بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل | ١٠ إبريل ٢٠١٨

قراءات

عرض كتاب النظام القوي والدولة الضعيفة لسامر سليمان، صدر عام 2004

الوسوم

نبذة عن الكاتب:

 سامر سليمان، أحد مؤسسي الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، حصل على بكالريوس الاقتصاد من جامعة القاهرة عام 1990، وحصل على ماجستير في علم الاجتماع من الجامعة الأمريكية عام 1997، ثم الدكتوراه من معهد باريس للعلوم السياسية.

 يعد سامر سليمان من أهم المتخصصين في الاقتصاد السياسي، له عدة كتب ودراسات أهمها “خريف الديكتاتورية” و”الدولة و رأسمالية التصنيع”، توفي عام 2012.

أهم الأفكار الواردة بالكتاب:

تناول الكتاب عدة أفكار رئيسية بدأت بتحديد نظام مبارك لأولوياته التي تمثلت في الاستمرار في سياسة الانفتاح الاقتصادي لكن بتعديلات تأخذ في الاعتبار البعد الاجتماعي، ثم يمر الكاتب على علاقة مصر بصندوق النقد الدولي، و كيفية تدبير الدولة لاحتياجاتها المالية في ظل تناقص الإيرادات، و توزيع الدخل بين المؤسسات إلى جانب تطور وضعية الصعيد في خريطة الاستثمارات، و تغير نظام الإدارة المحلية و ارتباطه بحجم الإيرادات و أخيراً تطور دور رجال الأعمال والبرجوازية المصرية.

مبارك بين اليمين واليسار

مع تولي مبارك الحكم أعلن عن مؤتمر اقتصادي عام 1982 لمراجعة سياسة الانفتاح، انقسمت توصيات المؤتمر بين توصيات يسارية رافضة تماماً للانفتاح وأخرى ترى المضي قدماً مع إدخال بعد الإصلاحات عليه، تبنت الحكومة فكرة الإصلاحات وعملت على تحقيق التوازن بين القطاع الصناعي والقطاعات التجارية و الخدمية، حيث دعمت قطاع الصناعة عن طريق تخفيض أسعار الفائدة على القروض المخصصة لقطاع الصناعة، وتخفيض حجم الضرائب على العائدات الصناعية من 40% إلى 32%.كان من نتائج ذلك ظهور المدن الصناعية الجديدة والتحول إلى الإنتاج المشترك مع رأس المال الأجنبي.

هذا و قد استمر تزايد الإنفاق العام مع زيادة موارد الدولة المصرية خاصة المساعدات، إلا أن ذلك تغير في منتصف الثمانينيات مع تراجع أسعار البترول وتفاقم العجز في ميزانيات الدول الصناعية الكبرى وبتقليل الدعم المقدم لدول العامل الثالث، انخفاض الحصيلة الريعية من عوائد قناة السويس والبترول ترتب على ذلك انخفاض حصيلة الضرائب التي كانت بدروها تعتمد بشكل كبير على الأنشطة الريعية. مع اعتماد النظام الاستبدادي في مصر على العطايا حتى يتمكن من البقاء، لم يكن بمقدور النظام أن يخفض الإنفاق مع انخفاض الإيرادات فتفاقم عجز الموزانة، وزادت المديونية الخارجية.

مصر وصندوق النقد الدولي

اتجه النظام إلى صندوق النقد الدولي، وعقد معه اتفاقاً عام 1987، بموجبه جرى الاتفاق ايضاً مع نادي باريس لإعادة جدولة الديون المصرية، إلا أن الحكومة المصرية لم تلتزم بالاتفاق حيث زاد الإنفاق العام كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي بما يزيد عن 3 %، كما تفاقم عجز الموازنة ووصل إلى 8.6% في موازنة 1977-1978 مقارنة بـ 5.3% في السنة السابقة عليهاما أدى إلى توقف مصر عن سداد ديونها الخارجية عام 1990 و إشرافها على الإفلاس.

مع مشاركة مصر في حرب الخليج أسقطت الدول الغربية نصف ديونها على أن تلتزم مصر بتعهداتها مع صندوق النقد الدولي، بالفعل تمكنت مصر من ضبط مؤشرات الاقتصاد الكلي وعلى رأسها عجز الموازنة الذي تناقص إلى0.6% عام 1993-1994، إلا أن ذلك كان نتيجة لزيادة الإيرادات بينما تجاوز الانفاق العام حاجزالـ 50% من الناتج المحلي الإجمالي، مع منتصف التسعينات عادت الإيرادات لتنخفض مرة آخرى نتيجة لانخفاض دخل قناة السويس و أسعار البترول إلى جانب انخفاض حجم المساعدات المخصصة لدول الشرق الأوسط من الدول الغربية، من ناحية كنتيجة لتطبيق اتفاق ماسترخيت الذي وضعقيودا على عجز موازانات دول الاتحاد الأوروبي، و نظرا لدخول دول أوروبا الغربية كجهات مستقبلة للمساعدات من ناحية آخرى.

إعادة توزيع النفقات العامة

جاءت محاولات تخفيض الدعم في منتصف الثمانينيات لتمكن الحكومة المصرية من مواكبة انخفاض إيراداتها، وتركز هذا الخفض في سلع بعينها دون الآخرى حيث تم إلغاء دعم ورق الصحف، وتخفيض دعم السلع الصناعية بشكل كبيرعلى مراحل، أدى ذلك إلى تخفيض القيمة الكلية للدعم ونسبته من الناتج المحلي دون حدوث اضطرابات سياسية على غرار السبعينيات. لعل من أسباب ذلك أن الظروف السياسية في السبعينيات كانت مواتيه لقيام حركة احتجاجية، فالحركة العمالية والطلابية، كانتا في نشاط بعد فترة كمون في العهد الناصري، كما أن التخفيض في الثمانينيات جاء تدريجياً.

في نهاية الثمانينيات تمكن مبارك من إعادة توزيع النفقات العامة حيث قلص من مخصصات القوات المسلحة بعد الإطاحة برجلها القوي عبد الحليم أبو غزالة، في حين زاد من مخصصات وزارة الداخلية في إطار مواجهة الجماعات الإسلامية، أيضا فإن دعم الداخلية كان ضروريا في ظل نقص الإيرادات وتقليص الدعم حتى تتمكن الدولة من تحقيق الاستقرار ( العصا بدلاً من الجزرة)،  زاد أيضاً الإنفاق على كلاً من الثقافة و الأوقاف لمواجهة المد الإسلامي أيديولوجياً، حيث قامت الأوقاف بتأميم العديد من المساجد الأهلية التي كانت تستخدم لحشد المواطنين ضد الدولة.

 على الصعيد الثقافي جرى  تأسيس مكتبة الأسرة ودعم البنية التحتية للمسارح و المتاحف من أجل الترويج للدولة المدنية في مواجهة الدولة الدينية التي يروج لها الإسلاميون.

توزيع الدخل بين المؤسسات

يتبع توزيع الدخول بين المؤسسات في مصر لمنطقين رئيسيين: الأول يتعلق بمدى أهمية المؤسسة من الناحية الأمنية لذلك نجد أن مؤسسات مثل الداخلية والدفاع والخارجية والقضاء إضافة الى الجهات الرقابية تتمتع بالدخول الأعلى، حيث ينبع ذلك من إدراك النظام لمدى أهمية رضاء هذه المؤسسات على بقاءه.

المنطق الثاني يتمثل في التقسيم بين “مؤسسات إيرادات” و “مؤسسات مصروفات” و هو الأمر الذي يفسر تمتع مؤسسات البترول و قناة السويس بدخول مرتفعة.

على الصعيد الداخلي للمؤسسات تميز توزيع الأجور بالتفاوت الشديد بين الهيئة العليا التي تدير المؤسسة وباقي موظفيها، حيث كانت هناك عدة طرق تمكنت بها البيروقراطية العليا من تعظيم دخلها منها اللجان الوهمية التي تشارك بها، إضافة إلى عضوية كبار المسئولين في مجالس إدارات الشركات التابعة لوزاراتهم ما وفر لهم دخولاً كبيرة.

تطور الإدارة المحلية

يعد قانون رقم 52 لسنة 1975 أحد أهم القوانين التي دعمت التوجه نحو اللامركزية والتخلي عن تقليد الحكم المحلي المصري و مركزيته الشديدة، أصدر السادات هذا القانون لسببين رئيسين: الأول هو تدهور إيرادات الدولة وبالتالي عدم مقدرتها على إمداد المناطق المحلية بما تحتاجه بشكل مباشر، الثاني هو رغبته في تقليص نفوذ جماعات وطبقات اجتماعية معينة مناوئة له بعد الإطاحة بزعمائها فيما عرف باسم “ثورة التصحيح” عام  1971.

نص هذا القانون على تشكيل مجالس محلية منتخبة، ومنحها سلطة التحقيق مع المسئولين في الحكم المحلي. كما سمح للوحدات المحلية بإنشاء حسابات خاصة تجمع مواردها من السكان وتنفقها باستقلالية كبيرة عن السلطة المركزية في القاهرة،إلا أن السادات عاد وقلص هذه الصلاحيات بعد انتفاضة 1977 في القانون رقم 73 لسنة 1977.

أما مبارك فلجأ لتحسين أحوال الوحدات المحلية ولكن ليس بتعديل القانون أو تغييره، لكن بتخفيض القبضة الأمنية عن هذه الوحدات، كما زاد من نصيبها من الموازنة العام من 13.8% عام 1980-1981 إلى 20.5% في عام 1990-1991. كما فرق بين ميزانية الصناديق الخاصة التي تمتعت بحرية ومرونة نسبية، والتمويل القادم من الحكومة المركزيةالذي خضع تماماً للسلطة المركزية.

و الملاحظ أنه منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي وعادت الدولة بقوة إلى المركزية المفرطة حيث جاءت تعديلات القانون 43 لسنة 1977الصادرة في عام 1988 لتعبر عن ذلك، حيث استبدل “الحكم المحلي” بمصطلح “الإدارة المحلية” وكانت حجة ذلك أن مصر ليست دولة فيدرالية ومن ثم فلا مكان لجهاز تشريعي محلي لكن إدارة محلية. لعل تناقص الإيرادات والسعي نحو احتواء الإسلاميين كان الدافع وراء ذلك.

الاستثمارات في الصعيد ومواجهة الإسلام السياسي

منذ إقامة دولة يوليو في 1952 لم يكن هناك حاجة ملحة تدفع الدولة إلى السعي نحو تنمية الصعيد وضخ استثمارات به، حيث لم يكن النظام وقتئد – لطبعه الاستبدادي- بحاجه إلى ضمان تأييد إقليم معين أو التخوف من آثار عدم تنميته، ومن ثم نجد أن الرئيس جمال عبد الناصر رغم أصوله الصعيدية لم يهتم كثيراً بتنمية الصعيد ربما لفكره اليساري الذي لا مجال لتفضيل إقليم معين على ما عداه فيه، يتضح ذلك في تخصيص أكثر من نصف النشاط الصناعي لـ 4 محافظات هي القاهرة و الإسكندرية والسويس وبورسعيد في حين حصل الصعيد على 15% فقط بينما بلغت نسبة سكانه 30 % من إجمالي سكان مصر.

استمر هذا الأمر في العهد الساداتي حيث بلغت نسبة الاستثمارات العامة المخصصة للصعيد 9 % من إجمالي استثمارات الدولة،لم تنتبه الدولة لخطورة ذلك الوضع رغم انتشار الجماعة الإسلامية في الصعيد واغتيالها للرئيس السادات ومحاولة الانقلاب الفاشلة بأسيوط، واستمرت حالة التمييز السلبي ضد الصعيد فنجد إنه في عام 1980 على سبيل المثال كان نصيب المواطن في سوهاج من الاستثمارات العامة حوالي 6.6% من نصيب المواطن في القاهرة، كما حصل الصعيد ككل على إجمالي 17.2% من هذه الاستثمارات على الرغم من أن عدد سكان الصعيد كان يتجاوز 32% من إجمالي عدد السكان.

تفاقمت عدم العدالة في الخطة الخمسية الأولى في عهد مبارك التي انخفض فيها نصيب الصعيد إلى 16% إلى أن وصل 15.5% من الاستثمارات العامة في خطة 1987-1991.

بدأ الاهتمام بالصعيد عام 1993 حينما ترأس الرئيس مبارك اجتماع إدارة الهيئة العامة للاستثمار لبحث كيفية توجية الاستثمارات للصعيد، كما أعلن في 1994 عن خطة تهدف لضخ استثمارات تقدر بـ 304.9 مليار جنيه في الصعيد حتى عام 2017. حاولت الدولة دفع مستثمري القطاع الخاص بتوجيه استثماراتهم نحو الصعيد عن طريق الأراضي المجانية والاعفاءت، إلا أن ذلك لم يفلح، نظراً لتهالك البنية التحتية من ناحية، وعدم استقرار الأوضاع الأمنية من ناحية أخرى.

تغير ذلك مع الخطة الخمسية 1992-1997 التي أعطت للصعيد نسبة 21% من الاستثمارات الحكومية مقابل 15.5%في الخطة السابقة، ثم وصلت النسبة إلى 23% في خطة 1997-2001 ثم وصلت النسبة إلى 31.4 في خطة 2002-2007 وهي المرة الأولى في تاريخ مصر الحديث التي يتجاوز فيها نسبة الاستثمارات العامة المخصصة للصعيد نسبته من عدد السكان، إلا أن نسبة الفقراء ظلت مرتفعة في مصر وفقاً لتقرير البنك الدولي لعام 2002.

إلا أن المفارقة التي كانت بحاجة إلى تفسير هي ارتفاع مستوى التنمية البشرية في الصعيد واقترابها من مستوى الشمال رغم تزايد معدلات الفقر بصورة مطردة، ما يمكن تفسيره بأنه وإن كان الصعيد قد حقق تقارباً مع الشمال في مستوى التنمية البشرية، إلا أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء بداخل الصعيد نفسه اتسعت، حيث تمكن الأثرياء من الصعود على سلم التنمية البشرية بينما ازدادت معدلات الفقر.

كيف تغلبت الحكومة على تناقص الإيرادات؟

مع تراجع إيرادت الدولة في ثمانينيات القرن الماضي، لجأت الحكومة إلى عدة وسائل لمعالجة ذلك، فضلت في ذلك اختيار الأليات ذات التأثير الأقل سياسياً حتى وإن كانت مؤقته،من أمثلة ذلك ضريبة التضخم الناتجة من طباعة النقود، فالتضخم في هذه يمكن تصنيفه كضريبة حيث يوفر موارد نقدية للحكومة على حساب الدخل الحقيقي للمواطنين، يختلف عن الضريبة في كونه لا يحتاج إلى موافقة المجلس التشريعي، ويصدره البنك المركزي وليس وزارة المالية،إلا أن ذلك لم يعد ممكناً لأنه من ناحية ضرب دخول موظفي الحكومة في مقتل ومن ثم زادت مخاطرته السياسية، ومن ناحية أخرى فان التزام الحكومة مع بداية التسعينات ببرنامج إصلاح مع صندوق النقد الدولي منعها من طباعة النقود لسد عجز الموازنة.

أيضا الديون الخارجية كانت وسيلة اخرى، و اعتمد النظام المصري في الثمانينيات على الاقتراض من الحكومات الأجنبية وليس البنوك نظراً لانخفاظ سعر الفائدة، إلا أن مصر تأثرت كثيراً بالأزمة النقدية التي أصابت العالم في الثمانينيات التي رفعت أسعار الفائدة وبالتالي حجم خدمة الدين في الموازنة العامة للدولة.

 توقفت مصر عن سداد ديونها عام 1986، و أعادت جدولتها في نادي باريس، ثم ثوقفت مرة أخرى عام 1990 ولم ينقذها سوى حرب الخليج.

مع بداية التسعينينات أصبح الدين الداخلي هو الموسيلة المثلى للتمويل، واستمر ذلك حتى وصلت نسبة الدين الداخلي إلى 84% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.

في بداية عام 1990 أقرت الحكومة المصرية الضريبة على المبيعات التي فرضت على مرحلتين الأولى على المصانع والمستوردين،و الثانية على التجار،  وتأخر فرضها حتى عام 2001 وتسببت في موجة احتجاجية قام بها التجار عرفت باسم”انتفاضة الموسكي”.

ومثلت هذه الضريبة مصدراً هاماً للدولة المصرية حتى وصلت إلى 16.7% في موازنة عام 2000-2001، ثم حاولت الحكومة المصرية فرض ضريبة على العاملين بالخارج لكن قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قانونها.

عانى النظام الضريبي من عدة تشوهات فمن ناحية زادت نسبة الضرائب غير المباشرة عن 60% وهي بطبيعتها غير عادلة حيث فرضت على الجميع بدون النظر إلى تفاوت الدخول، أيضاً فإن الضريبة على الأرباح التجارية والصناعية لم يتجاوز متوسطها 4.4% من إجمالي الحصيلة الضريبية في الوقت الذي كان يبلغ ممولي هذه الضريبة ما يقرب من 5 مليون تاجر وعامل، كما لم تتعد حصيلة الضرائب على المهن التجارين 0.2%في حين بلغت ضرائب العمال حوالي 4%.

لجأت الدولة أيضا في بداية 2003 إلى الزام المصدرين بتوريد 75% من حصيلة عملتهم الأجنبية إلى الدولة، وقد كان سعر الصرف في هذه الفترة يبلغ 6 جنيهات للدولار في السوق الرسمية بينما بلغ 7 جنيهات في السوق الموازية، ما عده البعض ضريبة مستترة على المصدرين، إلا أن القضاء الإداري ألغى هذا القرارعام2004، كما حاولت الدولة أيضاً ضم الاقتصاد غير الرسمي الذي تشير التقديرات بأنه يمثل 40% من حجم الاقتصاد لللحصيلة الضريبية، عن طريق تقديم قروض ذات فائدة تقل حوالي 40% للمؤسسات الرسمية، بالإضافة إلى تخفيض رسوم تسجيل الاصول بالشهر العقاري، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لجذب هذا القطاع للتعامل مع مؤسسسات الدولة.

صعود الرأسمالية المصرية.. البنية التحتية المالية للديمقراطية

هناك نظرية مفادها أن نوع إيرادات الدولة يحدد شكل نظامها السياسي، فالدول الريعية عادة ما تكون مستبدة، حيث تكون الدولة في وضعية أقوى من المجتمع بما تمتلكه من أموال، فالدولة في هذة الحالة لا تحتاج إلى فرض ضرائب في حين يحتاج المجتمع الدولة للإنفاق على البنية التحتية و توفير فرص عمل، على الجانب الآخر فإن الدولة التي تعتمد إيراداتها على الضرائب تكون أكثر ميلاً للديمقراطية، فمن ناحية تكون الدولة هي الطرف الأضعف في العلاقة من حيث حاجتها لموارد مالية، كما أن المجتمع يهتم بطريقة إدارة الموارد وصرف الأموال لأنه هو من قام بدفعها من الأساس.

إلا أن هناك عدة تحفظات على هذه النظرية عند تطبيقها على الحالة المصرية، أولها إنه ليس بالضرورة أن يلجأ النظام إلى الضرائب إذا ما تناقصت الإيرادات الريعية، فهناك مصادر آخرى يجب وضعها بالاعتبار،كما تفترض النظرية تزايد الصراع بين المجتمع والدولة حال جمعها لمزيد من الضرائب ما يؤدي للتحرك نحو الديمقراطية وهي بذلك تتجاهل قدرات الدولة على احتواء المعارضة.

إن تناقص إيرادادت الدولة يؤثر سلباً على قدرتها الشرائية السياسية، حيث إنها لا تستطيع جذب أنصار جدد عن طريق خدمات أو مكاسب لكن فقط تحاول أن تحافظ على من لديها الذين عادة يميلون إلى التأييد السلبي، أي عدم الاعتراض. على الجانب الآخر شهدت مصر نمواً للرأسمالية المصرية وأصبح تراجع القدرة الشرائية السياسية للدولة مصاحباً لنمو القدرة الشرائية السياسية لرجال الأعمال الذين أصبح بمقدورهم دخول البرلمان بسهولة إما بالدعاية الضخمه، أو شراء الأصوات، أو كسب تأييد البيروقراطية الحاكمة، و كان ذلك واضحاً في انتخابات 2010 التي فاز فيها 77 رجل أعمال.

إضافة إلى ذلك فقد سيطر رجال الأعمال على عدة لجان هامة بالبرلمان أهمها لجنة الخطة والموازنة، كما سيطر الفكر الليبرالي على توجه لجنة السياسات بالحزب الوطني، وكان ذلك جلياً في تشكيل هذه اللجنة التي ضمت بدورها عدداً من رجال المال والأعمال.

قاومت البيروقراطية صعود رجال الأعمال عن طريق تحكمها بالجهاز المصرفي، حيث رفضت نداءات دولية متعددة لخصخصة البنوك، وحافظت على آدوات القروض والودائع كوسائل فعالة لمكافئة ومعاقبة بعد رجال الأعمال.

إلا إنه يجب أن نلحظ أنه طالما كانت الرأسمالية ساعية وراء تحقيق منافعها المادية، فهي ستدفع للتحول نحو الديمقراطية إذا ما كان ذلك خادماً لمصالحها، لكن إذا ما ارتأت أن الانتخابات الحرة ستؤتي بقوة مناوئة لها فبلا شك ستدعم الاستبداد.

صعود القطاع الخاص وأثره على الطبقة المتوسطة

على صعيد الطبقة المتوسطة انقسمت إلى قسمين، الأول كان لديه العلم والإمكانيات والعلاقات التي مكنته من الحصول على وظائف مرموقة سواء في القطاع الخاص الصاعد أو القطاع العام، الثاني لم يتمكن من ذلك  أو اكتفى بوظائف رديئة أو التحق بصفوف العاطلين.

 في جميع الاحوال فقعد ابتعد القسمين نسبياً عن سيطرة الدولة، القسم الأول تحديداً لم يعد معتمداً على الخدمات التي تقدمها الدولة من صحة وتعليم..الخ. القسم الثاني ساخط على القطاع الخاص وغير راض عن مكانه في الدولة إلا إنه يقدم لها دعماً سلبياً بعدم اللجوء للمعارضة.

على صعيد طبقة العمال فلم تشهد التسعينيات أي اضرابات أو احتجاجات كبرى رغم تراجع موارد الدولة، ويُعزى ذلك إلى اشتداد قبضة الدولة الأمنية في هذه الفترة، إلى جانب إعاقتها لأي تطورفي التمثيل الفئوي و السياسي للعمال، أيضاً فإن التوجه نحو الخصخصة و تدهور أحوال مؤسسات القطاع العام جعل من الصعب على عمال هذا القطاع –وكان كانوا النواة الصلبة للحركة العمالية – الشروع في إضرابات أو المطالبة بمزيد من المكاسب، أما طبقة العمال في القطاع الخاص فكانت طور التشكل ولم يكن بمقدورها تنظيم احتجاجات.

خاتمة:

يخلص الكاتب إلى أن النظام المصري على مدارثلاثة عقود(من بداية السبعينيات حتى بداية الألفية) تمكن من البقاء على حساب الإصلاح الاقتصادي و إصلاح البيروقراطية المصرية، فقد استطاع التكيف مع التذبذب في إيراداته بين الصعود و الهبوط عن طريق عدة آليات اختارها على أساس الحفاظ على بقاءه دون النظر إلى خطورة تلك الآليات وعدم تبني إصلاح جذري على كيان الدولة، أما حالة الجمود المؤسسي فكانت هي سبيل النظام لتوطيد أركان حكمه، على الرغم من المرونة النسبية التي تمتع بها نظام مبارك إلا إنه كان مقاوماً لأن يتحول أي تغيير إلى قانون أو سياسة.

إغلاق