أموال موجهة .. كيف تزايد النفوذ الإماراتي في المنطقة العربية؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
أموال موجهة .. كيف تزايد النفوذ الإماراتي في المنطقة العربية؟

أموال موجهة .. كيف تزايد النفوذ الإماراتي في المنطقة العربية؟




تعاظم النفوذ الإماراتي داخل أروقة المنطقة العربية خلال الأعوام الأخيرة، متخذًا في نظر بعض المراقبين من التبرعات السخية وسيلة لتحقيق سيطرته، عن طريق خلق جماعات موالية بدوائر الحكم و المراكز الإعلامية. فكيف تثنى للإمارات هذا؟

من البيت الأبيض يبدأ المشروع الإماراتي:

الإمارات الدويلة الخليجية التي صارت تُقدم نفسها في حملاتها الدعائية باعتبارها النموذج العلماني للدولة العربية؛ التجلي الأكثر وضوحًا لحجم النفوذ الإماراتي بالعاصمة الأمريكية والبيت الأبيض.

يقف وراء هذا التجلي يوسف العتيبة الذي يعد أكثر من مجرد سفير للإمارات في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فيقول بريت باين، مراسل الأمن القومى لـ”فوكس نيوز”، راسمًا ملامح نفوذ هذا الرجل في أروقة البيت الأبيض، قائلًا: «من أعظم الشخصيات التي استطاع عتيبة الوصول لها، بل وفرض نفوذه عليها في بعض الأحيان هو الجنرال أنتونى زيني، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية«، ويضيف: «لقد أصبح مُقربًا لدى الكثير من العسكريين المتقاعدين ذوي المناصب الهامة«.

نفوذ عتيبة يظهر في حفلات العشاء، التي تتحدث عنها الصحف الأمريكية، في منزله، القصر المطل على ضفة نهر البوتوماك بفيرجينيا، الذي يستضيف فيه كبار أعضاء الكونجرس، وموظفين نافذين بالبيت الأبيض كجون إرنست المتحدث باسم البيت الأبيض و المخرج المنفذ لبرنامج (NBC) الشهير(Meet the Press)، (آرون شوك) و(جوناثان مارتن) من نيويورك تايمز، و(جيسيكا يالين) من CNN، و(جيه سولومون) رئيس قسم الشئون الدولية بصحيفة وول ستريت الذي طرد منها في 22 يونيو الماضي، بعد تورطه في بيع معدات تجسس و صفقات سلاح مشبوهة للإمارت، وجنرالات سابقين بالبنتاجون.

وعلى الشرفة الآخرى يتجلى النفوذ الإماراتي بواشنطن في النمو الهائل التي حققته شركة (جلوبال فاوندريز)، المملوكة لمبادلة للتنمية ذراع الاستثمار لحكومة أبوظبي، التي تعمل في تصنيع الإلكترونيات، وقد حازت شركة (جلوبال فاوندريز) على لقب أسرع شركة لتصنيع أشباه الموصلات نموًا على المستوى العالمي من (آي سي إنسايت) بفضل شبكتها الواسعة التي تضم 8 منشآت تصنيع تنتشر في مدن درسدن الألمانية  ونيويورك الأمريكية و سنغافورة.

النمو الكبير الذي حققته الشركة الإمارتية، أثار قلق واسع لدى جانب عدد من أعضاء بالكونجرس الأمريكي، حيث أن نجاح الشركة يجعلها تُهدد المتعهد الأوّل لتزويد وزارة الدفاع بأشباه الموصّلات اللازمة للأنظمة الدفاعية، و الجوية و أنظمة تقنيّة أخرى، ما يمثل خطورة في أن تتولى هذه المسؤولية شركة مملوكة لدولة أجنبية.

و أظهر النفوذ الإماراتي نجاحه بإثناء الإدارة الأمريكية عن اتخاذ أي مواقف تصعيدية ضد الإدارة المصرية، على خلفية عزل جماعة الإخوان المسلمين من السلطة، وتنصيب عبدالفتاح السيسي رئيسًا للبلاد، إضافة إلى نجاح الإمارات في تعميق حدة الخلافات بين العاصمة الأمريكية و إيران، وهو ما يشهد عليه برقية لويكيليكس، وصفت موقف الإمارات حيال إيران «بالقوية و العدوانية في بعض الأحيان»، و«بكراهيتها العميقة للإسلام السياسي»، خاصة جماعة الإخوان المسلمين.

الإمارات و السيطرة على سياسات الدولة المصرية:

كشفت الجارديان على لسان محررها رانديب راميش عن وثائق مسربة تظهر أن ولي عهد إمارة أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان اشتكى لرئيس الوزراء البريطاني من الإخوان المسلمين في يونيو 2012 بعد يوم واحد من وصول الرئيس السابق محمد مرسي للحكم في مقابل رفع الضغوط الاقتصادية على بريطانيا.

ناهيك عن  الوثائق المسربة التي حصلت عليها صحيفة صنداي التي كشفت عن تعاقد الإمارات مع شركة (كويلر الاستشارية) للعلاقات العامة بهدف حث الصحفيين البريطانيين لإنتاج مواد صحفية و إعلامية تستهدف الهجوم على قطر وجماعة الإخوان المسلمين. وبحسب الصحيفة، فإن شركة العلاقات العامة ضغطت على الحكومة البريطانية لإجراء مراجعات على أنشطة جماعة الإخوان المسلمين في بريطانيا.

و تمر الأيام لتحصل (ميدل إيست آي) على وثيقة استرتيجية مسربة أعدها حاكم أبو ظبي الأمير محمد بن زايد آل نهيان بتاريخ 12 أكتوبر 2015، تكشف أن الإمارات أنفقت ما يقرب من 25 مليار دولار لدعم السيسي بدايةً من يونيو 2013 حتى مطلع عام 2015، تقسم إلى 16.4 مليار دولار منح، إضافة إلى 2.5 مليار دولار في صورة سبائك من الذهب أما الباقي فكان في صورة قروض؛ كما أن هذه الوثيقة تحتوي على تصريح هام لـ (بن زايد) يقول فيه: »يجب أن يعلم هذا السيسي بأنني لست ماكينة صراف آلي«؛ في إشارة منه إلى أنه إذا استمرت الإمارات بدعم نظام السيسي فيجب أن يكون هناك فاتورة سياسية يدفعها النظام المصري لصالح الإمارات؛ وبالتالي فإن استراتيجية الإمارات في مصر لم ولن تكون يومًا بقصد دعم الحكومة المصرية أو محاولة التأثير عليها فحسب، بل رشوة سياسية للسيطرة الإماراتية على مفاتيح الأمور والحكم في مصر.

وتكشف نفس ذات الوثيقة عن رغبة الإمارات في السيطرة على مفاتيح الأمور في مصر، هذه الرغبة تتضح في القسم الخاص بمراحل الاستثمار بالوثيقة الذي تضمن 3 شروط أساسية لاستمرار دعم حكومة السيسي هي، رفع الدعم عن الوقود على مدار 3 سنوات تدريجيًا بدءًا من عام 2015 حتى 2018، برفع 30% في العام الأول ثم 30% في العام الثاني ثم 40 % في العام الثالث، كما وضعت الإمارات استراتيجية تسعير الجنيه المصري أمام الدولار للسيطرة على السياسة النقدية في مصر؛ إضافة إلى تقليل الاعتماد على النظام البيروقراطي، لتكون النتيجة النهائية سيطرة الإمارات على سياسات الدولة المصرية داخليًا.

وفي سبيل خطة الإمارات للهيمنة على الإدارة المصرية أُعلن رسميًا عن بعض ما قُدم لمصر في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي على النحو التالي:

يوليو 2013: مليار دولار كمنحة لا ترد، و2 مليار دولار في صورة وديعة بدون فوائد في البنك المركزي، و7 شحنات وقود بقيمة 225 مليون دولار.

سبتمبر 2013: 2 مليار دولار في صورة ودائع ومنح.

أكتوبر 2013: توقيع مصر و الإمارات العربية المتحدة اتفاق للتعاون الاقتصادي بقيمة 4.9 مليار دولار.

نوفمبر 2013: وزير الدولة للتنمية المحلية «عادل لبيب» يقول إن الإمارات قررت تخصيص حوالي 1.8 مليار جنيه لتنفيذ 135 مشروعًا للصرف الصحي في 9 محافظات، كما أعلنت الإمارات العربية المتحدة تمويل حزمة تحفيز ثانية إلى مصر بقيمة 2.8 مليار دولار من المساعدات المالية.

أغسطس 2014: الإمارات توافق على إقراض مصر لتمويل شراء المنتجات البترولية.

نوفمبر 2014: صندوق خليفة لتطوير المشروعات في الإمارات العربية المتحدة يوقع قرضًا بقيمة 200 مليون دولار لتمويل المشروعات الصغيرة في مصر.

فبراير 2015: شركة إماراتية تقدم عرضًا لتطوير كفاءة 7 محطات لتوليد الطاقة الحرارية في شمال مصر.

مارس 2015: 2 مليار دولار في صورة وديعة في البنك المركزي، و2 مليار أخرى في صورة استثمارات يعلن عنها لاحقًا، كما وافقت شركة دانة الإماراتية على استثمار 350  مليون دولار في صناعة الغاز في مصر.

بالإضافة إلى ذلك، قال الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي و الاجتماع (AFESD) ، و مقره في الكويت، في أبريل 2015 إنه وافق على إقراض مصر مبلغ 1.5 مليار دولار على مدى فترة 5 سنوات، كما وقع الصندوق على اتفاقات لتمويل عدة مشروعات للكهرباء وكذلك على قرض بقيمة 50 مليون دولار لصالح الصندوق الاجتماعي للتنمية المملوك للدولة لتمويل المشروعات الصغيرة و متناهية الصغر، كما أقرض مصر 102 مليون دولار لتنفيذ مشروع محطة لتوليد الكهرباء.

دعم عسكري و سياسي لحفتر ليبيا:

الإمارات تعمل على اقتطاع دويلة تابعة لها في المناطق النفطية في شرق ليبيا بمساندة مصرية، بينما ينهمك باقي الليبيين في قتال تنظيم الدولة، هكذا علق الكاتب البريطاني «ديفيد هيرست» في مقاله على موقع «ميدل إيست آي».

يتجلى الدور المصري والإماراتي في التحركات التي قامت بها قوات حفتر ضمن ما يسمى عملية «البرق الخاطف»، التي سيطرت خلالها على منطقة الهلال النفطي، إذ تمت العملية بـ «غطاء سياسي من النظام المصري وبضوء أخضر إماراتي».

و يطمع النظام المصري- على وجه التحديد – بالحصول على حصة من الموارد النفطية الليبية في ظل أزمته الخاصة بقطاع الطاقة، لذلك لم يكن موقف مصر غريبًا عندما عجل وزير خارجية مصر «سامح شكري» بإعلان تأييد بلاده التام لتحرك قوات حفتر نحو الهلال النفطي، معتبرًا أن ذلك جاء للحفاظ على الأمن و الاستقرار في البلاد، وتأمين الثروات البترولية، وجاء تعقيبه على بيان أمريكا و الدول الغربية الذي أدان سيطرة حفتر بأنه متسرع ولم يراع الاعتبارات الخاصة بالأوضاع الداخلية في ليبيا.

أما الإمارات، فقد تحركت بشكل عملي أكثر في دعم حفتر، فتحملت كل تكاليف تمويل القوات الأجنبية الفرنسية و البريطانية المتواجدة في شرق ليبيا وجنوبها، وبدعم لوجستي مصري هربت الإمارات لحفتر أسلحة، ويكشف تقرير للأمم المتحدة أن عمليات تهريب السلاح الإماراتية لا تقتصر على نقل الذخائر و السلاح فقط، بل حولت طائرات مقاتلة مصرية عتاد عسكري إلى مدينة طبرق أيضًا.

وعملت الإمارات أيضًا مع الأردن في غرفة عمليات عسكرية مشتركة تحت قيادة فرنسية لدعم حفتر، وينقل موقع صحيفة «هافينغتون بوست» أن غرفة القيادة والتحكم هذه توجد داخل قاعدة بنينا الجوية في مدينة بنغازي التي تعتبر أهم تمركز عسكري للقوات الموالية لحفتر، وقد سربت محادثات مسجلة لطيارين إماراتيين شاركوا في مهمات قصف جوي لمواقع حول مدينة بنغازي، و تحديدًا لحي اسمه سوق الحوت، أو سوق السمك، التسجيلات تظهر تواصل الطيارين مع برج المراقبة في مطار بنينا – المقر الرئيس لحفتر- لقصف هذا الموقع الذي يدور فيه قتال بين حفتر والقوات الإسلامية «البنيان المرصوص» منذ عام 2014.

كما كشفت صحيفة الجاريان البريطانية أن مبعوث الأمم المتحدة لتسوية النزاع في ليبيا تم شرائه من قبل الإمارات مقابل تعينه في الإمارات بعد إنهاء مهمته كرئيس لأكاديمية الإمارات الدبلوماسية بمرتب 53 ألف دولار شهري، حيث كشفت جريدة الجاريان عن رسالة موجه  من مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا إلى وزارة الخارجية الإماراتية يقول فيها أنه يعمل على تدمير حكومة طرابلس  لمحاصرتها.

ولم يخف حفتر الدعم الإماراتي له؛ ففي حواره مع وكالة «سبوتنيك» الروسية لم ينف حفتر دور الإمارات في كسر حظر تسليح الجيش الليبي، وقال «دولة الإمارات العربية هي إحدى أهم الدول الشقيقة التي تقف إلى جانب الشعب الليبي وتعمل ما بوسعها من أجل استقرار ليبيا وأمنها، ولكنها حريصة على عدم تجاوز القرارات الدولية«.

ويُختتم التقرير بما أثارته هيومن رايتس ووتش منذ أيام قليلة بتورط الإمارات في تمويل مجموعات مسلحة في اليمن تنتمي لتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية؛ إضافة لتورط الإمارات في إدارة مركزيين لاحتجاز المواطنين في اليمن غير رسميين، ورصد حالات تعذيب و قمع خارج إطار القانون وقد قال «جو ستورك» نائب مدير شئون الشرق الأوسط بمنظمة هيومن رايتس ووتش أن أفعال الإمارات التي تقوم بها من تحت الطاولة خرجت من الإطار الإقليمي للإطار الدولي من خلال تحقيقات رسمية فيما يُنسب إليها بقيادة البنتاغون الأمريكي وبرعاية منظمة العفو الدولية.

 

 

 

………………………………………………………………………………………………….
Julian pikih, UAE asserts itself with record-smashing lobby blitz, Al-Monitor. http://www.al-monitor.com/pulse/ar/contents/articles/originals/2015/07/uae-lobbies-congress.html
Akbar Shahid Ahmed, How Wealthy Arab Gulf States Shape The Washington Influence Game, huffingtonpost.http://www.huffingtonpost.com/entry/arab-gulf-states-washington_us_55e62be5e4b0b7a9633ac659
ERIC LIPTON, BROOKE WILLIAMS and NICHOLAS CONFESSORE: Foreign Powers Buy Influence at Think Tanks, nytimes.https://www.nytimes.com/2014/09/07/us/politics/foreign-powers-buy-influence-at-think-tanks.html?mcubz=0
David Hearst, EXCLUSIVE: The Emirati plan for ruling Egypt, Middle East Eye.https://www.middleeasteye.net/fr/news/exclusive-emirati-plan-ruling-egypt-2084590756
Atlantic Council, The Economy Under Sisi, June 9, 2015.http://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/one-year-on-the-economy-under-sisi
David Hearst , How to support a Libyan government – and kill it at the same time, Middle East Eye,https://www.middleeasteye.net/columns/catch-22-libyan-style-haftar-milo-minderbinder-1909834414
DAVID D. KIRKPATRICK , Leaked Emirati Emails Could Threaten Peace Talks in Libya, New York Times https://www.nytimes.com/2015/11/13/world/middleeast/leaked-emirati-emails-could-threaten-peace-talks-in-libya.html?mcubz=0