«اجتماع أوبك» بـ«سان بطرسبرج»: عثرات متكررة و توقعات بهبوط الأسعار - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
«اجتماع أوبك» بـ«سان بطرسبرج»: عثرات متكررة و توقعات بهبوط الأسعار

«اجتماع أوبك» بـ«سان بطرسبرج»: عثرات متكررة و توقعات بهبوط الأسعار




 

يبدو أن خطة منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” و روسيا – التي اتفق عليها العام الماضي- لإزالة فائض النفط العالمي لم تعمل كما كانا يأملان، و قوضت الاتفاقية بين منظمة الدول المصدرة للبترول أوبك و حلفائها قبل أن تبدأ، حيث أن المنتجين الرئيسيين مثل المملكة العربية السعودية و روسيا  و العراق صعدوا بالصادرات قبل الموعد النهائي لخفض الإنتاج، و يواجه الميثاق تحدياً إضافياً، حيث أن نيجيريا و ليبيا، اللتين كانتا معفيتين من التخفيضات أثناء تصديهما للأزمات السياسية و الأمنية المحلية، بدأت في استعادة إنتاجها.

 و في الوقت الذي تُدعى فيه الدولتين إلى اجتماع “سان بطرسبرج”، فإنهما لن يكونا على استعداد لخفض الإمدادات حتى لو طلب منهم ذلك، حيث أن كلا المنتجين يقتربان من حدود قدراتهما، فإن أى اتفاق للحد من المستويات الحالية سيكون مجرد قرار رمزى لن يتم الالتزام به.

حيثيات الاجتماع النفطي في سان بطرسبرج بروسيا

يقترب الموعد المحدد لجلوس الدول النفطية داخل و خارج “أوبك” على طاولة المناقشات من أجل الوقوف على أسباب عدم الامتثال لقرار تخفيض الإنتاج لدعم أسعار النفط العالمية، و يأتي الاجتماع المقترح في 24 يوليو الجاري، بعد اتفاق سابق جمع بعض أكبر منتجي النفط في العالم في مايو الماضي، لاتخاذ خطوة تهدف إلى تعزيز الأسعار، ما أدى إلى تمديد اتفاق خفض الإنتاج بنحو 1,8 مليون برميل يومياً حتى نهاية الربع الأول من عام 2018، مع استثناء ليبيا و نيجيريا من الاتفاق، و ذلك قبل انتهاء صلاحيتها في نهاية يونيو 2017، و يأتي ذلك من أجل السيطرة على أسعار النفط المنهارة و التي كلفت العديد من الدول النفطية الكبرى مليارات الدولارات التي أثرت بدورها على موازنات تلك الدول، التي جعلت الخليج يشهد عجوزات مالية للمرة الأولى في حين كان يتمتع بوفرة نفطية متزايدة خلال السنوات الماضية.

و رغم اتفاق أوبك على تمديد الاتفاق على خفض الإنتاج حتى نهاية الربع الأول من 2018، تستمر الأسعار في التراجع بشكل حاد منذ ذلك الحين بسبب تزايد الإنتاج في الولايات المتحدة و أيضًا في نيجيريا  و ليبيا، و يتمثل المحور الرئيس في اجتماع أوبك خلال يوليو الجاري في مناقشة الزيادة في مستويات إنتاج الولايات المتحدة التي لم يكن يتوقعها أعضاء أوبك، و هنا قد يقترح الأعضاء تخفيض آخر في الإنتاج، من شأنه أن يجد صعوبة في جعل الأعضاء المعفيين من اتفاق خفض الإنتاج يقيدون إنتاجهم.

عقبات في طريق نجاح الاجتماع

مع اقتراب موعد الاجتماع المحدد خلال الشهر الجاري، تكثر العقبات أمام إمكانية إنجاح الاتفاق، فمن جانب ترى إيران أنها مازالت في حاجة لزيادة إنتاجها من أجل تعويض الفاقد الذي تعرضت له خلال سنوات العقوبات الغربية التي فرضت عليها منذ نهاية العام 2012، و من جانب أخر هناك مزيد من التدفق المرتفع للنفط الليبي الذي ارتفع لأعلى مستوى في 4 سنوات إلى 1.1 مليون برميل يومياً، و مرشح لإنتاج 1,25 مليون برميل يومياً بنهاية العام 2017. وأظهرت بيانات المنتجين الأمريكيين ارتفاعا، وبلغ إجمالي الإنتاج 9,43 مليون برميل يومياً بتحسن قدره 32 ألف برميل يوميا، و قد انتعش الناتج في الولايات المتحدة بأكثر من مليون برميل يومياً من أدنى مستوى له في صيف 2016.

ويشكل ضعف الامتثال بين الدول الأخرى تحدياً آخر، فقد أفادت وكالة الطاقة الدولية أنه لم يكن ينبغي أن يطلب من العراق أن يخفض إنتاجه في الوقت الذي يعاني فيه الكثير من المشاق الاقتصادية و يقاتل تنظيم “داعش” – حيث انخفض إنتاج العراق بنسبة 29٪، وإن كانت الظروف الاقتصادية الراهنة في العراق تُشير إلى عدم التمكن من زيادة الإنتاج في الوقت الراهن، إلا أن العراق ترفض أيضاً تثبيت أو تخفيض إنتاجها أملاً في زيادتها خلال الفترة المُقبلة، كذلك أعلنت الإكوادور انسحابها من الاتفاق، و ربما تأتي التهديدات من قبل دول أعلنت تأيديها بالفعل للاتفاق مثل روسيا التي اعتادت على اقتناص حصص الدول الخليجية في أسواق التصدير الرئيسية.

وإجمالاً لوضع المنظمة، أفاد تقرير حديث بأن إمدادات أوبك في يوليو قد ترتفع بمقدار 145 ألف برميل، ما دفع إلى زيادة الإنتاج على 33 مليون برميل يومياً، ما يمثل ارتفاعاً جديداً في إنتاج الكارتل و يثير شكوكاً إضافية بشأن قدرتها على تنسيق عمليات خفض العرض، وفي الوقت نفسه، يروج العراق علناً ​​لخطته الرامية إلى رفع الإنتاج إلى 5 مليون برميل يوميا بحلول نهاية العام (من 4,4 مليون برميل يوميا في يونيو)، و ذكرت الإكوادور أنها لن تشارك في التخفيضات في محاولة لتعزيز مواردها المالية.

 ومن ثم هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهد، ففي ظل الإنتاج الحالي، لن تحقق قيود أوبك هدفها المعلن المتمثل في تخفيض المخزونات إلى مستويات متوسطة بحلول الوقت الذي تنتهي فيه في نهاية مارس 2018، كما أن تقليص الإمدادات سيعطي دفعة فورية للأسعار، لكنه يشجع فقط منتجي النفط الصخري الأمريكي على الاستثمار أكثر في الحفر، وذكرت وزارة الطاقة الأمريكية يوم 17 يوليو الجاري أن هذه الحفارات الصخرية تسير على الطريق الصحيح لتصل إلى إنتاج قياسى يبلغ 5,58 مليون برميل يوميا فى أغسطس 2017، وفي الوقت نفسه ارتفعت مخزونات النفط العالمية بمقدار 720 ألف برميل يومياً لتصل إلى 97,46 مليون برميل يومياً في يونيو الماضي، بسبب زيادة إنتاج منتجي الأوبك و الدول غير الأعضاء في الأوبك مثل الولايات المتحدة، وفقاً لما ذكرته وكالة الطاقة الدولية.

سيناريوهات حركة الأسعار خلال الفترة المُقبلة

من المتوقع أن تواجه أسعار النفط العالمية تحدياً كبيراً خلال الفترة المُقبلة، في ظل النتائج المخيبة للأمال خلال المرات السابقة لاجتماعات أوبك من أجل التوصل لاتفاق من شأنه السيطرة على أسعار النفط المتراجعة، و في ظل تراجع الامتثال بتخفيض الإنتاج في أوبك إلى 78%، حيث  لم يلتزم بالمستويات المحددة سوى 6 دول فقط. ويمكننا استعراض سيناريوهين لمستويات الأسعار خلال النصف الثاني من 2017 و2018، وهما:

الأول: حركة الأسعار خلال عام 2018 في حال تنفيذ التخفيضات بالكامل من قبل دول “أوبك” و المنتجين من خارجها، في هذا السيناريو ستستمر حركة الأسعار في الصعود إلى مستوى 65-70 دولار للبرميل. وذلك فقط في حال الالتزام من قبل المنتجين الذي من شأنه أن يقلض فائض الإنتاج في الأسواق، المقدر بنحو 2 مليون برميل إضافي في الوقت الحالي.

الثاني: حركة الأسعار في حال ظل الإنتاج عند مستوياته الحالية، في هذا السيناريو ستستمر أسعار النفط عند مستوياتها الراهنة، مع توقعات بالهبوط مرة أخرى عن مستوى 50 دولاراً للبرميل، في ظل تخمة الأسواق بالمعروض النفطي بسبب التسابق بين المملكة العربية السعودية و روسيا من جهة، وبين إيران و العراق من جهة أخرى، وطبقا لتقرير البنك الدولي، وفي ضوء هذا السيناريو، من المتوقع أن يسجل متوسط برميل الخام 55 دولار خلال 2017 و59.9 دولارا خلال 2018 و65 دولاراً بحلول عام 2020.

و في السيناريو الثاني، نفترض أن يكون الالتزام بنخفيض الإنتاج سيستمر في الضعف، مع عدم القيام بأي خفض من قبل “أوبك” لمستويات الإنتاج الحالية و زيادة الدول غير الأعضاء في “أوبك” إنتاجها بحسب التوقعات الراهنة، وفي ظل هذا السيناريو، سيظل المعروض متفوقاً على الطلب بمقدار 500 ألف برميل في اليوم في 2017، لكن مع تقلص في فائض المعروض، ونتيجة لذلك، فإن من المتوقع أن ترتفع الأسعار إلى متوسط 55 دولاراً للبرميل في 2017 من متوسط 45 دولاراً في 2016.

وعودة منصات الحفر بسهول تكساس وداكوتا في أميركا، التي كانت توقفت عن العمل سابقاً، إلى العمل مرة أخرى هي نتيجة لإجراءات تخفيض النفقات، التي تضمنت تخفيض عدد العاملين، و اتباع صناعة النفط الأميركية لنهج أكثر بساطة في الحفر، وهي الأمور التي اضطر الأميركيون للقيام بها بعد الانخفاض الشديد لأسعار النفط بعد عام 2014، الذي جعل عملية الحفر غير مربحة بالنسبة للعديد من الشركات. ولكن حتى مع عدم التزام دول أوبك، فإن ضعف الطلب على النفط، نتيجة للوضع الحالي للاقتصاد العالمي، يُعد من أكبر العقبات أمام ارتفاع أسعار النفط. كما أن هشاشة الاتفاق الذي تم التوصل إليه بفيينا المرة السابقة، والفترة الزمنية الموضوعة لتنفيذه الممتدة حتى مارس 2018، هما عاملان آخران يساهمان في صعوبة توقع ما سيحدث بسوق النفط. وأيضاً روسيا، التي ليست عضواً بمنظمة الأوبك، وتنتج كمية كبيرة من النفط كالسعودية، تُعد سبباً إضافياً للحذر.

………………………………………………………………………………………………………………………….

المراجع
  1. تقرير: اجتماع “أوبك” الأسبوع المقبل سيناقش معالجة ضعف الامتثال للاتفاق، http://www.argaam.com/ar/article/articledetail/id/496558، 21/7/2017
  2. Libya’s Ascendant Oil Boss Poses Challenge for OPEC, Russia, https://www.bloomberg.com, 19/7/2017
  3. OPEC Deal At Breaking Point As Compliance Falls, http://oilprice.com/Energy/Crude-Oil/OPEC-Deal-At-Breaking-Point-As-Compliance-Falls.html, 21/7/2017
  4. Oil Producers Don’t Have a Plan to End the Glut, https://www.bloomberg.com/, 21/7/2017
  5. Oil closes at 6-week high as U.S. inventories fall, http://www.marketwatch.com, 19/7/20