الصين في أفريقيا .. مسرح عسكري مختلف - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
الصين في أفريقيا .. مسرح عسكري مختلف

الصين في أفريقيا .. مسرح عسكري مختلف




 

كتبت “أليسون فدريكا” لمؤسسة “جيوبوليتيكال فيوتشرز” في  يوليو الجاري

هل تؤسس بكين قاعدة عسكرية في جيبوتي فقط بغرض استعراض القوة؟

 

تحاول الصين عن طريق مد قواتها خارج الحدود أن تطلع العالم على قدراتها العسكرية، هذه المرة تركز على أفريقيا كمسرح لذلك العرض، فمع قيام أطقم من القوات البحرية الصينية بمغادرة ميناء (تشانجيانج) في 11 يوليو الجاري متوجهة لساحل جيبوتي، مصحوباً كل ذلك بضجة إعلامية عن مهمة تلك الأطقم البحرية التي تتمثل في إقامة أول قاعدة عسكرية صينية دائمة في القرن الأفريقي، وتقول الحكومة الصينية إن مهام تلك القاعدة هي دعم عمليات حفظ السلام، ومكافحة القرصنة، وعمليات الإغاثة الإنسانية، بينما يرى المحللون العسكريون و وسائل الإعلام أن قاعدة جيبوتي هي جزء من استراتيجية عقد اللآلئ (string of pearls)

 التي تهتم بتأصيل وتطوير شبكة من خطوط العلاقات العسكرية والتجارية على طول المحيط الهندي لتصدير القوة العسكرية الصينية خارج الحدود الوطنية، بيد أن القاعدة لا تمثل القوة الصينية بل هي بالأحرى محاولة لتعزيز صورة الصين على الصعيد الداخلي والدولي.

كان الاختيار الصيني لدولة جيبوتي مبني على مراعاة ضمانات التدفق التجاري من الخليج الفارسي إلى الصين، بينما تمر حوالي 80% من الواردات النفطية البحرية الصينية عبر هذا الطريق مروراً بالمحيط الهندي، لذلك فهي موقع حيوي للحفاظ على مصالح الصين التجارية.

ويكمن الدافع الرئيس وراء أهمية استراتيجية

 (عقد اللآلئ string of pearls)

 هو ضمان الوصول بسهولة ويسر إلى نقاط ومراكز تلك التجارات، وتشير الصين إلى إمكانياتها للحفاظ على سهولة التحركات عبر المحيط الهندي عن طريق إنشاء مراكز تجارية وعسكرية مختلفة على نقاط الاختناق تلك، مثلما نشرت منشآتها في بحر الصين الجنوبي، وخليج البنجال وبدرجة أقل في بحر العرب، بينما وضعت بالفعل نقاط ارتكاز لها ومرافق عسكرية وتجارية في كل من بنجلاديش و ميانمار و باكستان و سريلانكا.

لكن تلك المجهودات تفوق الحماية الفعلية التي تحتاجها المصالح التجارية الصينية، فمع القوة البحرية الصينية الضعيفة نسبياً – على الأقل بالمقارنة مع نظيرتها الأميركية -، فإن الصين تفتقر إلى قدرة تأمين هذا الطريق التجاري عسكرياً، لذا، فبدلاً من ذلك تحاول الحكومة الصينية تصدير صورة مضخّمة لقواتها البحرية لتصرف الانتباه عن ضعفها الفعلي.

وجرى الإعلان عن القليل جداً من التفاصيل المحيطة بتلك القاعدة العسكرية بساحل جيبوتي، ومن هذا القليل المطروح هو أن تلك القاعدة لا تمثل أهمية عسكرية ما، وتشير التقارير إلى أن قطع بحرية من الأسطول الصيني اتجهت للقاعدة الصينية بالقرن الأفريقي، ولكن لا توجد معلومات متاحة عن عدد أفراد أطقم تلك السفن، أو مساحة انتشارها أو حتى الجدول الزمني لتنفيذ تلك المهمة الموكلة إليهم، وتشير التقديرات الأولية إلى أن عدد الجنود المحتمل أنهم قد أرسلوا يدور حول 2000 مقاتل من سلاحي مشاة البحرية الصينية وقوات العمليات الخاصة الذين سيتمركزون في القاعدة.

وبحلول نهاية العام الجاري سيتم تسليح القاعدة بأسلحة وذخائر، وسيتم إنشاء أرصفة لاستقبال وخدمة قطع الأسطول الحربي الصيني.

 كلفة استئجار تلك القاعدة من حكومة جيبوتي ستكلف الصينيين 20 مليون دولار سنوياً لمساحة من الساحل تغطي نحو 36 هكتاراً وتقع بالقرب من ميناء تجاري مملوك لبعض الشركات الصينية، هناك بعض الخطط لإنشاء مطارلكنها لا تزال مجرد فكرة على الورق، هناك منصة استقبال وحيدة للطائرات العمودية ومن المحتمل اكتمال إنشاءها مع نهاية العام.

ومن الجدير بالذكر أن الخبير العسكري (تزو شين مينج) قد صرّح لصحيفة

(South China Morning Post)

 بخصوص تلك القاعدة العسكرية بجيبوتي: ” ليست قاعدة عسكرية بالمعنى المفهوم، لكن من الممكن تمديد القاعدة بعد ذلك لتستوعب منصات إصلاح السفن واستقبال الطائرات” ، ومن هنا نستنتج أن القاعدة لا تحوي مطاراً ولا يمكنها صيانة القطع البحرية في الوقت الحالي. كل هذا أيضاً لا يوضح الكثير عن القاعدة وقدراتها، وبعدم المعرفة الموثقة بمكونات تلك القاعدة فإنه يكون من الصعب جداً لأي أحد أن يستنتج بشكل منطقي إذا ما كانت قاعدة كهذه ستساعد المشروع الصيني المهتم بنشر قواته خارجياً.

لكن الأكثر أهمية من ذلك هو تلك الحقيقة التي تقول إن القوات البحرية الصينية تفتقر إلى قدرات التعامل مع المياه العميقة للمحيطات في العالم فضلاً عن تنفيذ عمليات عسكرية، والقوات البحرية لديها طموح قوي لتطوير قدراتها تلك، ولكن ذلك قد يتطلب زمناً طويلاً -على الأقل جيل واحد أو جيلين- وهذا بافتراض عدم وجود اضطرابات كبيرة أو فترات توقف لتلك العملية التطويرية، فالبحرية الصينية حتى الآن لا تمتلك حاملة للطائرات جاهزة للتعامل العسكري مع أهداف ندّية، حاملة الطائرات الوحيدة للبحرية الصينية هي السفينة

(Liaoning)

، وهي عبارة عن قطعة بحرية تم ترميمها وقد بدأت خدمتها البحرية عام 1988، والحاملة

(Liaoning)

 يمكنها حمل نصف عدد الطائرات التي يمكن لأي حاملة طائرات أميركية أن تحملها، وقد خاضت أول تدريبات بالذخيرة الحية في ديسمبر 2016، وطياروها المقاتلون المرافقون هم من الجيل الجديد حديثوا التخرج ولم يخوضوا إلا تدريبات أولّية للعمليات، فالأطقم العاملة لديها خبرات قليلة وتتطلب سنوات من التدريب حتى يتسنّى لها أن تشغِّل السفينة بفعالية عملياتية، علاوة على ذلك فالبحرية الصينية لم تتغلب بعد على المشكلات اللوجيستية الإمدادية الأساسية، بما في ذلك التزود بالوقود، فمعظم القطع البحرية الصينية لا تعمل بالطاقة النووية، وبالتالي يجب أن تتوقف بمحطات وموانئ للتزود بالوقود، ما يجعلها قصيرة اليد وبطيئة في الوصول لأهدافها العملياتية.

لا يمكن للصين تصدير قوتها عالمياً، ويجب عليها تحديد أولوياتها، والقارة السمراء ليست في أول تلك اللائحة من الأولويات، فالمخاوف الحقيقية للصين تقع بالقرب من حدودها الجغرافية، حيث أي واردات قادمة للأراضي الصينية يجب أن تمر عبر مضيق (ملقا) وهي نقطة مرور رئيسية محدودة بين دول محيطة هي ماليزيا وأندونيسيا و تايلاند، وتأمين المرور من هذا المضيق تقوم به قوات البحرية التابعة للولايات المتحدة، لكن الصينيون لا يريدون الاعتماد على تأمين أميركي للمرور عبر هذا الطريق الهام جداً، كما تشكِّل نقاط المرور قضية مهمة في منطقة بحر الصين الجنوبي، حيث تتنافس الصين مع دول الشرق الأقصى على أولوية الاستخدام والسيطرة على تلك المضايق، ويبقى هنا السؤال الأهم ” ماذا تملك حكومة الصين من قدرات وموارد لتستخدمها حيال تلك القضية بالشرق الأقصى، عوضاً عن اهتمامها غيرالمبرر بالسيطرة على القرن الأفريقي”.

 

المقال الأصلى: اضغط هنا