ميدان ليبيا .. ما بعد الجفرة وبنغازي - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
ميدان ليبيا .. ما بعد الجفرة وبنغازي

ميدان ليبيا .. ما بعد الجفرة وبنغازي




دخل ميدان ليبيا منذ بداية هذا العام في سلسلة من التطورات الميدانية التي تؤشر بقوة إلى أن معركة الغرب الليبي باتت أقرب مما تبدو عليه، و أن طرابلس ومصراتهدخلتا فعلياً في مرحلة دقيقة ستتحدد على ضوئها وجودها السياسي والعسكري في مستقبل ليبيا .

فما الخيارات المتاحة لدى الطرفين، وما السيناريوهات الميدانية المتوقعة؟

بعد انتهاء الهجوم المباغت المحدود الذي شنته وحدات تابعة لسراي الدفاع عن بنغازي على الهلال النفطي في شهر مارس الماضي، بدأت قوات الجيش الوطني الليبي في استعدادات عسكرية مستمرة في عدة مناطق تشمل حدود محافظة الجفرة وقاعدة تمنهنت و المناطق الشرقية لسرت و المناطق الغربية لدرنة بجانب مدينة بنغازي، لكن بوغتت قوات الجيش بهجوم أخر في شهر مايو الماضي استهدف هذه المرة قاعدة براك الشاطئ الجوية الواقعة في المنطقة الجنوبية،التي كانت وحدات من اللواء 12 في الجيش الليبي مسيطرة عليها منذ ديسمبر 2016، نفذ هذا الهجوم قوة مشتركة من سرايا الدفاع عن بنغازي وميليشيا القوة الثالثة انطلاقاً من مدينة الجفرة، كانت خطة الهجوم تعتمد على تنفيذ هجوم تضليلي على منطقة رملة ولاف ومن ثم توجيه القوة الرئيسية إلى القاعدة.

 تمكنت القوة المهاجمة لفترة وجيزة من بسط السيطرة على كامل القاعدة لكن أجبرت على الخروج منها بعد هجوم لقوات الجيش الوطني.

قبل هذا الهجوم بنحو شهرين، أطلقت قوات الجيش الوطني عملية “الرمال المتحركة” لتحرير المنطقة الجنوبية بالكامل،واستهدفت فيها بشكل رئيسي مدينتي تمنهنت وسبها بالمدفعية الثقيلة التابعة للكتيبتين 321 و181 وبالقصف الجوي من قاعدة براك الشاطئ، تمكنت قوات الجيش من السيطرة على قاعدة تمنهنت أواخر شهر مارس بعد ضغوط قبائلية على وحدات القوة الثالثة المتواجدة فيها، لتصبح القاعدتين الجويتين الموجودتين شمال مدينة سبها تحت سيطرة الجيش الوطني.

استأنفت قوات الجيش هذه العملية عقب الهجوم على قاعدة براك الشاطئ، وأطلقت تحركاً هجومياً انطلاقاً من مدينة زلة تمكنت فيه بدعم جوي مصري من تأمين مدن محافظة الجفرة الثلاث الرئيسية “ودان – الهون –سوكنه”، بالإضافة إلى قاعدة الجفرة الجوية لتنهي بذلك أي أثر لعملية “العودة إلى بنغازي” التي أطلقتها سرايا الدفاع عن بنغازي في يونيو 2016 من داخل القاعدة وتسيطر على عقدة استراتيجية تجعلها قادرة على إطلاق هجمات رئيسية على اتجاهات عديدة في ما يتبقى لها من أهداف. تمكنت قوات الجيش عقب انتهاء العمليات من صد هجوم انتحاري على مواقعها في مدينة سوكنة، وتصدت لهجوم مماثل أستهدف بوابة السدرة.

في المنطقة الشرقية من ليبيا ، أنهت قوات الجيش الوطني أوائل الشهر الحالي في بنغازي بشكل شبه كامل عملياتها في محوري سوق الحوت والصابري آخر معاقل ميليشيا مجلس شورى ثوار بنغازي، وأعادت تشغيل مطار بنينا لتغلق بذلك صفحة طويلة من المعارك بدأت منتصف عام 2014، ولم يبقفي بنغازي سوى عمليات التطهير من العبوات المتفجرة، وبدأت بعض الوحدات التي شاركت في عمليات بنغازي في الانتقال إلى مناطق الهلال النفطي مثل الكتيبة 309 التي وصلت إلى بن جواد، في درنة، وهي المدينة الوحيدة المتبقية خارج سيطرة الجيش الليبي في المنطقة الشرقية، فعلت قوات الجيش الليبي عملياتها في الأطراف الغربية للمدينة مستفيدة من الضربات الجوية التي نفذتها المقاتلات المصرية خلال شهر مايو الماضي، وتنفذ مفارز صغيرة عمليات خاصة بشكل شبه يومي داخل المدينة التي تسيطر عليها ميليشيا مجلس شورى ثوار درنة، كما أطلق سلاح الجو الليبي ضربات مركزة استهدفت منطقتي الرحبة والفتائح.

في ما يتعلق بنشاط تنظيم داعش في ليبيا ، فعلى الرغم من إنهاء قوات “البنيان المرصوص” الموالية لحكومة طرابلس لعملياتها في مدينة سرت أواخر العام الماضي، إلا أن نشاط التنظيم عاد بشكل ملحوظ للتصاعد التدريجي في مناطق جنوب وغرب المدينة، وتكررت حوادث انفجار العبوات الناسفة في وادي اللود وبوابة بوقرين وطريق زمزم، وتشهد كل من مدينتي بني وليد و صبراتة نشاطات مشابهه، ما حدا بقوات البنيان المرصوص للاستنفار العسكري في نطاق جنوب مصراتة وجنوب وغرب سرت.

 تشهد العاصمة طرابلس منذ أسابيع حالة من عدم الاستقرار الأمني وسط اشتباكات متكررة بين الميليشيات المسلحة في مناطق الهضبة ومحيط مطار معيتيقة وقرب مبنى وزارة الخارجية شاركت فيها ميليشيات النواصي ووحدات من الأمن المركزي بوسليم، كما تسبب انفجار سيارة مفخخة في مقتل عميد بلدية بنغازي.

تشهد مدينة صبراتة أيضا أوضاعاً مماثلة في ظل هجمات متكررة على عناصر الأمن العام كان أخرها هجوم على سيارة أدى إلى أصابه شخصين، شهدت كذلك مدينة بنغازي قبل انتهاء العمليات بها هجوماً انتحارياً في منطقة سلوق أسفر عن وفاة الشيخ أبريك العقوري شيخ قبيلة العواقير أكبر قبائل الشرق الليبي.

أحبط الجيش الليبي خلال هذه الفترة محاولتين لتهريب ألغام مضادة للدبابات إلى الجانب المصري من الحدود.

تصاعدت عمليات الدعم التسليحي المصري والإماراتي والروسي إلى الجيش الوطني في ليبيا خلال الفترة الماضية، ففي العرض العسكري الخاص بذكري عملية الكرامة الذي جرى في منطقة توكرة شرق بنغازي، ظهرت عربات الجيب العسكرية المصنعة في مصر “رانجلر” بجانب عربات القتال المقاومة للألغام من أنواع “كايمان وتايفون ونمر”، شكلت عربات كايمان إضافة مهمة ساعدت وحدات الجيش الليبي في بنغازي على تحجيم الخسائر الناتجة من العبوات الناسفة.

تسلم الجيش الليبي أيضا من روسيا شحنات من قطع المدفعية والذخائر.

على المستوى الاستراتيجي، حسمت قوات الجيش الوطني الليبي معركة “المطارات” بشكل شبه كامل، فبعد السيطرة على قاعدة الجفرة وتمنهنت الجويتين، وقاعدة الخويمات الجوية جنوب شرقي ليبيا، أصبحت قوات الجيش تسيطر على 12 قاعدة جوية، ولم يعد متبقي تحت سيطرة قوات حكومة الوفاق سوى 3 قواعد جوية فقط في سرت ومصراته و طرابلس، و شكلت السيطرة على مدن محافظة الجفرة أهمية بالغة للعمليات المستقبلية، هذه العمليات يتوقع أن تنطلق على عدة محاور، المحور الأول بطول 250كم انطلاقاً من مدينة ودان باتجاه جنوب سرت بالتزامن مع تحرك أخر من مدينة بن جواد باتجاه شرق سرت، وقد تحركت بالفعل وحدات استطلاعية من بن جواد إلى مناطق أبو هادي و الحنوية والزير القريبة من سرت، والاتجاه الثاني بطول 350كم انطلاقا من مدينة سوكنه جنوباً باتجاه مدينة سبها، وهو اتجاه بدأت العمليات فيه فعلياً في منطقة حي المهدية، والاتجاه الثالث بطول 380كم انطلاقا من قاعدة الجفرةباتجاهمنطقة الشويرف جنوب غرب مصراته تمهيداً لإطلاق عملية نهائية للسيطرة على مدينتي مصراته و طرابلس، وهو اتجاه أعلن المتحدث باسم جيش ليبيا عن قرب البدء في تفعيله قريباً.