ترامب وصراعه مع الإعلام... هل سينجو الرئيس الأمريكي بنفسه؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
ترامب وصراعه مع الإعلام… هل سينجو الرئيس الأمريكي بنفسه؟

ترامب وصراعه مع الإعلام… هل سينجو الرئيس الأمريكي بنفسه؟




“التراشق بالألفاظ والاتهامات” هي السمة الأبرز للعلاقة بين الرئيس “دونالد ترامب” والإعلام الأمريكي منذ توليه مقاليد حكم الولايات المتحدة في العشرين من يناير/ كانون الثاني الماضي؛ فتارة يتهم “ترامب” وسائل الإعلام بالزيف وتزوير الأنباء والاعتماد على مصادر مجهولة، وتارة أخرى يتهمها بانعدام النزاهة وتضليل الشعب الأمريكي والتقليل من شأن إنجازات إدارته.

من جانبها، لم تتوانى وسائل الإعلام الأمريكية عن توجيه الاتهامات إلى “ترامب” من قبيل تحريضه على العنف ضدها وزرع خطاب الكراهية، ووصل الأمر إلى حد التشكيك بصحة الرئيس العقلية لتدخل العلاقة بين الجانبين شيئاً فشيئا إلى نفق مظلم.

صحيح أن العلاقة بين البيت الأبيض والإعلام لم تكن بـ “الوردية” على مدار تاريخها، و شهدت أسوأ مراحلها في عهد الرئيس الأمريكي السابق “ريتشارد نيكسون”؛ إذ أسفرت تحقيقات أجراها اثنان من مراسلي صحيفة “واشنطن بوست” هما “كارل برنستين” و”بوب وودوارد” عن تقديم “نيكسون” استقالته عام 1974 قبيْل انتهاء مدة ولايته الثانية إثر اتهام حزبه الجمهوري بالضلوع في أعمال غير مشروعة كالتنصت على المكالمات الهاتفية والاتصالات التي يجريها الحزب الديمقراطي، وانتهاك قوانين تمويل الانتخابات بغية فوز “نيكسون” بولاية رئاسية ثانية فيما عُرف إعلامياً بـ “فضيحة ووترجيت” لكنَّ تسارع وتيرة وحدة التراشق بالاتهامات بين الإعلام والبيت الأبيض لم تضاهي ما يحدث الآن في عهد “ترامب”؛ إذ كان “نيكسون” يصرِّح بأن “الإعلام عدو لنا” أي يقصد إدارة البيت الأبيض وليس كما يردِّد “ترامب” بين الحين والآخر “الإعلام عدو الشعب”، وذلك وفقاً للمقارنة التي عقدها شيخ الصحفيين الأمريكين “دان راذر” حينما سُئل عن الفارق بين تعامُل الإدارة الأمريكية الحالية والإدارة في عهد “نيكسون” مع الإعلام، ما يضعنا أمام تساؤل رئيسي حول مدى إمكانية خروج “ترامب” سالماً من هذا الصراع، وسنحاول الإجابة عنه من خلال تسليط الضوء على تصريحات “ترامب” المناوئة للإعلام، واحتدام صراعه مع شبكة CNN وعزوفه عن القيام بالكثير من التقاليد المتعلقة بالعلاقة بين البيت الأبيض والإعلام كان أبرزها حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض.  

الإعلام “عدو” الشعب

استهلَّ “ترامب” معركته باكراً مع الإعلام، وذلك إبَّان حملته الانتخابية وقبيل تنصيبه رسمياً رئيساً للولايات المتحدة إثر تسجيل مصور يعود لعام 2005 نشرته “واشنطن بوست”، تضمن تصريحات جاءت على لسان “ترامب”، وُصفت بـ “غير اللائقة” و”المسيئة” للنساء ما وضع شعبيته الانتخابية على المحك، وهدَّد استمراره في خوض ماراثون الانتخابات الرئاسية أمام غريمته “هيلاري كلينتون”. و أدان سياسيون جمهوريون تلك التصريحات، كما وصفتها “كلينتون” بالمروعة مطالبةً الناخبين عدم السماح لشخص مثل “ترامب” بالوصول إلى البيت الأبيض.

و اعتذر “ترامب” عن هذه تصريحات، بيْد أن اعتذاره لم يخلو من اتهام الإعلام بالوقوف إلى جانب “كلينتون” ومحاولة تشويه سمعته أمام الناخبين كي لا يتمكن من متابعة الانتخابات،  ووجَّه “ترامب” جُلّ اتهاماته إلى “كلينتون” بأنها قد أرهبت وهاجمت وفضحت الكثير من ضحايا زوجها “بيل كلينتون” الذي شهد عهده، على حد تعبير “ترامب”، انتهاكاً للكثير من حقوق النساء.

وفي أول تصريح رسمي في أعقاب تنصيب “ترامب” رسمياً رئيساً للولايات المتحدة، هاجم المتحدث الرسمي للبيت الأبيض “شون سبايسر” وسائل الإعلام على رأسها شبكة  CNNبسبب بثها صوراً تقارن فيها بين الحشود الجماهيرية التي شهدت مراسم تنصيب “باراك أوباما” عام 2013 إثر فوزه بولاية ثانية وبين الحاضرين لحفل تنصيب “ترامب” مظهرةً بشكل جلي الفارق الكبير بين الحفليْن لصالح تنصيب “أوباما” موجهِّاً اتهامه إلى وسائل الإعلام، دونما دليل، كونها تعمَّدت تأطير الصور بطريقة معينة للتقليل من عدد الحاضرين لمراسم تنصيب “ترامب”،  وبدون أي دليل أيضاً، صرَّح “سبايسر” أن مراسم تنصيب “ترامب” حضرها أكبر جمهور على الإطلاق بما يتناقض وتصنيفات “نيلسن” التي أعلنت في وقت سابق أن حفل تنصيب استقطب عدداً أكبر من المشاهدين عبر شاشات التليفزيون.

 و لم يتردَّد “ترامب” هو الآخر في توجيه الاتهام إلى وسائل الإعلام بعدم المهنية في نقل مراسم تنصيبه؛ إذ أنه، في تغريدة له على توتير، قدَّم التهنئة لقناة “فوكس نيوز” لاحتلالها المركز الأول، وفقاً لمزاعمه، في تغطية حفل تنصيبه مشيراً إلى أنها أفضل بكثير من شبكة CNN ذات الأخبار “المزيفة”.

ولم يكد يمضِ سوى أيام قلائل على ذلك التوتر بين البيت الأبيض ووسائل الإعلام الأمريكية حول تغطية مراسم حفل التنصيب حتى استأنف “ترامب” هجومه على الإعلام مرة أخرى وصفها بوسائل الإعلام “الكاذبة” وقام بتغيير شعار شبكة CNN إلى FNN أى شبكة الأخبار”المزيفة” Fake News Network إثر نشر الشبكة مقالاً يزعم وجود اتصالات بين الحملة الانتخابية لـ “ترامب” وبين روسيا، و اتَّهم “ترامب”، عبر تغريدة على موقع توتير، وسائل إعلام أمريكية حدَّدها في نيويورك تايمز، وشبكات CNN، ABC، CBS، NBC New بأنها ليست عدوة له وإنما هي “عدوة” للشعب الأمريكي.

واصل “ترامب” هجومه على الإعلام الأمريكي في خطاب ألقاه أمام حشد من مؤيديه في تجمع أقامته حملته الانتخابية، وليس البيت الأبيض، في ولاية فلوريدا و تحديداً في مدينة ملبورن، و أدلى “ترامب” بعدة تصريحات مناوئة للإعلام مفادها أن وسائل الإعلام لا تريد أن تنقل الحقيقة، كما أن لها أجندتها الخاصة بها.

اللافت للنظر فيما يتعلق بتجمع “فلوريدا” حسبما ارتأى بعض الخبراء هو أن هذا التجمع أعاد للأذهان التجمعات التي نظمتها حملة “ترامب” أثناء السباق الانتخابي، وليس من المعهود لرئيس أمريكي أن يعود لمثل تلك التجمعات بعد تنصيبه رسمياً ما يضيف إلى قائمة التصرفات غير المسبوقة التي يقوم بها “ترامب” منذ توليه الرئاسة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فحسب بل تجاوزته إلى إعلان البيت الأبيض استبعاد وسائل إعلامية بعينها من حضور مؤتمر صحفي غير رسمي، وكان ذلك اللقاء مخصصاً لتقديم موجز صحفي. وكان من بين تلك الوسائل الإعلامية الممنوعة من الحضور، نيويورك تايمز، وسي إن إن، وبي بي سي، ما أسفر عن إعلان رابطة المراسلين الصحفيين في البيت الأبيض عن احتجاجها بشدة على ذلك القرار.   

وخلال الاحتفال الحاشد الذي أقيم في هاريسبرج بولاية بنسلفانيا في إبريل/ نيسان الماضي تزامناً مع مرور 100 يوم على تولي “ترامب” الرئاسة الأمريكية، واستقالة مستشار الأمن القومي “مايكل فلين”، جدَّد “ترامب” هجومه على وسائل الإعلام متهماً إياها بعدم النزاهة والافتقاد إلى الأمانة في تعاطيها مع ما وصفه بـ “إنجازات” إدارته خلال الـ 100 يوم.

وتتوالى اتهامات “ترامب” للإعلام وكان آخرها صدامه مع شبكة CNN، وهذا ما سنتناوله لاحقاً، فضلاً عن اتهامه لوسائل الإعلام في الأول من يوليو/ تموز الجاري بزرعها الكراهية في الشعب الأمريكي تجاهه، وقد يكون تلك الاتهامات التي كالها “ترامب” للإعلام مرجعها صرف الانتباه عمَّا شهدته مدة الـ 100 يوم من متاعب كثيرة واجهتها الإدارة الأمريكية جاء على رأسها استقالة “مايكل فلين” واتهامات لـ “ترامب” وحملته بالتواصل مع مسئولين روس إبَّان فترة الانتخابات الرئاسية. 

“ترامب” يقاطع حفل عشاء “مراسلي البيت الأبيض”

في صبيحة اليوم التالي لإعلان المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض “شون سبايسر” استبعاد وسائل إعلام بارزة، كما سبق وأشرنا، من حضور مؤتمر صحفي عقده، أعلن “ترامب” في تغريدة على حسابه على توتير اعتذاره عن عدم الحضور لحفل عشاء المراسلين الصحفيين للبيت الأبيض، الذي كان من المقرر عقده في 29 إبريل/ نيسان الماضي.

لم يكن ذلك القرار بالمفاجئ؛ فسلسلة التغريدات و لتصريحات الترامبية التي سبقت هذا قرار كانت تنبئ بوضوح لا يدع للشك مجالاً أنه ليس ثمة نية لـ “ترامب” لتصحيح مسار العلاقات بينه وبين الإعلام ما دفع إلى العديد من المطالبات بمقاطعة الحفل سبقت قرار “ترامب”، وقد أعلنت رابطة “المراسلين الصحفيين بالبيت الأبيض”، رداً على قرار مقاطعة “ترامب” لحفلها السنوي أنه كان وسيظل احتفالاً بالدور الهام الذي تضطلع به وسائل الإعلام في دولة فتية مثل الولايات المتحدة.

جدير بالذكر أن حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض هو تقليد سنوي يحضره المشاهير والشخصيات العامة من الصحفيين والإعلاميين والفنانين وكبار رجال الأعمال، ويحضره رئيس الدولة، وبحسب ما ذكرته صحيفة “نيويورك تايمز”، فإنه ومنذ عام 1924 حضر جميع الرؤساء ذلك الحفل مرة واحدة على الأقل.

في ذلك الحفل عادةً ما يتم إطلاق الدعابات والنكات بعيداً عن التوترات والصدامات السياسية. وعادةً ما يلقي الرئيس الأمريكي في هذا الحفل خطاباً يغلب عليه روح المرح والفكاهة، وقد حضره الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” حوالي 8 مرات.

شبكة CNN تطالب بإغلاق حساب “ترامب” على توتير

استكمالاً للتوتر بين “ترامب” والإعلام الأمريكي الذي وصل حد “الصدام المحتدم”، شهد مطلع الشهر الجاري تصعيداً غير مسبوق بين الجانبيْن؛ إذ شكَّك الإعلاميان “ميكا بريجينسكي”، التي تقدِّم برنامجاً صباحياً في شبكة MSNBC وخطيبها “جو سكرابورو” في صحة “ترامب” العقلية، واتهماه بـ “الأنا”، على حد زعمهما، التي تفتقد إلى النضج وتتسم بالصبيانية، ويتجلى ذلك في طريقة تعامله مع النساء ومهاجمته إيّاهُن كونه بالأساس يخشى النساء، وقد أفضت مثل تلك الاتهامات إلى تغريدة جديدة لـ “ترامب” أساء فيها إلى شخصي المذيعيْن ونعتهما بالغباء والعته والجنون.

 لم يكن نصيب شهر يوليو/ تموز الجاري من السجال بين “ترامب” والإعلام ذلك القدر فحسب؛ إذ شهد أيضاً فيديو نشره “ترامب” على حسابه على توتير بدا فيه وكأنه يصارع شبكة CNN ويسدِّد لها اللكمات تباعاً فضلاً عن تغريدات متلاحقة لـ “ترامب” أساء فيها إلى الإعلام الأمريكي خاصة شبكةCNN  مجدداً اتهامها بفبركة وتزوير الأخبار ما دفع الشبكة إلى شجب ذلك الفيديو، الذي ارتأت فيه تحريضاً على العنف ضد الإعلاميين، و طالبت “ترامب” بالكف عن هذه التصرفات الصبيانية، والانصراف إلى الاهتمام بالقضايا الكبرى كلقاء “بوتين” لأول مرة على هامش قمة العشرين، والملف النووي الكوري الشمالي، و قانون الرعاية الصحية الخاص به.

و في مقال نُشر على شبكة CNN في الأول من الشهر الجاري، تساءلت حول مدى إمكانية إغلاق “توتير” لحساب “ترامب” خاصة وأن قوانين الاستخدام تتيح للموقع إغلاق حساب الرئيس كونه يستغله للتشهير بالإعلاميين، و نعتهم بصفات تمس شخوصهم، واستشهد المقال بنعت “ترامب” لـ “بريجينسكي” وخطيبها “جو سكرابورو” بالجنون والعته والغباء فضلاً عن الاتهامات التي كالها “ترامب” لوسائل الإعلام الأمريكية دونما أية أدلة متستغلاً حسابه الشخصي على توتير، وقد ردَّ “ترامب” على ذلك بمجموعة من التصريحات والتغريدات مفادها أنه رئيس “عصري” يستخدم “توتير” في التواصل مع المواطنين مباشرةً بدلاً من لجوئه إلى وسائل إعلامية لا همَّ لها سوى نشر الأنباء الكاذبة والمفبركة.

كيف نقرأ الصراع بين “ترامب” والإعلام؟

في تقرير نشرته وكالة أنباء روسيا اليوم قبيل إجراء انتخابات الرئاسة الأمريكية، ارتأت أن وسائل الإعلام الأمريكي، وفي سابقة لم تتكرر من قبل، لم تلزم الحياد كما جرت العادة بين المرشحيْن الرئاسييْن؛ إذ استحوذت المرشحة “هيلاري كلينتون” على دعم منقطع النظير من الإعلام في مقابل حملات من السخرية والتشهير شنَّها الإعلام ذاتهعلى المرشح “دونالد ترامب”، فقد حصلت “كلينتون” على دعم ما ناهز 122 صحيفة ومجلة في مقدمتها واشنطن بوست، ونيويورك تايمز، وفورين بولسي، بينما لم يحصل “ترامب” على أي دعم يُذكر من قِبل الصحف اليومية، حسبما ذكرت صحيفة واشنطن بوست.

وعلَّلت الصحيفة ذلك بما لازم المرشح من فضائح جنسية وتهرب ضريبي فضلاً عن أرائه العنصرية الفجة.

جملة من حملات التشهير قادتها وسائل الإعلام الأمريكية ضد “ترامب” إبان فترة الانتخابات بدءً من اتهامه بالعته والجنون حتى الترويج لفيديو مسجل للمرشح تضمَّن تصريحات جنسية مسيئة للنساء.

ولم تتوقف تلك الحملات بتولي “ترامب” مقاليد الحكم، بل استمرَّ الإعلام مستغلاً سطوته وتأثيره في الرأي العام الأمريكي في التربص، إنْ شئنا القول، بالرئيس ولا أدل على ذلك من الاتهامات التي وجهتها وسائل الإعلام لحملة “ترامب” لإجرائها اتصالات مع مسئولين روس ما أفضى إلى تقديم مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق “مايكل فلين” استقالته من منصبه؛ إذ أفادت تلك التقارير الإعلامية، كان من بينها تقارير نشرتها وكالة رويترز” عن مسئولين أمريكين، أن “فلين” وآخرين من حملة”ترامب” قد تواصلوا مع مسئولين روس حوالي 18 مرة سواء عبر الاتصالات الهاتفية أو البريد الإلكتروني في الأشهر السبعة الأخيرة من الانتخابات الرئاسية،و أفضت تلك التقارير الإعلامية أيضاً إلى توجُّه أعضاء من لجنتي الاستخبارات في مجلسي الشيوخ والنواب إلى وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي لفحص الوثائق المتعلقة بالاتصالات التي أُجريت بين مستشاري حملة ترامب ومسؤولين روس، ثم البدء بجلسات استماع في الكونجرس حول تلك المزاعم فضلاً عن إجراء مكتب التحقيقات الفيدرالي FBIتحقيقات بشأن تورط مستشاري حملة “ترامب” في التواصل مع الروس، ما جعل البعض يتساءل عمَّا إذا كانت تلك الحادثة ستصبح “ووترجيت” جديدة يطيح على إثرها الإعلام بالرئيس الأمريكي “ترامب” مثلما كانت الحال مع “ريتشارد نيكسون”بينما تساءل البعض الآخر حول السبب الذي يدفع وسائل الإعلام لشن مثل تلك الحملة الشرسة على “ترامب”؛ و على سبيل المثال، كتب مايكل غودوين، في مقال نشرته صحيفة نيويورك بوست أنه “خلال الأشهر الستة من رئاسة دونالد ترامب شهدنا وابلاً من الهجمات غير المسبوقة التي تشنها وسائل الإعلام. لقد ضُرب بمعايير الصحافة عرض الحائط في إطار الجنون المحموم الهادف إلى إسقاط الرئيس”.

في هذا الإطار، ترى وجهة النظر الأولى، وبالتطبيق على الصراع ترامب وشبكة CNN أن تخصيص الشبكة مساحة كبيرة في تغطيتها لمزاعم اتصالات بين حملة “ترامب” ومسئولين روس إنما تهدف بذلك إلى توسيع قاعدة متابيعها ومن ثم جذب واستقطاب مزيد من الإعلانات التجارية، ومن ثم يعتقد البعض أنه قد بات من الصعب على وسائل الإعلام الأمريكية الجمع بين المصالح الاقتصادية والأهداف المهنية البحتة.

أما وجهة النظر الأخرى، فقد ذهبت إلى أن قسطاً كبيراً من متابعي CNNمن الديمقراطيين الذين يضعون جُل تصرفات و قرارت “ترامب” تحت المجهر، كما أن عدداً كبيراً من الصحافيين والإعلاميين كانوا متفقين مع سياسات “أوباما” بعكس ما عليه الحال الآن.

وسواء أكان الإعلام الأمريكي، الذي من المفترض أن يقدم نموذجاً في الحيادية والشفافية، يرمي إلى مهاجمة الرئيس سعياً وراء اجتذاب الإعلانات التجارية أو انطلاقاً من قناعاته الأيديولوجية التي لا تتوافق و سياسات “ترامب” فإنه يجب القول إن تصرفات الرئيس توفر مادة دسمة جداً لتلك الوسائل الإعلامية بل دفعت البعض من الإعلاميين إلى التشكيك بصحته العقلية كما أن الجمهور المتابع لتلك الوسائل متشرذم ومنقسم على ذاته ما بين مؤيد ومعارض لـ “ترامب” ما يشير إلى أن الصراع الذي تدوره رحاه الآن بين الإعلام والرئيس هو صراع معقد ومرشح للتصعيد الفترة المقبلة لا التهدئة.

وفي الأخير، بقي لنا التساؤل حول مدى إمكانية خروج “ترامب” بسلام من تلك العلاقة “الصدامية” بينه وبين مؤسسات الإعلام الأمريكي. إن الإجابة تتوقف على قدرة “ترامب” على أن ينأى بنفسه عن ذلك الصدام محاولاً احتوائه، بيد أنه ليس هناك ما يشير حتى الآن إلى أي رغبة من جانب “ترامب” لتهدئة وتلطيف الأجواء مع الإعلام ما ينذر بمواجهة إدارته كثيراً من المتاعب في هذا الجانب، وستُضاف إلى المتاعب الفعلية التي تواجهها الإدارة الأمريكية من قبيل تحقيقات فيدرالية حول تواصل حملة “ترامب” مع الروس أثناء خوضه غمار السباق الرئاسي، والشكوك التي اكتنفت تعيين ابنته “إيفانكا” وصهره “جاريد كوشنر” كمستشارين له بما يتنافى مع القوانين الأمريكية الرادعة لمحاباة الأقارب، فضلاً عن شكوك تساور الهيئات الرقابية حول الإمبراطورية التجارية الضخمة لـ “ترامب” ما قد يصطدم بدوره وقوانين “تعارُض المصالح” الأمريكية، والسؤال الأهم هنا “هل سيواجه ترامب ووترجيت جديدة قد تسفر عن الإطاحة به؟”.

وبصرف النظر عن احتمالية مواجهة “ترامب” لووتر جيت جديدة من عدمه، هناك مؤشرات قد تدق ناقوس الخطر يجب أخذها بعين الاعتبار أبرزها استطلاع للرأي أجرته شركة “سيرفاي مانكي”، وهي واحدة من أشهر شركات استطلاع الرأي عن طريق الإنترنت والتطبيقات الرقمية، بحسب ما نشرته بي بي سي عربي في 5 يوليو/ تموز الجاري، يُظهر أن 50% يثقون في CNN مقابل 43% لترامب بصفة عامة، وأن 55% لصالح CNN مقابل 40% لترامب من المستقلين غير المنتمين للحزبين الديمقراطي والجمهوري. وقد أُجري ذلك الاستطلاع على 4.965 مواطناً أمريكياً فوق سن الـ 18 في الفترة بين 29 يونيو/ حزيران الماضي إلى 3 يوليو/ تموز الجاري،  و استطلاع آخر أجراه مركز بيو Pew للبحوث، ونُشر على موقع بي بي سي عربي في 29 يونيو/ حزيران الماضي، وقد تم إجراؤه على مواطني 37 دولة. وأظهرت نتائجه أن أكثر من نصف المشاركين في الدراسة في 26 دولة يرون أن ترامب “خطر” بينما يحظى “ترامب”، وفقاً لنتائج الاستطلاع، بشعبية أكبر من “أوباما” في كل من روسيا وإسرائيل فقط. وبصفة عامة، أظهر الاستطلاع أن غالبية المشاركين في الدراسة في 35 دولة يرون أن “أوباما” أفضل من “ترامب”. وكلها مؤشرات تبرز تراجع شعبية “ترامب” ليس فقط على مستوى الداخل الأمريكي، ولكن في العالم الخارجي أيضاً.

………………………………………………………………………………………………………..

المراجع:
  1. CNN” ترد على فيديو ضرب ترامب لشعارها”، سي إن إن بالعربية، متاح على الرابط التالي:
https://arabic.cnn.com/world/2017/07/02/wd-020717-trump-wrestles-cnn#autoplay
  1. “عهد ترامب: الرئيس الأمريكي يجدد هجومه الشديد على وسائل الإعلام في تجمع فلوريدا”، بي بي سي عربي، متاح على الرابط التالي:
http://www.bbc.com/arabic/world-39018627
  1. “ترامب يشن هجوماً لاذعاً على وسائل الإعلام الأمريكية ويتهمها بانعدام النزاهة”، بي بي سي عربي، متاح على الرابط التالي:
http://www.bbc.com/arabic/world-39000353
  1. “ترامب يهاجم مجدداً إعلام “الأخبار المزيفة”، سبوتنك عربي، متاح على الرابط التالي:
https://arabic.sputniknews.com/world/
  1. “كيف غيرت سياسات ترامب نظرة العالم إلى أمريكا”، بي بي سي عربي، متاح على الرابط التالي:
http://www.bbc.com/arabic/media-40415871
  1. “وسائل إعلام تدين منعها من حضور مؤتمر صحفي في البيت الأبيض”،DW، متاح على الرابط التالي:
http://www.dw.com/ar/6
  1. “سؤال يطرح نفسه.. وفقاً لقوانين الاستخدام لماذا لا تعلق توتير حساب ترامب؟”، سي إن إن بالعربية، متاح على الرابط:
https://arabic.cnn.com/tech/2017/07/01/trump-twitter#214
  1. “بين قادة قمع الإعلام في الشرق والغرب”، السلطة الخامسة، DW، متاح على الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=PATese7A5JM
  1. “ترامب: أنا رئيس عصري”، بي بي سي عربي، متاح على الرابط التالي:
http://www.bbc.com/arabic/world-40472628
  1. “هل يخرج ترامب سالماً من صراعه مع الإعلام وأجهزة المخابرات”، بي بي سي عربي، متاح على الرابط التالي:
http://www.bbc.com/arabic/interactivity-39009694