بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

أوراق بحثيةتحليلات

حالة الأحزاب السياسية في فترة السيسي .. خطوات للخلف

الوسوم

يصل العدد الحالي للأحزاب في مصر إلى 83 حزبا، وشهدت الحياة الحزبية انتعاشاً ملحوظاً مع موجة الانفتاح السياسي عقب ثورة 25 يناير، ووصلت إلى ذروتها في الفترة من عام  2011 حتى عام 2014، و حققت الأحزاب خلال هذه الفترة عدة نجاحات هامة، حيث نجحت في فرض مطالبها المتعلقة بالنظام الانتخابي في برلمان 2011، واستطاعت أن تحصد أغلب المقاعد الفردية أيضا، وتكلل المجهود الحزبي بتشكيل جبهة الإنقاذ الوطنيلإسقاط حُكم محمد مرسي في 2013، كما حظيت الأحزاب بأكبر تمثيل سياسي لها في تاريخ مصر منذ عام 1952 في حكومة حازم الببلاوي.

وعقب الوصول إلى قمة الحالة الحزبية في مصر، بدا وجود ثمة تراجع شديد في الفعالية السياسية للأحزاب، ما نحاول رصده وتحليله في هذه الورقة، والوقوف على أسبابه، وتحديد أين تقف الحالة الحزبية الراهنة في مصر؛ لذا نتناول في المحور الأول علاقة البيئة السياسية بشكل الحالة الحزبية من الناحية النظرية، ونستعرض فيه أبرز هذه الأشكال، ثم تنتقل الورقة إلى تحليل معطيات البيئة السياسية في مصر عقب 30 يونيو 2013، ونخصص المحور التالي لرصد علاقة السيسي بالأحزاب، بهدف رسم صورة قريبة من تصورات السيسي عن دور الأحزاب السياسية، ثم ننتقل في المحور الأخير لتحليل حالة الأحزاب السياسية في مصر خلال فترة السيسي، ما يساعدنا في تحديد أي الأشكال النظرية القابلة للتطبيق على المشهد الحزبي الحالي في مصر، علاوة على تحديد نقطة البداية بالنسبة لتحسين الحالة الراهنة للأحزاب.

أولا- علاقة البيئة السياسية والأحزاب من الناحية النظرية:

الحزب السياسي في أحد تعاريفه هو عبارة عن “مجموعة سياسية تمتلك برنامجاً ترغب في تطبيقه اجتماعيا، وتعبر بدورها عن مصالح محددة ومُعرَّفة بوضوح، وتسعى للوصول إلى السلطة من خلال الانتخابات”، ويعتبر هذا التعريف هو الأكثر شيوعا بين الدارسين، وركّزت أغلب تعاريف الأحزاب على دورها الوظيفي تجاه النظام السياسي والمجتمع، فيعّرفها سارتوري على سبيل المثال بأنها” مجموعة سياسية تتخذ اسما رسميا، وتطرح مرشحيها في الانتخابات بغض النظر عن مدى نزاهة العملية الانتخابية”.

إذن هناك ثمة وجود حتمي لعلاقة تفاعل بين الأحزاب والبيئة السياسية المحلية، خاصة ما يتعلق بتوجهات النظام الحاكم، وتاريخيا اختلف تطور الأحزاب السياسية وفقا لمستوى التنافسية المستند بدوره على سياسات النظام الحاكم، ومعطيات البيئة السياسية الوطنية بصفة عامة، وهذا على النحو التالي:

أ-أحزاب القرن التاسع عشر:

اتسمت هذه الفترة بضعف مستوى التنافسية، ومحدودية عدد من لهم الحق في التصويت، ما حصر مسألة التنافس السياسي في إطارا ضيقا يقوم على السلطة والنفوذ، يعكس الهيمنة السياسية للأنظمة الحاكمة، وتكونت بنية الأحزاب السياسي في هذه الفترة من عدد قليل من أعضاء النخب المحلية، واتسمت عملية تدفق المعلومات بالمرور خلال قنوات الثقة وليس الهيكل التنظيمي كما أشرنا مسبقا، وتشبه هذه الحالة الوضع المصري منذ سبعينات القرن الماضي حتى قيام ثورة 25 يناير 2011.

ب-أحزاب 1880-1960:

اتسمت هذه المرحلة باتساع قاعدة المصوتين، وميل أغلب الأنظمة السياسية الأوروبية ناحية التعددية، ما أسفر عن تعدد الأحزاب السياسية المتنافسة، وارتفاع عدد الفاعلين السياسيين بسبب انتشار مجموعات من محترفي العمل السياسي، وقام التنافس بين الأحزاب على أساس إنجازات ممثليها السياسيين، وأنتج هذا الإطار أحزابا سياسية ذات هياكل ضخمة تتضمن هيئات إعلامية وتدريبية، واتساع قاعدة العضوية الحزبية، ما فرض ضرورة الالتزام بالهيكل الرسمي التنظيمي للحزب، واقتربت الأحزاب المصرية من هذا النموذج في الفترة من يناير 2011 حتى منتصف 2014 تقريبا.

ج-مرحلة السبعينات وما بعدها:

ظهر خلال هذه الفترة أحزاب الكارتل، وهى الأحزاب التي ترتبط بشكل رئيسي بمؤسسات الدولة والنظام الحاكم، كنتاج لتعقد مستوى التنافس بين الأحزاب السياسية، و تزايد اعتماد الأحزاب على الدولة سواء عبر الظهور في وسائل الإعلام المملوكة للأخيرة، أو محاولة استمالة الدولة إبان العمليات الانتخابية، بهدف جنى أكبر عدد ممكن من المقاعد البرلمانية، و أصبحت أهمية قاعدة العضوية الحزبية مرتبطة بشرعنة وجود الحزب وليس بفعاليته كما كان في السابق، وباختصار عمّقت هذه الفترة من دور الدولة في التلاعب بتمثيل الأحزاب السياسية وقوتها، حتى أن البعض يطلق عليها ظاهرة تأميم الأحزاب.

ثانيا- البيئة السياسية في مصر بعد 30 يونيو:

أدت ثورة 25 يناير 2011 إلى حدوث حالة من النهم السياسي لدى المواطنين، ما انعكس على تزايد أعداد المهتمين بالعمل السياسي، وكذا تزايد أعداد الأحزاب السياسية، وارتفاع نسب المشاركة الشعبية في الاستحقاقات الانتخابية والدستورية، وسجلت انتخابات برلمان 2011 أكبر نسبة مشاركة في تاريخ الانتخابات المصرية على الإطلاق،وساعد في ذلك حالة الاستقطاب السياسي في هذا الوقت، سواء بين الإسلاميين والعلمانيين أو بين مؤيدي الثورة وخصومها.

وأدت أحداث 30 يونيو 2013 إلى تراجع شديد في عدد المهتمين بالشأن العام في مصر، خاصة بعد إعلان الدولة الحرب على الإرهاب، ما تبع ذلك من تضييقاً على العمل السياسي الميداني وعلى الفاعلين السياسيين أنفسهم، وخروج بعض القوى الإسلامية من مضمار العمل السياسي الرسمي، ويمكننا البرهنة على هذا التراجع عبر المؤشرات التالية:

1-انخفاض عدد المصوتين:

أفصحت بيانات إقبال المواطنين على التصويت عن ثمة تراجعاً شديدا في اهتمام المواطنين بالعملية السياسية والانتخابية، وتراجعت نسبة المشاركة الشعبية من 54% تقريبا في انتخابات البرلمان المصري 2011 إلى 28.5% في نظيرتها في 2015 بحسب البيانات الرسمية.

كما تراجعت نسبة التصويت في انتخابات الرئاسة أيضا، ووصلت إلى 47.5% في انتخابات 2014 مقارنة بـ 51.8% في انتخابات 2012.

ويعود عزوف المواطنين عن المشاركة في العملية السياسية إلى تراجع أدوات الحشد الحزبية، علاوة على خفوت مسألة الهوية الدينية للدولة بعد 30 يونيو.

2-خنق المجال العام:

أدت سياسات ما بعد 30 يونيو إلى تضييق مساحة العمل العام في مصر، خاصة العمل السياسي، خاصة بعد تقييد حركة الأحزاب السياسية في ظل حرب الدولة المُعلنة ضد الإرهاب، وعدائها لمختلف القوى السياسية المختلفة مع أجندة الدولة، علاوة على التضييق على نشاط المجتمع المدني، ما أدى في الأخير إلى شل قدرة الأحزاب السياسية على التأثير السياسي بعيداً عن التواصل والتنسيق مع مؤسسات الدولة الأمنية.

3-لعب الدولة دورا بارزا في العملية الانتخابية:

أ-السلطة القضائية: كان للسلطة القضائية اليد العليا في الإشراف على إجراءات العملية الانتخابية، فتتشكل اللجنة العليا للانتخابات من أعضاء السلطة القضائية وتتسع صلاحيات اللجنة بدءا بالتحكم بكشوف الناخبين مرورا بتحديد المعايير الإجرائية لقبول ورفض المرشحين ومنح الرموز الانتخابية، وتختص محكمة النقض بالنظر في الطعون الخاصة بنتائج العملية الانتخابية.

ب-السلطة التنفيذية: أعدت السلطة التنفيذية التعديلات المطلوبة على قوانين الانتخابات، واستاءت أغلب القوى السياسية من عدم الالتفات لمطالبها بتعديل النظام الانتخابي، بما يزيد من نسبة مرشحي القوائم على حساب الفردي.

4-انخفاض أثر الأيدلوجيا:

عادة ما تعُد الأيدلوجية أحد أسس التمايز الحزبي، وأحد مجالات التنافس، وبعد 30 يونيو وعلى عكس الانتخابات النيابية السابقة في 2011، كانت قضية علاقة الدين بالدولة أحد القضايا الهامشية في الدعاية الانتخابية قبيل تشكيل البرلمان الحالي، كما أدى النظام الانتخابيإلى لجوء معظم المرشحين على المقاعد الفردية الي طرح برامج انتخابية محلية تتعلق بدائرة الترشح دون أن تمتد لتتبنى أجندة تشريعية عامة، ومن الناحية الاقتصادية غلب على الأحزاب المشاركة الاتجاه اليميني من الناحية الاقتصادية.

شكلت هذا المعطيات وغيرها بيئة مُحفزة لحصر خيارات الأحزاب السياسية المصرية، وتقويض قدرتها على الاعتماد على مجهوداتها الذاتية في محاولة تحسين أوضاعها الداخلية والتنافسية.

ثالثا- سلوك السيسي تجاه الأحزاب:

نظرا لطبيعة مهام منصبه كمديراً للمخابرات الحربية أو كوزيراً للدفاع، يتمتع السيسي نظريا بمعرفة جيدة عن أغلب الأحزاب في مصر، ونسق مع بعض قياداتها عملية إصدار بيان 3 يوليو 2013، البيان المؤسس للنظام السياسي الحالي، وسنحاول فيما يلي رصد أبرز المواقف التي تفاعل فيها السيسي مع الأحزاب خلال فترة ترشحه للرئاسة، حتى الفترة الحالية، ما يُمكن أن يرسم لينا الصورة الإدراكية لدى السيسي عن طبيعة دور الأحزاب في فترة حُكمه للدولة، وجاءت أبرز هذه المواقف على النحو التالي:

1-فترة الحملة الانتخابية:

بعد إعلان ترشحه للرئاسة بشهرين، حرص السيسي على لقاء بعض قيادات الأحزاب الداعمة لترشحه ضمن فعاليته حملته الانتخابية، جاء هذا اللقاء قبيل بدء موعد التصويت بأيام قليلة، وربما جاء هذا ليعكس رسالة من السيسي مفادها عدم مساعدة الأحزاب له في العملية الانتخابية، ما يمكن ربطه بإعلانه عدم امتلاك أحد لأي فضلاً سياسياً عليه، وطالب السيسي الأحزاب بتعزيز المشاركة في الانتخابات، لتصل إلى 40 مليون ناخب، وهو المطلب الذي لم يتحقق بطبيعة الحال.

2-فترة الانتخابات البرلمانية:

أ-في لقاءين خليا من أي نتائج سياسية، التقى السيسي عقب 7 أشهر من توليه الرئاسة بعدد من قيادات الأحزاب السياسية، وجاء هذا بمناسبة إعلان الشروع في إجراءات الانتخابات البرلمانية الأولى بعد 30 يونيو، وحث السيسي خلال اللقاء قيادات الأحزاب على تكوين قائمة وطنية موحدة، وكرر الإعلان عن عدم احتياجه لتكوين ظهير سياسي، بينما لم يلتفت إلى مطالبهم المتعلقة بالنظام الانتخابي.

ب-لم يشرك السيسي أيا من ممثلي الأحزاب في لجنة الإصلاح التشريعي المنوط بها إعداد قوانين الانتخابات، ويعد هذا معبرا عن تصور الرئاسة حول قدرة الأحزاب على صياغة التشريعات من الناحية الفنية أولاً، وثانياً غياب ثقته في مدى توظيف الأحزاب للتشريعات بما يخدم مصالحها السياسية دون الالتفات لأية اعتبارات أو مصالح أخرى.

ج-حاولت إدارة السيسي التدخل في إدارة التحالفات الانتخابية، وأعلن استعداده دعم الأحزاب في حالة خوضها الانتخابات بقائمة موحدة في مايو 2015، وسبق ذلك تصريحات لبعض رؤساء وقيادات الأحزاب اتهمت فيها «الأجهزة الأمنية» بمحاولة التأثير على المرشحين والضغط على القوى السياسية من أجل إعداد القائمة الانتخابية الموحدة، وهي التصريحات التي تكررت عقب إعلان نتائج الانتخابات.

3-عقب انعقاد البرلمان:

رغم إصداره بعضا من القرارات السياسية والاقتصادية خلال هذه الفترة،لم يلتق السيسي برؤساء الأحزاب المصرية منذ مايو 2015، في دلالة على عدم اكتراثه بدور هذه الأحزاب، خاصة مع سيطرة تحالف دعم مصر على البرلمان المصري، وهو تحالف شارك في إعداده بعض المحسوبين على إدارة السيسي، وانحصرت علاقة السيسي بالأحزاب بتنظيم بعض اللقاءات مع شباب الأحزاب، بدءا من مؤتمر شرم الشيخ للشباب في أكتوبر 2016، ونتج عن المؤتمر اضطلاع شباب الأحزاب بإعداد برامج عمل تتعلق بنشاط محو الأمية و تحفيز العمل التطوعي، وهى قضايا لم تكن مطروحة على أجندة الأحزاب السياسية.

ومما سبق يتضح لنا ثمة ملاحظتين أوليتين، الأولى هي ندرة لقاءات الرئيس بقيادات الأحزاب السياسية وغلب عليها الطابع البروتوكولي، والملاحظة الثانية إنها لم تسفر عن أي نتائج ملموسة من شأنها تعضيد وضع الأحزاب.

ويبدوا هذا جليا من عدم لجوء السيسي إلى تمثيل أحد الأحزاب في اختياراته لأعضاء السلطة التنفيذية، في دلالة واضحة على عدم اكتراث الرئيس بدور الأحزاب السياسية، علاوة على اقتناعه بضعف دور هذه الأحزاب.

رابعا- الأحزاب السياسية في فترة السيسي

1-تصنيف الأحزاب:

اتخذت الأحزاب السياسية منذ إعلان السيسي مسارين مختلفين، وفقا لمعيار الموقف من ترشح الأخير:

المسار الأول مثلته الأحزاب المؤيدة لترشح السيسي للرئاسة، وهي أحزاب الوفد، المصريين الأحرار، النور، المؤتمر، حماة الوطن، وشاركت هذه الأحزاب في انتخابات البرلمان الحالي، كما مثلوا ما يمكن الإطلاق عليه جبهة موالاة الرئيس.

أما المسار الثاني انتهجه الأحزاب الرافضة لترشح السيسي للرئاسة في 2014، ومن أبرزها الدستور، المصري الديمقراطي الاجتماعي، الكرامة، وشكلت هذه الأحزاب فيما بينها ما عُرف بـ ” التيار الديمقراطي”، ولجأت أغلبها إلى مقاطعة الانتخابات البرلمانية، ويمكن القول إن هذه الأحزاب أصبحت تمثل جبهة المعارضة بين الأحزاب السياسية.

2-تراجع التمثيل البرلماني:

على الرغم من لعب الأحزاب دورا رئيسيا في عملية الإطاحة بمحمد مرسي من خلال جبهة الإنقاذ الوطني، تراجعت نسبة تمثيل الأحزاب في البرلمان الحالي إلى 43% تقريبا من إجمالي عدد المقاعد، مقارنة بـ 78% من مقاعد برلمان 2012، ولا يمكن إرجاع ذلك بشكل رئيسي إلى طبيعة النظام الانتخابي فقط، فكان انخفاض مستوى التنافسية أحد أبرز هذه الأسباب، حتى أن انتخابات القوائم لم تشهد تعددية حزبية، فعمدت الدولة إلى دعم قائمة موحدة للأحزاب، ما أفقد أي أسس للتمايز الحزبي، وغلق الأبواب أمام طرح الأحزاب لبرامج انتخابية مختلفة، في المقابل أدى هذا إلى رفع مستوى تمثيل المستقلين، في ظل غياب أي أجندات حزبية يمكن أن تشكل درجة من الاستقطاب.

3-نزاعات داخلية:

يمكن القول إن الأزمات الحزبية الداخلية هي أبرز سمات الأحزاب خلال فترة السيسي، فلم يخلو تقريباً حزباً سياسياً من حدوث أزمات داخلية، أدت إلى انقسام الحزب إلى جبهتين متصارعتين في أسوء الأحول، ويمكن ضرب المثال على ذلك بالأحزاب التالية:

أ-أحزاب الموالاة:

تكررت النزاعات الداخلية داخل أحزاب المصريين الأحرار ومستقبل وطن والوفد، وهي الأحزاب الكبرى في البرلمان، ووصل الأمر في حزب المصريين الأحرار إلى انشقاق الحزب إلى جبهتين، ولجوء الطرفين للتنازع القضائي على شرعية موقفهما، وجاء هذا النزاع على خلفية تغيير البنية السياسية للحزب بعد الانتخابات التشريعية، وشهد حزبي الوفد ومستقبل وطن نزاعات داخلية أيضا، وبدا ظاهراً عدم نجاح الأحزاب في احتواء نزاعاتها الداخلية، حتى أن السيسي توسط لحل النزاع داخل حزب الوفد، في مشهد أضعف كثيراً من نجاح الأحزاب في احتواء نزاعتها الداخلية دون تدخل الدولة.

ب-أحزاب المعارضة:

لم تكن هذه الفئة من الأحزاب أسعد حظا من سابقتها، كذلك تعرض حزب “المصري الاجتماعي الديمقراطي”، الذي تشكل بتحالف من قوى يسارية وليبرالية، بعد ثورة 2011، لسلسة أزمات انتهت باستقالة أغلب ممثلي التيار الليبرالي داخل الحزب ومن بينهما مؤسسه محمد أبو الغار وزياد بهاء الدين، على خلفية الانتخابات الداخلية في الحزب، واعترف أبو الغار بعجزه عن “رأب الصدع” و”تفكيك الشللية بين الأعضاء”، بحسب خطاب استقالته في سبتمبر/أيلول 2016، وتكررت النزاعات أيضا داخل أحزاب الدستور ومصر الحرية.

خاتمة:

مع حلول موعد الانتخابات الرئاسية في يونيو 2014، وضعت البيئة السياسية الجديدة  الأحزاب المصرية أمام مسارين لا ثالث لهما، المسار الأول هو التماهي مع خطاب الدولة، وربط مصالحها بمصالح النخب العسكرية والتكنوقراطية، وانعكس هذا على  التماسك الحزبي الداخلي، نتيجة للجوء القيادات الحزبية إلى استقطاب عناصر من خارج الأحزاب، خاصة القيادات الأمنية السابقة وأعضاء الحزب الوطني، كأحد سُبل التودد إلى الدولة، وتعظيم فرص الأحزاب في الفوز بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية، في مقابل تهميش الأعضاء الأصليين في الحزب، وتهميش الأيدلوجية الحزبية، ما أدى في نهاية المطاف إلى تراجع مستوى الانضباط الحزبي إلى أدنى المستويات، ولجوء الأطراف المتعارضة إلى التنازع العلني والقضائي، الأكثر أن هذه الأحزاب فقدت القدرة على ضبط توجهات نوابها داخل البرلمان، كأحد نتائج الاضطرابات الداخلية.

أما المسار الثاني الذي لم تجمعه علاقات جيدة بقيادات الدولة، قد عجز أيضا عن تحقيق أي نجاح، وتكفلت البيئة السياسية المحيطة بتقويض فعالية هذه الأحزاب إلى حد بعيد، ولم تسلم من النزاعات الداخلية أيضا، ويمكن القول بأن النزاعات الداخلية قد حلت بديلا لنزاع هذه الأحزاب مع منافسيها من الخارج.

والمحصلة إن الحالة الحزبية في مصر تشهد تراجعاً شديداً، ويبدو أن هذا يلاقي هوى السلطة في مصر، وتبدو مصلحتها واضحة في عدم ظهور أحزاباً سياسية قادرة على التنافس، لذا عمدت إلى خفض مستوى التنافسية في الانتخابات البرلمانية إلى حد كبير، لتعود بالأحزاب السياسية إلى حالة ما قبل 25 يناير 2011.

ولا مناص من القول بضرورة عمل الأحزاب السياسية على إعادة ترتيب أوراقها، والاحتكام لأيدولوجيتها السياسية في عملية البناء الداخلي وطرح مرشحيها في الاستحقاقات المختلفة وفقا لهذا المعيار، إلا إننا أيضا لا يمكننا توقع تحسن حالة الأحزاب في مصر دون إحداث تغييراً جذرياً في معطيات البيئة السياسية الحالية.

 

…………………………………………
الهوامش:
“دليل الأحزاب السياسية المصرية”، مركز دعم واتخاذ القرار، مجلس الوزراء، متاح على: http://www.eip.gov.eg/Directories/Directory.aspx?id=56(أخر مشاهدة في 15-6-2017).
باهي حسن، “المشاركة في الانتخابات والاستفتاءات بعد ثورة يناير.. للخلف دُر”، المصري اليوم (القاهرة)، 17/10/2015. على الرابط: http://www.almasryalyoum.com/news/details/828477 (أخر مشاهدة 15-10-2017).
التقرير الختامي لنتائج متابعة الانتخابات البرلمانية مصر 2015″، مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الانسان (القاهرة)، 15/12/2015، على الرابط: http://www.maatpeace.org/old/node/4468-page=6.htm (أخر مشاهدة 10/6/2017).
“السيسي يدعو الأحزاب السياسية للاندماج”، أصوات مصرية (القاهرة)، 20/5/2014، على الرابط:http://www.aswatmasriya.com/news/details/16629 (أخر مشاهدة 10/6/2017).
“السيسي يستكمل لقاءاته برؤساء وممثلي الأحزاب والقوى السياسية اليوم”، أصوات مصرية (القاهرة)، 13/1/2015. على الرابط: http://www.aswatmasriya.com/news/details/4042 (أخر مشاهدة 11/6/2017).
هاني الوزيري، ” تفاصيل لقاء السيسي مع شباب الأحزاب”، بوابة الوطن (القاهرة)، 25/10/2016، على الرابط:http://www.elwatannews.com/news/details/1532189(أخر مشاهدة في 1
إغلاق