هل انتهى دور منظمات المجتمع المدني المعارضة في مصر؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

هل انتهى دور منظمات المجتمع المدني المعارضة في مصر؟




أثار صدور قانون الجمعيات الأهلية في مايو الماضي عاصفة من الجدل حول نظرة السلطات المصرية لنشاط المجتمع المدني ، وإذا كان يتوافر لديها قناعة بضرورة تحفيز النشاط الأهلي أم تراه أحد عوامل تقويض عملها، وجاء توقيت صدور القانون في ظل تعليق بعض الأمل على جنوح النظام نحو تشجيع العمل الأهلي بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، وتنفيذ سياسات خفض الإنفاق الحكومي.

وعلى العكس، عمّق القانون الجديد من قيود عمل الجمعيات الأهلية، بدءا من إجراءات التأسيس مرورا بضبط مسألة تمويل المنظمات، و إضعاف قدرتها على التشبيك مع القطاعات المهنية والعمالية، بينما عزز القانون من صلاحيات الأجهزة الأمنية في ضبط عمل المنظمات، وتعرض القانون للكثير من الانتقادات المحلية و الدولية من بينها الأمم المتحدة، ووصفته منظمة العفو الدولية على سبيل المثال بأنه” الأكثر قمعا دوليا منذ عام 2011″.

وجاء القانون تتويجاُ لبعض الإجراءات الحكومية السابقة التي حاصرت النشاط الأهلي في مصر بعد 30 يونيو، خاصة نشاط المنظمات ذات التوجه المعارض لسياسات السلطة، وأبرز هذه الإجراءات هو تطبيق حظر السفر على العديد من نشطاء المجتمع الأهلي منهم على سبيل المثال لا الحصر: عايدة سيف الدولة عضو مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، و جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان، و حسام بهجت مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، و حسام على مدير المعهد المصري الديمقراطي، وتنبع أهمية فرض حظر السفر من تمتع نشطاء المجتمع الأهلي في مصر بعلاقات دولية قوية، وصلت إلى حد لقاء بهي الدين حسن بأمين عام الأمم المتحدة 3 مرات في الفترة من 2014 إلى 2016، ويعتبر بهي الدين حسن من أبرز قيادات المجتمع الأهلي في مصر، وهو يعيش خارج البلاد منذ عام 2013، كما تدخل أمين عام الأمم المتحدة وطالب بالإفراج عن الناشط حسام بهجت إبان حادثة القبض عليه، في دلالة واضحة على قوة العلاقات الدولية لنشطاء المجتمع الأهلي المصري.

ولم تقف الإجراءات الحكومية عند حد منع السفر، ووصلت إلى التعقب وإغلاق المقار، وخلال الأشهر القليلة الماضية ألقت قوات الأمن القبض على الناشطة مُزن حسن، كما داهمت مركز النديم لإعادة تأهيل ضحايا العنف والتعذيب وقامت بتشميعه، وكذلك تم فرض التحفظ على أموال العديد من المنظمات الأهلية من بينهم مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، و المركز المصري للحق في التعليم، و مركز هشام مبارك للقانون ومركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف، و مؤسسة نظرة للدراسات النسوية….)، علاوة على تحريك القضية المعروفة إعلاميا بقضية ” التمويل الأجنبي” التي يحاكم عبرها عددا من مسئولي تلك المنظمات، وصدرت ضدهم أحكام بالسجن من سنة إلى 5 سنوات.

ويجدر الإشارة إلى أن إجراءات السلطة لم تنحصر فقط على نشاط الجمعيات ذات الطابع الحقوقي، بل حرصت أيضا على تضييق مساحة العمل المتاحة للمنظمات ذات الطابع الثقافي والفني، بدءا من تعطيل عمل مهرجان الفن ميدان، والأخير من أبرز مناسبات حدوث تجمعات من الشباب المعارض، علاوة على مداهمة بعض المراكز الثقافية التي تتمتع بحضور شبابي مثل دار ميريت للنشر ومسرح روابط للفنون وغيرها.

ويبدو أن السلطات في مصر تنظر إلى تلك المنظمات بعين الريبة، نتيجة لإصدارها عدة تقارير وبيانات تتهم الأجهزة الأمنية بانتهاك حقوق الانسان، ما عرض النظام الحاكم للعديد من الانتقادات والضغوط الدولية، من بينها انتقادات صدرت من دول الاتحاد الأوروبي، وتخشى السلطة أيضا من احتمالية تكرار الدور الذي لعبته هذه المنظمات في الإطاحة بمبارك،خاصة عبر عملها على إثارة الغضب الشعبي والدولي تجاه الانتهاكات الحقوقية.

ويمكن القول أيضا أن منظمات العمل الأهلي المعارضة في مصر لعبت دورا بديلا لدور الأحزاب السياسية في ظل ضعف الأخيرة، خاصة فيما يتعلق بإعداد الكوادر السياسية المعارضة أو توسيع قاعدة معارضي النظام بصفة عامة، ما يمكن الدلالة عليه بمثال الحقوقي خالد علي، الذي مثل للمحاكمة مؤخرا بعد اتهامه بالقيام بإشارات منافية للآداب العامة، وجاء هذا بالتزامن مع تكاثر التكهنات حول ترشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

واللافت أيضا هو وجود ثمة تمييز حكومي في التعامل مع نشاط المجتمع الأهلي، ولا تتعامل الحكومة بنفس مستوى الحدة مع المنظمات الأهلية المؤيدة لتوجهات السلطة، خاصة منظمات ما يعرف بـ ” تحالف المنظمات من أجل الاستعراض الدوري الشامل”، وبُنى التحالف على أساس الدفاع عن سياسات الحكومة في المجالات الحقوقية أمام المحافل الدولية المختلفة.

ويبدو هنا أن المنظمات الأهلية المعارضة تمر بمأزق حرج، خاصة مع استفادة السلطات المصرية من تراجع ترتيب القضايا الحقوقية على الأجندة الدولية، لصالح قضايا أخرى أبرزها الإرهاب.

وفي ظل تضييق مساحة عمل المنظمات، لجأت الأخيرة إلى اتباع عدد من المسارات البديلة لتتمكن من مزاولة أنشطتها، أولى هذه المسارات هو اللجوء للعمل من الخارج، ما قام به مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بنقل مقر أعماله إلىدولة تونس.

أما المسار الثاني الذي تتجه إليه هذه المنظمات هو اتباع أليات الحملات الدفاعية والدعائية، ويتم تنظيم هذه الحملات عبر قنوات تنسيقية تجمع أغلب المنظمات المعارضة للنظام الحالي، ومنها حملة تردي الأوضاع في سجن العقرب، وحملة الدفاع عن مصرية جزيرتي تيران وصنافير، والأخيرة برهنت على قدرة المنظمات على القيام بحملات ميدانية ودعائية وقانونية وتمويلية أيضا، حيث نجحت في دفع بعض الكفالات اللازمة للإفراج عن بعض المضبوطين، ويبدو أن هذا المسار سيصبح أكثر سيولة وحضورا مع مرور الوقت، ونستدل على هذا من انطلاق بعض حملات الضغط مجهولة المصدر.

وخلاصة القول إن دور المجتمع المدني لن يتم انهاؤه بشكل كامل، وإن كان تأثر سلبيا إلى حد كبير بالسياسات الحالية، ومن المرجح أن تتجه المنظمات الأهلية المعارضة إلى اتباع مسارات جديدة للعمل الأهلي في مصر، تقلل من نسبة الاحتكاك المباشر مع السلطات، وتتخذ من نمط الحملات المؤقتة مساراً جديداً.