مستقبل الأزمة القطرية بعيون واشنطن.. السعودية خارج التحالف الرباعي؟ (تقدير موقف) - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
مستقبل الأزمة القطرية بعيون واشنطن.. السعودية خارج التحالف الرباعي؟ (تقدير موقف)

مستقبل الأزمة القطرية بعيون واشنطن.. السعودية خارج التحالف الرباعي؟ (تقدير موقف)




 

 

بعد ما يربو عن شهر من عمر ما سُميَ بـ”الأزمة القطرية” التي كانت الدوحة في بدايتها قاب قوسين أو أدنى من حافة الانكماش والخضوع لحجم إمارة خليجية تدور في فلك السياسات السعودية والإماراتية مثل البحرين، تمخضت الدول الأربعة فولدت قائمة مستحيل تنفيذها بعيون أميركية، تحتوي 13 شرطاً، ردت عليها الدوحة بقائمة من 10 نقاط جعلت قائمة الدول الأربعة هي والعدم سواء، ليأتي رد السعودية ومصر والإمارات والبحرين اليوم في مؤتمر لوزراء الخارجية بالقاهرة أمس مكرراً نفس الخطاب الهلامي للمقاطعة وملتزماً بسقف قطع العلاقات ومخففاً من عبارات التهديد والوعيد بالحصار والعقوبات ومتسقاً مع التعليمات الأميركية التي انتظرت خطاً  سياسياً من حلفائها طيلة الأسابيع الثلاثة الأولى من عمر الأزمة، تتجاوز به هذه الدول مسألة التفريغ العصبي تجاه الدوحة، فأفضت لقائمة الشروط المستحيلة فكان الرد القطري عليها، والرد الرباعي الباهت والمُسَوف على الرد القطري كما رأينا أمس، وذلك بعد أيام عصيبة وصلت فيها التوقعات إلى حد العمل العسكري كرد على رفض قطر للشروط.

بالنظر إلى الشروط الثلاثة عشر نجد أنها خرجت بصيغة “الاستسلام الغير مشروط”، وكأنها إملاءات لا تقبل التفاوض أو المساومة بعد “معركة” خسرتها قطر، والتي بدورها وجدت نفسها بين خيارين كل منهما يؤدي لنتيجة واحدة؛ فسواء وافقت الدوحة على شروط الرياض وأبوظبي والقاهرة والمنامة، فإن ذلك يعني تقلص دورها في الخليج والمنطقة لحدود التبعية لقرار السعودية والإمارات، وإذا لم توافق فإنها ستستمر في مقاومة الحصار ومحاولة إيجاد ثغرات في مصداقية أسبابه عند الأربعة دول، تجعل الموافقة على شروط أخف وطأة مستقبلاً كخيار أسوأ وحيد أفضل من أن تقبل بشروط الوثيقة سابقة الذكر، خاصة وأن هذه الشروط مرتبطة ببعضها البعض ارتباطاً عضوياً وغير ممكن تحقيق أحدها دون الأخر، وهو ما يفقد الدوحة ميزة التفاوض، والأخطر والأهم هو ربط هذه الشروط بحدود دور أميركي في حل الأزمة الراهنة، أو حتى أي دور مستقبلي في تنظيم العلاقات بين دول مجلس التعاون، والتي قامت على أساس الإشراف الأميركي وتحت وصايته، وهو الأمر الذي خلف تضارب بين مؤسسات أميركية مثل الخارجية والدفاع، وبين البيت الأبيض تجاه الأزمة الخليجية. وهو ما التقطته الدوحة وخلقت منه نقاطها العشر الذين في جوهرهم يحملوا مبدأ تفاوض وأخذ ورد مالت إليه واشنطن، وربما توافق عليه كأساس لانطلاق مفاوضات مستقبلية لحل الأزمة بإشرافها.

وبخلاف السابق، فإن ترجمة بيان الدول الأربعة بشكل عملي يعني بقاء الأمر كما هو عليه، ولكن “الأمر” يعطي قطر أفضلية كبيرة في إدارة الصراع الحالي، فبعد الرد القطري المتحدي وإخراجه بلغة ندية استناداً على حلحلة الموقف الأميركي على مدار أسابيع الأزمة بشكل تصاعدي، بدافع عوامل وأسباب متعددة أهمها القول الفصل للمؤسسات الأميركية وعلى رأسها البنتاجون الذي رفض مناقشة نقل العديد خارج قطر، ورد الدول باحتمالية قاعدة عسكرية عربية في البحرين –وهو ما مثل تحدياً لواشنطن من الدول الأربعة للمؤسسات الأميركية- وكذلك الصفقات العسكرية بين واشنطن والدوحة بمليارات الدولارات، ناهيك عن قدرة قطر في إيجاد أساس تعاطف في وسائل الإعلام الأجنبية والأميركية، ونجاح الدوحة في تقويض مفاعيل عمل رجالات دول المقاطعة في واشنطن –تسريبات العتيبة وتورطه في غسيل الأموال- جعل العشر نقاط التي هي رد قطر على قائمة المطالب الثلاثة عشر هي قاعدة انطلاق مفاوضات مستقبلية بين الدول الأربعة وقطر وبإشراف أميركي.

تدويل الأزمة.. خط أحمر أمريكي

الدول الأربعة، وحسب تصريحات مسئوليها عقب الرد القطري الرسمي الذي سُلم للكويت قبل ثلاثة أيام، هددت بإجراءات عقابية ضد الدوحة بدايتها حزمة عقوبات اقتصادية لم تشهد النور، وذلك لأن شرعيتها غير متحققة حتى كتابة هذه السطور. فبخلاف نجاح قطر في تصوير قطع العلاقات بأنه أمر منافي للقوانين والمواثيق الدولية وعمل ينتهك حقوق الإنسان، فإن تطوير قطع العلاقات لعقوبات اقتصادية تزيد الخناق على قطر –اقتباساً من نمط العقوبات الأميركية ضد إيران- لن يتم إلا بوجود غطاء أممي عبر مجلس الأمن والأمم المتحدة، وهو لم يحدث لعدم رغبة واشنطن في تدويل الأزمة وخروجها من حيز سيطرتها وتداخل قوى دولية أخرى كروسيا والصين وربما أوربا لها مما يضعف إستراتيجية ترامب –الإدارة المنفردة الغير مباشرة اللامركزية في قرارها وفق أولويات مشتركة- في المنطقة على المدى البعيد ويؤثر على تسويات تريدها واشنطن مع بعض من هذه الدول في مختلف القضايا والملفات أبرزها على مستوى الشرق الأوسط الأزمة السورية ويمتد على مستوى دولي إلى العلاقات مع روسيا والصين والملفات الخلافية من أزمة بحر الصين الجنوبي للأزمة الأوكرانية وغيرها من التفاهمات الاقتصادية والمتعلقة بسوق الطاقة. وهو أمر يفوق قدرة الدول الأربعة مجتمعة وأكبر منهم، وبالتالي فإنه غير ممكن وغير عملي، وفي حال الدفع به بعيداً عن الإرادة الأميركية سيجعل موقف واشنطن يميل لقطر أكثر.

وبخلاف ذلك، فإن مخاطر تدويل الأزمة وإخراجها لحيز أممي عبر مجلس الأمن والأمم المتحدة لإيجاد شرعية دولية لأي إجراءات عقابية ضد قطر سواء كانت اقتصادية أو حتى عسكرية له مخاطر على تماسك تحالف الدول الأربعة ضد قطر، فمن ناحية تشكل الرياض رمانة ميزان هذا التحالف الرباعي الذي أنهى خلافات تصاعدت للسطح خلال العاميين الماضيين،  –مثل السعودية ومصر بسبب تحالف السعودية وقتها مع قطر وتركيا على حساب القاهرة وهو ما أفضى إلى رهن تسليم تيران وصنافير للسعودية إلى أن حسمت موقفها ضد قطر والإخوان- وشكل هذا التحالف الرباعي انطلاق لقيادة محور الاعتدال ضمن سياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط بما فيها السلام الشامل والتطبيع مع إسرائيل وتسوية القضية الفلسطينية، وهو ما يضمن لدول التحالف بخلاف السعودية هامش تحقيق أولويات ملحة وضرورية في اليمن وليبيا، ولكن يبدو أن هذا الهامش حدته واشنطن أن لا يتم تجاوزه إلى القضاء على الدور القطري، حتى إن كان بداعي دعمها للإرهاب؛ فالحد الأدنى لتداعيات تعميم هذه السردية عن قطر –وهي صحيحة- على مستوى دولي وأممي سينسحب بالضرورة على السعودية التي دعمت ورعت ومولت الإرهاب. وقانون “جاستا” ما يزال مُفعل وإن تم لجمه عبر البيت الأبيض وبفاتورة 480 مليار دولار دفعتهم السعودية للولايات المتحدة.

والمانع الأهم من ذلك، أنه في حال أن فرضت الدول الأربعة عقوبات اقتصادية على قطر فإن تطبيقها غير وارد عملياً طالما أنها بدون دعم أممي أو دولي أو بالحد الأدنى أميركي، فعلى سبيل المثال طُرحت فكرة مقاطعة الكيانات والمؤسسات الاقتصادية والمصرفية التي تتعامل مع قطر تحت مبدأ “أما الدوحة أو أربعة عواصم عربية”، وهو نظرياً أمر ممكن، لكن عملياً في ظل عدم الدعم الأميركي والموافقة على العقوبات الاقتصادية ضد قطر فما على الأخيرة إلا أن تجد بديلاً أميركياً أو أوربياً للتعاملات الاقتصادية والبنكية، وحينها لن تستطيع الدول الأربعة فرض العقوبات الاقتصادية على هذه الكيانات الأميركية والأوربية وغيرها بسبب تعاملها مع قطر، لأن هذا يعني مقاطعتهم لتكتلات اقتصادية ومصرفية أميركية وأوربية، وهو يتناقض مع اتجاه هذه الدول لاستمالة واشنطن بفيض الأموال والاستثمارات.. أي أنها مقاطعة بدون مقاطعة!

إذن تدويل الأزمة لا يصب في مصلحة التحالف الرباعي، سواء من ناحية عدم رضا واشنطن عن هذا التدويل، أو عدم استطاعة الدول الأربعة فرض إرادة دولية لعقاب قطر، وأخيراً لأن الأخيرة استطاعت استباقهم إلى مسألة التدويل بشكل عكسي، صور إجراءات القاهرة والرياض وأبوظبي والمنامة أنها حصار غير قانوني طبقاً للقانون الدولي والمواثيق الدولية، وأن مطالبهم خارج إطار القرارات الأممية والدولية، وأنها فقط إملاءات القوي على الضعيف.

السعودية خارج التحالف الرباعي؟

المدقق في موقف قطر وتركيا تجاه السعودية منذ بداية الأزمة الحالية يجد أنه يدور في تحييد السعودية وإبعادها عن “مقامرة السيسي وبن زايد”، وهو موقف ليس بجديد على أنقرة والدوحة ومحورهما في السنوات الأخيرة، وذلك لإدراكهم أن ما تريده القاهرة وأبوظبي لن يتحقق دون السعودية، وأن توافق الرياض مع القاهرة وأبو ظبي أقل من أن يستمر طالما أنه مفاعليه تحيد عن بوصلة المصلحة الأميركية، وبالتالي فإن الحد الأقصى للسعودية تجاه قطر على المستوى المنظور –بتعبير وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في المؤتمر الرباعي – هو بقاء قطع العلاقات بين المملكة وقطر وليس التصعيد ضدها طالما أن هذا التصعيد المراد من جانب القاهرة وأبوظبي لن يحوز المباركة الأميركية، وهو الأمر الذي تدركه الدوحة جيداً وفعلته في جميع خطواتها على مدار الأسابيع الماضية، حتى أن خطابها الإعلامي لم يشط في استعداء الرياض كما الحال ضد أبو ظبي والقاهرة، بل حتى أن هذا الخطاب الإعلامي كثيراً ما ضرب على وتر التباينات بين السعودية من جهة وبين مصر والإمارات من جهة، بما في ذلك الخلافات التاريخية، وتثمين العاميين الماضيين الذين شهدوا تحالف بين الرياض وبين الدوحة وأنقرة، وعلى الرغم من عدم نجاحه بشكل كبير في سوريا واليمن فإنه أعطى شرعية قيادة “إسلامية” للسعودية حفظ لها موقع قيادي في اصطفاف طائفي أرادته المملكة ضد إيران، ونفس الأمر عبر الأطر الرسمية العربية ممثلة في الجامعة العربية التي وفرت قطر للسعودية دعماً في تعميم قراراتها ضد إيران ومحور المقاومة –قرارات العام الماضي باعتبار حزب الله تنظيم إرهابي- نظير فاتورة غير مكلفة للمملكة وهي إطلاق يد قطر وتركيا في ليبيا واستثناء جماعة الإخوان المسلمين من قائمة الإرهاب، وهو غير متوفر في قيادتها لدول الاعتدال في إطار الوكالة الأميركية-الترامبية، التي تحدها أوامر وتعليمات ترامب وتكلفها استعداء الجماعة الذين شكلوا مرتكز جماهيري في الاصطفاف الطائفي ضد إيران، ناهيك عن شد وجذب القاهرة وأبوظبي في مختلف الملفات في سوريا واليمن وليبيا، أي باختصار لا تزال الدوحة تصور للرياض أن تحالفها معها أثمن وأفيد لها من المضي قدماً في قيادة مساعي أبوظبي والقاهرة المكلف أكثر على مستويات عديدة.

ويضاف إلى ذلك من جهة استفادة السعودية أو تضررها، أن استمرار الأزمة مع قطر دون حل أو بتسوية أميركية ينتج عنها شروط مخففة يتم التفاوض عليها مستقبلاً، أو حتى تجميد الأزمة أميركياً وجعلها أزمة ثابتة دون حل –وهو ما يصب في مصلحة واشنطن من حيث ضمان التوازن في منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام- يقوض مساعي الرياض في القيادة والتصدر على مستوى مجلس التعاون ومستوى المنطقة؛ فإزاء هذا الجمود في إنهاء الأزمة الخليجية عبر وساطة كويتية، وهو ما أنتج تقارب في المواقف بين طهران وأنقرة تجاه الأزمة الخليجية، عوَلت الدوحة على تغيير الموقف الإقليمي والدولي لصالحها، أو بالحد الأدنى حلحلة الأزمة وإضعاف سردية الأربعة دول الذين عولوا في بداية الأزمة على موقف أميركي صلب تجاه قطر، وهو ما تغير بعد حوالي أسبوعين بفعل صفقات السلاح ورد الفعل الإعلامي في المنطقة وخارجها الذي أبرز أن موقف الدول الأربعة مجرد تفريغ عصبي دون فعل سياسي تأخر 3 أسابيع حتى ظهرت قائمة الشروط ال13 التي هي في واقع الأمر إملاء شروط منتصر على مهزوم، ولكن دون حدوث معركة، ناهيك عن رهان قطر وتركيا من ورائها على اتساع التباين بين الرياض وأبوظبي أو بين الرياض والقاهرة وهو إن حدث تضمن حدود تأثيره الدُنيا على الأزمة القطرية أن تعود الرياض إلى مربع التحالف المؤقت منذ 2015 وحتى 2017 مع أنقرة والدوحة واستئناف مفاعيله في اليمن وسوريا، خاصة وأن المحرك الرئيسي للسياسات السعودية الخارجية وهو الصراع الداخلي على العرش بعد الملك سلمان قد حُسم لصالح محمد بن سلمان، مع بقاء الأسباب التي دفعت الرياض في 2015 للتحالف مع تركيا وقطر ضد إيران على حساب تحالفها مع القاهرة وأبوظبي مازالت قائمة، أو بالأحرى لا تزال فرص إنهائها غير مضمونة وخاصة على الجانب الأميركي، حيث أن الضمانة الأميركية الوحيدة للسعودية هي شخص ترامب وليس على نحو مؤسسي. ناهيك عن التقارب بين تركيا وإيران الذي إذا تحول لتحالف سياسي سيعني خسارة السعودية لكل ما تبقى لها من إمكانية للنفوذ الإقليمي عبر تحالفها مع إسرائيل –التي إذا شنت حرب جديدة تضعف فرص التسوية الشاملة المفترضة- ومركزية وكالة كل منهما للسياسات الأميركية.. أي أن العامل الحاسم في استمرار أو حل الأزمة الخليجية أو حتى بقائها دون حل رهن للموقف الأميركي الذي قوضت خطوطه الحمراء أي تحرك للدول الأربعة دون ضوء أخضر من واشنطن، وأبقت حدود الأزمة عند الخلاف السياسي الذي يقبل الأخذ والرد على مائدة مفاوضات وليس صراع صفري كما بدت إرادة الدول الأربعة في بداية الأزمة. بل أنه يمكن القول أن الموقف الأميركي خلق هامش مناورة للدوحة للتفاوض بندية حتى على بعض الشروط الهامشية مثل قناة الجزيرة بعدما كان إغلاقها أو تغيير سياساتها في بداية الأزمة وقبل قائمة الشروط الثلاثة عشر أمر مفروغ منه وغير قابل للنقاش وقد تقبل به الحكومة القطرية، وهو مثال على أن هذه الشروط في معظمها مطلب غير أصيل للرياض، وهو ما دفع الملك سلمان ونجله عند توليهم زمام الحكم في 2015 التغاضي عن تطبيق قطر لشروط المصالحة الخليجية 2014، والسير مع الدوحة في اصطفاف طائفي قبلت به الأخيرة لتجنب سيناريو المقاطعة الذي حدث هذا العام، والذي يبدو أن قطر ستتجاوزه بشكل أو بأخر فلا يتبقى رادع من جانب المملكة على الإمارة “المارقة” سوى العودة لمربع الشراكة بجانب أنقرة، وهو التحالف الثلاثي الذي حقق للمملكة في بداية عهد سلمان قفزة للأمام على صعيد السياسات الخارجية وخاصة فيما يتعلق بقطرها لتطوير العلاقات العربية الإسرائيلية ونفوذ على القضية الفلسطينية وقطاع غزة، بمعزل عن تقييم هذا التقدم السعودي بالطبع وما آل إليه لاحقاً من فشل في اليمن وسوريا وخسارة المغازلة الحمساوية للرياض حتى الأسبوع الماضي بعد أن عوضتها القاهرة، بعدما صرحت الرياض بشكل قاطع عن عدائها لحركة حماس بدافع من تسريع التطبيع السعودي مع إسرائيل، وتماشي التوجه السعودي مع رغبة القاهرة وأبوظبي تجاه جماعة الإخوان.

الأخطر من السابق كله من زاوية سعودية هو أن بقاء الأزمة مع قطر دون حل على المدى الطويل دون حل نهائي، سيؤدي إلى إضافة أزمة ثابتة دون حل لقائمة الأزمات والملفات والقضايا التي بدأتها أو شاركت فيها السعودية دون حسمها؛ بداية من سوريا واليمن والعراق وأخيراً الأزمة الخليجية المزمنة، وهو ما يعني في المحصلة العامة أن الرياض لم تستطيع إنجاز أي شيء حتى بعد مسايرتها للرياح الإماراتية- المصرية لتحقيق حسم ما لم يحدث، بل أن هذه المسايرة السعودية لمصر والإمارات أفقدتها موقع المرحب به في تحالف مع قطر وتركيا وجماعة الإخوان جربته الرياض منذ عامين، وهو على عدم نجاحه بالشكل الأمثل في مختلف المناطق والملفات، فإنه ضمن وقتها وبالحد الأدنى عدم تقارب تركي قطري مع إيران، ووجود تركي بمعزل عن السعودية في الخليج، وقبول الدوحة والمنامة بدور قيادي للرياض، ليتحقق عكس السابق عندما أدارت السعودية ظهرها لقطر وتركيا.

القضاء على قطر أم “قضاء وقطر”؟

تكثر الدوافع والأسباب التي تجعل الرياض تتحلل من موقفها ضد الدوحة ضمن موقف التحالف الرباعي، سواء أسباب ذاتية أو موضوعية على نحو يزيد عن السابق سرده ولا متسع لذكره هنا خاصة وأنه متعلق بديناميات الحكم في الرياض وعلاقات ذلك بدول مجلس التعاون والتأثر بها وانعكاسه عليها، لكن الأهم هو الموقف الأميركي الذي بات يفرض من جميع النواحي أن تضبط السعودية بوصلتها عليه، فمن نافلة القول أن انقلاب الرياض على الدوحة لم يكن يتحقق لولا موافقة ترامب التي ورائها إقناع القاهرة وأبو ظبي له بأن إستراتيجيته في الشرق الأوسط لن تتحقق إلا بتقويض قطر، وسرعان ما تراجع عن موقفه ومال إلى تسوية وحل وسط، خاصة وأن الندية التي حاولت بها الدول الأربعة تحدي واشنطن برفضها طلب نقل العديد إلى البحرين، والمتمثل في التلويح بإقامة قاعدة عسكرية بديلة هناك بدعوى موازنة القاعدة التركية في قطر، أفضت إلى ما شاهدناه أمس في المؤتمر الصحفي لوزراء الخارجية الذي احتوى بيانهم على نسبة معتبرة لكيل المديح والثناء على ترامب وسياساته وترجي تطبيقها كما يتمنوا.

الموقف السعودي تجاه قطر لا يوجد سبب آني له خاصة في عهد سلمان ونجله، اللذان توجها للتحالف مع قطر وتركيا في بداية عهدهم، ولا يوجد سبب أصيل للسعودية أن تقدم على معاداة قطر بهذا الشكل مؤخراً –بمعزل عن الأسباب التاريخية- من ناحية الحاجة السياسية سوى مرضاة حلفائها واستجابة لتوجههم بعد قدوم ترامب للبيت الأبيض واقناعهم له بتقويض قطر على النحو السابق ذكره، وخاصة أن الرياض احتاجت في الفترة الأخيرة إلى تضمين موقف دولي وإقليمي لتمرير تغيرات في الداخل السعودي، وهو الأمر الذي لم يكن ليتم دون تمرير صفقة تيران وصنافير على سبيل المثال، التي تضيف لمحمد بن سلمان زخم خارجي وداخلي، والصفقة في حد ذاتها لم تكن لتتم دون ضمان القاهرة لموقف السعودية ضد قطر، وبالتالي فإن تغير الظرف الذاتي والموضوعي للمملكة بعد إنفاذ التغيرات الداخلية، والضرر الذي بدأت بشائره تطل عليها من موقفها المستحدث تجاه قطر بموازاة عدم الرضا الأميركي عن مسألة تصعيد هذا الموقف، فإن أمام السعودية ثلاث خيارات:

الأول أن تقبل بمسألة الأزمة الثابتة وتتفاعل مع قطر بشكل دفاعي سواء من ناحية تأثير ذلك على واقع دول مجلس التعاون أو العلاقات القطرية الإيرانية، أو التحالف القطري التركي، وهذا الأمر لا يعود على المدى الطويل بالنفع على المملكة، بل على العكس ينقلها من خانة المدافع إلى خانة العاجز إذا ما تطور الأمر إلى تقارب بين قطر وتركيا وإيران، وتدهورت العلاقات بين الرياض وواشنطن لمضي الأولى قدماً عكس رغبة الثانية، أو لأسباب أخرى، فلا ننسى أن الضامن الوحيد لعدم تدهور العلاقات الأميركية – السعودية هو التسوية الترامبية على مدار السنوات الثلاث القادمة والذي كان ثمنها 480 مليار دولار، أما عن باقي المؤسسات الأميركية على تنويعاتها مازالت تحتفظ بوجهة نظر تجاه الرياض حدها الأدنى هو الحليف المرهق وحدها الأقصى تورط السعودية في 11 سبتمبر 2001. وهذا الأمر معناه أن الرياض عليها أن تتعايش مع هذا الجار المزعج الذي يشكل قنبلة موقوتة وفرصة تهديد مستمر لنفوذ السعودية في الخليج وفي المنطقة.

الثاني وهو الأقرب للواقع، أن تعود المملكة إلى موقعها المُرحب بها بجانب قطر وتركيا، ضمن تسوية وتوازن لا يخل بعلاقاتها مع القاهرة وأبوظبي، وهو أمر دقيق ويحتاج لجهد ومرونة فائقين لا تملكهم السعودية في الوقت الراهن، لكن من الممكن على المدى القريب تحقيقه بشكل أفضل مما كانت عليه الأمور في العاميين الماضيين، خاصة وإن مالت واشنطن لنفس الأمر وأشرفت عليه بشكل فوقي تجاه لململة فوضى التباينات بين حلفائها في المنطقة. فببديهية الاختيار العاقل ما الأفضل: أن تتعايش السعودية مع قطر وهي في خانة التحالف وموقع المرحب به في اصطفاف يجمعها بأنقرة والدوحة والإخوان، أم تستمر في مسعى عبثي غير مرضي عليه أميركاً يهدف لتقويض قطر ويعزز فرص خصوم السعودية ويفيدهم بشكل مباشر وغير مباشر  بعدما كان العكس في العاميين الماضيين؟

الثالث وهو الاستمرار في التصعيد ضد قطر، وهذا الأمر في مداه القريب والمتوسط والبعيد لا يخص فقط مدى الإضرار بقطر وتحجيمها، فالسعودية مع الإمارات ومصر قادرين على إلحاق ضرر كبير بقطر، لكن ماذا عن تداعيات هذا الأمر وموقف واشنطن منه، وكذا إلحاق بشكل آلي به وتدخلها على خط الأزمة –إلى الأن تحتفظ تركيا بمسافة تهدئه ورجاء تحييد مع السعودية فيما يخص الأزمة القطرية- وتفاصيل أخرى حاسمة في مسار هذا التصعيد الذي فائدته المرجوة بالنسبة للسعودية أقل من تداعياته وضرره خاصة إذا تم النظر إليه من زاوية تدويل الأزمة وتحدي إرادة واشنطن في عدم التدويل والتصعيد.