التحول في نمط التحالفات في الشرق الأوسط - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
التحول في نمط التحالفات في الشرق الأوسط

التحول في نمط التحالفات في الشرق الأوسط




أدى الربيع العربي إلى حدوث حالة من الفوضى الإقليمية في الشرق الأوسط، و انقسام القوى الإقليمية إلى تحالفين رئيسيين، الأول يجمع إيران و حلفاءها و الثاني بين أغلب دول الخليج و إسرائيل، و أفصحت بعض المتغيرات الأخيرة و نعني بالأساس تغيير الإدارة الأمريكية، و تزايد انخراط القوة الروسية في الإقليم إلى تحول جديد في نظام التحالفات في الشرق الأوسط، و هو التحول الذي نحاول تحليل أسبابه و وضع تصور مبدئي حول شكله المستقبلي، و أثر هذا على مستقبل الصراع في الشرق الأوسط بصفة عامة.

لذا سنقسم هذه الورقة إلى محورين رئيسيين، يتناول المحور الأول انعكاس الصراع بين القوى الدولية الكبرى على الإقليم، بينما يتطرق المحور الثاني إلى تحليل أبرز التحولات في أدوار الدول الإقليمية الرئيسية خلال الشهور القليلة الماضية.

أولا- لعبة القوى الكبرى في الإقليم

1- التوافق الأمريكي الروسي:

أدى الصعود الصيني إلى استشعار الولايات المتحدة وجود ثمة خطر مستقبلي عليها حال جنوح الصين إلى ممارسة أدواراً دولية مزاحمة لها، ما من شأنه تهديد المصالح الأمريكية كقوى مهيمنة بشكل منفرد على النظام الدولي، و تُرجم هذا في إعلان الإدارة الأمريكية في يناير 2012 عن استراتيجية الاستدارة نحو أسيا، و بالتحديد مجموعة دول شرق أسيا بداية من الهند، و في ظل ترشيد السياسة الخارجية من الناحية الاقتصادية لعوامل تتعلق بالوضع الاقتصادي الداخلي، عملت الولايات المتحدة إلى تقليل نفقات انخراطها في الشرق الأوسط قدر الإمكان.

تُرجم هذا الاقتراب الجديد عبر خطوات الإعلان الرسمي عن سحب القوات الأمريكية من العراق نهاية عام 2011، و من أفغانستان بحلول نهاية عام 2014، و حرصت أمريكا على عدم تكثيف تدخلها العسكري في الإقليم على الرغم من حالة الفوضى التي يمر بها منذ عام 2011.

إلا أن هذا التوجه الجديد لا يعني الانسحاب الكلي من الشرق الأوسط، فلازالت الولايات المتحدة حريصة على ممارسة النفوذ الأكبر في الإقليم، و يعود هذا لاستمرار المصلحة الأمريكية في حماية أمن دولة إسرائيل و الحفاظ على تفوقه العسكري النسبي في الإقليم، و العمل على الاستفادة من إمكانيات دول مجلس التعاون الخليجي الاقتصادية و النفطية، عبر محاولة كبح التوسع الإيراني في الإقليم، و هي مصلحة مشتركة تجمع أمريكا و حلفائها الأبرز في الإقليم.

و تفتح هذه الاستراتيجية الجديدة مساحة أمام قوى دولية أخرى تملأ الفراغ الذي خلفته أمريكا في بعض الملفات، ويتم هذا تحت الاشراف أو الرقابة الأمريكية، و لم تجد أمريكا مرشحاُ أفضل من روسيا الاتحادية، وتحقق أمريكا بالتدخل الروسي المكاسب التالية:

 1 –  إلهاء الطرف الروسي عن صراعه مع دول الاتحاد الأوروبي في أوكرانيا و القرم.

 2 –  توسيع مساحة من التعاون مع الطرف الروسي بما يسمح ببناء توافق في المواقف الثنائية تجاه الصعود الصيني، أو تحييد روسيا عن هذا المجال في أسوء التقديرات.

 3 –  هذه المكاسب هو توظيف التوسع الروسي في احتواء الطموح الإيراني، خاصة و أن روسيا تعتبر الشريكة الدولية الأبرز لإيران، بل أن توسعها في الشرق الأوسط قد يكون ضد المصالح الإيرانية في بعض الملفات، و الملف السوري على وجه الخصوص

4 – هذه المكاسب تصعب احتمالية لجوء الصين إلى تكثيف الانخراط في الشرق الأوسط، بسبب أن الساحة مشبعة بالفعل و متقاسمة بين الأدوار الروسية و الأمريكية و الأوروبية.

و هنا من الصعب الدفع بقبول روسيا للاستراتيجية الأمريكية بسهولة، و تعمل روسيا من جانبها على تعظيم الاستفادة من الانكفاء الأمريكي في الإقليم، ما ظهر في الحرص الروسي على دعم استمرار نظام بشار الأسد، و طرح عدة تقاربات للتوافق مع الأدوار الخليجية و الإسرائيلية و حتى تركيا و مصر.

المصالح الصينية في الإقليم:

الصين بدورها تمتلك حزمة من الدوافع و المصالح في الإقليم، و هي كما يلي:

أ- التوترات في بحر الصين الجنوبي: تستهدف الصين مجابهة النفوذ الأمريكي المتصاعد في منطقة بحر الصين الجنوبي، و أدى تكرار الاختراقات العسكرية الأمريكية لما تعتبره الصين “مياهها الإقليمية” إلى سعى الأخيرة نحو توسيع دوائر تنافسها مع الولايات المتحدة، وكسب بعض الأوراق الجديدة في سياق تنافس القوى الدولية، وعلاوة على تعاون الصين مع دول الاتحاد الأفريقي و إيران؛ ربما تبحث الصين عن التعاون مع الدول العربية السنية في الشرق الأوسط.

ب- تأمين إمدادات الطاقة: تعتمد الصين بشكل رئيسي على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج العربي و إيران، و تخشى الصين من تصاعد التوتر بين السعودية و إيران، الذي قد يؤدي لحدوث حرب إقليمية، وما يمثله ذلك من تهديد يؤثر على خطوط إمداد الغاز و النفط.

ج- مبادرة الحزام و الطريق: يحتل الشرق الأوسط موقعا هاما بالنسبة للمبادرة الصينية، و تعول الصين عليه في النفاذ لبعض الأسواق الغنية، و الربط مع الدول الأوروبية و الأفريقية.

د- تكوين حلفاء على شاطئ المتوسط: في ظل الانكفاء الأمريكي في الشرق الأوسط، و تكثيف انتشار القوى العسكرية الأوروبية و الروسية في الإقليم، خاصة شاطئ البحر المتوسط، ما يفرض على الصين البحث عن وجود عسكري في المتوسط، من خلال تعزيز التحالف مع أحد الدول ما يعزز فرص وجود عسكري للصين مستقبلا.

ه- زيادة مبيعات الأسلحة: يعتبر الشرق الأوسط أكبر سوق إقليمية للسلاح، و في ظل تراجع معدلات النمو الاقتصادي، تسعى الصين إلى زيادة حصة مبيعاتها من السلاح، و جاءت الصين في المركز الثالث في قائمة مصدري الأسلحة في العالم في الفترة (2010- 2014) متجاوزة ألمانيا و فرنسا، حيث تمكنت في السنوات الخمس الأخيرة من رفع حجم صادراتها من الأسلحة بنسبة 143%، و يذهب ثلثا صادرات الأسلحة الصينية إلى 3 دول آسيوية، هي باكستان (41%) و بنجلادش و بورما، بحسب تقرير المركز الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم.

و- البحر الأحمر: تمثل هذه المنطقة أهمية استراتيجية للصين، نظرا لأهميتها التجارية، و باعتبارها امتدادا لحركة الملاحة البحرية من قناة السويس، و أدت التوترات الناتجة عن الصراع المسلح في اليمن، و التوترات بين أثيوبيا و أريتريا، و انتشار جماعات القرصنة؛ إلى تكثيف الاهتمام الصيني بالوجود العسكري هناك، و حاليا تتواجد قوات بحرية صينية في هذه المنطقة، بغرض القيام بمهام حراسة في خليج عدن و المياه الصومالية، و تتكون القوة الصينية من فرقاطتين بحريتين و سفينة إمدادات و مروحيتين و حوالي 700 من القوات، كما تمتلك الصين قاعدة لوجستية عسكرية في دولة جيبوتي المطلة على البحر الأحمر.

و في ظل استمرار هذا النمط من التنافس المحموم بين القوى الدولية، و تعقيد حسابات القوة، من الصعب الترجيح بإنهاء حالة الفوضى الإقليمية في المستقبل القريب، و نستعين هنا بالخبرة التاريخية أيضاً، حيث تشير تجربة الفوضى في الإقليم بعد الحرب العالمية الأولى إلى عدم لجوء القوى الدولية إلى تفعيل تسوية سياسية من شأنها بناء الاستقرار في الإقليم، و من الأرجح أن تعمل القوى الدولية إلى إطالة أمد الوضع الحالي، نظرا لما يحمله لها من مكاسب نسبية تصل إلى حد التواجد العسكري، و ربما تمثل دولة الصين استثناء لهذا التوجه الدولي حيال مستقبل الإقليم.

ثانيا – التحول في الأدوار الإقليمية:

ظهرت بوادر تحول في التحالفات الإقليمية مع وصول دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، و تعتبر سياسة التحالفات الإقليمية مفضلة لدى نخب الحكم في السعودية على وجه التحديد، ما دلل عليه محاولات السعودية المستمرة في بناء التحالف العربي في اليمن، و التحالف الإسلامي، و محاولة تكوين قوة عربية مشتركة، كما أن تزامن الانفتاح الإسرائيلي مع القوى الإقليمية السنية المختلفة يشير إلى أن ثمة رغبة إسرائيلية في إعادة بناء تحالفات إقليمية لمواجهة إيران. و يضاف إلى ذلك السعي الملحوظ للأطراف الإقليمية السنية لإيجاد أرضية لعلاقة جديدة مع إسرائيل، من خلال دعوات بناء السلام الإقليمي، أو من خلال عودة الحديث عن المبادرة العربية للسلام، و تعتبر السعودية الدولة البينية بين مختلف الأطراف، فلا يجمعها خصومة مع كلا من تركيا و الإمارات و مصر و إسرائيل، على عكس العلاقات المصرية التركية أو الإماراتية التركية، ودللت بعد المتغيرات الأخيرة على سيطرة هذا النمط التحالفي على دول الإقليم، و أبرز هذه المتغيرات ما يلي:

1- تحول التوجهات الخارجية للسعودية:

• الأزمة مع قطر

حدثت هذه الأزمة كأحد توابع مؤتمر الرياض 2017، و بينما ظل الخلاف فيما سبق محصورا على قطر و الإمارات، أدى دخول السعودية على خط الخلاف مع قطر إلى تعظيم مستوى الخلاف، و وصل إلى حد المقاطعة الرباعية (الإمارات- السعودية- البحرين- مصر)، ويمكننا تفسير تحول الموقف السعودي في ضوء النقاط التالية:

 تخلي السعودية عن دعم الإسلام السياسي: على الرغم من دعمها السابق للمحور الإسلامي الراديكالي في الإقليم، أدت عوامل تراجع المكاسب الميدانية للإسلاميين في سوريا و العراق و ليبيا إلى استشعار الطرف السعودي عدم جدوى استمرار دعم المحور الإسلامي الراديكالي.

• التوافق مع الأجندة الأمريكية: يمكن تفسير التحول السعودي أيضا في ضوء محاولتها التوافق مع التوجهات الخارجية للإدارة الأمريكية الجديدة، وفي القلب منها المعاداة الصريحة مع قوى الإسلام السياسي في الإقليم.

• ترويج الصورة الليبرالية للسعودية: يحرص ولي العهد السعودي إلى الترويج لتبنيه أجندة ليبرالية للدولة السعودية، في محاولة لتغيير الصورة النمطية لها لدى الدول الغربية، و النأي بنفسها عن موجة العداء للإسلام، علاوة على تصدير الصراع مع إيران على إنه صراعا بين المحور العلماني و الإسلامي في الإقليم.

التقارب مع مصر و إسرائيل: يتسق التوجه السعودي الجديد ضد القوى الإسلامية إلى حرصها على بناء تحالف استراتيجي مع دولتي مصر و إسرائيل و هى النقطة التي سنتناولها تفصيلا فيما يلي.

2-التقارب السعودي مع مصر و إسرائيل:

أدى التنازل المصري عن جزيرتي تيران و صنافير إلى السعودية إلى توفير ذريعة مناسبة لخلق إطار تطبيعي و نافذة للعلاقات السعودية الإسرائيلية، ومن الشواهد التي تؤكد ذلك:

أ- تصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، التي أكد خلالها التزام السعودية بالالتزامات المصرية المقررة في معاهدة السلام مع إسرائيل فيما يتعلق بالجزيرتين.

ب- تصريح وزير الأمن الإسرائيلي موشيه يعلون عن حدوث تنسيق مسبق مع إسرائيل لاستطلاع رأيها في مسألة التنازل عن الجزيرتين، ما يعني ضمناً أن التنازل تم بموافقة و تفاهم مع إسرائيل.

ج- تم تنظيم لقاء حواري علني في واشنطن بين إسرائيل و السعودية في مايو 2016، و هو الأول من نوعه، و جرى بين رئيس الاستخبارات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل، و الجنرال يعقوب عميدرور مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق. ويمكن اعتبار ذلك بداية حقبة جديدة من العلاقات المعلنة بين البلدين.

يمكن تفهّم حيثيات و دوافع التقارب السعودي مع إسرائيل في ضوء حاجتها إلى خلق اصطفاف إقليمي جديد بينها و بين جميع خصوم إيران في المنطقة، في إطار الصراع الإيراني السعودي، و يمكن توضيح الأبعاد المرتبطة بذلك على النحو التالي:

1- ظهرت المصلحة المشتركة للسعودية و إسرائيل في حدوث تقارب بشكل أكثر إلحاحاً من ذي قبل، عقب توقيع الاتفاق النووي بين إيران و الدول الكبرى؛ بسبب عدم الالتفات للمطالب السعودية و الإسرائيلية بخصوص هذا الاتفاق.

2- مع شيوع العداء لإسرائيل لدى الشعوب العربية، بشكل يجعل أي تطبيع للعلاقات مع إسرائيل بمثابة “تنازل”، لم يكن من الممكن للسعودية الإقدام على خلق نافذة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل من دون ارتباط ذلك بتحقيق مكاسب استراتيجية سعودية، تنفي فكرة “التنازل” أو تبررها؛ و في هذا الإطار فإن الهيمنة السعودية على الجزيرتين الاستراتيجيتين يعد حلاً مثالياً لتحقيق هذا الهدف.

3- يتيح التقارب مع إسرائيل مجالاً أوسع للتأثير السعودي خارج نطاق مجلس التعاون الخليجي، خاصة في ظل وجود بعض التباين في السياسة الخارجية مع بعض أعضائه، مثل الإمارات؛ ما يعزز من فرص نمو الدور السعودي كقطب إقليمي من خلال تعدد البدائل و المسارات المتوفرة لديه.

3- الصعود الإماراتي في الإقليم:

• التحالف مع مصر: دعمت الإمارات السلطة الجديدة في مصر بعد 30 يونيو، عن طريق الترويج للنظام الجديد في الدول الغربية، كما قدمت الإمارات لمصر دعما اقتصاديا يصل إلى 20 مليار دولار (بما في ذلك القروض و المنح و الاستثمارات)، و يجمع الطرفان تطابقا في التوجهات تجاه الأوضاع الإقليمية، كما يجمعهما تنسيقا عسكريا مرتفع المستوى في ليبيا بالتحديد، و يتشاركان الأجندة نفسها فيما يتعلق بدعم النظام السوري، و مشروع تمكين محمد دحلان من السلطة الفلسطينية، وغيرها من الملفات، و يعتبر التحالف المصري الإماراتي موازيا للتحالف التركي القطري في الإقليم.

• التدخل في ليبيا: كباقي دول مجلس التعاون الخليجي، دعمت قطر الضربات الجوية لحلف الناتو إبان عملية الإطاحة بالقذافي في 2011، و شاركت الإمارات في العملية العسكرية بـ 6 طائرات إف 16 و 6 مقاتلات ميراج، و بعد الإطاحة بالقذافي، دعمت الإمارات بالمشاركة مع مصر العمليات العسكرية لجيش خليفة حفتر، و تسعى الإمارات إلى المضي قدما في الملف الليبي، و الدفع بالأوضاع نحو التسوية نظرا لتحقيق الوضع الحالي مكاسب نسبية لها، ما انعكس في حرصها على الانفتاح على حكومة السراج في مايو الماضي، و يعتبر الملف الليبي من أبرز أسباب الخلاف مع قطر، نظرا لدعم الأخيرة للتيارات الإسلامية هناك.

• الحرب في اليمن: تعد الإمارات من أبرز الفاعلين في تحالف عاصفة الحزم الذي يشن حربا في اليمن منذ أبريل 2015، و تشارك الإمارات في الحرب بقوة مكونة من 3000 جندي، و فقدت الإمارات في الحرب ما يزيد على 100 جندي، و هي أكبر خسارة لحقت بالإمارات عسكريا في الإقليم، و تستهدف الإمارات من الحرب مد نفوذها داخل اليمن، و أثيرت بعض التكهنات عن رغبة الإمارات في السيطرة على ميناء الحديدة وهو ثاني أكبر موانيء اليمن، كجزء من الاستراتيجية الإماراتية في محاولة السيطرة على أهم موانئ بحرية في الإقليم، كما سيطرت الإمارات على مطار جنوب عدن، و تختلف كليا مع التوجه القطري في اليمن بسبب تفضيل الأولى لدعم القوى ذات الطيف السياسي الإسلامي، و تتهم القوى الإسلامية الإمارات بعملها على انفصال الجنوب اليمني تمهيدا لفرض الهيمنة الإماراتية عليه.

• الحرب السورية: كانت الإمارات من أبرز الدول المشاركة في أعمال التحالف الدولي في سوريا ضد داعش، إلا أن تراجعت فعاليتها بشكل ملحوظ عقب التدخل الروسي في 2015، ما دفع الجانب الإماراتي إلى التراجع عن ممارسة دورا عسكريا في سوريا، بينما حرصت على التوائم مع الأجندة الروسية هناك، و تتخذ الإمارات حاليا موقفا قريبا من الموقف الروسي من حيث الاتفاق على ضرورة استمرار الأسد و دعم بقاء مؤسسات الدولة السورية، و توظف الإمارات عضويتها في المجموعة الدولية لدعم سوريا في خدمة هدفها بالتواجد مستقبلا في مألات العمليات السياسية في سوريا. 

4- التقارب التركي القطري:

بسبب تراجع الاتحاد الأوروبي عن مخطط ضم تركيا له، لجأت الأخيرة إلى تكثيف انخراطها في الشرق الأوسط من خلال دعم قوى التغيير في الإقليم، و وظفت علاقتها بقطر نحو تحقيق هذا الهدف، و دفعت أزمة مقاطعة قطر نحو تعميق التعاون بين تركيا و قطر، حيث عمد الطرفان إلى تفعيل التواجد العسكري التركي في قطر، و يجمع الطرفان تحالفا سياسيا بسبب التوافق على دعم تمكين القوى الإسلامية في الإقليم، كما لجأت تركيا إلى انتهاج نوعا من التوازن في علاقتها بمختلف الفاعلين في الإقليم باستثناء مصر و الإمارات، لذا حرصت تركيا على توقيع اتفاقٍ لاستيراد منظومات الدفاع الجوي “إس400” من موسكو في يوليو 2017، ما يعد مؤشرا على التقارب التركي الروسي على حساب العلاقات التركية الأوروبية، و تحاول تركيا توظيف التقارب مع روسيا لتعطيل مشروع إقامة دولة كردية في سوريا، كما تتمتع أنقرة بالاعتراف الدولي بشرعية عملياتها في سوريا من خلال مشاركتها في مفاوضات الاستانة.

5- مستقبل التمدد الإيراني:

نجحت إيران في توظيف حالة الفوضى في الإقليم إلى تعضيد مكانتها على الساحة الدولية، ما تُرجم في عقد اتفاقية لوزان مع الدول الست الكبرى (أمريكا – روسيا- الصين- فرنسا- المانيا- بريطانيا) في أبريل 2015، كما نجحت مع حلفائها في مواجهة القوى الإسلامية الراديكالية في سوريا و العراق، لتحقق إيران بذلك مكسبا نسبيا بتعضيد تواجدها العسكري في العراق و لبنان و سوريا.

إلا أن تنفيذ بنود الاتفاق النووي شهد بعض التباطؤ و التعثر، و يمثل التقارب السعودي الإسرائيلي أحد تحديات الدور الإيراني، خاصة مع الإفصاح الإسرائيلي عن استراتيجية فض الأذرع الإيرانية، و هجوم دونالد ترامب على السياسة الخارجية الإيرانية، و سيؤدى  هذا التحدي إلى تعميق التماسك بين إيران و حلفائها الإقليميين، كما يعزز الخلاف الخليجي – الخليجي من فرص إيران في كسب أطرافا جديدة في الإقليم، و الثابت هنا أن إيران ستسعى الى حفظ مكاسبها بأي وسيلة ممكنة، في ظل استشعارها ارتفاع مستوى التهديد الإقليمي و الدولي لها.

خاتمة –  مستقبل التحالفات في الإقليم:

من العرض السابق يتضح لنا وجود ثمة 3 محاور إقليمية رئيسية يجمعهما التنافس، الأول هو محور إيران و حلفائها، و يعد التقارب السعودي المصري الإسرائيلي الإماراتي أساسا لمحورا إقليميا ثانيا، و تتبقى دول قطر و تركيا كأبرز أطراف المحور الإقليمي الثالث بالاشتراك مع قوى الإسلام السياسي. ويمكننا توقع مسارات التحول في التحالفات الحالية بناء على المتغيرات التالية:

1- العلاقة مع القوى الكبرى: تتباين علاقة هذه المحاور بالقوى الكبرى، و يتمتع المحور الثاني بعلاقات متوازنة مع الأطراف الدولية و بالأساس دعم الولايات المتحدة، و تقف الأخيرة على عداء كامل مع المحور الأول الذي يتمتع بدوره بدعم روسي و صيني، بينما تراوح أمريكا من موقفها تجاه المحور الثالث.

2- مستوى التماسك: يعتبر المحور الثاني هو أكثر المحاور ضعفا من حيث التماسك الداخلي بين أعضائه، و يجمع الإمارات و السعودية بعض التوترات على خلفية النزاع الحدودي بينهما، كما شهدت العلاقة بين أعضاء هذا المحور خلافات سابقة كان أخرها الأزمة بين مصر و السعودية، و يعتبر التقارب مع إسرائيل متغيراُ جديدا على السياق الإقليمي.

و من ناحية أخرى يتميز المحوران الأول و الثالث بمستوى مرتفع من التماسك و التوافق بين أعضائه، علاوة على توفر خبرات قديمة من التحالف داخل كلا من المحورين.

3- العوامل الداخلية: يمكن القول بوجود ثمة تذبذب فيما يتعلق بهذا العامل داخل كل المحاور، إلا أن المحور الثاني هو أكثر المحاور تعرضا للمعارضة الداخلية، خصوصا في دول السعودية و إسرائيل، ويعتبر التقارب مع إسرائيل كفيلا بغضب قطاعات واسعة من المعارضة داخل دول التحالف الجديد.

4- العلاقات البينية: أسس المحور الأول على أساس مواجهة إيران و قوى الإسلام السياسي، وتتسع مساحة التباين بين أطراف المحور الأول و الثالث، و ينطلق التباين بالأساس من الأوضاع الميدانية في ليبيا و اليمن، والخلاف حول مستقبل الإسلام السياسي في الإقليم، على الرغم من اتفاقهم على مواجهة التمدد الإيراني، بينما يجمع المحور الإيراني التركي ملف دعم تيار المقاومة ضد إسرائيل و كذلك تفضيل تغيير الأوضاع الحالية في الإقليم.

 

و الخلاصة، أن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط يشهد تحولاُ جديداُ من نظام إقليمي ثنائي التحالفات، إلى نظام متعدد التحالفات، و هو وضع يعزز من أوضاع عدم الاستقرار في الإقليم، و ينذر ببدء مرحلة جديدة من الفوضى الإقليمية، قد تكون أعنف من مرحلة الربيع العربي.

 

——————————————————————————————————————–

المصادر:
  • “الخارجية السعودية: ملتزمون باتفاقات مصر في كامب ديفيد”. شبكة الإعلام العربية، 10 إبريل 2016. متاح على الرابط التالي:
http://www.moheet.com/2016/04/10/
  • إسرائيل تدخل على خط قضية صنافير وتيران.. ما هي التزامات السعودية نحو إسرائيل التي تحدث عنها وزير الدفاع الإسرائيلي؟”، سي إن إن العربية، 13 إبريل 2016. متاح على الرابط التالي:
http://arabic.cnn.com/world/2016/04/13/israel-saudi-sanafir-tiran?&toperStarEhJUS=1