بعد عامين من الافتتاح: ما الذي قدمته قناة السويس «الجديدة» للاقتصاد المصري؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
بعد عامين من الافتتاح: ما الذي قدمته قناة السويس «الجديدة» للاقتصاد المصري؟

بعد عامين من الافتتاح: ما الذي قدمته قناة السويس «الجديدة» للاقتصاد المصري؟




لو أن حكومة دولة ما قررت في يوم من الأيام مناشدة المواطنين لجمع مبلغ من المال لإقامة شركة مساهمة وطنية مُتعددة المجالات، و بدأت الشركة عملها من العام الثاني على التوالي، لكان نتاج ذلك مزيد من الأرباح العائدة بصورة أساسية على مساهميها ممثلين في مواطني هذه الدولة. لكن في مصر، تختلف المقارنة؛ ففي مشاركة شعبية مُوسعة لتنفيذ مشروع تفريعة قناة السويس الجديدة، جمعت الحكومة المصرية عام 2014 نحو 64 مليار جنيه من خلال شهادات استثمار بفائدة سنوية 12%، مدتها 5 سنوات، يصرف عائدها كل 3 أشهر، و تتحملها هيئة قناة السويس، و ارتفعت هذه الفائدة لتصل إلى 15.5% في ظل رفع أسعار الفائدة مؤخراً.

وحتى يومنا هذا، بعد عامين من افتتاح القناة الجديدة، لم يكن لهذا المشروع إنجاز يُذكر، على الرغم من أهميته التي لا يختلف أحد عليها، فالفارق هنا أن الوقت لم يكن مناسباً لظروف داخلية و خارجية، ولم يكن هذا المشروع في ذلك الوقت سوى مجرد اعتماد نوع من القومية لنظام الرئيس عبدالفتاح السيسي- الذي كان في بداية توليه الحكم- ومن ثم جاء المشروع في وقت يكافح فيه الاقتصاد المصري بعد سنوات من الاضطرابات السياسية التي أدت إلى انخفاض الاحتياطيات الأجنبية في البلاد، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية المتكررة على كافة القطاعات.

ويحضرنا في هذا الذكر؛ تساؤل رئيسي: هل أسهمت التفريعة فعلياً في رفع معدلات التجارة المارة بالقناة خلال العاميين الماضيين؟ و هل أسهم المشروع في زيادة إيرادات القناة كما كان منشود؟

سجل عدد السفن العابرة بالقناة 17,25 ألف سفينة للعام 2015/2016، مقابل 17,54 ألف سفينة للعام المالى 2014/2015، و يتوقع أن يصل عدد السفن العابرة بنهاية العام المالى الماضى 2016/2017 إلى 17,9 ألف سفينة، و بحسب تقرير وزارة التخطيط من المتوقع أن يتباطأ عدد السفن العابرة ليصل إلى 17 ألف سفينة متوقع عبورها للعام المالى 2017/2018. و في الوقت نفسه أعلنت هيئة قناة السويس عن تباطؤ مؤشر الحمولة الصافية من 987,1 مليون طن للعام المالى 2015/2016 مقارنة بـ 992 مليون طن للعام 2014/2015، و بينما وصل حجم الحمولة إلى 1078 مليون طن للعام المنتهي، مقارنة بـ 1075 مليون طن حمولة مستهدفة للعام 2017/2018.

و كان مستبعداً أن يحدث أي زيادة ملموسة في عدد السفن المارة في القناة، ليس تقليلاً من شأن مشروع كبير أنجز في زمن قياسي، لكن ذلك يرجع إلى عوامل بعضها داخلي و الآخر خارجي. فداخلياً هناك من الأسباب الفنية التي تحول دون القدرة على جذب مزيد من السُفن للعبور من القناة ذلك لأن القناة يمر بها نحو 64٪ من ناقلات البترول، و97% من أسطول سفن الصب و١٠٠٪ من باقي أنواع السفن، إذاً فالقناة يمر بها الحد الأقصى من السفن، باستثناء البترول، ذلك بناءً على معدلات التجارة الحالية.

أما عن المانع من زيادة عبور ناقلات البترول فليس له علاقة بحجم التجارة أكثر منه لأسباب فنية من حيث عُمق القناة الذي لا يتلاءم مع تلك الناقلات العملاقة، وعن بقية أنواع السفن، فالقناة فعلياً تستقبل مُعظمها ومن ثم فالتفريعة لن تُسهم كثيراً في زيادة تلك السفن إلا إذا كان هناك نمو في حركة التجارة، والسؤال الأهم هنا؛ هل التفريعة ستُنشط من حركة التبادل التجاري بين مصر و العالم الخارجي، أو بالأحرى يُمكنها أن تُزيد من حركة التجارة العالمية؟.

إيرادات القناة

عند تنفيذ مشروع قناة السويس الجديدة، ارتفعت توقعات هيئة قناة السويس بارتفاع إيراداتها من مرور السفن إلى 13,2 مليار دولار سنويا بحلول عام 2023، بفضل هذه التوسعة الجديدة، و بنت الحكومة توقعاتها بزيادة إيرادات القناة بعد افتتاح القناة الجديدة على زيادة القدرة الاستيعابية لها لتصل في 2023 إلى ما يقرب من 97 سفينة يومياً قبل افتتاح القناة الجديدة، والبالغ 49 سفينة. لكن إيرادات الهيئة من مرور السفن شهدت مزيدا من التراجع في العامين الماضيين بسبب انخفاض معدلات نمو التجارة العالمية.

لكن الآن، أظهرت بيانات رسمية هبوط إيرادات قناة السويس إلى 427,2 مليون دولار في يونيو 2017 من 439,8 مليون دولار في مايو السابق له. و بلغت إيرادات القناة في يونيو 2016 نحو 418,7 مليون دولار، و خلال النصف الأول من العام الحالي زادت إيرادات قناة السويس قليلاً إلى 2,491 مليار دولار مقارنة بـ 2,490 مليار قبل عام، وفي عام 2016 بأكمله تراجعت إيرادات قناة السويس بنسبة 3.3% إلى 5,005 مليار دولار مقابل 5,175 مليار في 2015.

و هنا كان لزاماً على الحكومة تأجيل مشروع التفريعة في سبيل النهوض بمشروعات تنموية أهم، يأتي في مقدمتها مشروع المنطقة الاقتصادية.. نقطة دعم للاقتصاد المصري، المُسمى بمشروع “الحُلم المصري العظيم”، الذي يعد بمثابة قاطرة نمو و بناء جديدة للاقتصاد المصري، فذلك المشروع يضمن تحويل مصر إلى مركز اقتصادي و لوجستي و صناعي و تجاري عالمي من شأنه أن يؤثر في حركة التجارة العالمية من خلال خلق كيانات صناعية و لوجستية جديدة باستغلال عبقرية الموقع الجغرافي لمصر بمنطقة قناة السويس.

و يُظهر المُخطط العام للمشروع عدد من التوجهات و الرؤى المستقبلية لصُناع القرار في مصر أهمها تعظيم السياسات الهادفة إلى استغلال الموارد و الطاقات و الكيانات الحالية في الاقتصاد المصري، و تشجيع رؤوس الأموال الوطنية و العربية و الأجنبية و جذب أكبر قدر من الاستثمارات للمشاركة في المشروع، الذي يؤدي بدوره إلى تعزيز الحركة الاستثمارية في الاقتصاد المصري، و زيادة الدخل القومي المصري، خاصةً من العملة الصعبة نتيجة الزيادة المتوقعة لدخل قناة السويس من زيادة معدلات مرور السفن بالمجرى الملاحي بعد تعزيز حجم التجارة العالمية المارة من القناة إثر الاستفادة المتوقعة من ناتج المشروعات المُزمع إقامتها.

فمشروع التنمية، المُقدر تكلفته بنحو 8,2 مليار دولار أي بما يعادل 64 مليار جنيه، يوازي تكلفة حفر تفريعة قناة السويس، يتضمن أيضاً إنشاء 6 أنفاق جديدة أسفل قناة السويس، على أن تكون هناك 3 أنفاق بالإسماعيلية 2 منها للسيارات ونفق للسكك الحديدية لربط سيناء بالضفة الغربية للقناة، و أنفاق بورسعيد عبر نفقين للسيارات ونفق للسكك الحديدية، بما يسمح بمرور القطارات فى اتجاهين. بل يشمل الحيز الجغرافى للمشروع، ميناء العريش و ميناء شرق بورسعيد وميناء غرب بورسعيد و وادى التكنولوجيا بشرق الإسماعيلية، و المنطقة الصناعية بشمال غرب خليج السويس، و ميناء الأدبية و ميناء السخنة و ميناء الطور.

ومن ثم نجد أن مشروع التفريعة ليس سوى تطوير بسيط لممر مائي للسفن، لكن في حالة استكمال مشروع تنمية منطقة قناة السويس فنحن هنا نتحدث عن منطقة اقتصادية شاملة من خدمات بحرية و صناعة و سياحة و تجارة و تكنولوجيا و اتصالات و غيرها، ما يساهم في زيادة الدخل القومي و العمالة.

كيف يمكن ربط مشروع التنمية بالقطاعات الاقتصادية؟

لطالما ركزت الحكومة خلال فترات طويلة على جذب الاستثمارات من خلال الترويج للمشروعات سريعة العائد الاقتصادي و المادي، و ظهر ذلك بشكل واضح خلال المؤتمر الاقتصادي في مارس 2015 حينما ركزت الحكومة على مجالات بعينها كالعقارات و الطاقة و الاتصالات، و معظمها قطاعات تعتمد على التكنولوجيات الحديثة التي تُجلبها معها الشركات العابرة للحدود، دون تنوع أو انعكاس على التنمية و العدالة و التشغيل.

و على نهج مُخالف يشمل مشروع التنمية عدد من المجالات التي يُمكنها خلق قيمة مُضافة للاقتصاد المصري يأتي أهمها صناعة تجميع السيارات و الإلكترونيات و تكرير البترول و البتروكيماويات و المعدنية الخفيفة و خدمات السفن و بناء و إصلاح و صيانة السفن، و الصناعات الخشبية و صناعة الأثاث، و صناعة المنسوجات، و الصناعات الزجاجية.

و حتى تكون هناك تنافسية بين الشركات العاملة في المجال، لابد وأن يكون هناك تكامل بين الشركات الكُبرى المتعددة الجنسيات العابرة للقارات و الشركات الصغيرة و المتوسطة، من خلال منحها التكنولوجيا اللازمة للتوسع في الصناعات الهندسية داخل مصر، في وقت تحتاج فيه مصر إلى تعزيز تلك الصناعة التي تمتلك بها خبرات واسعة النطاق.

الفوائد الإقليمية من قناة السويس:

لا يقتصر مشروع قناة السويس على مجرد تحقيق عوائد مرتفعة على المدى الطويل، بل مع استكمال مشروع التنمية ستتحول قناة السويس من مُجرد ممر ملاحي إلى مركز أعمال تجاري لوجستي عالمي متكامل يعتمد على خدمات النقل البحري من إصلاح سفن و تموين بالوقود و الإنقاذ و نظافة السفن و خدمات الشحن و التفريغ، بالإضافة إلى إنشاء مجمعات صناعية جديدة، بما يسهم في وضع مصر على خريطة سلاسل الإمداد العالمية و جزء مُهم من منظومة التجارة العالمية.

و تلك المشروعات التنموية، لن تنعكس آثارها على الاقتصاد المصري فحسب، بل ستنسحب أيضاً على الدول العربية و الأفريقية، فتوسعة القناة ستُسهم حتما في خفض تكلفة الشحن بين دول شرق أفريقيا و الخليج و القارة الأوروبية، كما تسهم أيضا بتخفيض تكلفة الشحن بين دول شرق آسيا و أوروبا، نتيجة تخفيض الفترة الزمنية التي تحتاجها السفن للعبور، فضلاً عن سرعة النقل.

التحديات التي حالت دون الاستفادة من مشروع القناة:

أولاً – تراجع النمو الاقتصادي العالمي:

يٌشير أحد تقرير لصندوق النقد الدولي، إلى تباطؤ شديد للنمو في منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا خلال العام الحالي بسبب تباطؤ النشاط الاقتصادي في البلدان المصدرة للنفط، و قد يتعافى اقتصاد هذه البلدان مجدداً في العام 2018 إذ ما تحسنت أسعار النفط، أما إذا استمرت الأسعار بالهبوط فيمكن أن يشكل ذلك عبئاً أكبر على آفاق النمو للبلدان المصدرة للنفط في المنطقة، و يرى صندوق النقد الدولي، أنه على المدى الطويل، يمكن أن تظهر مزيد من سياسات الحمائية و تعوق الإصلاحات المواتية للسوق على مستوى العالم إذا لم يتم رفع النمو الممكن و تحقيق نمو أكثر احتوائية يصل إلى كل شرائح السكان، و من بين النتائج الممكنة حدوث انقطاعات في سلاسل العرض العالمية و انخفاض الإنتاجية العالمية و ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية التجارية لتصبح أبعد عن متناول المستهلكين.

ثانياً –  تحديات جيوسياسية:

لأن الأمر ليس اقتصادياً فحسب، فالعوائد المتوقعة من القناة المتوقع انسحابها على الدول المُجاورة قد تتعرض لبعض التذبذبات، لأن إقليم الشرق الأوسط مازال يُعاني من حالة من التوتر و تصاعد الصراعات الجيوسياسية و أعمال العنف و المواجهات المسلحة، التي قد تلقي بظلالها على ممرات مائية ترتبط بها قناة السويس، من أهمها التهديد الذي ما زال يواجه مضيق باب المندب بسبب استمرار الصراع في اليمن، وذكرت صحيفة “الاندبندنت” في تقرير لها عن جدوى تفريعة قناة السويس الجديدة، أن هناك مخاوف أمنية حالياً من المرور في قناة السويس حيث ينشط تنظيم “داعش” في شبه جزيرة سيناء، ما يشكل خطراً على حركة الملاحة في قناة السويس.

ثالثاً – تحديات التنافسية:

ليست قناة السويس الممر الملاحي الوحيد للسفن و البضائع حول العالم، فهناك قناة بنما التي تمثل نقطة الانتقال بين اليابان و أستراليا و دول أمريكا الجنوبية و الساحل الشرقي لأمريكا، وكذلك هناك مشروع طريق الحرير الذي تسعى الصين لإعادة إحياءه من خلال إنشاء خطوط سكك حديد سريعة و قطارات فائقة السرعة، ليكون ممر ممتد من شرق آسيا مروراً بآسيا الوسطى و الجنوبية و القوقاز و الشرق الأوسط و أوروبا.

وبالمبدأ الاقتصادي، تُصبح الميزة التنافسية أعلى لدى الدولة التي تُقدم مزيداً من الخدمات المُتكاملة بجودة أعلى و بتكلفة أقل و في زمن قياسي أقل. لذلك سيظل التحدي الرئيسي أمام قناة السويس بعد التوسعة الجديدة هو القدرة على تعظيم العوائد مع منح العملاء أسعار خدمات قناة أقل من منافسيها الموجودين حالياً، و المحتمل ظهورهم في المستقبل مثل بناء قناة “كرا” في جنوب تايلاند، التي ستربط بين المحيط الهندي و الشرق الأقصى، التي يمكن أن يكون لها أكبر الأثر على التنافس بين الممرات الملاحية العالمية الموجودة حالياً.

خلاصة القول، توسعة قناة السويس، رغم أهميتها كمشروع اقتصادي له القدرة على المنافسة عالمياً، فإنه لم يكن المشروع الأهم على مستوى الشأن المصري الذي مازال يفتقد مشروعات التنمية الحقيقية ذات المردود الاقتصادي و الاجتماعي على كل الطبقات المختلفة في المجتمع المصري. فالخطوة المبذولة يُحتفى بها، لكن مازال هناك الكثير من الخطوات اللازمة و الضرورية من أجل النهوض بالاقتصاد المصري يأتي أهمها في الإسراع في مشروع تنمية منطقة القناة دونما أن يتحول إلى مشروع توشكى آخر.

 

——————————————————————————————————————–

المراجع:
  1. “قناة السويس الجديدة” في ذكراها الثانية.. مشروع قومي يوحد المصريين، جريدة الأهرام، 26/7/2017
  2. قناة السويس الجديدة، أرقام وحقائق، http://www.suezcanal.gov.eg/sc.aspx?show=69
  3. قصة قناة السويس الجديدة، من مصر إلى العالم، http://newcanal.suezcanal.gov.eg/?lang=ar#
  4. انخفاض إيرادات مصر من قناة السويس في يونيو، رويترز، 2/8/2017
  5. Suez Canal Regional Development project, Suez Canal Authority, unpublished documents.
  6. النمو الاقتصادي العالمي والحاجة لسياسات مشتركة، http://annabaa.org/، 5/8/2017