منذ البداية.. جاءوا من أجل حركة غولن - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
منذ البداية.. جاءوا من أجل حركة غولن

منذ البداية.. جاءوا من أجل حركة غولن




أردوغان ليس أساس المشكلة التركية، فهي مشكلة متشابكة عميقة الجذور، ولا توجد أضواء في نهاية النفق

كتب “ستيفين أ. كوك” لمجلة “فورين بوليسي” بتاريخ 14 يوليو الجاري

نجا الرئيس رجب طيب أردوغان من محاولة انقلاب عسكري بتركيا قبل عام من الآن، ولكن العواقب كانت فادحة، فقد تسارعت عجلة تطهير البلاد من المعارضة التي كانت الحكومة تقوم بها قبل الانقلاب، وكنتيجة لذلك فقد دمرت حيوات أكثر من 200 ألف مواطن تركي، ولم يزل العد مستمرا.

في منتصف أبريل أجرت الحكومة استفتاءًا شعبيا حول صلاحيات الرئاسة، وربح الداعون للتصويت بـ “نعم” هذا اليوم، ولكنه كان نجاحاً على المحكّ. ورأى مراقبو (منظمة الأمن والتعاون) الأوروبية أن هذا الاستفتاء غير عادل، فهناك 177 صحافي في سجون أردوغان، بمن فيهم (قدري غورسيل) وهو مراسل صحافي معتقل لمدة تزيد على 8 أشهر على خلفية اتهامات سخيفة ومتناقضة في آن واحد، وذلك بأنه متهم بأنه موالي لـ (عبد الله غولن) وفي نفس الوقت يدعم حزب العمال الكردستاني و هو منظمة علمانية وليست لها أية مرجعيات إسلامية .

 في التاسع من يوليو أنهى (كمال كليكدار أوغلو) مسيرة بلغ طولها 280 ميلاً احتجاجاً على عمليات التطهير التي بلغت أوجها مؤخراً بمسيرة ضخمة حاشدة، وأعلن أنصاره أن هذا يعد بمثابة فجر يوم جديد على دولة تركيا، ولكن في اليوم التالي مباشرة تم التضييق الأمني على 72 من الأكاديميين من جامعتي (بوغازيكي) و (مدينيت)

هذه هي الخطوط العريضة عما حدث في الإثنى عشرة شهر التي تلت محاولة الانقلاب بتركيا، لكن ما حدث منذ يوليو الماضي هو مجرد فصل في قصة كبيرة تحكي عن السياسة التركية والمجتمع. الملاحقات التي شنها (أردوغان) شملت صحافيين و مراقبين أتراك لحقوق الإنسان وسياسيين وكانت التهمة المبطنة وراء ذلك هو مناقشتهم لما آلت إليه حال الدولة التركية في تلك الحقبة المؤسفة من التاريخ التركي .

وبالنسبة للعديد من المواطنين الأتراك والمراقبين فإن المشكلة الأساسية تكمن في شخص (أردوغان) والحزب التابع له (حزب العدالة والتنمية) مع سلطاته المشبعة من التراث الديني، هم على حق لكن مثل هذا التفسير لا ينطبق فقط على الحقبة الحالية، فقد عُرفت السياسة التركية بالقمع والدموية في فترات سبقت تشكل (حزب العدالة والتنمية) بالأساس.

وبخصوص حقبة (حزب العدالة والتنمية) فمن الممكن تقسيمها لـ 4 فترات زمنية تقريباً، كانت هناك سنوات (أردوغانية) جيدة نسبياً من العام 2003 حتى العام 2007، عندما قامت تركيا بـ 4 حزم من الإصلاحات الدستورية، كما بدأت المفاوضات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأيضاً طبقاً لتقارير البنك الدولي فإن هناك طفرة في النمو الاقتصادي التركي من 5% حتى 9.6% لكن بعد فوز (حزب العدالة والتنمية) في الانتخابات البرلمانية بنسبة مقاعد تمثل 47% عام 2007، ظهر الوجه الاستبدادي لأردوغان .

وبعد الانتخابات العامة التي جرت في 2011، ونجاح آخر لحزب العدالة والتنمية، بدأ (أردوغان) اتباع سياسة عنيفة من الاستقطاب الجماهيري المستمر .

 قبيل الانتخابات قام (أردوغان) بالقضاء على الجناح الليبرالي للحزب، بعد ذلك أسقط أية إدعاءات كان قد صرح بها مسبقاً حول التوافق المجتمعي و النسيج الوطني المتمثل في أجندة عمل (حزب العدالة والتنمية)، ودمر الائتلاف الكبير الذي أتى بالحزب إلى سدة الحكم التركي بالأساس، هذه السنوات القليلة أدمجت مع أحداث الفترة الأخيرة التي بدأت مع القمع العنيف المصاحب للاحتجاجات التي شهدتها حديقة (غيزي) خلال صيف عام 2013، وبداية وضع تركيا على الطريق المؤدي للمسار الاستبدادي الحالي.

في كل مرحلة من تلك المراحل، كان التحول -سواء للأفضل أو للأسوأ – كان يجري بنيّة مسبقة. ولكن هل هذا ما حدث فعلاً ؟ إلى أي مدى قام (أردوغان) وحزبه الحاكم بتحوير السياسة التركية والمجتمع ككل ؟

لا شك أن (حزب العدالة والتنمية) صنع علامة فارقة، لكنها كانت تطورات منتزعة انتزاعاً من براثن الحزب وزعيمه، هناك بعض التشابهات بين العهد الحالي والعهود السابقة، فقد كانت القضية الرئيسة التي صدّرها (أردوغان) لأغلبية المجتمع التركي هي تقويض الهيكلة الأساسية الاستبدادية لدولة القمع و الأمن القومي التي أرسى قواعدها (كمال أتاتورك) ونخبته الحاكمة لقمع المناوئين لرؤيتهم لدولة تركيا الحديثة، وبدلاً من ذلك فقد حل الأجهزة والمؤسسات القمعية القديمة و اصطنع مؤسسات جديدة بديلة لكنها موالية لتوجهاته هو، عن طريق تهديد الإعلاميين و السيطرة على الإعلام الحر بتركيا، و الجامعات ، ومؤسسات الجيش، متبوعاً ذلك بترهيب واضطهاد صحافيين وأكاديميين وسياسيين أكراد وضباط بالجيش والشرطة، وأتباع (غولن) .

وبينما يتتبع (أردوغان) خصومه، كان يتمتع بالدعم والتأييد اللذين لا يقتصران على الموالين لحزبه. أما بالنسبة للبقية فهناك التهديد الدائم بالاعتقال، بغض النظر عن الخلل في الإجراءات القانونية اللازمة لذلك.

هذا يتفق تماماً مع ما يذكره (بيتر بلاكيان) في مذكراته (مصير الكلب الأسود)، في بحثه عن تفسير للإنكار التركي لمذبحة الإبادة العرقية لجماعة الأرمن التي وقعت عام 1915، وكتب : “أصبح من الواضح لديّ أن تركيا ليست فقط راعية لانتهاكات خطيرة جداً في مجال حقوق الإنسان، ولكنها تعاني من افتقار لأية آليات للنقد الذاتي”.

 غضبة (بلاكيان) لها ما يبررها على الرغم من أنه ربما يحوي كلامه تعميماً، فالعديد من الأتراك يريدون تسليط الضوء على تلك الفترة لتوفيق المصالحة بين ذواتهم و بين جرائم عصور ما قبل الجمهورية الكمالية الحديثة، وذلك دون اللجوء إلى المؤرخين المنحازين الذين يتم اختيارهم بعناية للسرد والتوثيق .

 ولقد جعلت السياسة القومية فتح هذا الموضوع مستحيلاً، وبدون البحث بحياد في هذا الأمر فمن الصعب علينا تفسير وصول تركيا الحالية لهذه الدرجة من القمع السلطوي.

بالنظر في مصير الصحافة التركية نجد أن عدداً كبيراً من الصحافيين قيد الاعتقال، بينما آخرين غيرهم في المنفى خارج البلاد، والبقية الباقية في خوف من تلك المصائر .

كانت وسائل الإعلام في الماضي متنوعة و متباينة في الجودة والحرفية، ولكن في الوضع الحالي تم استبدال الصحافيين والمحررين وكتاب الأعمدة الأكفاء بآخرين عبارة عن أشخاص مجندين في الحملة الإعلامية للتسويق لحزب العدالة والتنمية. هذه الحالة المؤسفة ترتبط كنتيجة بعدم رغبة الكثير من النخب التركية في الانخراط بالنقد الذاتي.

 وقبل سنوات عندما بدأ (أردوغان) باعتقال الصحافيين و المحررين المعارضين لأجندته الخاصة، فإن باقي الصحافيين والمحررين أصبحوا على ما يهوى منهم أن يكونوه، خاصة بعد حركة (غولن)، وتمجيدهم له.

بعد قطع العلاقة بين (غولن) و(أردوغان) في عام 2013، بدأت الحكومة في تدمير الإعلام الخاص بغولن، إن وضع الصحف ومحطات البث التليفزيوني بين يدي الحكومة وأجهزة البث الحكومية لم يقابلها مقاومة أو غضب، بل كانت شيئاً أقرب إلى الغبطة بالنسبة للكيانات التي تدافع عن سيادة الدولة والقانون، اختار خصوم (غولن) -مثلهم مثل حركة (غولن) في البدايات – سياسة أن الانتقام واجب إزاء تلك الإجراءات القانونية، غير مراعين لأية اعتبارات للخطر الذي يعترض عملية التنمية السياسية بتركيا.

ارتكبت الحكومة التركية ومؤيدوها نفس الأخطاء في يوليو الماضي عقب الانقلاب الفاشل، فقبل أن يبدأ التحقيق اتفق المسؤولون الأتراك مسبقاً على رواية موحدة للأحداث تُروى للملايين من الشعب التركي لاستقبالها وتصديقها دون شكوك أو تساؤلات .

 بعض من ألمع النخب التركية – سواء بالداخل أو الخارج- أخذوا الرؤية الأردوغانية محل تصديق، وهو شيء لم يكن أبداً من الوارد حدوثه من قبل. وما من شك بأنه هناك إحساس ما بالعدالة بعدما تم القبض على المتآمرين منفذو الانقلاب المزعومين – الذين تم اتهامهم جميعاً بأنهم أعضاء من حركة (غولن)- بعد ليلة عنيفة شهدت مقتل أكثر من 250 شخصاً، وقصف لمبنى الجمعية الوطنية الكبرى. بيد أن الملاحقات الأمنية الموصوفة بالهوس أدت إلى تخريب حياة 200 ألف شخص على مدار سنة كاملة، حيواتهم وحيوات عائلاتهم، فأين العدالة في ذلك ؟

يمكن للمرء أن يجادل في ذلك بالطبع، فمسيرة (العدالة) جذبت حوالي المليون مواطن حين وصولها للعاصمة إسطنبول، كنوع من النقد الذاتي الذي كان يستنكر وجوده بأسف (بلاكيان) في المجتمع التركي، كانت تلك المسيرة نوعاً ما انتصاراً لشخصيات معارضة مثل (كليكدار أوغلو)، وبينما كان مفتقداً لقدرته على وضع أردوغان قيد الاتهام، فإن مسيرته الداعية من أنقرة وحتى إسطنبول تمثل ضربة قوية ولامعة

لكن إذا ما وضعنا الحدث في سياقه، فإن المسيرة الملهمة للمقاومة ستبدو بصورة مختلفة تماماً، فإن الداعي لها  (كليكدار أوغلو) مشارك ومسؤول بشكل ما في الاستبداد التركي العميق الحالي، فقد دعم (أردوغان) عقب محاولة الانقلاب مباشرة واستمر ذلك حتى توقيت مسيرة ( العدالة)، وعلاوة على ذلك فإن السبب الرئيس للمسيرة هو أن أحد أعضاء حزبه (أينس بربر أوغلو) قد تم اعتقاله بموجب حكم يعلق حصانته كنائب برلماني في ظل ظروف معينة خاصة إذا ما كان الاتهام خاص بمكافحة الإرهاب، لكن  (كليكدار أوغلو) وحزبه كانوا من الداعمين بشدة لذلك القانون، لأنه كان يظن بأن القانون مصمم فقط لينال من السياسيين الأكراد.

وعندما أدلى بخطابه الجماهيري لدى وصوله إلى إسطنبول، كان من الجليّ أن (كليكدار أوغلو) غير مهتم بتحقيق العدالة للجميع، و اغتنم فرصة لتوجيه النقد والتوبيخ لأتباع (غولن) بصورة مماثلة لما فعله (أردوغان) حيالهم، أتباع (غولن) والإرهابيون الأكراد ربما يكونون مدانون فعلاً بجرائم مختلفة، ولكن دولة تركيا من المفترض أنها دولة سيادة قانون، ولكن بدلاً من سيادة القانون فإن هناك استخدام القانون .

 ومن الواضح لنا أن كلا من حكام البلاد و المعارضة يشعرون بالرضا و الراحة إزاء التسلح بترويض القانون لأن ذلك يضمن لهم بعض المكاسب الآنية، بغض النظر عما يجره هذا من عواقب وخيمة.

إن انعدام الرؤية من زاوية النقد الذاتي ليست عيباً خاصاً بتركيا على وجه التحديد، هذا العيب منتشر في كل مكان، ولكن في الحالة التركية بالذات قد عززت نوعاً من الاستهجان و السخرية و النفاق والدوغمائية، التي تجعل استمرار إنكار الإبادة الجماعية للأرمن و للأحداث الحالية من التضييق الأمني والتطهير على مدار سنة ماضية ممكن. ومن المعروف عن النخبة الحاكمة التركية حساسيتها الحادة تجاه أي نقد، سواء حقيقي أو متصور،  كما تعاني من عقدة شوفينية تطالب العالم بالنحيب على قتلى الانقلاب في نفس الوقت التي تنكر فيه حادثة الإبادة الجماعية في نفس الوقت التي تبرر فيه سياستها التطهيرية الإقصائية

و باستمرار الحالة الدفاعية التركية بهذه الطريقة فإنها ترفض الاعتراف لا بالحقيقة ولا بالعدالة

 

المقال الأصلى: اضغط هنا