قراءة في كتاب «فلسفة علم الاقتصاد» لـ «د. جلال أمين» - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
قراءة في كتاب «فلسفة علم الاقتصاد» لـ «د. جلال أمين»

قراءة في كتاب «فلسفة علم الاقتصاد» لـ «د. جلال أمين»




يحاول الدكتور جلال أمين عبر صفحات هذا الكتاب المعنون “فلسفة علم الاقتصاد: البحث في تحيزات الاقتصاديين و في الأسس غير العلمية لعلم الاقتصاد”، الكشف عن الحقائق الكامنة وراء مبادئ و أسس علم الاقتصاد التي لا تخضع وفق رأيه لصفة العلمية، موضحاً في مقدمة هذا الكتاب أن علم الاقتصاد سيطرت عليه منذ نشأته مجموعة من الأفكار كانت نتاج ظروف عصر معين، هو عصر نمو الإنتاج الصناعي و الثورة الصناعية، و أن علم الاقتصاد كما يتم تدريسه اليوم يحمل نفس الملامح التي كانت له في نشأته الأولى. كل هذه الأفكار دفعته إلى تأليف هذا الكتاب خاصة بعد أن نجح في إدخال مقرر جديد (و إن كان اختيارياً) في منهج دراسة الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة تحت عنوان “فلسفة علم الاقتصاد” قام بتدريسه لأكثر من عشر سنوات.

و يأتي الفصل الأول بعنوان “التحيز في العلم” الذي يحاول من خلاله الدكتور جلال أمين أن يثبت أن البشر شاؤوا أم أبوا بطبيعتهم متحيزون، ذلك أن الإنسان يتكون من مشاعر تؤثر على اتخاذ قراراته عبر ما يسمى الانطباعات المسبقة (preconceived ideas)، كما أن اللغة أيضاً يكون لها عامل مؤثر في عملية التفكير. و على الرغم من أن الإنسان ظن خطأ أنه تخلص من كل النوازع الشخصية إلا أنه لا يمكن إنكار “حتمية الميتافيزيقا” التي تعني تأثير الجوانب غير المادية على عملية التفكير و اتخاذ القرارات. و يستشهد المؤلف بما قاله إيريك فرومEric Fromm عالم النفس و الفيلسوف الألماني :” الأفكار المسبقة و اعتناق أيديولوجية، و اتخاذها كمسلمات لا تقبل المناقشة، تقوم لدى الإنسان مقام الغرائز عند الحيوان”. و ينهى المؤلف هذا الفصل بالتأكيد أن وجود إيدلوجية أو رؤية محددة لدى الباحث، أمر طبيعي ولا تعد عيباً إلا إذا اضطرته إلى إخفاء بعض الحقائق أو محاولة تغيير النتائج التي توصل إليها.

أما الفصل الثاني “التحيز في علم الاقتصاد” فيوضح من خلاله المؤلف أن هناك عدة عوامل ساهمت في ظهور علم الاقتصاد ومن ثم سبغته بالسبغة التي يبدو عليها الآن، هذه العوامل تتمثل في التطور الكبير في العلوم الطبيعية و رغبة المهتمين بالأمور الاقتصادية بإقامة علم اقتصادي يشبه إلى حد كبير العلوم الطبيعية، و ثانياً سيطرة الطبقة المتوسطة “البورجوازية” على رأس المال و الإنتاج منذ القرن الثامن عشر وما تلاه و السعي نحو تعظيم الربح، و ثالثاً زيادة نمو الإنتاج الصناعي خاصة مع الثورة الصناعية، الأمر الذي أدى في النهاية إلى أن أصبح علم الاقتصاد بالشكل الحالي له، من حيث تصوير الإنسان في صورة الشخصية البورجوازية التي لا تسعى إلا لتعظيم منفعتها الشخصية حتى لو تعارضت مع المنفعة العامة للمجتمع ككل، هذا فضلاً عن أن الحكم على النشاط الاقتصادي لا يكون إلا من خلال نظرة ميكانيكية بحتة قائمة على تعظيم الربح، الأمر الذي ينفي أهمية الجوانب الاجتماعية في الحكم على مدى كفاءة و فائدة الأنشطة الاقتصادية.

وينتقد الفصل الثالث “الإنتاج” الأسس التي قامت عليها نظرية الإنتاج Production theory، حيث يعرف الاقتصاديون الإنتاج بأنه “خلق منفعة أو زيادتها”، و على الرغم من أنه طبقاً لهذا التعريف فإن قيام الزوجة بأعمال المنزل تعد من قبيل الإنتاج، إلا أن علم الاقتصاد في الحقيقة لا يهتم بالأنشطة التي ينتج عنها منفعة من عدمه بقدر ما يهتم بإذا ما كان هذا النشاط يتولد عنه عملية بيع أو بمعنى آخر “تحقيق ربح”، فإذا ما قامت نفس الزوجة بنفس الأعمال لكن في منزل آخر و بمقابل مادي فإن ذلك يدخل ضمن الإنتاج، الأمر الذي يعني قصور تلك النظرية عن استيعاب كل الأنشطة الإنسانية.

أما الفصل الرابع الذي يأتي تحت عنوان “السكان” فيوجه المؤلف نقداً لاذعاً لمقالة الاقتصادي البريطاني توماس روبرت مالتوس في السكان التي جاءت بعنوان “بحث في مبدأ السكان”، حيث كانت تلك المقالة بمثابة فرصة سانحة للحكومات و الأثرياء لمزيد من استغلال الفقراء، فقد أتاحت تلك المقالة للحكومات إدعاء أن النمو السكاني هو السبب في فقر البلاد، كما طالب مالتس أن تظل الثروة في يد الأثرياء، و أن تظل الأجور عند حد الكفاف، فإذا ما زادت الأجور عن هذا المستوى فإن ذلك ينذر بمزيد من الانفجار السكاني.

و يأتي الفصل الخامس بعنوان “الملكية الخاصة” و قد أراد المؤلف إظهار أن القدسية التي سادت مبدأ الملكية الخاصة Private Property إنما نبعت من ظروف اقتصادية و اجتماعية معينة سادت خلال فترة عصر الإقطاع من ملكية العبيد و الأراضي الزراعية ثم فترة الثورة الصناعية و سيطرة الطبقة المتوسطة على وسائل الإنتاج، هذه الظروف لم تعد الآن قائمة خاصة و أن العصر الحالي أصبح يطلق عليه عصر الاستعمال (age of access) حيث أصبحت التجارة في الخدمات تفوق التجارة في السلع بصورة كبيرة، كذلك أصبح من الممكن استئجار أو استعمال السلعة لفترة معينة من الوقت، هذا فضلاً عن أن السلع لم تعد تتمتع بالعمر الطويل كما كان في السبق، حيث أصبحت هناك سلع تنتج لأجل استخدامها لمرة واحدة فقط.
ويتناول الفصل السادس “الاستهلاك” الأسس غير العلمية لنظرية الإستهلاك Consumption Theory، فعلى الرغم من أن الاقتصاديين يعرفون الاستهلاك بأنه “استخدام السلعة أو الخدمة في إشباع رغبة ما إشباعاً مباشراً”، إلا أنهم لا يدخلون الكثير من الأنشطة تحت هذا المفهوم، و مثال على ذلك قيام شخص ما بإعداد طبق حلوى لنفسه، فإننا نجد أن الاقتصاديين لا يتحدثون عن هذا النشاط و لا يدخلونه ضمن إطار الاستهلاك، بينما يعتبرون أن قيام نفس الشخص بشراء طبق حلوى من إحدى المحلات، يعد من قبيل الاستهلاك، وهنا يتبين الأساس غير العلمي في هذه النظرة التي مفادها أن الاقتصاديين يرون أن النشاط الاستهلاكي إنما يتم فقط في حالة عملية البيع و الشراء.

ويأتي الفصل السابع “الأثمان” ليوضح الأسس غير العلمية في نظرية الأثمان Theory Of Price، فمنذ أن أصدر عالم الاقتصادي البريطاني ألفريد مارشال كتابه المعنون “مبادئ الاقتصاد” عام 1890، وقد أوضح أن ثمن السلعة يتحدد بناء على تقاطع الطلب مع العرض، لكن الحقيقة التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة أن هذه النظرية لا تتحقق إلا في ظل سيادة سوق المنافسة الكاملة Perfect competition حيث يكون المنتج خاضعاً لظروف السوق، الأمر الذي يعني أن تلك النظرية تقف عاجزة في حالات كثيرة أخرى، مثل حالات التسعير الجبري من قبل الدولة، أو حالات احتكار الفرد الواحد لصناعة معينة ويكون هو المتحكم في السعر.

أما الفصل الثامن “الناتج القومي والعمالة”، فقد أراد من خلاله الدكتور جلال أمين إيضاح فكرة مفادها أن النظرية الكلية دائماً ما تكون خاضعة للظروف السياسية – خاصة فيما يتعلق بالناتج القومي و العمالة – و ليس العكس، فمن خلال تتبع التاريخ الاقتصادي، يتضح أنه خلال فترة الثورة الصناعية كان الاقتصاديون ينادون بضرورة رفع يد الدولة عن التدخل في السوق، بينما نجد أن الأمر اختلف بعد أزمة الكساد الكبير Great Depression عام 1929، حيث ساد الفكر الكينزي بضرورة تدخل الدولة لتنشيط الطلب الكلي، و ليس بخاف على أحد أن الهدف من ذلك هو حماية مصالح الرأسماليين خاصة مع مخاطر انهيار الأسواق، الأمر الذي اختلف تماماً مع سيطرة الشركات متعددة الجنسيات على التجارة الدولية، حيث تراجعت مرة أخرى الأصوات المطالبة بضرورة تدخل الدولة في السوق.

و ينتقد الفصل التاسع “توزيع الدخل -1- (أو الرأسمالية العلمية)” الأفكار الرأسمالية حول توزيع الدخل، التي تنادي بضرورة سيطرة الرأسماليين على الثروة، نظراً لأنهم المسؤولون عن العملية الإنتاجية، بينما الفقراء فهم المسؤولون عن فقرهم وليس الأغنياء، وقد تم الترويج لهذا الأفكار من خلال العديد من الاقتصاديين الذين أدعوا أن مشكلة الفقر ترتبط بتباطؤ نمو متوسط دخل الفقر Per capita income، لكن الحقيقة التي أرادها المؤلف أن الأمر لا يتعلق إلا بمشكلة التوزيع Distribution العادل و المنصف للدخل.
كذلك يأتي الفصل العاشر “توزيع الدخل -2- (أو الاشتراكية العلمية) ليناقش الأفكار الماركسية التي ترفع من شأن العامل و تنادي بأن يحصل على القدر الأكبر من الدخل القومي، نظراً لأن العامل يقدم الجهد الأكبر في العملية الإنتاجية، الأمر الذي ينتقده المؤلف، موضحاً أنه في الوقت الذي أعلت فيه الرأسمالية من قدر الرأسمالي، أعلت فيه الاشتراكية من قدر العامل، لكن هذه الأفكار ليست دائماً صحيحة عبر كل الأزمان، فإذا كان العمال تعرضوا في فترة معينة لاستغلال أرباب العمل، فقد ظهرت النقابات العمالية التي تدافع عن حقوقهم، بينما الواقع الحالي يشهد أن المستهلك أصبح أكثر عرضة للاستغلال في ظل حملات الدعاية و الإعلانات المنظمة و الآلاف من السلع و الخدمات.

ويحاول الفصل الحادي عشر “التنمية الاقتصادية” كشف الأقنعة عن نظريات التنمية الاقتصادية، عبر إظهار الأسس غير العلمية وراء تلك النظريات، حيث حاولت تلك النظريات اقناع الدول الفقيرة أن ما تمر به من ظروف صعبة ما هي إلا مرحلة مؤقتة في عملية النمو، و لعل أشهر النظريات التي ساهمت في ذلك نظرية مراحل النمو للمؤرخ الاقتصادي الأمريكي والت وايتمان روستو Walt Rostow، التي أظهرت أن الدول تمر بعدة مراحل إلى أن تصل إلى النمو، لكن الحقيقة أن الدول الفقيرة لم تصل إلى النمو حتى الآن، بل على العكس أصبحت أوضاعها أسوء من ذي قبل.

ويسلط الفصل الثاني عشر “التجارة الدولية” الضوء على النظريات التقليدية التي أكدت أن التجارة الدولية هي وسيلة لتحقيق رفاهية الشعوب، و على رأسها نظرية النفقات المطلقة لآدم سميث، و نظرية النفقات النسبية لديفيد ريكاردو، عبر تخصص كل دولة في إنتاج السلع التي تتمتع فيها بمزايا نسبية، لكن الحقيقة أن هذه النظريات جاءت لتخدم المصالح البريطانية في السيطرة على المستعمرات، ما يعني أنه المستفيد الأول من تلك النظريات هي الدول الكبرى لفتح الأسواق أمام منتجاتها، بينما تبقى الدول الفقيرة و النامية تتخصص في السلع الأولية و المواد الخام، الأمر الآخر هو أن نظرية النفقات النسبية تلغي الكثير من الحقائق حول فكرة التمتع بالمزايا النسبية في إنتاج السلع، فقد تكون تلك المزايا ناجمة عن دعم أو منح حكومية، كما أنها تلغي أي أثر للابتكار و تطوير البنية التحتية و تحقيق التنمية الاقتصادية، ما يعني أن الدول في المدى الطويل قد تتمتع بمزايا نسبية لم تكن تتمتع بها من قبل.

و يأتي الفصل الأخير “تحليل النفقات و المنافع”، ليؤكد على أن تحليل النفقات و المنافع لا يخضع للأسس العلمية بصورة صحيحة، لعدة أسباب يسردها المؤلف، أولها أن الكثير من النفقات و المنافع لا تكون مادية و بالتالي يصعب قياسها، و ثانياً أن اختلاف وسائل تقدير تلك النفقات أو المنافع يؤدي إلى اختلاف التقييم، و مثال على ذلك أن اختلاف أسعار الصرف المتعامل بها في السوق، قد تؤدي إلى اختلاف تقدير حجم الناتج المحلي الإحمالي GDP، و ثالثاً أن المنافع و النفقات التي تتحقق من المشروعات إنما تتم عبر فترات من الزمن، و بالتالي يصعب اختيار وسيلة مناسبة لحساب القيم الحالية لتيار التكلفة أو المنفعة عبر الزمن، و أخيراً أن تحليل المنفعة و التكلفة إنما يخضع لمفهوم الكفاءة أي تحقيق أقصى فارق بين مقدار المنفعة و التكلفة، الأمر الذي لا يعد دائماً صحيحاً، فالكثرة في كل شئ ليست دائماً أفضل من وجهة نظر الإنسان، فالسرعة الأكبر ليست دائماً السرعة الأفضل، إذا تعلق الأمر بانتقال الإنسان من مكان لآخر، و المعلومات الأكثر ليست دائماً أفضل من المعلومات الأقل، و زيادة درجة الاتصال بين الناس ليست دائماً تغيراً إلى الأفضل، وعليه فإن تصوير هدف الإنسان النهائي بأنه تحقيق أقصى منفعة ممكنة أصبح على حد تعبير كينز مثل الدودة التي لا تكف عن التهام أحشاء الحضارة الحديثة “the worm which has been gnawing at the insides of modern civilization”