معضلة أمنية إسرائيلية تلوح في الأفق - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
معضلة أمنية إسرائيلية تلوح في الأفق

معضلة أمنية إسرائيلية تلوح في الأفق




 

كتب “ناداف بولاك” لشبكة الأمن القومي

 “War On The Rocks”

 بتاريخ 7 من يوليو الجاري :

في الأسبايع الأخيرة، واصل كلا من  (إسرائيل) و (حزب الله) ذلك التقليد المقدّس الذي يتمثّل في تأجيج الغضب الساطع بينهما خلال أشهر الصيف الحارة، حيث التصاريح النارية المتبادلة بين كلا الطرفين عما ينتويه كل منهما بالآخر خلال الحرب المقبلة بينهما. هذه التهديدات ليست جوفاء، فكل طرف لديه القدرة فعليّاً على إلحاق أضرار جسيمة بالآخر، لكن على الرغم من ذلك التأهب للقتال بينهما، إلا أن (إسرائيل) و (حزب الله) لا يريدان وقوع مثل تلك الحرب في الوقت الحالي، و الغرض الرئيسي من تلك الخطابات النارية هو الحفاظ على اعتبارات القوة بينهما، وعلى اليقظة، ومع ذلك فإن التطور الأخير بالأرض المحتلة يرفع درجة الحرارة تلك إلى معدلات عظمى.

في مؤتمر (هرتزيليا) المنعقد يوم 22 يونيو الماضي ، أكد رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية الجنرال (هيرتزي هاليفي) في تقارير سابقة لوسائل إعلام عربية أن (الحرس الثوري الإيراني) يعمل على إنشاء صناعة مستقلة للسلاح في دولة (لبنان) تركز على إنتاج صواريخ متطورة ، وقد قيل أن هذا التطور المثير للقلق أصبح في الأسابيع الأخيرة هو محور تركيز جهود جيش الدفاع الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية بشكل عام، ويتسائل البعض عما إذا كانت (إسرائيل) مضطرة لتوجيه ضربة وقائية استباقية داخل الحدود اللبنانية، ما قد ينزع فتيل الحرب.

ما أسباب التحول في موقف إيران ؟

في السنوات الأخيرة هاجمت (إسرائيل) العديد من شحنات الأسلحة المتوجهة في طريقها لحزب الله، وتفيد التقارير بأن تلك الشحنات تحوي أسلحة مضادة للسفن، وصواريخ أرض-جو، وصواريخ باليستية أرض – أرض، بعض هذه الصواريخ مزودة بآليات تجعلها دقيقة التوجيه، مما قد يكبد (إسرائيل) خسائر فادحة حال استهدفت هذه الصواريخ مواقع استراتيجية إسرائيلية، مثل القواعد العسكرية والبنى التحتية المدنية الهامة، وقد صرّح رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيليين مراراً وتكراراً بأن امتلاك (حزب الله) لمثل تلك التقنيات التسليحية يعد تجاوزاً للخط الأحمر الذي تضعه حكومة إسرائيل بهذا الشأن، مع الإصرار على أنها  ستمنع تدفق مثل تلك الأسلحة المتطورة إلى حزب الله، ووفقاً لبعض التقديرات فإن (إسرائيل) استطاعت أن تدمر 60% من شحنات الأسلحة المتطورة تلك أثناء شحنها، قد يكون هذا سبباً للاحتفال بالنصر، لكن ما حدث هو أن تلك الضربات الجوية لشحنات السلاح قد غيرت شيئاً ما في نوايا (إيران).

و أفادت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذا الأسبوع أن (الحرس الثوري الإيراني) يسعى إلى إنشاء قاعدة لصناعة الصواريخ المتطورة في لبنان، وتكون تحت سيطرة (حزب الله)، ما سيجعل إعاقة (إسرائيل) لوصول تلك الشحنات من (إيران) إلى (لبنان) شيئاً من قصص الماضي .

وتأمل (طهران) بأن تملك (إسرائيل) زمام نفسها وتحجم عن مهاجمة (حزب الله) بلبنان، خوفاً من أن يسفر ذلك الهجوم عن حرب، وعلى هذا النحو فإنه كلما كان خط الإنتاج أقرب لمكان العميل كان ذلك أفضل.

الحسابات الإيرانية مرجحة ومعقولة، ويبدو أن كلا من (إسرائيل) و (حزب الله) لديهما تفاهمات عفوية غير مسجّلة، فمثلاً ما دامت (إسرائيل) لم تهاجم (حزب الله) على أراضٍ لبنانية ولم تؤدِّ هجماتها إلى خسارة بشرية أو إصابات بين صفوف مقاتليه، فإن الحزب يقرر أن يلتزم الهدوء.

و أشار (عاموس هاريل) أحد الصحافيين المختصين بالأمن القومي الإسرائيلي، إلى أن (إسرائيل) خلال السنوات الأخيرة استهدفت شحنة للأسلحة لمرة وحيدة على الأراضي اللبنانية ، ومن ثم قرر (حزب الله) الانتقام والرد عن طريق عدة وكلاء له في الجولان المحتل.

أما بالنسبة لإيران، فعلاوة على ضمانها بألا تطالها القوات الجوية الاسرائيلية، فإن هناك أسباب أخرى محتملة لتحويل إنتاج السلاح المتطور إلى (لبنان)، منها أنها ستتمكن من تجنب الصعوبات اللوجيستية وتكاليف شحن هذه الصواريخ من (إيران) إلى (سوريا) ومن (سوريا) إلى (لبنان)، وإذا ما سار كل شيء بشكل جيد، فإن من المرجح أنه يكون لدى (حزب الله) ترسانة أكبر وأكثر تطوراً في مجال الصواريخ على أرضه، ما سيعزز من قوة موقفه ويدعم ندّيته أمام (إسرائيل)، وفوق ذلك سيكون لإيران محور ارتكاز آخر بالمنطقة لإنتاج الأسلحة وتوزيعها، ليس فقط لحزب الله، ولكن لوكلاء آخرين بالمنطقة وخارجها.

هل ستتغير حسابات إسرائيل ؟

وجهت (إسرائيل) الشهر الماضي تحذيراتها إلى (إيران) عبر دول أوربية بشأن مخططاتها في لبنان، و بينما يشير الواقع إلى أن تلك المصانع لم تزل غير ذات وجود، ولم يتبين بعد قدراتها وإلى أي مدى ستتحسن الترسانة العسكرية لحزب الله سواء كمّاً أو نوعاً. بينما يمتلك (حزب الله) حالياً بالفعل ترسانة تقدّر بأكثر من 150 ألف صاروخ وقذيفة، لذلك فإذا لم تتدخل (إسرائيل) عسكرياً حتى الآن، فلماذا تعطي أهمية كبيرة لهذا التطور التقني بالمنظومة ؟

الفرق الرئيسي يتصل بقدرات (حزب الله) على إنتاج أسلحته المتطورة أو “المارقة” كما وصفها رئيس الوزراء الاسرائيلي (نيتنياهو)، وإذا أصبح بمقدرة (حزب الله) أن يُنشئ صواريخ ذات حمولة تدميرية عالية ونظم توجيه متطورة، فإن ذلك من شأنه أن يخلق مشكلة خطيرة بالنسبة لإسرائيل،سترتفع قدرة (حزب الله) على زيادة ترسانته الصاروخية التي يمكن أن تطال أي هدف  في إسرائيل وتسبب أضراراً فادحة، صحيح أن (إسرائيل) طورت من قدرات أنظمة الدفاع الصاروخي لديها، ولكن إذا كان لدى (حزب الله) المئات من تلك الصواريخ المتطورة، فإن بعضهاسيصيب هدفه بالتاكيد، إذن هذه هي المعضلة : إذا كانت (إسرائيل) تعتقد أن الحرب مع (حزب الله) هي أمر محتوم لا مفر منه لأن (حزب الله)، إذاً هل من المنطقي أن تعمل (إسرائيل) الآن قبل أن يصبح (حزب الله) أقوى ؟

هنا لا توجد إجابات بسيطة، فإسرائيل تتجنب على الدوم أي نزاع مسلح واسع المدى، ما يعني أسابيع طويلة من القتال، ما من شأنه أن يلحق أضرار باقتصاد (إسرائيل) ويضع عبئاً كبيراً على كاهل المستوطنين، وهذا يصح بالطبع بالنسبة للجبهة الشمالية، حيث القدرات العسكرية المعتبرة لحزب الله، والأكثر تقدماً من الجبهات الأخرى لأعداء (إسرائيل) مثل منظمة حماس بالجنوب، وتلك الجبهة الشمالية إذا ما فُتحت ستكلف الإسرائيليين الكثير، ولهذا السبب فإن أي رئيس وزراء إسرائيلي سيفكر ملياً قبل اتخاذ أي قرار بالهجوم على (حزب الله) بلبنان، لأنه يعلم أن المستوطنين الإسرائيليين سيطالبونه بتفسيرات مقنعة لتبرير خوض مثل تلك الحرب المدمرة .

ويقدّر البعض تقديرات أولية بأن ضربة وحيدة استباقية سريعة لن تؤدي إلى حرب، ويمكن السيطرة على الوضع بعدها، وإذا سألنا بعض المحللين الأمنيين الإسرائيليين قبل عشر سنوات “ماذا سيحدث إذا ما استهدفت إسرائيل شحنات الأسلحة على الأراضي السورية؟”، فربما كانت إجابتهم ستتمحور حول كلمة “الحرب”، لكن في يومنا الحالي يحدث هذا ببعض الاعتيادية. ومن المرجح أن (حزب الله) سيكون منهمكاً في (سوريا) على المدى القصير، وهذا يعني أنه قد يفضل تجنب عملية كبيرة ضد (إسرائيل)، لذلك ربما تكون ضربة مركزة سريعة من إسرائيل الآن بمثابة حلاً منطقياً لتلك المعضلة.

ما الذي يقوله المسؤولون الاسرائيليون بهذا الصدد ؟ صرّح وزير الدفاع (ليبرمان) أن الحكومة مدركة تماماً بشأن مصانع الأسلحة المتطورة المزمع أنشاؤها في (لبنان) تحت سيطرة (حزب الله)، وعلى دراية كاملة بما يجب القيام به، ولكنه أضاف: “ليس هناك حاجة إلى الهيستريا أو الذعر حيال تلك القضية”، واستطرد في تصريحه: “إن دولة إسرائيل ليس لديها رغبة ولا مصلحة في أي تحرك عسكري واشتباك مسلح، لا بالجبهة الشمالية ولا الجنوبية” موضحاً أن فكرة الضربة الاستباقية الوقائية بالأراضي اللبنانية ليست مطروحة للمناقشة .

و صرّح رئيس الأركان الاسرائيلي (غادي إيشنكوت) في الخامس من يوليو الجاري قائلا : “أولوية إسرائيل في مواجهة حزب الله هي منعه من تحسين قدرات صواريخه ودقة قذائفه”، وأضاف: “إن الإسرائيليين بحاجة إلى وضع الأمور في نطاقها الطبيعي، ليس نطاقها الاحتمالي المرتعد” .

إن استمرار الجهود الإيرانية لإنشاء مصانع للأسلحة في (لبنان) تحت إشراف (حزب الله)، سيزيد من حدة التوترات على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية، في الوقت الراهن يبدو أن هذه الخطة لم تزل في مراحلها الأولى، ويبدو أيضاً أن قيادات كلا من الطرفين في غاية الهدوء، في كل الأحوال لم يزل هناك وقت للتمثيل الدبلوماسي لتجنب ذلك السيناريو التصعيدي المدمر.

—–

(ناداف بولاك) هو زميل باحث سابق في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، كما عمل كضابط صف في سلاح الاستخبارات التابع لجيش الدفاع الإسرائيلي.

المقال الأصلى : اضغط هنا