قراءة في كتاب «سطوة الإعلام .. الإنجازات الهائلة للبروباجندا» لـ «نعوم تشومسكي» - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
قراءة في كتاب «سطوة الإعلام .. الإنجازات الهائلة للبروباجندا» لـ «نعوم تشومسكي»

قراءة في كتاب «سطوة الإعلام .. الإنجازات الهائلة للبروباجندا» لـ «نعوم تشومسكي»




“لأجل أن يكون لديك مجتمعاً متماسكاً يجب أن يكون هناك شبح عدو خارجي” مقولة كثيراً ما ركنت إليها الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتلقين المواطنين الأمريكيين شعارات جوفاء تبرِّر سياساتهم الخارجية و الداخلية مستغلةً سطوة “البروباجندا” على الألباب و منفقةً بلايين الدولارات سنوياً بغية بلورة صورة ذهنية معينة Stereotype بما يتسق و توجهاتها؛ فتارة تثير “الذعر الأحمر” و تارة أخرى تصوُّر “صدام حسين” بـ “هتلر الجديد” و بين هذا وذاك تتوارى الحقيقية وراء ملايين الأطنان من الأكاذيب، لتتحول “البروباجندا” في ديمقراطية راسخة كالولايات المتحدة إلى هِراوة لا تختلف كثيراً عمَّا تعمد إليه الأنظمة الشمولية لفرض أيديولوجيتها. كل ما هناك أنك تنساق بإرادتك و حريتك الكاملة، أو هكذا تظن، طواعيةً لما تمليه عليك الميديا و الحملات الدعائية في دول تتشدق بالديمقراطية في كل محفل.

في هذا السياق، يذهب المفكر الأمريكي “نعوم تشومسكي” في كتابه “السيطرة على الإعلام… الإنجازات الهائلة للبروباجندا” مسلطاً الضوء على صناعة العلاقات العامة الأمريكية، و سطوة رجال الأعمال عليها فضلاً عمَّا أفضت إليه تلك الصناعة من تحويل الشعب الأمريكي المسالم إلى شعب تتملَّكه هيستريا الحروب و الدماء ليصبح أسيراً لانتصارات زائفة ساهياً عن تردي الأوضاع في الداخل مذعناً لما تسوقه وسائل الإعلام من أكاذيب، و لكنه في الأخير يبقى سيداً لقراره كونه الوحيد الذي يمتلك الإجابة عن التساؤل التالي “إلى متى ستستمر سطوة البروباجندا؟”.  

أول عملية دعائية حكومية في العصر الحديث.. الوجه الآخر للديمقراطية

يرتئي “تشومسكي” أنه ثمة مفهوميْن للديمقراطية؛ الأول ينصرف إلى امتلاك العامة “الجمهور” في المجتمع الديمقراطي لكافة الوسائل اللازمة لإدارة شئون حياتهم، و هذا يقتضي بالضرورة أن تكون وسائل الإعلام على قدر كبير من الحرية و الانفتاح. أما المفهوم الثاني للديمقراطية، فهو على النقيض تماماً من المفهوم الأول، إذ ينصرف إلى منع العامة من التحكم بفاعلية في الوسائل اللازمة لإدارة شئون حياتهم، و من ثم تُوضع وسائل الإعلام في المجتمعات الديمقراطية تحت السيطرة المشدَّدة. و هنا نكون بصدد الوجه المظلم للديمقراطية.

رغم أن المفهوم الثاني الذي أورده “تشومسكي” للديمقراطية قد يبدو شاذاً أو متطرفاً إلا أنه، و وفقاً لقناعاته، استمر يحكم لفترات زمنية طويلة، و يدعِّم الكاتب رؤيته حول إحكام قبضة الأنظمة الديمقراطية على وسائل الإعلام بأول عملية دعائية في العصر الحديث قامت بها ديمقراطية راسخة ألا و هي الولايات المتحدة في عشرينيات الألفية المنصرمة، وقد أفضى نجاح النظام الأمريكي فيما اضطلع به من حملة إعلامية ممنهجة استندت بالأساس على التضليل المعلوماتي و قلب الحقائق إلى تحويل المواطنين الأمريكيين المسالمين إلى مواطنين تحكمهم هيستريا الحرب و التعطش للدماء.

وفي هذا الإطار، استعرض “تشومسكي” تفاصيل أول إنجاز هائل حققته البروباجندا الأمريكية الحكومية في عهد الرئيس الأمريكي الراحل “وودرود ويلسون” الذي استشعر بضرورة خوض الولايات المتحدة غمار الحرب العالمية الأولى في الوقت الذي لم يكن المواطنون الأمريكيون يرون وجود مبرراً قوياً للتدخل الأمريكي في حرب ليس للولايات المتحدة فيها ناقة و لا جمل، و دفع ذلك التضارب في المصالح بين الإدارة الأمريكية و الرأي العام “ويلسون” إلى تشكيل لجنة للدعاية الحكومية عُرفت باسم لجنة “كريل”، التي استقت العديد من القصص المفبركة من قِبل وزارة الدعاية البريطانية فيما يتصل بالمذابح التي ارتكبها الألمان، و بتزييف الحقائق و تلفيق الاتهامات لألمانيا، نجحت لجنة “كريل” في كسب تأييد الرأي العام إزاء التدخُّل الأمريكي في الحرب بغية تدمير كل ما هو ألماني بدعوى “إنقاذ البشرية”.

 وهي الرسائل ذاتها التي دأبت اللجنة على إرسالها للجمهور المتلقِّي طيلة 6 أشهر فقط تمكًّنت خلالها من إحداث أكبر تحوُّل جذري في كينونة الشعب الأمريكي ليصبح شعباً متعطَشاً للحروب و الدماء.

جدير بالذكر أن ذات التكتيك الدعائي قد جرى توظيفه لإثارة الرعب ضد الأيديولوجية الشيوعية ما أتاح تدمير الاتحادات العمالية، و فرض مزيد من القيود على حرية الفكر و الإعلام بتأييد الرأي العام. و عمد القائمون على إدارة مثل تلك الحملات الدعائية الحكومية إلى الطبقات المتعلمة، أو الأفراد الأكثر ذكاءً، لتوجيه الرأي العام إزاء قضية معينة بما يتسق و أهواء النظام الحاكم، و تعلَّم “هتلر” وغيره من الزعماء الراديكاليين، الذين وظفوا الآلة الإعلامية لخدمة سياساتهم و تعبئة الرأي العام لصالحها، الدرس جيداً ومفاده أن الدعاية التي تتم تحت إشراف الدولة و يدعمها المثقفون بإمكانها أن تُحْدث الكثير.

ترويض القطيع الضال و صناعة «الإجماع»

تناول “تشومسكي” واحدة من أشهر النظريات التي أسَّس بنيانها “والتر لييبمان”، وهو عميد الصحفيين الأمريكيين، وواحد من أهم محللي السياسة الخارجية، و منظِّري الليبرالية، وهي نظرية “الثورة في فن الديمقراطية”. و يجادل “لييبمان” في هذه النظرية إشكالية رئيسية تكمن في كيفية توظيف الوسائل الدعائية لصناعة “الإجماع العام” أي جعل الرأي العام يؤيد قضايا ما كان ليؤيدها لو لم تُسْتخدم تلك الوسائل الدعائية. وفي هذا الاتجاه، يذهب “لييبمان” إلى تقسيم المجتمع “الديمقراطي السليم” لطبقتين؛ الأولى هي عامة الشعب، أو القطيع الضال على حد تعبير “ليببمان”، أما الثانية، فهي نخبة صغيرة تشكِّل نسبة ضئيلة من المواطنين، و يُعْهد إلى تلك النخبة إدارة الشئون الاقتصادية و السياسية و الأيديولوجية كونها متخصصة في إدارة هكذا شئون لا يرقى العامة، لما يتَّسمون به من قصور في الرؤية و الفهم، لتسييرها. ومن ثم يُناط بتلك النخبة صناعة القرارات و رسم السياسات و صياغة الخطط بما يحقِّق الصالح العام.

و وفقاً لنظرية “الثورة في فن الديمقراطية”، حدَّد “لييبمان” وظيفتيْن أساسيتيْن يضطلع بهما “القطيع الضال”؛ الأولى تنصرف إلى المشاهدة و ليست “المشاركة” في الحياة الديمقراطية أي متابعة النخبة و هي تتولى زمام الأمور. أما الثانية، فهي نابعة من كون النظام ديمقراطياً في التحليل النهائي؛ و لذا لابد من السماح للقطيع بين الفنية والأخرى أن يختار أحد أفراد النخبة ليكون قائداً من خلال “الانتخابات”، و في أعقاب عملية الاختيار تلك، يعود القطيع فوراً إلى مقاعد المشاهدة.

نظرية “لييبمان” تستند إلى أساس أخلاقي مفاده أنك لو تُركت إدارة شئون الدولة بيد العامة، فإن ذلك سيفضي إلى مشكلات يترتب عليها عواقب وخيمة كون العامة على درجة من الغباء و الانسياق وراء العاطفة لا يمكنهم معها معرفة ما يقتضيه الصالح العام؛ ولذا ينبغي ترويض ذلك القطيع الضال من خلال إسناد إدارة الدولة إلى نخبة صغيرة متخصصة تعي جيداً مفهوم المصلحة العامة و أساليب تحقيقها، على أن توجِّه تلك الزمرة الرأي العام لاتخاذ مواقف بعينها بشان قضايا محددة أو ما يُعرف بـ “صناعة الإجماع” بما يكْفل احتفاظ العامة بدورهم كمشاهدين فقط، فلا أخلاق، من وجهة نظر “لييبمان” إذا تُركت إدارة الدولة لقطيع ضال؛ و لذا يجب دائماً الحرص على تشتيته و صرف انتباهه عن القضايا الإشكالية أو الجدلية كي يظل خارج دائرة المشكلات.

الولايات المتحدة رائدة صناعة العلاقات العامة

توسَّعت صناعة العلاقات العامة بالولايات المتحدة إثر النجاحات التي حقَّقتها تلك الصناعة على مدار تاريخها، ولعل أبرز الشواهد على تلك النجاحات لجنة “كريل” التي نجحت في صناعة “عقل جمعي” يحث القيادة الأمريكية على الولوج للحرب العالمية الأولى بجانب الحلفاء، و كذا نجاح صناعة ما يُسمى بـ “الذعر الأحمر” أي التخويف من الشيوعية. ما مكن من إخضاع الرأي العام، وفقاً لما يرتئيه “تشومسكي” لسطوة رجال الأعمال الذين يكرِّسون ما يناهز البليون دولار سنوياً لتلك الصناعة الضخمة، بيْد أنه بين الحين والآخر قد ينظِّم أفراد من العامة صفوفهم في محاولة للتحرر من الدور المفروض عليهم كـ “مشاهدين” تمهيداً للدخول في معترك الحياة السياسية و المشاركة، جنباً إلى جنب مع النخبة المتخصصة، في صناعة القرارات و تسيير شئون الدولة، وهنا يدب الذعر في نفوس رجال الأعمال القائمين على صناعة العلاقات العامة الذين يلجأون في هذه الحال إلى اتباع تكتيك من نوع آخر لحشد الرأي العام ضد كل من يتجرَّأ على الانتقال من مقاعد “المشاهدة” إلى “المشاركة” بتقديم أولئك “المتمردين” على أنهم يشكِّلون “تهديداً” للصالح العام و الهوية القومية الأمريكية.

المثير للاندهاش أنه، و رغم ما يتمتَّع به الشعب الأمريكي من درجة عالية من الوعي السياسي، إلا أنه قد وقع مراراً في ذلك الفخ الذي ينصبه رجال الأعمال ما يفضي في النهاية إلى تأليب الرأي العام ضد من يتمرَّد على دوره في مقاعد “المشاهدة”، و يدلِّل “تشومسكي” على فكرته بوقائع عدة أبرزها إضراب عمال الحديد الذي شهدته ثلاثينيات الألفية البائدة، و بالتحديد عام 1937، إذ عمل رجال الأعمال على تقديم المضربين على أنهم مخرِّبون يعملون ضد الجمهور و المصلحة العامة و يهدِّدون التناغم و الانسجام بين أفراد المجتمع ما يخالف الهوية الأمريكية، من يستطيع أن يقف أمام “الهوية الأمريكية”؟!! و من هنا أضحى ذلك التكتيك وسيلة فعَّالة في القضاء على أي إضراب عمالي طالما أن مجتمع الأعمال الأمريكي، بما يزخر به من موارد مالية ضخمة، يسيطر على صناعة الإعلام  و العلاقات العامة بالولايات المتحدة. و قد اتُّبِع التكتيك ذاته إبَّان أزمة الخليج الثانية في مطلع تسعينيات القرن الماضي؛ إذ رُفع شعار “أيِّدوا قواتنا”، ليتساءل “تشومسكي” ثانيةً عمن يستطيع أن يقف في وجه تأييد القوات الأمريكية!!     

لم يتوقف الأمر عند توظيف الحملات الدعائية و تجنيد الوسائل الإعلامية لكسب تأييد الرأي العام الأمريكي إزاء المغامرات الخارجية فحسب، بل امتدَّ تأثير تلك الحملات الدعائية في الداخل، ويضرب لنا “تشومسكي” مثالاً بيِّناً على ذلك مفاده أنه في عهد الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ريجان”، لم تحظ برامجه المتعلقة بخفض النفقات الاجتماعية و زيادة التسلُّح بأية شعبية في الداخل الأمريكي؛ و من ثم كان من الضروري اتباع تكتيك آخر لإبقاء ذلك “القطيع الضال” غير منظم و إبعاده عن كل ما من شأنه أن يدفعه لإعادة ترتيب صفوفه، وهو تكتيك يقوم على “الخوف من العزلة” بمعنى الاعتقاد بأنك الشخص الوحيد الذي تعتنق فكرة معينة، و من ثم لا تتوقع أن يشاركك أحد من المحيطين بك تلك الفكرة “الغريبة”، على حد اعتقادك، و بالتالي لا يمكنك بأية حال بلورتها أو تطويرها. لا يتوقف خوف الفرد عند مجرد أنه لن يجد من يشاركه أفكاره بل يتخطَّاه إلى هاجس من نوع آخر ألا وهو الخوف من أن يستهجن الآخرون أفكاره فيصير مستهجَناً معزولاً عن الآخرين. و كان ذلك الخوف يتجلى بشكل واضح في استطلاعات الرأي التي دُشِّنت في عهد “ريجان”؛ فالأفراد الذين يعارضون زيادة الإنفاق على التسلح، و يقترحون زيادة الإنفاق على الخدمات الاجتماعية يعتقدون أنهم الوحيدون الذين يحملون تلك الرؤية “الشاذة” و”الغريبة”، على حد زعمهم، ومن ثم لا يوجد من يشاركهم هذه الأفكار فيتحولون إلى اهتمامات أخرى مثل مشاهدة مباريات كرة القدم مثلاً، المهم أن تُبْقي القطيع “ضالاً” و”حائراً” لأنه إذا بلور أفكاره ونظَّم صفوفه، ستواجه مشكلة كبرى.

تزوير التاريخ و تزييف الحقائق   

بالتوازي مع تدشين الحملات الدعائية الضخمة لتوجيه الرأي العام الأمريكي صوب وجهة معينة تتسق و توجهات النخبة الحاكمة، يجري تزييف الحقائق و تزوير التاريخ بغية تبرير قرارات و سلوكيات النخبة الحاكمة سواء في الداخل أو على المستوى الخارجي، ليس هذا فحسب، بل يعمد القائمون على مثل تلك الحملات الدعائية إلى تمرير رسائل النخبة إلى وسائل الإعلام و المؤسسات التعليمية  والأكاديمية. وهذا ما حدث، وفقاً لـ “تشومسكي”، إبَّان التدخل الأمريكي العسكري  في فيتنام في أواخر الستينيات ضد الشمال الفيتنامي؛ إذ تمَّ الترويج لذلك التدخل على أنه لردع عدوان الفيتناميين الشماليين ضد الجنوبيين، ومن ثم يحق للولايات المتحدة الدفاع عن الجنوب بما أنه لا يوجد من يدافع عنهم، تاريخ كامل من الفظائع و الانتهاكات الأمريكية في حرب فيتنام تمَّ تزويره، بيْد أنه و بالرغم من تلك المحاولات المستميتة لتشويه الحقائق و تزويرها، أن الكثيرين من الجنود و الشباب الذين انخرطوا في حركات السلام في أعقاب حرب فيتنام بدأوا يدركون الحقيقة كاملةً و كيف يمكن التلاعب بالرأي العام، بدعوى الدفاع عن الديمقراطية و حقوق الإنسان، للتدخُّل عسكرياً في دولة أخرى. كما نمت ما يُسمي بثقافة “الانشقاق” منذ الستينيات و في أعقاب الحرب الفيتنامية؛ ظهرت حركات احتجاجية قوامها من الشباب و الطلاب ناهضت التدخل الأمريكي في الحرب. لكن تلك الحركات الاحتجاجية زادت بصورة غير مسبوقة في الولايات المتحدة منذ السبعينيات؛ إذ طفت على السطح الكثير من الحركات النسوية و البيئية وكذا الحركات المناهضة للأسلحة النووية، كما شهدت فترة الثمانينيات بزوغاً جلياً لحركات “التضامن”، وهي حركات لم تعارض فقط السياسات الأمريكية، بل انخرطت أيضاً في حياة أولئك الذين يعانون في أي بقعة من بقاع العالم خاصة القارة الأفريقية.

كيف تصنع عدواً؟

يجادل “تشومسكي” تكتيكاً غاية في الأهمية و هو “صناعة العدو”، وهو تكتيك تلجأ إليه الإدارات الأمريكية لإخفاء عجزها في إدارة ملفات الصحة و التعليم و الرعاية الاجتماعية، و هي ملفات تمس جودة حياة المواطن الأمريكي بصورة مباشرة، وقد حفَّز ذلك الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى اللجوء لتكتيك “صناعة العدو”، فلم يعد يكفي إلهاء القطيع الضال و صرف انتباهه عن القضايا و المشكلات الرئيسة التي يعانيها بمشاهدة التلفاز أو متابعة مباريات كرة القدم؛ ولذا كان لابد من إثارة فزع القطيع بوجود “عدو” يتربص بالولايات المتحدة يجب إعداد العدة لمواجهته، و لأن “الروس” فقدوا بريقهم و جاذبيتهم كأعداء منذ انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات الألفية المنقضية، كان لابد من صناعة عدو آخر تحاربه الولايات المتحدة التي وجدت ضآلتها في “الحرب على الإرهاب” و كبح جماح “العرب المجانين” أمثال “صدام حسين”، ومن هنا يمكن تفسير الغزو الأمريكي للعراق، الذي على إثره، أُطيح بنظام “صدام حسين”.

وفي هذا السياق، دُشنت حملات دعائية ضخمة لتلقين الرأي العام الأمريكي الرسائل التي بعثت بها الإدارة الأمريكية، و كان فحواها أن صدام حسين هو “هتلر الجديد” القادم لتدمير العالم؛ لذا لابد من تحرك أمريكي لإيقافه و إنقاذ البشرية، رغم أن إمعان النظر في الحقائق يُظْهر عكس ذلك جملةً و تفصيلاً؛ فالعراق دولة صغيرة لا تمتلك أية قاعدة صناعية، و حينما أقدمت على شن حرب ضد إيران، لم تستطع سحقها رغم أن العراق كانت حصلت على تأييد القوى الكبرى كالولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي آنذاك و الدول الأوروبية و الدول العربية خاصة الدول المنتجة للبترول ناهيك عن خسارة إيران لمعظم قواتها المسلحة في أعقاب الثورة الإسلامية، فكيف أضحت العراق فجأة خطراً على العالم لابد من دحره؟!! و ماذا عن الأسلحة الكيماوية التي أذاعت الولايات المتحدة أن “صدام” يمتلكها؟!! لقد طُمست الحقيقة وراء ملايين الأطنان من الأكاذيب.

و ختاما، بقي على المواطن الأمريكي الاختيار، هل سيظل خاضعاً لسطوة الإعلام و الحملات الدعائية مذعوراً بأعداء وهميين من صنيعة إدارته مردِّداً لشعارات وطنية و معجباً بالقادة الذين أنقذوا حياته و البشرية جمعاء من خطر كاد يفْتك بها؟!! لقد بات الأمر يتجاوز سطوة البروباجندا على المواطن الأمريكي؛ فاستمرار تهميش “القطيع” و تلقينه شعارات وهمية ليست من الحقيقية في شئ أضحى يُنْذر بتحويل الولايات المتحدة إلى دولة مرتزقة بانتظار تلقِّي تمويل خارجي لحمل السلاح و تسيير البوارج و تدمير العالم.