الأزمة الخليجية.. بين تسريب «اتفاق الرياض» واستمرارالوساطات - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
الأزمة الخليجية.. بين تسريب «اتفاق الرياض» واستمرارالوساطات

الأزمة الخليجية.. بين تسريب «اتفاق الرياض» واستمرارالوساطات




منذ قطع العلاقات بين قطر و الدول الخليجية الثلاث (السعودية و الإمارات و البحرين) إلى جانب مصر في الخامس من يونيو الماضي وتشكيلهم جبهة رباعية ضد الدوحة، ما زالت الأزمة ترواح مكانها ومستمرة في التصعيد، وسط تسريب متبادل لقائمة المطالب و الاتفاقيات السابقة بين الجانبين، وآخرها نشر شبكة “سي إن إن” الأمريكية يوم 10 يوليو الجاري وثائق لاتفاق الرياض 2013، و الاتفاق التكميلي 2014، كشفت عن التزامات وقعت عليها قطر ثم تنصلت منها.

وفي هذه الورقة نستعرض أبرز ما جاء في هذه الوثائق المسربة و قائمة المطالب الـ13 التي قدمتها الدول الأربع إلى قطر، و البيانات اللاحقة، ودلالاتها على تصعيد الأزمة، و تأثير ذلك على نجاح الوساطات الحالية، وسيناريوهات التصعيد المحتمل حال استمرار الأزمة.

أولا- مطالب و تسريبات دول المقاطعة:

عرضت دول الرباعية منذ بداية الأزمة قائمة “المطالب الـ13” على قطر، وطلبت منها تنفيذها في مهلة مدتها 10 أيام كان من المقرر أن تنتهي في 3 يوليو الجاري، لكن مع إصرار قطر ودخول وساطات لحل الأزمة تم مد المهلة يومين، لدعم جهود الوسطات القائمة، حيث يتخوف الجميع من تأثير الأزمة على منطقة الخليج برمتها وفي مقدمة الدول التي تخشى تطور الأزمة،  الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا، فمن المؤكد  أنه حال استمرار الخلاف فإنه سيؤثر  على مصالح هذه الدول خاصة النفط وقواعدها العسكرية بالمنطقة إلى جانب الاستثمارات المشتركة.

من أبرز المطالب:

1- إعلان قطر رسميًا عن خفض التمثيل الدبلوماسي مع إيران وإغلاق الملحقيات، ومغادرة العناصر التابعة والمرتبطة بالحرس الثوري الإيراني قطر، والاقتصار على التعاون التجاري مع إيران.

2- إغلاق الدوحة للقاعدة العسكرية التركية الجاري إنشاؤها، ووقف أي تعاون عسكري مع تركيا داخل قطر.

3- قطع قطر لعلاقاتها مع كل التنظيمات الإرهابية والأيديولوجية، وعلى رأسها (الإخوان المسلمين – داعش- القاعدة – فتح الشام (جبهة النصرة) سابقًا – حزب الله) وإدراجهم ككيانات إرهابية.

4- إيقاف كل أشكال التمويل القطري لأي فرد أو كيانات أو منظمات إرهابية أو متطرفة، وكذا المدرجين ضمن قوائم الإرهاب في الدول الأربع، و القوائم الأميركية والدولية المعلن عنها.

5- تسليم قطر كل العناصر الإرهابية المدرجة، والعناصر المطلوبة لدى الدول الأربع، و العناصر الإرهابية المدرجة بالقوائم الأمريكية والدولية المعلن عنها، وعدم إيواء عناصر أخرى مستقبلًا.

6- إغلاق قنوات الجزيرة والقنوات التابعة لها.

7- عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية، ومصالحها الخارجية، ومنع التجنيس لأي مواطن يحمل جنسية إحدى الدول الأربع، وإعادة كل من تم تجنيسه وتجنيده من هذه الدول.

8- التعويض عن الضحايا والخسائر التي لحقت بدول المقاطعة، بسبب السياسة القطرية، على أن تحدد الآلية في الاتفاق الذي سيوقع مع قطر.

9- تسليم قطر كل قواعد البيانات الخاصة بالمعارضين الذين قاموا بدعمهم.

10- إغلاق كل وسائل الإعلام التي تدعمها قطر بشكل مباشر أو غير مباشر.

رفضت قطر الانصياع إلى هذه القائمة مؤكدة أنها “قدمت لترفض”، واعتبرت أن الدول الأربع تريد فرض الوصاية عليها، كما نفت الاتهامات الموجهة لها بدعم الإرهاب، وانتقدت أيضا الحصار البري والبحري والجوي المفروض عليها إلى جانب قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، ونتيجة للغطاء المالي لقطر ومصالحها المتشابكة مع الغرب استطاعت على الأقل عدم ميل الموقف الغربي إلى خصومها، ونجحت في ذلك بالفعل.

فبعد انتهاء مهلة العشرة أيام ثم اليومين الإضافيين، عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعهم بالقاهرة يوم 5 يوليو  الجاري لاتخاذ إجراءات تصعيدية، لكن حال التدخل الأميركي دون ذلك، حيث أجرى الرئيس دونالد ترامب اتصالا هاتفيا بنظيره المصري طالبه فيه “بتفاوض الدول الأربع مع قطر”، فالدوحة إحدى حلفاء واشنطن ولن تقبل بالإضرار بها كذلك لن تسمح الإدارة الأمريكية بوجود “صدام حسين” آخر في منطقة الخليج سواء بشكل منفرد عبر دولة واحدة تتحكم في المنطقة أو تكتل من بعض الدول، إلى جانب الإضرار بجهود مكافحة الإرهاب.

وبسبب التدخل الأميركي الذي أوقف أي تصعيد ضد قطر خرج الاجتماع الرباعي ببيان ضعيف على غير المتوقع من 6  نقاط أعربوا فيه عن “أسف الدول الأربع لعدم استجابة قطر”، إلى جانب صياغات عمومية مثل وقف دعم قطر للإرهاب ووقف التحريض، والالتزام باتفاق الرياض 2013 و الاتفاق التكميلي و آلياته التنفيذية لعام 2014، والالتزام بمخرجات القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض.

ودفع هذا الموقف أيضا لقبول الجانبين بجهود الوساطة التي تدخلت فيها أطراف عدة خاصة الكويت و واشنطن، كما زاد التدخل الأمريكي من حرج الدول المقاطعة لأنها اعتبرت في أحد المطالب الـ13 أن  كل المطالب تعتبر لاغية إذا لم تنفذ خلال عشرة أيام، ولم تعلن حتى الآن عن مطالب أو اتخاذ إجراءات جديدة، فقد أدركت أن واشنطن إلى جانب الدول الغربية لن تسمح بمعاقبة أحد حلفائها ولكن قد تضع تفاهمات سيقبلها الجميع.

ولمحاولة تقوية موقفها أمام التدخل الأمريكي في الأزمة سربت دول الخليج اتفاقية الرياض 2013 والاتفاق التكميلي 2014، لشبكة “سي إن إن” الأميركية، وأقرت الدول الأربع بصحة هذه الوثائق، ما اعتبرته قطر إفشالا لجهود الوساطة الأميركية، بل اتهمت جيرانها بعدم الالتزام بهذه الاتفاقيات، ومن أبرز ما جاء في هذه الاتفاقيات:

 عدم التدخل في الشئون الداخلية لدول مجلس التعاون، والكف عن كل أنماط تهديد الأمن والاستقرار في هذه الدول التي تشمل استضافة أو تجنيس عناصر معادية وحملات الإعلام العدائي، بالإضافة إلى عدم إيواء أو دعم وسائل الإعلام و الشخصيات و المنظمات المسيئة لدول الجوار.

 عدم دعم الإخوان المسلمين والجماعات والتنظيمات المرتبطة بها التي تهدد الأمن والاستقرار في دول مجلس التعاون، والامتناع عن إيواء واستضافة العناصر المرتبطة بالإخوان.

 عدم دعم أيا دولة من دول المجلس لأي فئة في اليمن تمثل تهديدا على أمن الدول المجاورة.

 منع المنظمات و التنظيمات و الأحزاب الخارجية التي تستهدف دول مجلس التعاون وشعوبها من إيجاد موطىء قدم لها في الدولة وجعلها منطلقا لأنشطتها المعادية لدول المجلس.

 الموافقة على خروج مجموعة الإخوان المسلمين من غير المواطنين خلال مدة متفق عليها على أن يتم التنسيق مع دول المجلس حول قوائم هؤلاء الأشخاص.

 إغلاق أي أكاديميات أو مراكز أو مؤسسات تسعى إلى تدريب وتأهيل الأفراد من دول مجلس التعاون للعمل ضد حكوماتهم.

ويلاحظ أن هذه البنود، مطالب بها كل دول المجلس وليست قطر وحدها، التي اتهمتها دول الخليج الثلاث بالتنصل منها، و زادت قائمة المطالب الـ13، بنودا عن الاتفاقيات السابقة، منها:

 قطع قطر لعلاقاتها مع إيران.

 إغلاق القاعدة التركية الجاري إنشاؤها.

 دفع تعويضات للدول الأربع نتيجة للخسائر التي لحقت بها جراء سياسة قطر.

 مطالبة قطر بقطع علاقتها، مع كل التنظيمات الإرهابية والطائفية و الأيديولوجية ومنها الإخوان وحزب الله والقاعدة وداعش، مع التزامها بقوائم الإرهاب التي أعلنتها الدول الأربع وكذلك القوائم المستقبلية.

ويلاحظ في هذا البند الأخير أن تحاشى وصف جماعات بالإرهابية وإنما بالأيديولوجية والطائفية وذلك لتوسيع القائمة وضم “حزب الله” وحركات أخرى في دول عربية، كذلك أراد البند، إجبار قطر الالتزام بالقوائم الحالية للدول الأربع بشأن الإرهاب وآخرها القائمة الصادرة بـ 59 فردا وكيانا إرهابيا من بينها منظمات خيرية قطرية تعمل مع الأمم المتحدة وقادة عسكرين  وأمنيين قطريين، إلى جانب إلزامها بما سيصدر مستقبلا من قوائم.

ثانيا – التحركات القطرية لمواجهة المقاطعة:

أدركت قطر منذ بداية الأزمة أن هناك تصعيدا من قبل الدول الأربع ضدها، كاد أن يصل إلى الإطاحة بالنظام الحاكم، وتحركت الدوحة على عدة مستويات من أجل التخفيف من وطأة العقوبات وعملية المقاطعة، وساعدها في ذلك إمكانياتها المالية الضخمة وعلاقتها المتعددة.

فعلى المستوى الإقليمي استعانت بإيران وتركيا لمواجهة تداعيات المقاطعة وإغلاق المجال الجوي، بل أدركت قطر أن هناك تحركات لدعم حدوث إنقلاب على نظام الأمير تميم بن حمد آل ثاني، وبالفعل كشف ذلك علانية وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري خالد العطية، حيث أكد أن دول المقاطعة أرادت تغير النظام القائم بقطر والانقلاب عليه، وكاد الأمر يصل لعمل عسكري، لهذا هدد بالرد على أي تحركات مماثلة.

ولإجهاض هذه المحاولات أو أي تحركات مستقبلة، طلبت قطر من حليفتها تركيا دعمها، لهذا وافق البرلمان التركي على الاتفاقية العسكرية بين البلدين ثم صدق عليها الرئيس طيب أردوغان، ليرسل على الفور دفعات من الجنود والآليات العسكرية إلى الدوحة التي بلغت حتى الآن 5 دفعات آخرها وصل يوم 11 يوليو الجاري، ليؤكد أن قطر ما زالت متمسكة بموقفها ورفضها لأغلب بنود المطالب العربية وعلى رأسها وقف التعاون العسكري مع أنقرة.

إلى جانب عمل قطر  وفق محيطها الإقليمي، التي حظيت بدعم تركيا ، و إيران فقط، تحركت على المستوى الدولي للاستعانة بحلفائها وعلى رأسهم الولايات المتحدة رغم قرب موقف ترامب من السعودية فقد حصل على ثمن هذه التحركات وغيرها خلال زيارته للرياض بصفقات فاقت قيمتها أكثر من 400 مليار دولار، إلا أن الموقف الأميركي الآن أصبح إلى حد ما محايدا ويسعى للوساطة، لأن واشنطن من مصلحتها وضع الجميع تحت مظلتها، وأن لا تسمح بظهور قوى خليجية أو غيرها تقرر رسم مصير منطقة الشرق الوسط برمتها وإنما تريد الحفاظ على توازن القوى القائم وتفتيته حتى يسهل التحكم فيه.

وتأكيدا من واشنطن أنها لن تترك قطر وحدها، أو تترك مسار الأزمة يخرج من بين أيديها، تدخلت للوساطة بين الطرفين، وستحاول إرضاء أطراف المقاطعة، وظهر ذلك في مذكرة تفاهم وقعتها الولايات المتحدة و قطر  يوم 11 يوليو الجاري، لمكافحة تمويل الإرهاب وطلب وزير خارجية قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، من دول المقاطعة الانضمام إلي هذا الاتفاق، الذي يحسم الموقف الأمريكي من الأزمة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب.

وسيضع هذا الاتفاق دول المقاطعة في موقف صعب، ويؤكد أن باقي المطالب لن تنفذ مثل علاقة قطر  بدول الجوار أو دعمها للمنصات الإعلامية، كذلك الاتفاق على مفهوم الإرهاب ذاته ومن هي الجماعات الإرهابية، فمشكلة الدول الأربع بالأساس خاصة مصر تكمن مع جماعة الإخوان، أما باقي التنظيمات الإرهابية فهي غير مؤثرة على الأنظمة السياسية بل تعطي شرعية للنظم القائمة، وفيما يتعلق بالتقارير والمنصات الإعلامية وإيواء المعارضة فدول الغرب ذاتها وعلى رأسها واشنطن تفعل ذلك.

ويبدو أن وزير الخارجية الأميركي بعد توقيعه مذكرة التفاهم مع قطر، حرص على الحصول على تنازلات من الدوحة لإرضاء الطرف الآخر وحل الأزمة، من المقرر أن يعقد اجتماعا مع وزراء خارجية دول المقاطعة في جدة يوم 12 يوليو الجاري، لإطلاعهم على مقترحاتها وما توصلت إليه لحل الأزمة.

ثالثا – دور الوساطة في معالجة الأزمة:

عرضت العديد من الدول وساطتها منذ اندلاع الأزمة لحل الخلاف بين الطرفين، ويظهر على الساحة الآن الوساطة الكويتية والأمريكية، فالأولى مصدر ثقة من كل الأطراف، والأخيرة قادرة على إلزام الجميع بحلول معينة وضمان الالتزام بها.

وإلى جانب ذلك تدخلت سلطنة عمان في الأزمة في بدايتها لكن يبدوا أن دول الخليج لا تثق فيها، لأن لها هي الأخرى علاقات قوية واتفاقيات أمنية وعسكرية مع إيران فهي لم تقطع أو تخفض علاقتها بطهران في يناير2016، عقب قطع دول الخليج علاقتهم معها إلى جانب عدم رفضها لبعض الجماعات الأيديولوجية كحزب الله و الإخوان، وحتى الآن لا يظهر دور لها فيما يجري من ترتيبات أو تسويات.

ولقبول كل الأطراف للوساطة الكويتية، سعت الكويت لمحاولة التوفيق أو الحصول على تنازلات من كليهما، ويبدو أن هناك تقدم في هذا الشأن، حيث كشف أمير الكويت في تصريحات له يوم 11 يوليو  الجاري أن هناك تطورات إيجابية بشأن الأزمة واستجابة من كل الأطراف، ما يدفع في استمرار جهود الوساطة وتقديم المزيد من المقترحات من أجل التوافق على حلول يقبل بها معظم الأطراف.

وبالتزامن مع الدور الكويتي والأمريكي، برزت وساطات وتدخلات أخرى، منها بريطانيا التي أجرى وزير خارجيتها جولة خليجية وأعلن عن دعم بلاده للوساطة الكويتية وكذلك دول الاتحاد الأوروبي على رأسها ألمانيا وفرنسا، ليكشف عن حيادية الموقف الأوروبي تجاه الطرفين بل انه أقرب إلى قطر باعتباره رفض التصعيد ضدها وطالب بحل الأزمة سلميا، وبهذا دفع الموقف الأوروبي دول المقاطعة لوقف التصعيد ضد قطر  حتى الآن والاكتفاء بالإجراءات الحالية التي طالب بمناقشتها هي الأخرى.

لكن الدور الأكبر للوساطة الحالية القادر على إلزام الجميع باتفاقات وترتيبات معينة، هو الموقف الأمريكي، فوقف التصعيد ضد قطر والتفاوض معها جاء بطلب أميركي، وتوقيع واشنطن والدوحة مذكرة تفاهم بشأن الإرهاب جاء بمثابة ضمانة لقطر من أي إجراءات قد تتخذ تحت بند الإرهاب لأنها لن تتخطى الموقف الأميركي الذي قد يشمل الجميع.

ولإجبار واشنطن الجميع على الاستماع لها، اعتبر وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون خلال زيارته للدوحة أن مواقف قطر واضحة وعقلانية من جيرانها في الخليج، وإنه على ثقة بإمكانية الوصول إلى حل للأزمة، وأشار إلى علم الولايات المتحدة بدعم الجميع لجماعات مسلحة لحماية مصالحها وبالتنسيق معها خاصة في سوريا، مؤكدا أن  يد الجميع ليست نظيفة، ليوجه رسالة تحذير للأطراف الأخرى بأنهم يدعمون كذلك جماعات مسلحة مثل قطر وبالتالي عليهم أن يقبلوا ما سيوضع من ترتيبات.

وتعليقا على المذكرة الأمريكية القطرية أصدرت الدول الأربع بيانا مشتركا، أكدت فيه أنه الاتفاق خطوة غير كافية وسيراقبون مدى التزام الدوحة بها، مع استمرار مقاطعتهم وعقوباتهم ضد قطر حتى تنفذ مطالبهم كاملة، كما طالبوا  واشنطن بوضع آلية تراقب مدى التزام قطر بهذا الاتفاق، وبالتالي يعد هذا قبولا منهم بالخطوة الأمريكية لأنهم طلبوا خطوات إضافية وآليات تضمن التزام الدوحة بتعهداتها، وسيحدد لقاء وزراء خارجية  دول المقاطعة مع نظيرهم الأميركي الخطوات المقبلة والالتزامات المطلوبة من الجميع وليس قطر وحدها.

رابعا – سيناريوهات التصعيد والحلول المحتملة للأزمة:

وفقا لجهود الوساطة الجارية بالتزامن مع استمرار عمليات التصعيد الإعلامي من قبل الطرفين، والتسريب المتبادل للاتفاقيات الموقعة التي يفترض أنها سرية فإن مسار الأزمة قد يسير وفق أحد السناريوهات التالية:

1ـ حل الأزمة:

من المرجح وفقا لجهود الوساطة الكويتة والتدخل الأمريكي إلى جانب الحياد الأوروبي، وابتعاد روسيا حيث رفضت الانحياز لأي طرف، أن تدخل الأزمة مسار الحل الفعلي، لكنه لن يكون فوريا فسيتم الاتفاق أولا على منع التصعيد من قبل أي طرف، ثم البدء في وضع بنود جديدة ستخفف من حدة مطالب الدول الأربعة، فمثلا قد تقلل قطر من حجم وإمكانيات القاعدة التركية بحيث لا تمثل تهديدا لدول الخليج، كذلك قد تخفف من حدة التصعيد الإعلامي كما جرى من قبل في 2014، لكنها لن تتخلى عن أحد أدوات قوتها الناعمة خاصة ” الجزيرة” أو مثيلاتها.

وفي مقابل ذلك ستبدأ دول المقاطعة بتخفيف إجراءتها العقابية ضد قطر تدريجيا وفقا لمدى التزامها، في اتفاق أشبه بالاتفاق النووي الإيراني، فمع استمرار الالتزام سيتم رفع العقوبات، كذلك لابد من الاتفاق على تعريف الإرهاب وهذا المفهوم ستحدده واشنطن، لأن كل دولة تدرج أشخاصا وكيانات وفقا لمصالحها السياسية، وليس ارتباط هذه الكيانات فعليا بنشاطات أو جماعات إرهابية.

2ـ إدارة الأزمة:

من المرجح أن تدار  الأزمة  بنفس الطريقة التي تدار بها العديد من أزمات المنطقة، وعدم حلها بشكل جذري، فالخلاف بدأ مع قطر عام 2013، ولم يتم حله مع أزمة سحب السفراء في مارس 2014، وإنما تم إدارة الأزمة ومحاولة عدم خروج الصراع إلى العلن، وبالتالي سيحافظ طرفي الصراع على موقفهما من الآخر من حرب إعلامية وعدم الذهاب إلى حد بعيد في العقوبات، وستعول هنا دول المقاطعة على الوقت لأن قطر المتضررة من العقوبات أكثر من غيرها وسيكلفها ذلك ماديا.

ولمحاولة الخروج من هذه العقوبات قد تهدد بفرض إجراءات مماثلة أو توثيق تحالفها  مع تركيا وإيران بشكل أكبر حتى تستطيع الصمود في وجه الأزمة، وستظل الأزمة قائمة إلى أن يتم حل أزمات الإقليم الأخرى وفي مقدمتها الأزمة اليمنية والليبية وسوريا، إلى جانب القضاء على داعش، وسيبقى ملف الإخوان هو السجال بين جميع كل فهو موجود منذ عشرات السنين ويتم توظيفه من قبل أطراف عدة وليس الخليج فقط.

3ـ التصعيد المتبادل:

قد تلجأ الدول المقاطعة إلى تصعيد إجراءتها ضد قطر بسبب عدم تنفيذها أيا من مطالبها، وقد تلجأ إلى رفع قضايا دولية ضد قطر لدى المنظمات والهيئات الدولية تتهمها فيها بدعم الإرهاب وفق ما تقول إن لديها مستندات تثبت ذلك، وفي حال ثبت ذلك ستكون قطر مهددة على المستوى الدولي وسيجرى معاقبتها على دعمها للإرهاب مثل السودان.

كذلك قد تلجأ الدول المقاطعة إلى إلغاء اتفاقيات ومشروعات تجارية ضخمة مع قطر وطرد المؤسسات التجارية القطرية، وبالنسبة إلى مجلس التعاون قد يجمد أو يلغي عضويتها تماما من المجلس.

أما بالنسبة إلى قطر فقد تلجأ هي الأخرى إلى الانسحاب من مجلس التعاون، وكانت وثائق مسربة كشفت عن ذلك فقد منحت قطر دول التعاون مهلة ثلاثة أيام لرفع الحصار عنها أو ستنسحب من المجلس، لكن نفت الدوحة هذه التسريبات، وقد يكون ذلك مناورة منها للضغط على دول المجلس، لأن خروج قطر  يعني بداية تفكيك التكتل الخليجي، فعمان تتخوف بشدة من تحركات السعودية والإمارات خاصة فيما يتعلق بملف إيران، وبالتالي قد تقلل من مشاركتها بالمجلس إن لم تنسحب، وأيضا قد يؤثر على الكويت لأن الإخوان يشاركون بالعملية السياسية هناك ولهذا قد يفرض عليها مستقبلا اشتراطات تطال التأثير على العملية الساسية الداخلية.

كذلك قد تلجأ قطر إلى وقف إمداد الإمارات بالغاز، حيث تعتمد على 40% من احتياجاتها من غاز الدوحة، إلى جانب تشكيلها تحالفا مع تركيا وإيران بما يمثل تهديدا قويا لأمن مجلس التعاون الخليجي، ولن تقدر وقتها على التصعيد ضد هذا الثلاثي، أيضا قد تخرج قطر وثائق تثبت دعم خصومها خاصة السعودية لجماعات مسلحة في سوريا وبالتالي ستناور بورقة الجماعات الإرهابية مثل خصومها أيضا.

وختاما يمكن القول أن قطر استطاعت المناورة وإدارة الأزمة مع خصومها، ما أوقف تصعيدهم ضدها، فقد نجحت في كسب مواقف أوروبية إلى جانبها مثل ألمانيا وتحييد الآخرين كفرنسا وبريطانيا وروسيا، وفرض تفاهماتها مع الولايات المتحدة على خصومها والقبول بها كحكم بين الجميع وتمثل ذلك في الاتفاق الموقع معها بشأن الإرهاب، وبالتالي سيكون التفاوض بين كافة الأطراف برعاية أميركية هو الحاكم للترتيبات والموائمات المقبلة.