حدود الخطر.. الاتجاه نحو الإفراط في الدين العام في الشرق الأوسط - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
حدود الخطر.. الاتجاه نحو الإفراط في  الدين العام في الشرق الأوسط

حدود الخطر.. الاتجاه نحو الإفراط في الدين العام في الشرق الأوسط




أصبح الإفراط في الدين العام أحد المخاطر المتصاعدة التي تواجه الاقتصاد العالمي مؤخراً، و في هذا الإطار انتشرت ظاهرة الإفراط في الدين العام على المستوى الإقليمي، خاصة في السنوات الثلاث الأخيرة، و ساهم في تفاقمها عدد من الدوافع منها السياسية و منها الاقتصادية، وكذلك منها ما يتصل بالوضع الإقليمي و آخر يتعلق بظروف يشهدها الاقتصاد العالمي.

وعلى الرغم من أهمية الدين العام التمويلية إلا أنه قد يضع الاقتصاد الكلي في حدود الخطر، ويفرض عليه أعباء تمتد للأمد البعيد، ما يدق ناقوس الخطر داخل الإقليم، و انطلاقاً من أهميته و خطورته معاً يتحتم على الحكومة مراعاة معايير الإدارة الفاعلة له بما يحجم من الخسائر التي قد تتكبدها الأجيال القادمة جراء ارتفاع الدين العام.

اتسع حجم الديون العامة في إقليم الشرق الأوسط إلى حد جعلها من أبرز المخاطر التي تتعرض لها الاقتصادات الكلية في الإقليم، وفي نهاية الشهر المنصرم نشر موقع business insider تقريراً  سنوياً صادر عن CIA يعرض 23 دولة هم الأكبر من حيث نسبة الدين العام إلى  الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، حيث بلغت هذه الاقتصادات حدود القلق، و بعضها دخل تماماً في مرحلة الخطر حيال القدرة على  سداد الدين العام و خدمة أعباءه. و يمكن اعتبار أن الدين العام أصبح خطراً حيت يصل إلى أكبر من 70% في الدول النامية، و أكبر من 90% في الدول المتقدمة.

وقد ضم هذا التقرير 4 دول داخل إقليم الشرق الأوسط، هي الأردن التي  احتلت المرتبة 21 ضمن التقرير، بنسبة دين عام بلغت 90.6% من الناتج المحلي الإجمالي، ثم اليمن في المرتبة الـ 19 مكررة بنسبة 92.2%، ما يرجع بشكل أساسي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في اليمن واحتدام الصراع المسلح.

أما مصر فقد احتلت المرتبة رقم 18 من حيث الدول الأكبر مديونية على مستوى العالم، وفقاً للتقرير المذكور، الذي أظهر أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي وصلت إلى 92.6%، فيما أتت لبنان في المركز الثالث على مستوى العالم بنسبة دين بلغت 132.5% وهي أكبر نسبة على مستوى الإقليم، حيث يعد الاقتصاد اللبناني ضعيف للغاية من حيث مقاييس الملاءمة المالية.

بالمقارنة مع بيانات البنك الدولي، نجد أن نسب الدين العام في دول الشرق الأوسط هي أكبر من النسب السابقة، لكنها تبقى نسبا مقلقة، فطبقاً لتقرير المرصد الاقتصادي للشرق الأوسط و شمال إفريقيا، التابع لمجموعة البنك الدولي، في إبريل 2017، ارتفعت نسبة الدين العام  في الأردن من 89% عام 2014 إلى 94.5% في نهاية العام 2016، أما اليمن فقد قفزت نسبة الدين العام بشدة من 48.7% عام 2014 إلى 85.4% عام 2016.

أما مصر فقد تضاعف حجم الدين العام – في غضون أشهر منذ بدأ تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي للحكومة – ليفوق حجم الناتج المحلي الإجمالي، حيث بلغت نسبة الدين العام 107% من الناتج المحلي الإجمالي في مارس 2017 طبقاً لبيانات وزارة المالية المصرية، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي أن ترتفع هذه النسبة إلى 150% خلال ثلاث سنوات.

تبقى لبنان هي أعلى دول الإقليم من حيث خطر الإفراط في الدين العام، فقد بلغت نسبة الدين العام 145.6 % في 2014، ثم تضاعفت إلى 157.5 في 2016، ومن المتوقع أن تتفاقم إلى 170% في نهاية العام 2018.

ومن اللافت للانتباه، أن العراق و إن لم يصل إلى حدود الخطر، إلا أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي تضاعفت بدرجة حادة خلال الثلاث سنوات الأخيرة، حيث بلغت 31.8% في عام 2014، ثم ارتفعت إلى 63.1% في نهاية عام 2016، ما يجعل الدين العام محل قلق للاقتصاد العراقي.

دوافع ارتفاع الدين العام

بشكل عام لا تخلوا الميزانيات العمومية من معاناة وجود فجوة تمويلية، سواء بالعملة المحلية أو بالنقد الأجنبي، ما يحتم على الحكومات اللجوء إلى أدوات تمويلية هي محدودة في حقيقة الأمر، إلا أن أكثرها شيوعاً هو الدين العام، سواء من خلال بيع سندات بالعملة المحلية أو الأجنبية، أو من خلال الحصول على قروض من المؤسسات التمويلية الإقليمية والدولية.

وبالنظر إلى الواقع الإقليمي نجد أن الفجوات التمويلية التي تعاني منها الحكومات تعود إلى الأسباب التالية:-

• اتساع عجز الموازنة العامة: يأتي فقدان الحكومات مصادر للإيرادات العامة بالتزامن مع ارتفاع النفقات العامة، ما ينتج عنه اتساع متتالي في عجز الموازنة العامة، فعلى سبيل المثل انخفضت الإيرادات النفطية للعراق بنسبة 41% خلال العام 2015، ما أدى إلى ارتفاع عجز الموازنة العامة من 5.3% عام 2014 إلى 12.3% في العام 2015، ولكن مع تحسن الإنتاج النفطي خلال 2016 انخفض عجز الموازنة إلى 8.2%.

وفي مصر ارتفع عجز الموازنة العامة من 11% عام 2015 إلى 12% عام 2016 على الرغم من الإجراءات القاسية لضبط النفقات العامة التي نفذتها الحكومة، فيما استطاعت الأردن خفض عجز الموازنة بدرجة طفيفة من 6.9% عام 2015 إلى 6.2% عام 2016، أما في لبنان فارتفع العجز في الموازنة العامة من 6.6% عام 2014 إلى 8.2% في 2015 ثم إلى 10% عام 2016.

• تراجع النقد الأجنبي: أدت الأوضاع الجيوسياسية و الاقتصادية إلى فقدان دول الإقليم لعدد من مصادر النقد الأجنبي، ما أدى إلى اتساع الفجوة التمويلية التي تعاني منها الحكومات، فكما سبق الإشارة إلى أن العراق عانى من تراجع الإيرادات النفطية، ومن المتوقع أن ينخفض إنتاج النفط بالعراق بنسبة 5% خلال العام الحالي بسبب اتفاق الأوبك على تحديد سقف للإنتاج.

فيما أدى تباطؤ نمو التجارة العالمية إلى تراجع عائدات قناة السويس المحولة إلى الموازنة العامة لمصر علاوة على أن التهديدات الأمنية التي يواجهها الإقليم أدت إلى  تراجع السياحة في كل من مصر والأردن ولبنان، علاوة على تراجع تحويلات العاملين في الخليج إلى هذه الدول نتيجة لانخفاض أسعار النفط.

ويضاف إلى ذلك انخفاض نسب الاستثمار الأجنبي المباشر فعلى سبيل المثال وصلت هذه النسبة إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي في الأردن، و3.4% في لبنان، وبالنظر إلى الاحتياطي من النقد الأجنبي نجد أنه انخفض في العراق من 54 مليار دولار عام 2015 إلى 47 مليار دولار في العام التالي، بينما انخفض في الأردن بنسبة 9% ووصل إلى 12.9 مليار دولار تغطي فقط واردات 7.7 شهراً، أما في مصر فبعد أن عانت من أزمة كبيرة في نقص النقد الأجنبي، أدت الإجراءات الأخيرة بعد تحرير سعر الصرف إلى ارتفاع احتياطي النقد الاجنبي حتى 31 مليار دولار في مارس 2017.

عانى لبنان من تراجع نسبة الاحتياطي بنسبة 5.4% عام 2015، و لمواجهة ذلك طور نظام مقايضة تحت مسمى الهندسة المالية، ما أدى إلى ارتفاع الاحتياطي بنسبة 11% عام 2016، إلا أن البنك  الدولي يحذر من أن هذا النظام قد يخلق مخاطر مصاحبة.

• كلفة الصراع المسلح و انتشار الإرهاب في الإقليم: يعاني إقليم الشرق الأوسط من عدد من الصراعات المسلحة العنيفة، فبالإضافة إلى احتدام الحرب الأهلية في سوريا و ليبيا، تعاني المنطقة من انتشار سطوة التنظيم الإرهابي “داعش” في أكثر من دولة منها مصر و ليبيا و العراق، بينما تعرضت عدة دول لعمليات إرهابية منها تركيا، و مصر و تونس و ليبيا، علاوة على الحرب التي شنتها قوات التحالف بقيادة السعودية على اليمن والمستمرة منذ مارس 2015.

وبطبيعة الحال، أدت الصراعات المشتعلة إلى إثقال الاقتصادات بخسائر ضخمة، ففي العراق أدى الصراع إلى انخفاض التوظيف بمقدار 800 ألف وظيفة، كما فقدت كل من لبنان والأردن خطوط التجارة البرية مع سوريا و العراق بسبب تواجد تنظيم داعش، أما في اليمن فبالإضافة إلى تدمير البنية التحتية و قطاعات الاقتصاد الحيوية، تفاقمت الازمة الإنسانية وأصبح هناك 8 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي حتى أطلقت الأمم المتحدة نداء استغاثة لتوفير 2.1 مليار دولار بهدف توفير الغذاء اللازم لإنقاذ اليمنيين.

• عبء اللجوء السياسي: خلفت الأزمة خاصة في سوريا أعداد ضخمة من اللاجئين انتقلوا إلى دول الجوار، ما خلق عبء ثقيلاً على كاهل الميزانيات العمومية للدول المستضيفة، حيث يحتاج اللاجئين إلى توفير الخدمات الأساسية من مسكن وغذاء ومياه وبنى تحتية من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنهم يتسببون في ضغط على سوق العمل وعلى معدلات التوظيف للسكان الأصليين، وتبرز هذه الأزمة بشدة في لبنان الذي يستضبف أكثر من مليون لاجىء سوري، وفي الأردن الذي يستضيف 660 ألف لاجىء.

 

المخاطر المتوقعة

يقود الإفراط في اللجوء إلى الدين العام إلى عدد من المخاطر التي تواجه الاقتصاد الكلي، وتضعه في نطاق القلق ثم الخطر، أبرزها ما يلي:

• اتساع أعباء السداد: يخلق الدين العام عبء على الميزانية العامة وهو خدمة الدين سواء من خلال الفوائد التي تدفع باستمرار، أو من خلال عبء سداد أقساط الدين في الأمد الأبعد، ويزداد هذا الخطر مع حدة التغيرات النقدية المؤثرة في قيمة فوائد وأقساط الديون.

نعنى بالتغيرات النقدية كل من سعر الفائدة،  وسعر الصرف، خاصة  سعر الفائدة، فمع ارتفاع سعر الفائدة داخل السوق ترتفع كلفة خدمة الدين العام، أيضاً إذا ارتفع سعر صرف الدولار مقابل العملة المحلية فإنه يقود إلى استنزاف كمية أكبر من الإيرادات بالعملة المحلية لسداد خدمة وأعباء الدين العام.

• تراجع التصنيف الائتماني: تعد نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي واحدة من معايير التصنيف الائتماني الذي تجريه المؤسسات المالية الدولية لاقتصادات الدول، و تتركز أهمية التصنيف الائتماني في أنه يشير إلى قدرة الحكومات على سداد أعباء الدين العام، وبالتالي فهو معيار رئيسي يلجأ إليه كل المقرضين للحكومات سواء كانوا ملاك السندات وأذون الخزانة أو المؤسسات التمويلية المانحة للقروض.

وبالنظر إلى التصنيف الائتماني للدول ذات الدين المرتفع نجد أن أغلبهم يقع في الفئة المتوسطة “B” ، وطبقاً ل S&P فإن مصر مستقرة عند B-، وكذلك كل من العراق ولبنان، بينما انخفض تصنيف الأردن إلى BB-، أما موديز فإن مصر مستقرة عند B3، والأردن عند B1، فيما انخفض تصنيف لبنان إلى B2.

• تأثر الثقة في الاقتصاد: يترتب على ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، انخفاض الثقة في الاقتصاد، ما يؤثر بشكل سلبي ومباشر على بيئة ممارسة الأعمال، وعلى معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر.

معايير الإدارة الفاعلة للدين العام

 لا يمكن لأي دولة الاستغناء عن اللجوء إلى الدين العام، إلا أن الحكومات مطالبة بوضع الدين داخل حدود آمنة، تمكن الحكومة من سداد أعباء الدين بالتوازي مع سداد متطلبات التنمية و تحقيق الرضاء العام للمواطنين و تحقيق مستوى مقبول من كفاءة الخدمات العامة، بالإضافة إلى حفظ حقوق الأجيال القادمة في الإيرادات العامة دون إثقال مفرط لهم بسداد الدين العام.

ثمة معايير للإدارة الفاعلة للدين العام، من شانها أن تساعد الحكومات على وضعه داخل حدود آمنة، أولها سلامة النظام المؤسسي وتعني تحديد دقيق للمؤسسات الحكومية والمصرفية المسؤولة عن إدارة الدين العام، والتنسيق الجيد بينهم، بالإضافة إلى حتمية التزامها بمعايير الشفافية والكفح والإفصاح عن أدوات جمع الدين العام و حجمه و أوجه صرفه وطرق سداده للجهات الرقابية والأهلية والرأي العام.

ثانياً كفاءة أداء المالية العامة، وهي تتصل بقدرة الحكومة على ترشيد الإنفاق العامة وتوجيه جزء مناسب منه  نحو أنشطة إنتاجية تخلق قيم مضافة إلى الاقتصاد الكلي، و كذلك رفع القدرة التحصيلية للحكومة لجمع الإيرادات العامة بما يكفل لها سداد عبء خدمة الدين العام.

ثالثاً، رفع تدفقات النقد الأجنبي، وهو معيار حيوي يحتم على الدول التوسع في جهودها من أجل رفع كفاءة موارد النقد الأجنبي، من خلال تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، وعائدات قطاع الخدمات من السياحة واللوجيستيات والتجارة الخارجية.

ورابعاً مراعاة ملائمة آجال السداد، بمعنى أن يتناسب أجل سداد القرض مع أجل تنفيذ الغرض من القرض، فليس من الرشادة أن يتم إنفاق قرض قصير الأجل في مشروع طويل الأجل ينتظر سنوات لجني إيراداته.

………………………………………………………………………………………………………………………….

المراجع :
  • المرصد الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مجموعة البنك الدولي، “اقتصاديات إعادة الإعمار بعد إنتهاء الصراع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، المذكرات القطرية، إبريل 2017.
  • وزارة المالية المصرية، التقرير المالي الشهري، مايو 2017.
http://www.mof.gov.eg/MOFGallerySource/Arabic/Reportes/2017/5/5-May-Arabic.pdf
  • ريمي محمود ، Daiyfx عربية، ” تأثير الدين العام على الاقتصاد”، 31/7/2016.
https://www.dailyfx.com/arabic/tadawul_forex_news/education/2015/09/28/Impact-of-oublic-debt-on-economy-3475.html
  • صندوق النقد الدولي، “المبادىء التوجيهية لإدارة الدين العام” ، 21 مارس 2001.
https://www.imf.org/external/np/mae/pdebt/2000/ara/pdebta.pdf
  • Daily news Egypt, “Egypt’s public debt is reaching critical level”, 6/4/2017.
https://dailynewsegypt.com/2017/04/06/621081/
  • Uk business insider , “The 23 countries with the highest levels of debt to GDP”, 30/6/2017.
http://uk.businessinsider.com/1