سياسات الخوف .. الخوف ظاهرة طبيعية أم سياسية مؤسسية؟(1) - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
سياسات الخوف .. الخوف ظاهرة طبيعية أم سياسية مؤسسية؟(1)

سياسات الخوف .. الخوف ظاهرة طبيعية أم سياسية مؤسسية؟(1)




 تسعى تلك الورقة إلى تشريح إشكالية رئيسية ألا و هي مركزية مفهوم الخوف في علاقته بالسياسة بتجاوز الاقتراب السيكولوجي للخوف لكن دون التغاضي عنه؛ حيث تسعى الورقة للكشف عن وظيفية مفهوم الخوف في علاقته بمفهوم السلطة بتفنيد الإمكانات التي قد يوفرها مفهوم الخوف للسلطة كمصدر لها و كذلك كأداة للسلطة لفرض الضبط و السيطرة. ويتم ذلك بالوقوف على كيفية الانتقال من المكون الشعوري لمفهوم الخوف إلى المكون المعرفي الإدراكي للتعريف الوظيفي للخوف القادر على تشكيل الوعي و الإدراك تجاه ظواهر السياسة.

تسعى كذلك الورقة إلى التنظير للإمكانات التي يمنحها توظيف الخوف في علاقته بمفهوم السلطة من حيث ما يمكن أن يقدمه من آليات و تقنيات ترفع من كفاءة نظم الحكم في الضبط و السيطرة، و بسط هيمنتها على الجسد الاجتماعي للدولة و بأقل تكلفة سياسية ممكنة، بل بتضمين الأفراد أو المواطنين في عملية تأسيس الانضباط داخل الجسد الكلي للدولة دون الدخول في مواجهة عنيفة.

تعمد تلك الورقة كذلك إلى تشريح مفهوم الخوف في علاقته بعدد من العمليات السياسية الهامة و هي: التغيير السياسي Political Change، و الانتقال السياسي Political Transition، و العنف السياسي من خلال تشريح وظيفية الخوف في عمليات الانتقال و التغيير السياسي و مدي مركزية توظيف الخوف في تلك العمليات السياسية، و  تسعى كذلك تلك الورقة إلى التدليل على كون الخوف ظاهرة سياسية بتشريح عملية تسييس الخوف من خلال عدد من الظواهر أبرزها الإرهاب و الإسلاموفوبيا.

و عليه، تسعى تلك الورقة إلى الإجابة عن تساؤل رئيسي و هو: كيف توظف السلطة مفهوم الخوف في العمليات السياسية كأداة للضبط والسيطرة؟

ومن هنا تدفع تلك الدراسة بفرضية رئيسية مفادها القول بإن الخوف مفهوم يتم تخليقه و تشكيله من خلال تشكيل الإدراك بواسطة السلطة السياسية و ليس مفهوماً طبيعياً أو معطى بداخل العملية السياسية.

أولاً – الاقتراب السيكولوجي للخوف:

تعمد تلك الورقة إلى تبني المفهوم الوظيفي للخوف كونه نوع من أنواع العاطفة التي تسببها نمط معين من التهديد المرتبط بمثير و ليس بنمط معين من السلوك التكيفي لتفادي أو التكيف مع هذا التهديد[1].

و ترجع أهمية تبني تلك الورقة للاقتراب السيكولوجي الوظيفي في تعريف الخوف إلى أهميته في تشريح مفهوم الخوف من خلال مكونين وظيفيين هامين في تفنيد مركزية استخدام الخوف في العمليات السياسية، و مدى ارتباطه بالظاهرة السياسية؛ حيث يدفع ذلك الاقتراب بالوظيفة التكيفية الناتجه عن المرور بخبرة الخوف التي تسبب عدداً من الاستجابات السلوكية و الإدراكية التكيفية شديدة المرونة غير ذات النمط الثابت أو الانعكاسي[2].

و يعد ثاني تلك المكونات هو المكون المعرفي أو الإدراكي للخوف وفقا لنظرية الفعل المفاهيميThe conceptual Act Theory ، التي تدفع بكون خبرة الخوف لدينا يتم تشكيلها من خلال إطار بنائي فخبرة الخوف و إقرارنا بمرورنا بها يعد في حد ذاته تجربة و خبرة إدراكية بدرجة عالية، و ذلك الإقرار بالخوف يؤثر على إدراكنا لذاتنا في تلك الخبرة التي نمر بها على ردود أفعالنا تجاه التهديدات المسببة للخوف و وعينا بها من خلال المرور بعدد من العمليات المعرفية المختزنة في الذاكرة و الوعي من معلومات حول السياق الذي يتم فيه المرور بخبرة الخوف و اللغة و الخطاب المستخدم فيها و السياق الثقافي المحيط بتلك الخبرة[3].

وعليه يمنحنا ذلك الاقتراب الوظيفي للخوف إمكانية النظر للخوف كظاهرة يمكن تشكيلها وبناءها بدرجة كبيرة داخل السياقات المختلفة اعتماداً على تشكيل الإدراك و الوعي بخبرة و تجربة الخوف و محفزاته التي تتضح كونها ليست ظاهرة طبيعية معطاة بل ممكنة التشكيل و التأسيس وإعادة الإنتاج في العديد من السياقات خاصة محور تركيز تلك الورقة و هو السياق السياسي.

يمكن من هنا استدعاء وظيفية الخوف بداخل الظاهرة السياسية من خلال تشكيل الخبرة الإدراكية للأفراد في المجال السياسي عبر المرور بخبرة الخوف، أو بتصور ما تعنيه تجربة الخوف دون المرور بها بعدد من المحفزات للسلوك التكيفي سواء الخطاب السياسي المستخدم، أو بنظم العقاب و الثواب و غيرها كنوع من أنواع المنطق الضابط لسلوك الأفراد و كأداة لبسط السيطرة بطريقة طوعية دون استخدام الوسائل القمعية المباشرة و عليه تفادي التكلفة السياسية لذلك.

ثانياً- سياسات الخوف: الخوف كمصدر وأداة للسلطة

نشير هنا إلى كون محاولة تلك الورقة الدفع بكون ظاهرة الخوف ظاهرة سياسية يتم تشكيلها و تأسيسها، أو توظيفها في النشاط السياسي تجد لها جذورها بتتبع عدد من الرؤى المركزية في الفكر السياسي الحديث و على رأسها الأفكار الأصيلة لتوماس هوبز في التأصيل لنشأة الدولة و  المجتمع السياسي، وكذلك عند ميكيافيللي الذي أسس افتراضاً لرشادة الحكم القائم على الخوف.

تدفع فلسفة هوبز لوظيفية الخوف في نشأة لدولة و المجتمع السياسي؛ حيث يؤسس هوبز لوظيفة إنتاجية للخوف تهدف لتشكيل وعي و خيال الأفراد عن محدودية قدراتهم الإنسانية عن الالتزام بالفضيلة في ظل حالة الطبيعة، وعليه تبقى حياة الأفراد مهددة بالفوضى والصراع الدائم و الخوف المتبادل في ظل حالة الطبيعة[4]. و يصبح هنا الخوف هو الإجابة المفسرة لتساؤلنا عن عجزنا المطلق عن العيش بسلام دون سُلطة ذات سيادة[5].

يترتب عن هذا المعنى المطروح استخدام مزدوج للخوف، فيكون الوجه السلبي من ذلك الاستخدام هو أن يصبح الخوف مصدراً للسلطة و للحاجة لوجود من يمارس سلطة على الأفراد، ومن ثم يصبح لتلك السلطة ذات السيادة الحق في استخدام ذلك الخوف لحماية سيادتها بما يعرف بالحق الشرعي في استخدام العنف ما نعتبره الاستخدام الأدائي للخوف في تخليق سياسات قادرة على إحكام الضبط والسيطرة على الأفراد[6].

يتمثل الوجه الآخر الإيجابي للخوف في الدفع بالانتقال لتنظيم سياسي و الانتقال من حالة المجتمع البدائي؛ إلا أن يظل التساؤل مطروح في ذلك الجانب عما إن تم الانتقال لتنظيم سياسي آمن تخلص من حالة الخوف الدائم، أم أن مازال للخوف بصورته السلبية دوراً محورياً في المجتمع السياسي الجديد وبغض النظر عن نوع نظام الحكم سواء كان شمولياً أم ديمقراطياً؛ حيث يظل للخوف دوراً وظيفياً في النشاط السياسي[7].

• وظيفية الخوف ونمط نظام الحكم:

تستخدم كذلك الدولة الحديثة السياسة الحيوية “Bio- Politics” ، كأحد الأدوات المستندة إلى تجذير الخوف المتخيل في الخطاب السياسي كأحد آليات الدولة لبسط السيطرة غير المباشرة على الأفراد من خلال جعل الخوف تقنية ميكانيكية في حياتهم اليومية بلا حاجة من الدولة للتدخل المتكرر والمباشر[8].

و لا تختلف النظم الديمقراطية عن الشمولية في توظيف الخوف كأحد أدواتها في فرض سيطرتها على الحياة اليومية لأفرادها من خلال تشكيل خطاب يعتمد في هيكله على السيطرة على وعي الأفراد باستخدام الخوف كما ذهب فوكو بكون المعرفة ليست نتاجاً أولياً للتفكير المنطقي و إنما تنشأ من هيكل الخطاب[9].

تتضح تلك الفكرة حول وظيفية الخوف في نمط الحكم، وذلك فيما أشار إليه ميشيل فوكو عن طريقة ونمط ممارسة الحكم في النظم الديمقراطية الليبرالية الغربية، التي أطلق عليها فوكو اصطلاح “Governmentality”.  و يمثل الخوف أحد التقنيات المركزية في بلورة هذا المفهوم و قيام ذلك النمط من الحكم؛ حيث يتم ربط الخوف النابع عن ترسيخ فكرة شعور الأفراد بالرقابة الدائمة بوجود السلطة، فتصبح السلطة هنا مختلفة في هيكلها عن الهيكل التقليدي للسلطة الذي يتبع نمطاً هيراركياً تمارس فيه السلطة من أعلى لأسفل، بل يتم ممارسة السلطة من خلال أشكال أخرى للضبط الاجتماعي بتضمين مؤسسات انضباطية كالسجون والمدارس والمستشفيات[10].

ونعاود هنا الإشارة لأحد مكونات التعريف الوظيفي الذي سبق أن أشرنا إليه في اقترابنا السيكولوجي لمفهوم الخوف في مستهل الدراسة؛ ألا و هو المكون المعرفي الإدراكي للخوف؛ حيث يصبح الإدراك جزءاً من التقنيات المؤسسة لذلك النمط من الحكم، حيث يتم تشكيله من خلال توجيه خطابات موجهة لسلوكهم لممارسة ذلك النمط الرقابي على الذات و الآخر و الاستشعار الدائم بوجود سلطة رقابية على سلوكهم[11].

وعليه، فإن طريقة الحكم في الديمقراطيات الليبرالية تتسم باللامركزية، كما تعمل على تضمين الأفراد في إرساء ذلك النمط من الحكم الذي لا يعمد لتوظيف الخوف ليصبح خوفاً من السلطة، وإنما يصبح أداة لتأكيد السلطة، وذلك بجعل كل مواطن شريكاً في الرقابة، وتلك هو توظيف إيجابي للخوف تستطيع فيه الدولة أن تبسط سيطرتها بشكل أكثر كفاءة وسيطرة[12].

• سياسات الخوف و الجسد الكلي للدولة:

يمكن كذلك تشريح مدى وظيفية و استثمار الخوف في سياسات وممارسات الدولة تجاه أجساد مواطنيها على المستوى الجزئي من أجل تحقيق مزيد من الضبط و السيطرة على الجسد الاجتماعي الكلي للدولة؛ حيث يتم هنا استثمار الخوف بشكل آخر عنيف ولكنه قد يكون مؤسسي كذلك من خلال تجذير فكرة الخوف من العقاب والألم والتعذيب، وتغييب حرمة الجسد إلى حد استهدافه كأداة من أدوات خطابها الذي يهدف لمزيد من الضبط والسيطرة والتجذير لنظامها[13].

ونعمد هنا لتتبع التمييز الذي طرحه فوكو بين النموذج السيادي للدولة في تعاطيه مع الجسد باستخدام القمع المباشر وبنهج الدولة لاستعراض قوتها بمدي قدرتها على انتهاك الجسد وتعذيبه وامتهانه بشكل صريح إلا أنه لا يجنبها دائماً التكلفة السياسية للاستخدام المستمر للقمع، وبين النموذج الحداثي الانضباطي للدولة الذي يستثمر الخوف بشكل أكثر مؤسسية من خلال ما سبق وأشرنا إليه من خطاب الخوف الذي يحكم المؤسسات الانضباطية للدولة تلك التي بدورها توجه ذلك الخطاب لأجساد الأفراد من خلال نظم وتقنيات التعذيب والتهذيب والعقاب والمراقبة[14].

وعليه، فإن المكاسب التي تمنحها عملية التوظيف المؤسسي للخوف بإنشاء أنظمة للتحكم الاجتماعي تعمد في فرض سيطرتها على مخاطبة وتشكيل الإدراك والوعي لدى الأفراد ذاتهم وتضمينهم في ممارسة الضبط على أنفسهم بدلاً من تدخل الدولة ذاتها، وهو ما يمكن أن نجده فيما أشار إليه فوكو عن نظام الحراسة في السجون، والذي يمكن السجناء من اكتشاف نظام مراقبتهم مع إخفاءه عنهم في ذات الوقت لتدفعهم بذلك لضبط سلوكهم بذاتهم دون تدخل منها[15].

ويمكن الإشارة إلى آليات وتقنيات العقاب في عهد محمد علي للتدليل على هذا النوع من الخطاب الإدراكي الذي يؤسس للخوف من العقوبة ويستدعي مران الأفراد على ضبط ذواتهم وممارسة العقوبة عليها دون تدخل عنيف من الدولة بل من خلال تدخل واعٍ ومؤسس؛ حيث قاد نظام التجنيد الإجباري في عهد محمد علي لاستدعاء المقاومة الجسدية للفلاحين بأن يقوموا بإحداث عاهة لأجسادهم للهرب من التجنيد، وهو تعاطٍ عنيف للفرد مع جسده غير أنه تم ضبطه وتقويمه من قبل الدولة بإعادة تشكيل الخطاب الإدراكي الموجه لهم بجعله خطاباً انضباطياً مؤسسياً باستخدام آليات انضباطية على الجسد وتمرينه على عدم الخروج عنها، ومن ثم يخشى الفلاحين الخروج عن االنظام الانضباطي للجسد الاجتماعي للدولة ودون أن تدخل في مواجهة عنيفة[16].

وعليه فإننا نتعاطى مع الخوف و السياسات النابعة عنه كظاهرة سياسية مرتبطة بظاهرة السلطة بغض النظر عن نوع النظام و كظاهرة مركزية يتم إما التغافل عنها في إطار بحث ما هو سياسي، أو محاولة إلحاقها بنوع معين من النظم السياسية إن تم فحصها في إطار ممارسات مرتبطة بالعنف السياسي، أو يتم إخرجها من حيز البحث السياسي بالكلية وقصرها على المنحى السيكولوجي بانفصال عن السياسة.

ثالثا – سياسات الخوف.. تشريح مركزية الخوف بداخل النشاط السياسي:

ونعمد في هذا القسم من الورقة إلى محاولة تشريح نماذج من العمليات و الظواهر السياسية التي يمارس فيها الخوف دوراً وظيفياً بارزاً، في محاولة للإجابة على التساؤل المركزي لهذه الورقة عن كيفية توظيف السلطة للخوف كأداة من أدوات الضبط والسيطرة.

• سياسات الخوف في إطار عملية الانتقال السياسي:

يمارس الخوف دوراً مركزياً و إن كان غير ظاهر في عملية الانتقال السياسي من خلال تشكيل الخوف بوجهيه الفعلي و المتخيل لسيناريوهات و مراحل عملية الانتقال السياسي؛ حيث يتم توظيف الخوف بمرادفاته الفعلية و إدراكات الأفراد الحقيقية لها في مجتمع ما عبر مرورهم بخبرات الخوف التراكمية من سنوات من الممارسات القمعية السابق التعرض لها و الصراع السياسي القائم لحين لحظة الانتقال السياسي وتشكل مخاوفهم تجاه مسارات يتم خلالها المرور بنفس الخبرة والمخاطر المحتملة عنها، ومدى قدرتهم على تحمل تكلفتها[17].

وعليه، تبرز سياسات الخوف من حيث الإشارة إلى مسارات الفوضى و العنف السياسي و استمرارية الصراع المستقبلي إن لم يتم نهج مسار معين قد ترغبه السلطة، ويصبح الخوف هو الخلفية الإدراكية لاتباع السياسات البراجماتية التي تدفع بتسويات قد لاتكون عادلة وإنما ضابطة ومُجذرة لسلطتها مثال ذلك: التسويات في جنوب إفريقيا وبخاصة تجاه الأمنيستي “Amnesti” يمكن من خلال الخطاب المستخدم فحص الخوف الدافع لبراجماتية التسويات من خلال القول: ” دون تسوية لايوجد سلام”، أو تصريحات الآمنيستي بالقول: “دون الآمنيستي سيستمر الصراع”[18].

وعليه، يكون الخوف أداة لإخراج أطراف العملية السياسية من المواجهة المباشرة، و أداة لتجريدهم من احتمالية مواجهة شبهة المصلحة أو تحمل التكلفة الناتجة عن تلك العملية السياسية وتصبح البراجماتية هي الدافع الاسمي.

تبرز مركزية الخوف في عملية الانتقال السياسي بمصاحبة عدد من الخصائص الأخرى المصاحبة لمجتمع ما يمكن تسميته بمجتمع الخشية من المخاطر وهي غياب القانون والمؤسسات وكذلك خصيصة ثقافية وهي غياب الأخلاقية عن ثقافة ذلك المجتمع[19].

وعليه، فإن إدراكه لصدقية الخوف الذي يواجهه يكون مؤسساً في ظل تراكمية تلك العوامل مجتمعة، كذلك يكون تفادي ذلك الخوف بانتهاج سلوك تكيفي يوائم المسارات التي تطرحها السلطة أحد مؤشرات رشادته لتفادي المخاطر والتكلفة الناتجة عن خروجه عن سياسات الخوف تلك.

يمكن كذلك النظر إلى مركزية الخوف في عملية التغيير السياسي بشكل أشمل وليس فقط في مراحل الانتقال السياسي؛ حيث نجد تجذر للمفهوم في مواقف المجتمع السياسي بتياراته السياسية وفئاته الاجتماعية تجاه مصالح كل منهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي قد تمسها عملية التغيير السياسي. فنجد الخوف هو الدافع وراء مقاومة التغيير والمحرك وراء الانقسامات السياسية والصراع داخل المجتمع سواء للحفاظ على نظام حكم ضامن لامتيازات طبقة ما أو جماعة معينة وهو ما يمكن ملاحظته عادة في أعقاب الثورات لا سيما الثورات في النظم العربية منذ 2010 إلى الآن  فنجد التيار المحافظ في مواجهة القوى الثورية التي ترغب بتغيير النظام القائم وتهديد مصالحه.

• سياسات الخوف و العنف السياسي:

نشير هنا إلى العنف السياسي كأحد الأدوات التي يتم توظيفها في تشكيل الخبرة الإدراكية للأفراد تجاه الخوف كظاهرة سياسية وليس فقط لمركزية الخوف الوظيفية في ممارسة العنف السياسي؛ حيث يمثل العنف السياسي أحد أبرز العوامل المؤثرة على اتجاهات المدنيين تجاه الحكومة أو النظام السياسي، وتشير الورقة هنا إلى التركيز على العنف السياسي وتأثيره على تشكيل خبرة الخوف لدى المواطنين وانعكاس ذلك على موقفهم من النظام الحاكم، وكيف ينجح النظام في توظيف ذلك لكسب مزيد من الدعم ومن ثم مزيد من الضبط والسيطرة.

فنجد أن العنف السياسي الموجه ضد الدولة، وما تقوم به الدولة من ممارسات قمعية في مواجهته وبخاصة القمع باسخدام القوات العسكرية لا يؤدي في بعض المجتمعات وبخاصة غير الديمقراطية إلى تخوف المدنيين من تلك النظم، أو من العقوبات التي تفرضها في مواجهة استخدام العنف، أو فرض الرقابة؛ إلا أنه قد يدفع في كثير من الأحيان لكسب دعم المدنيين لتلك النظم بدافع من الخوف من عدم الاستقرار أو بدافع الرغبة في حفظ الأمن والنظام[20]؛ الأمر الذي يجعلنا نسترجع فرضية ميكيافيللي في كتابه “الأمير”، حول العلاقة بين استخدام الحاكم للقوة والرهبة وقدرته على كسب ولاء رعاياه.

وعليه، يصبح ممارسة العنف من قبل الدولة لدفع العنف الواقع عليها، وبدافع الخوف على استقرار الدولة وحفظ النظام، أحد توظيفات الخوف التي تستخدمها الدولة لتحقيق أهدافها في الإبقاء على السلطة؛ وهو أيضاً ما يبرر لنا لماذا تبقي الدولة على نطاق ولو صغير تسمح فيه للشرطة، لقوات الأمن، وكذلك للأحزاب بممارسة العنف السياسي.

يمكننا تتبع نماذج لذلك في إفريقيا جنوب الصحراء، فعلى سبيل المثال: نجد في زيمبابوي أشكال متعددة من ممارسات العنف من قبل الدولة في العقود الماضية، ففي ظل نظام حكم موجابي عام 1998 ضد الحركات الاحتجاجية عقب أزمة الغذاء، وعليه كانت استجابة الحكومة تجاه ذلك بتنفيذ عدد من العمليات العسكرية ضد تلك المتمردين، وقامت بالغزو والاستيلاء على العديد من المزارع باسم إصلاح الأراضي في  2000 و 2001، وقامت بتوظيف خطاب قومي إقصائي ضد المعارضين لذلك[21].

• سياسات الخوف و ظاهرة الإرهاب:

تتضح مركزية الدور الذي يمارسه مفهوم الخوف عند تشريحه في إطار ظاهرة الإرهاب؛ فنجده أحد أبرز الدوافع المؤثرة على الأفراد أو المواطنين في إدراك إمكانات التهديد، ومن ثم قراراتهم السياسية اتجاه مواقف الأنظمة الحاكمة وسياساتها تجاه الإرهاب والتعاطي مع الصراع سواء بممارسات قمعية، أو سياسات إقصائية، أو تدخل عسكري وغيرها من الممارسات التي قد لا تجد شرعية لها لدي المواطنين، في حالة عدم توظيف إدراك الخوف والمخاطر الناتجة عن الإرهاب لدى المواطنين[22].

وعليه، تصبح العلاقة بين الخوف المدرك والمتخيل عن الإرهاب وتشكيل الاتجاهات السياسية محلاً للفحص والتفنيد في إطار ما دفعنا للافتراض بكون الخوف ظاهرة سياسية يتم تأسيسها وتشكيلها وتوظيفها بما يتيح فرصاً للسلطة بإطلاق سياسات قد لا تلقى الشرعية في حالة عدم تسيس الخوف والدفع بسلوك الأفراد للتكيف مع سياسات النظام كونها ذات منطقية.

يمكننا أن نتتبع ذلك في سياسات العديد من الدول في إطار توظيف الخوف للدفع بسياسات إقصائية كسياسة العديد من الدول كالولايات المتحدة وكذلك أوروبا اتجاه قضية المهاجرين واللاجئين. يتم كذلك النظر إلى توظيف إدراك مواطني تلك الدول لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية لم تكن لتتحقق بسلاسة دون أن تجد فرصتها في توظيف التهديد وتشكيل مخاوف مواطنيها، مثال ذلك: فوز ترامب بالانتخابات الأمريكية لتوجهاته فيما يتعلق بقضية الهجرة واللاجئين، وذلك رغماً عن مواقفه المتطرفة، وصعود اليمين المتطرف في أوروبا الذي استثمر الخوف من قضايا اللجوء والهجرة في تبني خطاب وطني يهاجم الأنظمة المتبنية لسياسات منفتحة تجاه اللاجئين والمهاجرين الأمر الذي حقق شعبية وصعوداً للتيار اليميني من خلال ارتفاع شعبية أحزاب مثل: حزب الجبهة الوطنية الفرنسي، حزب الحرية النمساوي، حزب البديل بألمانيا، حركة خمس نجوم يإيطاليا، وحزب الحرية الهولندي[23].

الخاتمة:

تخلص تلك الورقة إلى أهمية التعاطي مع الخوف كظاهرة سياسية و مؤسسية تتجاوز التعاطي مع الخوف كأحد العواطف الإنسانية المرتبطة بالأبعاد السيكولوجية البحتة غير ذات الصلة بالظاهرة السياسية؛ حيث تدفع الدراسة لضرورة الانتقال في دراسة الخوف مما هو شعوري إلى ما هو معرفي إدراكي قابل للتشكيل في خدمة ما هو سياسي، وذلك دون التغاضي عن الاقتراب السيكولوجي الذي يمنح للظاهرة السياسية مساحة لاستثمار الخوف في عملياتها كونه يدفع الأفراد نحو الاستجابة بسلوك تكيفي لمواجهة ذلك الخوف إلا أن عملية التكيف ذاتها ذات قابلية للضبط والتشكيل بحسب الخطاب الذي تؤسسة الدولة أو نظام الحكم.

تدفع كذلك تلك الورقة لأهمية تناول الخوف كظاهرة سياسية في حد ذاتها، وكمنطق ضابط للممارسة السياسية، كذلك لأهمية النظر له في علاقته بظاهرة السلطة كأحد التقنيات والآليات المركزية في طريقة ممارسة الحكم، وكيفية توظيفه لتحقيق كفاءة أكبر وتكلفة أقل.

ويظل من الضروري تشريح نماذج تطبيقية لسياسات الخوف بصورة أكثر تفصيلية بعد ذلك التنظير الشامل لكيفية توظيف الخوف في الظاهرة السياسية، حتى نصبح أكثر قدرة على الوقوف على فهم واضح للإمكانات التي يطرحها على مستوى الحركة وذلك في الجزء الثاني من هذه الورقة، وبالتطبيق على تجارب الانتقال السياسي في أمريكا اللاتينية.

 

 …………………………………………………………………………………………………………………..
الهوامش:
[1] Ralph Adolphs, The Biology of Year. Current Biology. 23, R79–R87, January 21, 2013, Available at:
http://dx.doi.org/10.1016/j.cub.2012
[2] Ibid, pp. R79-R82.
[3] Ibid, pp. 82-85.
[4] Thomas Hobbes, LeviathanR.E. Flathman & D. Johnston (eds.). New York: W.W.
Norton & Co. 1997 Chapter VI, paragraph 3.
[5] Ibid. Ch.XII. Par.4.
[6] Ibid. Ch. VI. Par. 14.
[7] Ibid. Ch. XI. Par. 23.
[8] Al Gore, The Assault on Reason. U.S.A: The Penguin Press. 2007, pp. 1-14.
[9] Michel Foucault, The Birth of Biopolitics: Lectures at The College DE France (1978-1979). Michil Sinillart (ed.). Graham Burchill (Trans.). New York: Palagrave Macmillan. 2008, pp.2-11.
[10] Ibid, 51-74.
[11] Ibid.
[12] Ibid.
[13] مريم وحيد، الجسد والسياسة، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2015. ص ص27-30 .
Michil Foucault, The Foucault Effect: Studies in Governmentality. Graham Burchell, Colin Gordon and Peter Miller (eds.). USA: University of Chicago press, 1991. Pp. 53-60.
[14] مريم وحيد، مرجع سبق ذكره، ص ص 95-106.
[15] المرجع السابق، نفسه.
Foucault, Michel, Discipline and Punish (The Birth of the Prison), London and New York: Penguin books, 1977.
[16] مريم وحيد، مرجع سبق ذكره.
[17]Brandon Hamber, Flying Flags of Fear: The Role of Fear in the Process of Political Transition, Journal of Human Rights,Vol (5), pp.127–142, 2006, ISSN: 1475-4835 print/ 1475-4843, Available online DOI: 10.1080/14754830500485924.
[18]    Ibid, pp. 131-132.
[19] Raymond Taras, Fear and the Making of Foreign Policy: Europe and Beyond, Edinburgh: Edinburgh University Press, 2015. Pp. 53-60.
Pain, R. and Smith, S. J. (2008) ‘Fear, Critical Geopolitics and Everyday Life.’, in Fear : critical geopolitics and everyday life. Aldershot: Ashgate, pp. 1-24.
Sparke, M., Geopolitical Fears, Geo-economic Hopes, and the Responsibilities of Geography.  Annals of the Association of American Geographers, Vol( 97),No.2, Mar. 2007, pp. 338–349.
[20] Omar Garc´ıa-Ponce and Benjamin Pasquale, How Political Violence Shapes Trust in the State. New York: New York University Press, 2013, pp. 1-35.
[21] Ibid, pp. 18-22.
[22] David L. Altheide, Terrorism and the Politics of Fear. Cultural Studies: Critical Methodologies, Vol (2) 14, Nov. 2006. Pp. 405-420.
[23] محمد عزت رحيم، توظيف الخوف: كيف تزيد “عولمة الخوف” الطلب المجتمعي على التطرف؟  مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 12 ديسمبر 2016 ، متاح على:  https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/2251/%D8%AA%D9%88%D8%B8%D9%8A%D9%81-1
أحمد مصطفى، تأثير صعود اليمين المتطرف على سياسات الهجرة الأوروبية، أوراق الشرق الأوسط، العدد(74) ينايرت-مارس 2017. ص ص 83-92 .