تعزيز التعاون: بماذا عاد «السيسي» من قمة الـ«فيشجراد»؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
تعزيز التعاون: بماذا عاد «السيسي» من قمة الـ«فيشجراد»؟

تعزيز التعاون: بماذا عاد «السيسي» من قمة الـ«فيشجراد»؟




 

في سابقة هي الأولى من نوعها عربياً و شرق أوسطياً، حضر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قمة تجمع الـ«فيشجراد»، بالعاصمة المجرية بودابست، خلال الأسبوع الماضي، مشاركاً مع قادة دول التجمع الذى يضم كل من المجر، و بولندا، و التشيك و سلوفاكيا، والغريب في الأمر أن الكثيرين لا يسمعوا عن هذا التجمع، لأنه لا يمارس نشاطاً مكثفاً فى الشرق الأوسط، و ليس لديه رغبة فى التوسع أو التمدد على حساب السياسة الأوروبية، ذلك لأنه حتى الآن لا يمثل إلا جزءا قليلا- نسبياً- من إجمالي الناتج الأوروبي.

على الرغم من ذلك، حرصت مصر على حضور القمة للتسويق إلى فرص التعاون المشترك بينها و بين بلدان التجمع، التي عادةً ما تتمثل في الفرص الزراعية و السياحية و السكك الحديدة، و تنظر مصر إلى تلك الدول باعتبارها بوابة مهمة إلى الأسواق الأوروبية، لذا نحاول التعرض إلى الهيكل الاقتصادي لدول التجتمع مع البحث في إمكانية التعاون المشترك، و هل يمكن أن يكون التجمع سبيل مصر للتوسع في التعاون المشترك مع دول الاتحاد الأوروبي ككل؟

تاريخ تجمع الـ “فيشجراد”

تأسست مجموعة فيشجراد (V4) بعد اجتماع رئيسي بولندا و تشيكوسلوفاكيا و رئيس وزراء هنغاريا في 15 فبراير 1991 في قلعة في مدينة فيسجراد المجرية، وفي هذا الاجتماع تم الإشارة إلى اجتماعات ملوك بولندا و بوهيميا و المجر التي عقدت في تلك المدينة في 1335 و1338، و بعد حل تشيكوسلوفاكيا، تحول مثلث فيشجراد إلى فيشجراد أربعة، بولندا و المجر و جمهورية التشيك و سلوفاكيا، ولكن العلاقات بين البلدان الأربعة لم تكن خالية من المنافسة،  ومع ذلك، في الفترة الأخيرة تحاول بلدان فيشجراد إنشاء كتلة داخل الاتحاد الأوروبي، و تقديم موقف مشترك بشأن مختلف القضايا.

و تعد دول الـ فيشجراد خامس أكبر اقتصاد في أوروبا و الـ 12 على مستوى العالم، و دول مجموعة فيشجراد مرتفعة الدخل تتميز بمؤشر تنمية بشرية مرتفع جدا، و حققت بلدان التجمع نمواً اقتصادياً مطرداً منذ أكثر من قرن،  وإذا تم النظر للتجمع باعتباره دولة واحدة، فسيصبح خامس أكبر اقتصاد في أوروبا و الـ 12 على مستوى العالم، و يمثل عدد سكان التجمع نحو 12.7% من سكان الاتحاد الأوروبي، وفي عام 2015، ولدت تلك البلدان مجتمعة ناتج محلي إجمالي (بالأسعار الجارية) بقيمة 781.5 مليار يورو، و بلغت صادرات مجموعة V4 (داخل الاتحاد الأوروبي و خارجه) 484.4 مليار يورو، أي 9.9% من صادرات جميع بلدان الاتحاد الأوروبي.

واستناداً إلى أرقام الناتج المحلي الإجمالي للفرد في عام 2016، فإن أكثر البلدان نمواً في المجموعة هي الجمهورية التشيكية (31.071 ألف دولار)، تليها سلوفاكيا (29.156 ألف دولار)، و بولندا (26.003 ألف دولار) و المجر (25.381 ألف دولار).

 وداخل الاتحاد الأوروبي، تعتبر بلدان التجمع قوة مؤيدة للطاقة النووية، و تسعى إلى توسيع أو العثور (في حالة بولندا) على صناعة للطاقة النووية، و سعت إلى التصدي لما تعتبره تحيزاً ضد الطاقة النووية داخل الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن بلدانها ستستفيد من الانبعاثات الصفرية للطاقة النووية وموثوقيتها العالية، و تلك الاستراتيجية هي عكس الاستراتيجيات المتبعة من قبل بلدان كثيرة في الاتحاد الأوروبي التي بدأت مؤخراً في التصدي لمزيد من العمل بالطاقة النووية، لما لها من أضرار إنسانية و بيئية.

و ربما ما يحد من الخلافات بين دول التجمع و باقي دول الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن، هو النظر إلى دول الفيشجراد باعتبارها محرك النمو الأهم في المنطقة، ففي الوقت الذي لا يزال فيه أعضاء جنوب أوروبا في الاتحاد الأوروبي يعانون من الركود و النمو المنخفض، و حتى متوسط ​​معدل النمو في الاتحاد الأوروبي مازال أقل من 2%، يبدو أن تلك المنطقة، باستثناء المجر، يمكنها التباهي بمعدلات النمو المرتفعة. والبطالة، التي تعد مشكلة هيكلية في جنوب أوروبا، نجد أنها اختفت تقريباً من بلدات التجمع (باستثناء سلوفاكيا).

ماذا تناولت جلسات قمة فيشغراد مع مصر؟

سبل تعزيز العلاقات بين مصر و دول التجمع في المجالات الاقتصادية التي تحظى بأولوية لدى الدول الخمسة، سواء فيما يتعلق بتطوير علاقاتنا الثنائية أو مع الاتحاد الأوروبي.

 سُبل تعزيز التعاون لمواجهة ظاهرة الإرهاب و التطرف، و تضافر الجهود الدولية لوضع حد لها، و سبل تطوير التعاون الأمني المشترك بما يمكن من التعامل مع مختلف التهديدات.

 أزمة اللاجئين، و أساليب التعامل معها بما يضع حدًا لمعاناة الأبرياء الذين يتعرضون للتشريد بسبب الحروب و الاضطهاد، و بحث سبل تعزيز التعاون لإنهاء هذه المأساة الإنسانية.

 الاتفاق على أهمية تكاتف المجتمع الدولي للقضاء على الأسباب التي تشجع على الهجرة غير الشرعية، مثل تردى الأوضاع الاقتصادية و الأمنية، وأهمية مواصلة العمل لإيجاد حلول سياسية للنزاعات التي تعد سببًا رئيسيًا لتلك الظاهرة.

 الإصلاحات المؤسسية و التشريعية التي اتخذتها الحكومة المصرية في إطار خطتها للإصلاح الاقتصادي التي تستهدف تحفيز النمو الاقتصادي و خلق بيئة جاذبة للاستثمار تضمنت إصدار قانون جديد للاستثمار و تشجيع الشراكة بين القطاعين العام و الخاص.

كيف يُمكن أن تستفاد مصر من دول الـ “فيشجراد”؟

مشاركة مصر في تلك القمة، يُزيد من فرص تطوير العلاقات التجارية و لاستثمارات بين الجانبين، فضلاً عن سبل تطوير التعاون بين مصر و الاتحاد الأوروبي الذي تتمتع دول التجمع بعضويته، وعلى الصعيد الزيارة يمكن الاستفادة من عدة جوانب كالتالي:

المجر على سبيل المثال تعتبر دولة أوروبية يزيد إجمالي ناتجها المحلي عن 206 مليارات دولار و يبلغ متوسط نصيب الفرد فيها من الناتج المحلي حوالي 20 ألف دولار سنويا، ما يفتح فرصاً أمام الصادرات المصرية للنفاذ إلى أسواق المجر، و كذلك الاستفادة من الموقع الجغرافي المتوسط للمجر لوصول تلك الصادرات المصرية لأسواق وسط و شرق أوروبا نظراً لمجاورتها للعديد من دول أوروبا و سهولة و قلة تكاليف حركة النقل منها لهذه الدول.

 تسويق فرصًا ضخمة أمام مجتمع الأعمال المجرى للاستثمار في السوق المصرية في إطار الاستفادة من السوق المحلية الكبيرة، و الموقع المتميز لمصر كنقطة انطلاق قوية نحو سوق أفريقية يفوق حجمها ٣٩٠ مليون مُستهلك من دول الكوميسا.

 الاستفادة من دول أوروبا الشرقية عن طريق عدة خطوات منها زيادة صادرات مصر الزراعية و الغذائية لدول بولندا و المجر و التشيك، فتلك الدول سوقها يتخطى الـ120 مليون مواطن ويمكنه استيعاب صادرات زراعية مصرية تزيد عن مليار دولار.

 الاستفادة من تلك الدول في مجال تكنولوجيا الزراعة في مشروع المليون و نصف المليون فدان، إضافة إلى الخبرات في مجال الثروة الحيوانية، وبالتالي يمكن عقد اتفاقيات تصدير زراعية مقابل استيراد تكنولوجيا صناعية منها بما تملكه من خبرات كبيرة في الصناعات و الآلات.

 تطوير وتدعيم شبكة السكك الحديدية المصرية من خلال جذب الاستثمارات المجرية واستثمارات دول التكتل من أجل تحديث المصانع المصرية وتطويرها، خاصة أن دول الفيشجراد تشكل حالياً قاعدة صناعية كبرى يمكن الاستفادة منها بشكل أكبر من خلال نقل التكنولوجيا و تحديث المصانع المملوكة للدولة وجذب الاستثمارات الجديدة.

 تعتبر دول الفيشجراد مصدر مهم لجذب السياحة بمعدلات كبيرة من أسواق مختلفة عن تلك التي تعتمد عليها مصر لسنوات طويلة، خاصةً من روسيا التي تمر بأزمة اقتصادية في الوقت الراهن وكذلك دول الخليج التي تعاني ضائقة مالية أيضاً.     

 أما سلوفاكيا و إن كان التبادل التجاري ضئيل نسبياً معها ويميل لصالحها، إلا أن الحديد والصلب يعتبران من أهم بنود هيكل الواردات المصرية من سلوفاكيا، إضافة إلى أجزاء ومكونات السيارات والسكك الحديدية، وكيماويات عضوية، ومن ثم يمكن زيادة فرص التعاون في ذلك المجال.

جوانب الضعف لدى تجمع فيشجراد

على الجانب الآخر من نقاط القوة لدول فيشجراد، هناك مجموعة من المشكلات التي تُحد من أي تطور لدى دوال المجموعة بما يخدم الاقتصاد المصري، فبالنظر إلى الحسابات القومية لدول الـ “فيشغراد” مجتمعة نجد أنها لا تمثل سوى  5.3% فقط من إجمالي الناتج المحلي للاتحاد الأوروبي، أقل قليلاً من هولندا. ولا تزال الإنتاجية أقل من متوسط ​​الاتحاد الأوروبي. وحتى الآن، حققت الجمهورية التشيكية قفزة في الإنتاجية تكاد تقترب من متوسط ​​الاتحاد الأوروبي، حيث بلغت نسبة الناتج المحلي الإجمالي للفرد 87%، وفي سلوفاكيا تعتبر جيدة حيث تمثل 77%، ولكن بولندا والمجر لا تزال تقف على ثلثي متوسط ​​الاتحاد الأوروبي.

ولا تزال بلدان الـ فيشجراد من أفقر البلدان في الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن تلك البلدان ظلت تنمو بسرعة أكبر على مدى السنوات ال 25 الماضية من بلدان أوروبا الغربية. وتقل الجمهورية التشيكية بنحو 15 نقطة مئوية عن متوسط النمو في ​​الاتحاد الأوروبي، وسلوفاكيا تقل بنحو 23 نقطة مئوية، وبولندا والمجر – أكثر من 30 نقطة مئوية أدناه. وهنغاريا، التي كانت أكثر ثراء بكثير من بولندا في أوائل التسعينات، تجاوزتها بولندا في السنوات الأخيرة. ويؤدي بطء وتيرة اللحاق ببقية بلدان الاتحاد الأوروبية، إلى الإحباط من جانب العديد من المواطنين، فانخفاض الإنتاجية، ووجود هيكل اقتصادي غير متوازن (كالإفراط في الاعتماد على تصنيع السيارات في حالة سلوفاكيا وهنغاريا)، وهجرة الأدمغة المقترنة بتقلص السكان يمكن أن تعرض دول تلك التجمع للخطر مستقبلاً.

كذلك تجمع فيشجراد، هو تجمع غير متوازن نسبياً من حيث المساهمات الوطنية في الإمكانات الجيوسياسية العامة للمجموعة، وتبين المقارنة بين الناتج المحلي الإجمالي و حجم السكان والإنفاق العسكري أن بولندا تمثل أكثر من 50% من مجموع المجموعة في كل فئة، وتسيطر فعلياً على بقية الشركاء. ومن ثم وضع آلية لصنع القرار في حالة يكون فيها ذلك الاختلاف الكبير في الإمكانات الوطنية من شأنه أن يؤدي بذل الدول الأعضاء مجهوداً كبيراً من أجل التوصل إلى تسوية سياسية لاتخاذ قرار ما، وهو أمر من الصعب تحقيقه.

………………………………………………………………………………………………………………………….

المراجع
  1. نطلاق قمة “فيشجراد” فى بودابست بمشاركة الرئيس السيسي، http://www.youm7.com/story/2017/7/4/
  2. السيسي: قمة “فيشجراد” بداية لمرحلة ممتدة من التعاون الفعّال، http://www.albawabhnews.com/2596858، 4/7/2017.
  3. The Visegrad Group in the EU – The Future of Prosperity, http://visegradinsight.eu/the-visegrad-group-in-the-eu-the-future-of-prosperity/, 5/7/2017
  1. The Visegrad Group countries are closer politically than economically, http://www.financialobserver.eu/poland/, 28/10/2016
  2. GDP per capita PPP | Europe, https://tradingeconomics.com/country-list/gdp-per-capita-ppp?continent=europe