هل «رغيف الخبز» الورقة الأخيرة فى شروط صندوق النقد؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

هل «رغيف الخبز» الورقة الأخيرة فى شروط صندوق النقد؟




يُمثل رغيف الخبز الحصن الأخير و الدعم الحقيقي لمحدودي الدخل، و لم يمر سوى  4 أشهر على “انتفاضة التموين” في مارس الماضي، لتعود وزارة التموين مرة أخرى بمقترح جديد لتعديل نظام دعم الخبز و تخفيض حصة الدعم اليومية من أرغفة الخبز بنسبة 20%.

هذا، و تسبب قرار وزير التموين في تخفيض حصة  الكارت الذهبي، المخصص للمخابز إلى 500 رغيف كحد أقصي يومياً بدلاً من 1500 الذي يمكن من صرف الخبز لغير حاملي بطاقات التموين الإلكترونية، مارس الماضي. تسبب في خروج عدد كبير من المواطنين المتضررين من هذا القرار لإغلاق الطرق حول المخابز التابعة للدولة احتجاجاً على هذا القرار، ما دفع إلى تراجع وزارة التموين على لسان وزيرها عن هذا القرار.

و تعد هذة هى ثاني انتفاضة شعبية تشهدها مصر انعكاساً لرفع الدعم عن الخبز، فقد شهدتها سابقاً فى 18 و19 يناير 1977 و سُميت ” بانتفاضة الخبز” عقب قرار الحكومة وقتها بتخفيض الدعم على عدد من السلع الأساسية و تراجعت الحكومة أيضاً  عن قرارها على الفور بعد الاحتجاجات التى شهدتها البلاد.

***

و عادت مرة أخري وزارة التموين تقترح تعديلات علي نظام الدعم بخفض حصة الدعم اليومية من أرغفة الخبز بنسبة 20% حيث تُصرف الدولة حالياً 5 أرغفة يومياً للفرد الواحد منذ بدء العمل بمنظومة توزيع الخبز بالبطاقات الذكية فى أبريل 2014 على أن يكون نصيب كل فرد من الخبز المدعم 4 أرغفة بإجمالي 120 رغيفاً فى الشهر، تبلغ قيمتها بنظام النقاط الجديد 24 جنيهاً، بيد أن وزارة التموين نفت هذا الاقتراح سابقاً فى مارس الماضي و قالت لامساس بحصة المواطن المصري و لا سعر رغيف الخبز المُدعم.

و تتضمن التعديلات فى منظومة الخبز مقترحاً  أيضاً بزيادة ما يسمى بنقاط الخبز إلي 20 قرشاً بدلاً من 10 قروش، حيث يحصل الفرد حالياً على 10 قروش مقابل كل رغيف خبز لا يشتريه من حصته نهاية كل شهر و يستطيع استخدام حصيلة ذلك فى شراء سلع تموينية أخرى عن رصيده الإجمالي، و هذا المقترح يهدف إلي الحد من استهلاك الخبز لتوفير العملة التى تستخدمها الدولة فى استيراد القمح الذي يُخلط مع القمح المحلي لإنتاج الخبز المُدعم، و قبل رفع الدعم عن الوقود فى الأوانة الاخيرة قامت الدولة برفع الدعم النقدي للفرد على بطاقات التموين من 21 جنيهاً إلى 50 جنيهاً، تعقبها ذلك زيادة فى سعر السكر من 8 جنيه إلى 10 جنيهات و زيادة الزيت من 12 جنيهاً إلى 14 جنيهاً.

فهل تكون هذة الخطوة الأولى لرفع الدعم عن الخبز و المساس بحصة المواطن تنفيذاً لشروط صندوق النقد الدولي التى تهدف إلى رفع دعم الخبز مثل ما حدث فى رفع دعم الوقود تدريجياً بهدف خفض العجز فى الموازنة دون النظر إلى الطبقة الفقيرة؟

***

على الرغم من سعى الدولة إلى خفض دعم السلع التموينية لمعالجة العجز فى الموزانة إلا أننا نجد وفقا للموازنة الجديدة للعام المالي2017/2018 أن الدعم يُقدر بنحو 63 مليار جنيه مقابل 41 مليار جنيه بموازنة السنة المالية الماضية 2016/2017 أى بزيادة قدرها22 مليار جنيه بنسبة زيادة بلغت نحو 54%.

و بلغ حجم دعم الدولة للخبز فى الموزانة الجديدة 45 مليار جنيه فى حين بلغ فى الموزانة السابقة 29 مليار جنيه، فهناك تناقض في القرارات الحكومية في السعي إلى خفض الدعم من خلال تقليص حصة الفرد من رغيف الخبز و زيادة قيمة الدعم على الخبز فى الموزانة في نفس الوقت.

***

على الرغم من زيادة حجم الدعم الموجه إلى السلع التموينية خاصة إلى الخبز في الموازنة الجديدة إلا أن الحكومة خفضت عدد المستفيدين من دعم رغيف الخبز و دقيق المستودعات فبلغ  عددهم فى موزانة 2017/2018 نحو76.8 مليون فرد( تشمل حاملي و غير حاملي البطاقات الذكية)، و تبلغ كميات الخبز المستحقة للمواطنين نحو140 مليار رغيف سنوياً، فى حين بلغ عدد المستفيدين نحو 82 مليون فرد فى الموزانة السابقة2016/2017، و تدعم مصر نحو 68.6 مليون مواطن من خلال نحو 20.8 مليون بطاقة تموين.

و في عام 2010 بلغ نسبة المستفيدين من دعم الخبز نحو 90% من الأسر المصرية، فإحصائياً هناك 87% مستفيدين من دعم الخبز فى وقتنا الحالي أي أن النسبة انخفضت عن ما كانت عليه فى عام 2010 على الرغم من تزايد النمو السكاني و زيادة الطبقة الفقيرة ( تحت خط الفقر) و هم أكثر عرضاً في الأوانة الأخيرة بعد قرار تعويم الجنيه إلى القرارات التعسفية التى تقوم بها الدولة، و تمثل تلك الفئة أكثر من 30% من سكان مصر التى تعتمد بشكل كلياً على الدعم خاصةً دعم الخبز.

و لهذا نصل إلى نتيجة هامة مفادها أن زيادة مخصصات الدعم، هي زيادة صورية في حقيقة الأمر، و يرجع هذا بالأساس إلى ارتفاع أسعار الأقماح المستوردة نتيجة لتحرير سعر الصرف. و أن الاتجاه العام للحكومة يسير في طريق تقليص أكثر للدعم.

***

طبقاً للموازنة العامة السابقة 2016/2017 تبلغ تكلفة إنتاج رغيف الخبز 36.8 قرش منها 27.54 قرش صافي دعم الرغيف( بخصم 5 قروش يدفعها المواطن و خمسة قروش هى ثمن سعر رغيف الخبز المُدعم و هو نفس السعر الثابت من عام 1988.

 فيما ارتفعت باقى السلع التموينية مع موجة التضخم المتصاعد لكن ظل سعر الرغيف المُدعم كما هو، و مع ارتفاع تكلفة إنتاج رغيف الخبز إلى 60 قرش بدلا من نحو 37 قرش نتيجة لارتفاع أسعار الأقماح و النقل و غيرها، بعد التعويم، تحاول وزارة التموين رفع سعر الخبز المدعم لخفض تكلفة إنتاجه

وبهذا من المقرر أن يتحمل الفقراء، البالغ نسبتهم وفقا للإحصاءات الرسمية لعام 2015 نحو 30 مليون مواطن، و من المقرر أن يصل ها الرقم لنحو 50 مليون وفقا لخط الفقر الوطني الذي يقره الجهاز المركزي للتعبئة العامة و الإحصاء نتجية للارتفاعات المتتالية في اسعار كافة السلع و الخدمات نتيجة لقرارات الإصلاح الاقصادي، أعباء أخرى إذا ما قللت الحكومة دعم الخبز، إذ تعتمد الطبقة الفقيرة على الخبز المدعم على نطاق واسع.

***

ووفقاً للبيانات الرقمية الصادرة عن شركات تشغيل الكروت الذكية أظهرت مُعدلات استهلاك الخبز المُدعم التى تتراوح بين 2.5 إلى 3.8 رغيف فى اليوم لكل مواطن، في حين تبلغ حصة الفرد نحو 5 أرغفة و هذا يدعوا للتساؤل حول فساد منظومة توزيع الخبز، إذ يذهب كثير من الدعم إلى أصحاب المخابز بعيدا عن أعين الرقابة الحكومية. فبدلا من رفع الدعم عن الخبز فلتبحث الحكومة عن كيفية السيطرة على سرقته.

حيث تشهد منظومة دعم الخبز تلاعب بين أصحاب المخابز و تهريب الدقيق المُدعم إلى السوق السوداء ما يعوق وصول الدعم إلى مستحقيه، و قد رصدت مخالفات فى منظومة الخبز واتهامها بإهدار المال العام لصالح مستوردي القمح، وفى أغسطس الماضي وجدت عجز فى كميات القمح المخزنة فى الشون و قد اتضح أن الفساد طال توريد القمح و تخزينه و إنتاج رغيف الخبز، فقد اُهدر 323 مليون جنيه نتيجة لفساد الصوامع.

و أعلن وزير التموين أنه سيتم التوقف عن دعم الدقيق للمخابز بداية من شهر أغسطس القادم و تطبيق نظام تحرير سعر الدقيق للقضاء على تهريبه من قبل أصحاب المخابز و تقليص الهدر فى المال العام.

و تحرير تداول الدقيق يتضمن عدة إجراءات تبدأ بشراء المطاحن للقمح من خلال هيئة السلع التموينية بالسعر الحر ثم تقوم المخابز بشراء الدقيق المُنتج بالسعر الحر أيضاً ما يؤدي لتحسين جودة المنتج و القضاء على ظاهرة تهريب الدقيق المُدعم و تقليل الفاقد بنسبة تتراوح بين 5% إلى 10% من إجمالي كميات القمح التى تستهلك فى إنتاج الخبز المُدعم.

 و يبلغ الاحتياطي الاستراتيجي من القمح في مصر نحو 4.6 مليون طن محلي و مستورد و هذا يكفي البلاد لنحو 6 أشهر، و تعتبر مصر أكبر مستورد  قمح فى العالم.

 الاستهلاك: تستهلك مصر نحو 6 مليون طن من القمح سنوياً لإنتاج الخبز المدعم، فمعدل استهلاك المواطن  المصري من القمح 180 كيلوجراماً فى السنة بينما المتوسط العالمي 85 كيلو جراماً .

 الإنتاج : تشهد مصر انخفاضا في التوريد المحلي فقد تم تقليص كميات التوريد إلى 3.5 مليون بدلاً من 4.5 مليون الموسم السابق، و هو انعاكس لتراجع في مساحات القمح المزوعة من 3.1 ملايين فدان مقابل مساحة فى العام الماضي بلغت 3.4 ملايين.

الاستيراد: تعاقدت مصر على كميات كثيفة غير مسبوقة من القمح في أقل من شهر و تمثل 20% من المستهدف للسنة المالية 2017/2018، فاستوردت مصر نحو 6 مليون طن من القمح في العام المالي2016/2017 مقابل 4.4 مليون في العام السابق 2015/2016، و تستهدف مصر استيراد نحو 6.2 مليون طن هذا العام 2017/2018.

فقد طرحت مؤخراً الهيئة العامة للسلع التموينية  مناقصة عالمية لاستيراد قمح  جرى بموجبها شراء 420 ألف طن من القمح ” 300 ألف روسي، و 60 ألف روماني، و 60 ألف أوكراني” بمتوسط سعر 202 دولاراً ” 3682 جنيهاً” للطن الواحد مقابل 3663 جنيهاً و هو متوسط سعر للطن بالنسبة للأقماح المحلية التى استلمتها الحكومة من الفلاحين فى الموسم المنتهي الشهر الماضي.

و تشير المناقصة الأخيرة لاستيراد الأقماح إلى أن الحكومة لا زالت تشتري من الأسواق العالمية بسعر يفوق سعر الأقماح المحلية بالرغم من  جودة القمح المحلي الذي يفوق القمح المستورد الذي يستحوذ على فطريات سامة كفطر “الإرجوت” و قد سمحت الحكومة باستيراد قمح يحتوي على نسبة لا تتجاوز 0.05% من الفطر السام،  كما تتخطى نسبة البروتين فى القمح المحلي نسبة 16% بينما لا تتجاوز 12% بالمستورد، فكيف إذن لا تشجع الحكومة إنتاج القمح المحلي و تفضل استيراده، إضافة إلى أن أوامر الاستيراد غالبا ما تسبق فترة التوريد المحلي ما ينطوي على تلاعب كبير في توريد الأقماح المحلية.

***

وختاماً: يمثل الخبز المُدعم حماية لشريحة واسعه من المواطنين، فمنظومة الدقيق المدعم علاوة على دعم الخبز، بشكلها الحالي، تحتاج إلى ترشيد و وقف الفساد و التلاعب وليس رفع أسعاره، فربما ينعكس رفع أسعار القمح عن حراك اجتماعي واسع لأنه يمس طبقة فقيرة تعتمد كلية على الخبز المدعم،  فهل ستشهد الأيام القليلة القادمة رفعا لدعم الخبز مثل ما حدث في دعم الوقود تنفذا لشروط  صندوق النقد الدولي للحصول  على الدُفعات الأخرى من القرض؟