي روابط الألتراس، ومثلت الأخيرة ثقلا ميدانيا رئيسيا للحراك الجديد، و لعبت دورا رياديا في الاعتصامات داخل ميدان التحرير و تنظيم الفعاليات المناهضة للسلطة، و رفض السياسات الأمنية أيضا، و عمدت الدولة إلى تصفية هذه المجموعات، سواء بإلقاء القبض على رؤوس هذه الجماعات أو اتهامهم بخدمة الجماعات الإرهابية، و حتى اليوم ترفض الدولة عودة الجماهير لمدرجات كرة القدم خوفا من روابط الألتراس.

لم تغفل الدولة كذلك السيطرة على الفضاء الإلكتروني واستخدامه لصالحها، سواء بإنشاء لجان إلكترونية تدعم موقف السلطة، أو ملاحقة الناشطين المعارضين للنظام الحالي، وتفعيل المراقبة الأمنية على الحسابات، و حتى الشروع في إصدار قانون ينظم استخدام هذه الأدوات، و مؤخرا حجب المواقع المعارضة ضمن حزمة الحرب على الإرهاب.

بالتوازي مع هذا تمت عملية السيطرة على منظمات المجتمع الأهلي، والأخيرة لعبت دورا كبيرا في حصار نظام مبارك، خاصة في المجال الخارجي، و حتى داخليا لعبت هذه المنظمات دوراً في إثارة القضايا الحقوقية، و تدريب المجموعات الاجتماعية على أليات الحشد و التعبئة و الضغط على السلطة، حتى أن ثورة 25 يناير اشتعلت في ظل غضبة شعبية ضد السياسات الحكومية المتعلقة بحقوق الأقليات، تمثلت في مظاهرات الأقباط، علاوة على الغضب من انتهاكات وزارة الداخلية ضد بعض شباب الطبقة الوسطى مثل خالد سعيد، ما استوجب عداء الدولة المصرية لمثل هذه المجموعات، وهو العداء الذي تكلل بإصدار قانون الجمعيات الأهلية في مايو 2017، وأثار هذا القانون موجة غضب دولية و محلية، و وصفه البعض بأنه ينهي عمليا نشاط المجتمع المدني في مصر.

وتسارع السلطة الحالية من أجل اكمال استراتيجية إنهاء القوى الجديدة، خاصة مع اقتراب قدوم استحقاق انتخابات الرئاسة في يونيو 2018، و هو الموعد الذي سيكون بمثابة إعلانا ضمنيا عن مدى نجاح الدولة في القضاء على هذه المجموعات، و يرتهن هذا بعوامل كثيرة، أبرزها هو مدى استعداد هذه القوى الجديدة للتحالف مع القوى التقليدية غير الراضية عن مسار السلطة الحالية في مصر، أو بالأحرى مدى عدم رضاء القوى التقليدية عن السياسات الحالية، وهو تقديرا لا يمكن القفز عليه الأن أو الجزم به، فهل تنجح الدولة المصرية في بناء معادلة سياسية جديدة أم ستفضل العودة إلى الخلف؟ وما تداعيات هذا على الاستقرار ومسار تطور الدولة المصرية؟ سيساعدنا يونيو 2018 في وضع إجابات أولية على هذه الأسئلة.