آليات تدخل مصر لحل الأزمة السورية ومستقبل دورها لإنهاء الحرب الأهلية - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
آليات تدخل مصر لحل الأزمة السورية ومستقبل دورها لإنهاء الحرب الأهلية

آليات تدخل مصر لحل الأزمة السورية ومستقبل دورها لإنهاء الحرب الأهلية




نجحت مصر في تحقيق اختراق جديد في الأزمة السورية وإيجاد موطئ قدم لها عن طريق الدبلوماسية، ولتثبت صحة وجهة نظرها منذ البداية وهي أن الحل السلمي للأزمة هو الأساس وليس هناك بديلا عنه، وظهر ذلك في رعاية الحكومةالمصرية لاتفاق “خفض التصعيد” في الغوطة الشرقية لدمشق، بين قوات الجيش السوري وفصائل من المعارضة وبضمانة وزارة الدفاع الروسية، بالتزامن مع اتفاق الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا على وقف إطلاق النار  في جنوب غرب سوريا، بجانب وجود مساعي أخرى للتوصل إلى اتفاقيات مماثلة في عدة مناطق خاصة في إدلب.

وجاءت هذه الاتفاقيات في ظل هزيمة تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسقوط الموصل وفقدانه أغلب أراضيه بالعراق، وكذلك سوريا وهناك استعداد يجري الآن لتحرير الرقة عاصمة داعش، ومع تورط الكثير من الدول بدعم جماعات مسلحة في سوريا برزت مصر باعتبارها الدولة غير المنخرطة في الأزمة السورية أو دعم جماعات مسلحة أو النظام ما يؤهلها للقيام بعمليات المصالحة والوساطة الجارية الآن، فالنزاع السوري بدأ يضع أوزاره، وليس هناك بديلا عن الحل السلمي للأزمة فلن يقدر الجميع على الاستمرار في الاستنزاف العسكري الذي سيضر الجميع.

أولا – أنماط التدخل المصري:

اندلعت التظاهرات في سوريا بداية من مارس 2011 في وقت كانت مصر منشغلة بأوضاعها الداخلية، نتيجة لخروجها من ثورة أثارت العديد من التجاذبات ووجود تنافس بين القوى الداخلية على وضع ملامح النظام الجديد، وفي ظل عدم وجود نظام قوي ورؤية واضحة لإدارة الداخل فضلا عن الخارج و التعامل مع دول الجوار حدث انكفاء داخلي لمصر وبالتالي لم تستطع التدخل في سوريا في بداية اندلاع التظاهرات، التي تحولت بعد ذلك إلى حرب أهلية وترك الأمر لقطر والسعودية اللذين تفردا كثيرا بملف الأزمة السورية ، وأدت سياستهما إلى عسكرة الثورة والتسبب في حرب أهلية عن طريق دعمهما للمسار العسكري للثورة.

ومع قدوم جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر بدأ الرئيس السابق محمد مرسي الميل إلى الموقف التركي القطري السعودي بضرورة رحيل نظام الرئيس بشار الأسد حتى بالقوة، لكن عقب الإطاحة بنظام الإخوان في مصر، بدأت الدولة المصرية إعادة النظر في الأزمة والتأكيد دائما على الحل السلمي للأزمة ومكافحة الإرهاب، ونظرا لعدم وجود أي نفوذ حقيقي لمصر في سوريا لم تستطع التأثير بشكل كبير سواء على المعارضة أو النظام، لكن نجحت مؤخرا في إيواء أجزاء من المعارضة السلمية الساعية للتفاوض بالتعاون مع روسيا لتنجح مؤخرا في عقد هدنة بالغوطة الشرقية.

وتمثلت أهم أدوات التدخل المصري لحل الأزمة السورية في:

1 – التصويت في مجلس الأمن الدولي:

حافظت مصر التصويت في مجلس الأمن بعيدا عن الاستقطابات بين الولايات المتحدة وروسيا فيما يتعلق بالأزمة السورية و ذلك خلال عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن التي بدأت في يناير 2016 لمدة عامين، فكانتالقاهرة تركز  على دفع جهود التسوية السلمية للأزمة، لأن إطالتها  يتسبب في أضرار كثيرة ليس فقط للسوريين ولكن لدول الجوار ومنهم مصر.

انتقدت السعودية وقطر في أكتوبر 2016  تصويت مصر في مجلس الأمن لصالح مشروع قرار روسي حول الأزمة السورية الذي فشل لعدم حصوله على الأصوات الكافية لتمريره حيث دعا مشروع القرار إلى الاسترشاد بالاتفاق الأمريكي الروسي لإيصال المساعدات إلى المناطق المحاصرة، وحث الأطراف على وقف الأعمال العدائية فورا، والتأكيد على التحقق من فصل قوات المعارضة السورية المعتدلة عن الجماعات المصنفة إرهابية، لكن رفضت القوى الكبرى بالمجلس هذا المشروع محملة روسيا المسؤولية عما يجري في سوريا من انتهاكات.

واعتبر المندوب السعودي الدائم لدى الأمم المتحدة، عبد الله المُعلمي تصويت مصر لصالح مشروع القرار الروسي، “مؤلما” بل ذهب إلى التقليل من الدور المصري والتشكيك في دورها لحل الأزمة السورية قائلا :”كان مؤلما أن يكون الموقف السنغالي والماليزي أقرب إلى الموقف التوافقي العربي من موقف المندوب المصري”، ورغم العلاقات القوية بين مصر والسعودية وقتها لم ترضخ القاهرة لطلب الرياض التي دائما ما دعمت الحل العسكري في سوريا ورحيل النظام السوري ولو بالقوة، ما رفضته مصر منذ البداية مؤكدة أن الحل السلمي للأزمة هو الأساس.

وتمادت الرياض في موقفها الداعم للمسار العسكري، فقد أكد  المعلمي أن بلاده ستواصل دعمها للشعب السوري بكل الوسائل، وبالطبع منها الدعم العسكري لفصائل المعارضة، كما تدعم المملكة المعارضة عسكريا تدعم أيضا قطر فصائل موالية لها، فقد وصفت  وقتها مندوبة قطر لدى الأمم المتحدة، “علياء آل ثاني” الموقف المصري لجهة التصويت لصالح مشروع القرار الروسي، بالمؤسف.

ولأن مصر تسعى إلى إنهاء الأزمة السورية بأسرع وقت لايهمها من قدم مشروع سواء الطرف الأمريكي والداعمون له أو الطرف الروسي، و أوضح مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة عمرو عبد اللطيف، أن مصر صوتت لصالح المشروعين الروسي والفرنسي لأنهاكانت تدرك مسبقا الفشل الحتمي ورغم ذلك صوتت لصالحهما تعبيرا عن موقف مصر الرافض للتلاعب بمصير الشعوب العربية بين القوى المؤثرة في الصراعات بالمنطقة.

واستمرت القاهرة على موقفها في مجلس الأمن الداعي لحل الأزمة السورية ، لتمتنع عن التصويت في 28 فبراير 2017، على مشروع قرار مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات على النظام السوري لأنه خال من الأدلة الحقيقة ويوجه اتهامات جزافية، وغير حقيقية للحكومة السورية فمسودة القرار الدولي حول موضوع الكيمياوي في سوريا حملت قائمة معدة سلفا بالكيانات والأفراد، و يرى مقدمو القرار أنهم المسؤولون عن استخدام السلاح الكيمياوي في سوريا، إلى جانب عدم وجود أي نوع من الأدلة على مسؤولية هؤلاء الأشخاص عن الهجمات.

وفي إطار كشف مصر لجزء كبير مما يجري في سوريا أكد مندوبها خلال كلمته بجلسة مجلس الأمن لمناقشة المشروع الأمريكى حول الهجوم الكيماوى فى سوريا، يوم 12 أبريل 2017 أن الحرب ساهمت فى خلق ملاذا آمنا لعشرات الآلاف من المرتزقة والإرهابيين فى سوريا، ولأن مصر تتبع موقفا حياديا من الأزمة كشفت عن طبيعة حرب الوكالة الدائرة الآن على الأراضي السورية بين العديد من الأطراف وتعهدت بإنهائها، فمثلا تركيا تريد تأمين شريطها الحدودي واقتطاع أجزاء من سوريا لمنع إقامة دولة كردية والسعودية وقطر تسعيان لإقامة نظام موالي لهما وكذلك إيران وروسيا تريدان ضمان مصالحهما بالمنطقة ومثلهما الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي الذي يسعى إلى تقويض النفوذ الروسي في الشرق الأوسط.

وبالتالي تقوم ركائز السياسة المصر ية في مجلس الأمن تجاه سوريا على:

 

• عطاء الأولوية لمحاربة الجماعات الإرهابية التي أصبح لها امتداد خارج الأراضي السورية مثل داعش وغيرها، إلى جانب وجود داعمون من الدول لهذه الجماعات واستخدامها في تحقيق مصالحها، وكشفت مصر عن ذلك أمام مجلس الأمن عقب المقاطعة العربية لقطر بسبب دعمها لجماعات إرهابية في سوريا مثل جبهة النصرة وداعش.

• الدعوة لإنهاء الحرب بالوكالة بين الدول الكبرى والإقليمية في سوريا لأن المتضرر هو الشعب السوري ودول المنطقة العربية.

• التركيز على الحل السلمي للأزمة ورفض الحل العسكري لأن الجميع سيخسر نتيجة هذه السياسة ولن يكون هناك منتصرا فيها.

• عقد مصالحة بين جماعات المعارضة المختلفة والنظام السوري والاتفاق على صيغ مناسبة لحل الأزمة سريعا.

2 – استضافة المعارضة المعتدلة ودعم الوساطات السياسية:

سعت الحكومة المصرية إلى محاولة ضم فصائل من المعارضة المعتدلة في كيان سياسي قادر على الدخول في تفاهمات مع النظام السوري من أجل المساهمة في حل الأزمة، وظهر ذلك في إعلان أحمد الجربا الرئيس السابق للائتلاف السوري المعارض من القاهرة في مارس 2016 إطلاق المؤتمر التأسيسي الأول لـ”تيار الغد السوري”، ويعتبر تيار الغد تيار ديمقراطي تعددي وتعد من أهم مطالبه تأسيس نظام يعتمد على اللامركزية الديمقراطية بصلاحيات موسعة.

وأكد البيان التأسيسي لتيار الغد أنه يؤمن بالتعددية وحل الأزمة من قبل السوريين أنفسهم مع رفض التدخلات الخارجية في الشأن السوري، ودعا البيان أيضا إلى قيام سوريا جديدة مبنية على عقيدة الحرية والحقوق الفردية وأن يحكم سوريا قانون وضعي يتاح للبشر تعديله وتطويره وفق تطورات حياته دون المساس بمقدسات بعضهم البعض.

ومع دعم مصر لتيار الغد استطاعت التوصل خلال الشهر الجاري إلى عقد هدنة بين النظام وفصائل المعارضة بضمان وزارة الدفاع الروسية على عقد اتفاق “خفض التصعيد” في الغوطة الشرقية والمجاورة للعاصمة دمشق التي تنطلق من الهجمات على العاصمة وكذلك تستهدفها قوات الجيش السوري والجماعات المتحالف معها، ومن أهم بنود هذا الاتفاق:

• الوقف الكامل للقتال وإطلاق النار من جميع الأطراف.

• عدم دخول أية قوات عسكرية تابعة للنظام السوري أو قوات حليفة له الى الغوطة الشرقية.

• فتح معبر “مخيم الوافدين” لعبور المساعدات الانسانية، والبضائع التجارية، وتنقل المواطنين.

• تمركز الشرطة العسكرية الروسية في نقاط مراقبة على مداخل الغوطة الشرقية الرئيسية من أجل مراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار.

• تلتزم روسيا مع الطرف الآخر بجدول زمني محدد لإخراج الميليشيات الأجنبية من سوريا التي تحمل شعارات طائفية تخالف الهوية الوطنية السورية، ومحاسبة من ارتكب الجرائم منهم وألا يكون لهم أي دور في حفظ أمن البلاد ومستقبلها.

• تلتزم المعارضة عدم وجود أي من عناصر “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة) في المناطق الخاضعة لسيطرتها في الغوطة الشرقية، كما تؤكد على موقفها الرافض لتنظيم داعش في الغوطة الشرقية.

و بالفعل نجحت الهدنة التي بدأ العمل بها في 22 يوليو 2017، وما زالت مستمرة حتى الآن رغم الخروقات المحدودة، ودخلت حتى الآن دفعتين من المساعدات الإنسانية والطبية إلى مدينة دوما إحدى مدن الغوطة الشرقية، جاءت هذه الهدنة بالتزامن مع نجاح الولايات المتحدة وروسيا في عقد هدنة بجنوب غرب سوريا شملت 3 محافظات لتثبيت وقف إطلاق النار وبحث عقد مناطق خفض تصعيد جديدة تمهيدالإنهاء الأزمة.

واستضافت مصر أيضا العديد من مؤتمرات المعارضة  للمساهمة في خروج مبادرات حقيقة لحل الأزمة السورية ، ففي يونيو 2015، عقدت فصائل عدة من المعارضة مؤتمرا بالقاهرة اتفقت فيه على خارطة طريق لحل سياسي تفاوضي للأزمة مستندة إلى اتفاق جنيف، وأصدر المؤتمر وثيقة بعنوان “خارطة الطريق للحل السياسي التفاوضي من أجل سوريا ديموقراطية” نصت على استحالة الحسم العسكري للأزمة وكذلك استمرار منظومة الحكم الحالية، لكن فشلت هذه المحاولة لوضعها شروطا كبيرة على رأسها رحيل النظام ذاته، لكنها كانت بداية لتبلور تيارات من المعارضة يمكن لمصر العمل معها ودعمها وظهر ذلك في كيان “تيار الغد” الذي من المتوقع أن يكون له دورا كبيرا في عملية التسوية السياسية الجارية الآن بدعم مصري وقبول روسي للدور المصري في سوريا.

ومن الواضح أن العمليات العسكرية في سوريا بدأت تضع أوزارها وهناك توافق على إنهاء الأزمة سياسيا والتفكير في مرحلة ما بعد القضاء على الجماعات الإرهابية وتوحيد فصائل المعارضة المعتدلة، ومن هذه المراحل إعادة الإعمار، وكشف عن ذلك وزير الصناعة المصري طارق قابيل يوم 28 يوليو 2017، بالاتفاق بين الحكومتين المصرية والأردنية للتعاون على تنفيذ مشروعات مشتركة لإعادة إعمار سوريا والعراق، حيث كشف تقرير للبنك الدولي أن إجمالي خسائر الاقتصاد السوري تقدر بنحو 226 مليار دولار.

ثانياـ – التراجع الخليجي في سوريا:

انخرطت السعودية وقطر بقوة في الأزمة السورية منذ اندلاع الثورة خاصة حينما تم عسكرتها واستغلال الجماعات الإرهابية للأحداث وتوسيع نشاطها في سوريا، وسعت كل دولة إلى إيجاد موالين لها في الداخل وخلق أذرع عسكرية في مقابل دعم إيران منذ البداية للنظام السوري بغض النظر عن تداعيات ذلك على الشعب السوري، فمثلًا دعمت السعودية فصائل “جيش الإسلام” أحد أقوى التشكيلات العسكريةالمكون من 60 كتيبة تتوزع على اختصاصات عسكرية مختلفةإلى جانب فصائل أخرى، فيما دعمت قطر فصائل عدة مثل “هيئة أحرار الشام” و”جبهة النصرة” (فتح الشام)، وذلك في إطار سياستهما التي دعمت الحل العسكري للأزمة على حساب الحل السلمي.

1 – الدور القطري:

تراجع الدور القطري الآن في سوريا بشكل كبير خاصة بعد إعلان الدول العربية الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) مقاطعة قطر في يونيو الماضي، وكان من بين أسباب المقاطعة اتهامها بدعم جماعات إرهابية في سوريا بينها “داعش” و”جبهة النصرة”، و دفعتها هذه الضغوط إلى تقليل انخراطها في الأزمة السورية، لأنها الآن تواجه معضلة أكبر  هي الانكفاء على الداخل لمواجهة تداعيات الحصار المفروض عليها.

فمن ناحية أجبرت فصائل المعارضة السورية التي تدعمها دول المقاطعة على قطع علاقتها بقطر  وطرد ممثلي قطر من هذه التشكيلات، ومن ناحية أخرى نتيجة لوقوف إيران إلى جانب الدوحة في أزمتها مع الدول العربية فإنها بالطبع لن تتشتبك معها في سوريا أو مع حليفها الرئيس الأسد، كذلك تركيا تركز الآن على حمايةحدودها ومنع إقامة دولة كردية في سوريا على حددها وتعاونت في ذلك مع روسيا حيث ساعدت في خروج المعارضة من حلب مقابل إنهاء المشروع الكردي والآن هناك تنسيق روسي تركي كبير وصل إلى الموفقة على عقد صفقة منظومة صواريخ “إس400” بين البلدين وهذا سلاح استراتيجي لم يحصل عليه أي بلد من روسيا.

ولهذا الدور القطري الآن في سوريا في طور الانتهاء إن لم يكن كذلك بالفعل، فهي منشغلة بأزمتها الداخلية التي لم تنتهي حتى الآن وطول استمرارها ليس في صالحها وما زالت تعول على الوساطات لإنهاء المقاطعة التي ستضرها اقتصاديا وسياسيا، أما حليفها الأمريكي فيدعم الآن الجماعات الكردية مثل “قوات سوريا الديمقراطية” وهي مناوئة لحليفتها تركيا وبالتالي لن تدعمها، كذلك أوقفت الولايات المتحدة وقف دعم “الجيش السوري الحر” إحدى اهم التشكيلات العسكرية في سوريا الذي تدعمه تركيا والسعودية وقطر وبعض الدول الأوروبية.

2- الدور السعودي:

أعلنت السعودية منذ بدايات الأزمة السورية ضرورة رحيل النظام السوري حتى ولو بالقوة، ما كان محور خلاف مع مصر  التي نجحت في تغير موقف الإمارات لصالحها حيث أصبح الموقف الإماراتي مثل نظيره المصري رافضا لأي حلول عسكرية، ومع المقاطعة العربية لقطر بدأت السعودية في إعادة وجهة نظرها في سوريا إذ لم تعد تطالب الآن بالحسم العسكري، بل حدثت خطوة مهمة في إطار  إقرار المملكة بصعوبة الحسم العسكري وهي إعلان “جيش الإسلام” منتصف يوليو 2017 عن حل نفسه في سوريا والانضمام إلى قوى وطنية من أجل تشكيل جيش سوري موحد.

وتعتبر الرياض الداعم الأساسي لجيش الإسلام الذي بدأت روسيا بإضعافه حينما اغتالت قائده زهران علوش، وجاءت الخطوة الأخيرة لتعلن عن انسحاب السعودية من الملف السوري خاصة عسكريا، فحل جيش الإسلام من المؤكد أنه جاء بعد التفاهم مع مصر والإمارات اللذان يركزا على مكافحة الإرهاب في سوريا وليس إسقاط النظام.

ويمكن القول أن قطر تم تصفية وجودها في سوريا إلى جانب انشغالها بداخلها، فيما بدأت السعودية في الميل للموقف المصري الداعي لحل الأزمة سلميا وإنهاء وجود الجماعات الإرهابية، ولخوف الرياض من وصمها بدعم الإرهاب كما حدث مع قطر بدأت في تفكيك دعمها لأذرعها في سوريا خاصة مع تغير الموقف الأمريكي من مجريات الأزمة الذي بدأ بالتوافق مع روسيا وتمثل ذلك في عقد هدنة جنوب سوريا وجاري الآن الاتفاق على خفض التصعيد في مناطق آخرى.

ثالثا – الموقف الإقليمي و الدولي من الدور المصري:

1 – الموقف التركي الإيراني من مصر:

أدرك الكثيرون أن مصر هي المؤهلة لقيادة عمليات المصالحة وإجراء الترتيبات السياسية في سوريا في ظل تراجع سطوة التنظيمات الإرهابية خاصة داعش، و بالنسبة إلى إيران الحليفة لنظام الأسد تتخوف من أن تأتي الترتيبات والتوافق الأمريكي الروسي على حساب مصالحها لذا تسعى إلى إشراك مصر في المفاوضات الجارية فقد طالب من قبل وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ضم مصر والعراق إلى مفاوضات لوزان حول سوريا التي جرت في أكتوبر 2016، التي شاركت فيها قطر والسعودية والأردن وتركيا.

وهذا يكشف عن عمل طهران منذ البداية إلى ضم مصر للمفاوضات لموزانة التحالف القطري السعودي وقتها الذي كان يدعم المعارضة خاصة عسكريا، ما أثر على المصالح الإيرانية و أدى إلى استنزافها في سوريا، وأدرك الإيرانيون أن القاهرة تستطيع الدفع بقوة في جهود الحل السلمي للأزمة وإنجاح المفاوضات، وكشف أضرار الاستمرار في دعم العمليات العسكرية من قبل الجميع، ويبدو القبول الإيراني بالدور المصري واضحا في هدنة الغوطة الأخيرة التي توسطت فيها مصر، حيث لم تبدي أي اعتراض عليها ولم تحرض النظام على خرقها.

أما بالنسبة إلى تركيا فتتخوف من الدور المصري، نظرا لاختلاف المصالح بينهما ووجود قطيعة بين البلدين منذ يوليو 2013، نظرا لعدم اعتراف أنقرة بشرعية النظام المصري إلى جانب تدخلها في الشأن الداخلي المصري واستضافة ودعم قيادات من جماعة الإخوان المسلمين المصنفة إرهابية من قبل الحكومة المصرية.

ونتيجة لتخوف تركيا من أن تنجح مصر في تسوية الأزمة السورية وفقا للمصالح العربية وما تقضيه ظروف المنطقة، رفضت أنقرة في فبراير2017، اقتراح روسيا بشأن ضم مصر إلى “ترويكا الوسطاء” (تركيا، إيران، روسيا) بشأن مفاوضات أستانة التي تستضيفها كازاخستان لبحث كيفية تطبيق وقف لإطلاق النار، حيث رأت موسكو  ومعها دمشق أنه هذه المبادرة ستكون لها نتائج إيجابية على صعيد الحل السياسي للأزمة السورية، هذا في حال تحقيقها.

2 – القبول الروسي الأمريكي للتدخل المصري:

دعمت روسيا منذ البداية أي دور دبلوماسي لمصر في الأزمة السورية ، اتضح ذلك في اقتراحها ضم القاهرة إلى ترويكا الوسطاء بشأن التسوية السورية، حيث ترى موسكو  أن تعزيز دور القاهرة سيكون مفيدا، لأن مصر أثبتت أنها عدو للتطرف الإسلامي بالإضافة إلى  وجود الكثير الذي يجمع بين سوريا ومصر كما أن القاهرة مهتمة بسيادة الأمن والسلام في سوريا والقضاء على تنظيم “داعش” لأن له امتدادات في سيناء المصرية ما يضر بالأمن القومي لمصر.

و منذ بداية عضوية مصر غير  الدائمة بمجلس الأمن في يناير 2016، صوتت مصر  لصالح مشروعات قرارات قدمتها روسيا كما حدث في أكتوبر 2016، كذلك امتنعت عن التصويت على مشروعات قرارات قدمتها الولايات المتحدة لفرض عقوبات على النظام السوري فيما يتعلق باتهامات لاستخدامه السلاح الكيماوي ضد المدنيين، وكانت مصر أعلنت دعمها في البداية للتدخل العسكري الروسي في سوريا من أجل محاربة الجماعات الإرهابية على خلاف رفض الكثير من دول المنطقة لهذه الخطوة ما أوجد تفاهما منذ البداية بين البلدين فيما يتعلق بتسوية الأزمة.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة فأوقفت برنامج دعم المعارضة السورية يوليو الجاري، وأكد الرئيس دونالد ترامب أن هذا القرار جاء نتيجة لانعدام جدوى هذا البرنامج وضخامته وخطورته، وقد أقر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، في عام 2013 برنامجا لدعم المعارضة السورية المعتدلة لقتال الجيش السوري إلى جانب التصدي للتنظيمات الإرهابية وكلف هذا البرنامج واشنطن أكثر من نصف مليار دولار لتدريب نحو 20 ألف عنصر فقط، انضم بعضهم لداعش والنصرة.

وإلى جانب ذلك بدأت واشنطن في التفاهم مع موسكو للتهدئة في سوريا و تمثل ذلك في توقيع الطرفين على اتفاق لوقف إطلاق النار  جنوب غرب سوريا، وبدأ تنفيذه يوم 9 يوليو 2017، شمل محافظات درعا والقنيطرة والسويداء، وما زال الاتفاق صامدا حتى الآن ويسعى الطرفان إلى ضم المزيد من المناطق إلى الاتفاق، وبالتزامن مع ذلك نجحت مصر في عقد هدنة شملت الغوطة الشرقية ومن المؤكد أن هذا التدخل جاء بموافقة أمريكية إذ لم تبد اعتراضا على هذا الدور الذي قد يتسع في المستقبل في ظل قبول أطراف عدة لهذا الدور.

رابعا-  مستقبل الدور المصري في الأزمة السورية :

يبدو أن الوساطة المصرية في سوريا تتجه إلى المزيد من النجاح ومحاولة الجمع بين فصائل المعارضة السلمية والنظام للدخول في مفاوضات جادة وهذا يرجع إلى:

1ـ مقاطعة الدول العربية لقطر  أثر على دورها بسوريا وجعلها تنكفئ ذاتيا وتحاول التنصل من الجماعات المسلحة التي تدعمها ما يضعف هذه الفصائل وإجبارها على الرضوخ للحل السلمي.

2ـ تخلي السعودية عن مطلبها بإسقاط نظام الأسد عسكريا وقبولها بالحل السلمي، وتمثل ذلك في حل “جيش الإسلام” المدعوم من الرياض، إلى جانب ذلك قبلت السعودية الوساطة المصرية في الغوطة الشرقية ودعمتها في إطار إنهاء الأزمة.

3ـ تراجع تنظيم داعش في العراق وسوريا وبدء الترتيبات السياسية لمرحلة ما بعد داعش، فقد كان التنظيم أكبر عائق لعمليات المصالحة وإنهاء الاشتباكات المسلحة.

4ـ تخلي الولايات المتحدة عن دعم جماعات المعارضة المعتدلة وعلى رأسها “الجيش السوري الحر”، وتوافقها مع روسيا لحل الأزمة.

ومن المرجح أن يتعززدور مصر في سوريا رغم الرفض التركي،لأن الدعم العربي إلى جانب الروسي والإيراني مع التراجع الأمريكي سيجبر أنقرة على القبول بمصر كوسيط لحل الأزمة لأنها لم تنخرط في النزاع منذ بدايته أو تتورط في دعم في دعم فصائل مسلحة، وسيساعد الدور المصري الإمارات من خلال الرافعة المالية ومعهما الكويت وذلك في مشروعات إعادة الإعمار  ودعم اللاجئين.

وسيقتصر الدور المصري حاليا على الوساطة فمن المستبعد مشاركة مصر عسكريا الآن لمنع خروقات وقف إطلاق النار، فقد نفت المعارضة السورية مشاركة قوات مصرية في ضمان تنفيذ وقف إطلاق النار في الغوطة الشرقية بعد ورود أنباء عن مشاركة قوات مصرية في هذا الشأن، لكن قد تشارك مصر مستقبلا بقوات حفظ سلام حال زادت التفاهمات بين القوى الكبرى في سوريا إلى جانب نزع سلاح التنظيمات الإرهابية وتعاون القوى الإقليمية والدول الكبرى مع مصر داخل سوريا.

———————————————————————————————-

المصادر:
1ـ «الشرق الأوسط» تنشر مسودة الاتفاق بضمانة موسكو ورعاية القاهرة، الشرق الأوسط، 24/7/2017، الرابط.
2ـ سوريا.. جيش الإسلام يوافق على حل نفسه لتشكيل جيش وطني، العربية نت، 16/7/2017، الرابط.
3ـ موسكو تقترح إشراك مصر في المفاوضات حول سوريا، روسيا اليوم، 1/2/2017، الرابط.
4ـ مصر في مجلس الأمن: نعارض الاتهامات الجزافية للحكومة السورية، روسيا اليوم، 28/2/2017، الرابط.
5ـ مندوب مصر بمجلس الأمن: نسعى إلى إنهاء الحرب بالوكالة فى سوريا، 12/4/2017، اليوم السابع، الرابط.
6ـ المعارضة السورية: لا وجود لقوات مصرية بالغوطة الشرقية، العربية نت، 23/7/2017، الرابط.
7ـ صدع في الخليج والأثر في سورية، مركز برق للأبحاث، الرابط.
8ـ السياسة المصرية تجاه الأزمة السورية، الجزيرة نت، 26/5/2015، الرابط.
9ـ الجارديان”: إيران طلبت حضور مصر اجتماع لوزان لبحث أزمة سوريا، دوت مصر، 20/10/2016، الرابط.
10ـ مؤتمر القاهرة «من أجل الحل السياسي في سوريا» يبحث إقرار خارطة الطريق لتنفيذ مقررات «جنيف واحد»، 9/5/2015، الشرق الأوسط، الرابط.
11ـ «سي آي إيه» تنهي برنامج دعم فصائل المعارضة السورية، بوابة الوسط، 22/7/2017، الرابط.
12ـ ترامب: أوقفنا برنامج دعم المعارضة السورية لأنه «خطير وغير فعال»، المصري اليوم، 25/7/2017، الرابط.
13ـ مؤتمر القاهرة.. المعارضون السوريون يتفقون على خارطة طريق لحل سياسي تفاوضي، روسيا اليوم، 9/6/2016، الرابط.
14ـ مصر أمام مجلس الأمن: قطر تمول الإرهاب وتمده بالسلاح فى ليبيا وسوريا، موقع 24 الإماراتي ، 21/7/2017، الرابط.
15ـ مصادر: وساطة مصر فى هدنة «غوطة دمشق» تمت بمباركة سعودية روسية، صحيفة الشروق ، 29/7/2017، الرابط.