ترامب من الارتجال للعشوائية.. نهاية الشرق الأوسط «الأميركي»؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

ترامب من الارتجال للعشوائية.. نهاية الشرق الأوسط «الأميركي»؟




تمر السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترامب بمنحنى صعب لا تقف خطورته عند التوقيت الحساس للمتغيرات في السياسة الدولية، وكيفية تعاطي واشنطن مع تحديات تواجه المصالح الأميركية في جميع أنحاء العالم وخاصة الشرق الأوسط، بل أنه من نافلة القول أن التغير في السياسات الدولية هو الثابت، وبالنسبة لدولة بحجم وأهمية الولايات المتحدة، فإن مثل هذه التغيرات لا يمكن أن تكون ذات أثر خطير على مستوى السياسات الدولية طالما أن واشنطن تحتفظ بالمبادرة والمبادأة، والباقيين بما فيهم حلفاء وخصوم واشنطن ليس لديهم سوى خيارات محدودة محصورة بين المقاومة والتكامل والتبعية.

من هذا المنطلق، فإن الأزمة التي تكتنف مسارات السياسة الخارجية الأميركية لا تقف عند المتغيرات التي أضحت واشنطن غير فاعله فيها، لخروج مفاعيل هذه  المتغيرات من حيز التحكم والمبادرة مثلما الحال في سوريا، كان المتغيرات التي فرضتها موسكو وطهران ميدانياً وسياسياً عائقاً أمام إنفاذ ما أرادته واشنطن على مدار سنوات الأزمة، وهو ما يمتد من زوايا أخرى وملفات مستجدة مثل الأزمة القطرية بأن تترك واشنطن “حلفائها” يتصرفون ضمن هامش عملي كان الهدف من إعطاءه هو إنهاء حالة التدخل المباشر المُكلفة خاصة بعد أن أمسى العصر الذهبي للنفط الشرق أوسطي الرخيص من أمجاد الماضي،  ومؤخراً “تنظيم” صراع حلفائها على وكالة سياساتها في المنطقة، الذي نتج في الأساس عن انكماش الغطاء السياسي والعسكري الأميركي تجاه حلفائها في المنطقة، لنصل لنتيجة مثل الأزمة القطرية كتجلي لأحد توجهات إدارة ترامب الخارجية.. فما السبب وراء هذا التخبط الأميركي؟

السبب المباشر هو سبب بنيوي خاص بإعادة هيكلة الاستراتيجيات الخارجية لواشنطن في مختلف مناطق العالم، وكذلك إعادة هيكلة الآليات والأطر والتكتيكات التي قامت عليها السياسة الخارجية للولايات المتحدة. فمثلاً الشرق الأوسط الذي كان يُعد أولوية قصوى على رأس قائمة أولويات السياسة الخارجية الأميركية منذ الحرب الباردة وصولاً لمرحلة الهيمنة المطلقة في التسعينيات إلى التدخل العسكري واحتلال العراق، أضحى اليوم بالنسبة لواشنطن يحتل مرتبة متأخرة تسبقه فيها مناطق وسط وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادي، حيث أخطار تتجاوز وظيفية “محاربة الإرهاب” لمخاطر حقيقية على المصالح الأميركية من زوايا المجال الحيوي وتهديد نمو قوة الصين بكافة أشكالها، وكذلك تجاوز روسيا لمرحلة مقاومة الهيمنة والإنفراد الأميركي إلى الفعل والمبادرة حتى وإن كان يتعلق بأسباب روسية حيوية مثل أمنها القومي، وتطور ذلك إلى فرض واقع يتحدى السياسات الأميركية. ولكن هذه المتغيرات والتحديات قابلتها إدارة ترامب بمعالجة أدت إلى نوع من الارتجال والتعثر يعتبر جديداً على السياسات الخارجية الأميركية وينعكس شكله الفج الأكثر وضوحاً في الشرق الأوسط.

هذه المعالجة ارتبطت بعاملين رئيسيين: الأول موضوعي متعلق بالانكماش الأميركي وتغير أولويات واشنطن كما سردنا أعلاه، مضافاً إليه مراكمة خصوم واشنطن لإنجازات في أكثر من ساحة وملف جعلت الأمور تخرج عن مقاومة هؤلاء الخصوم للهيمنة الأميركية إلى محاولة شغل فراغ خلفته واشنطن وفرض رؤى مضادة. والعامل الثاني ذاتي متمثل في شخص ترامب وخلفيته وكيفية وصوله لأهم وظيفة في العالم، والشبهات التي تدور حوله وحول رموز إدارته وعلاقاتهم بروسيا، وطريقة اتخاذه للقرارات واختياره للأشخاص وتوافقهم مع المناصب المرشحين لشغلها، وأخيراً علاقة البيت الأبيض في عهده بالكونجرس والخارجية والبنتاجون، وأخيراً كيفية تعامله مع إرث الإدارة الأميركية السابقة في الداخل والخارج -الرعاية الصحية والاتفاق النووي كمثال- والبدائل التي يطرحها كبديل عنها.

في نفس المدى، فإن تضفير الذاتي بالموضوعي بكل التحديات التي تواجه السياسة الأميركية مع توقيت المتغيرات الدولية أدى إلى تخبط في القرارات والخطوات وإشارات الضوء الأخضر، التي أعطتها الإدارة الأميركية لحلفاء واشنطن لا يقف عند الإخفاق في معالجة مشكلة ما، ولكن مفاقمتها إلى الحد الذي يضر بالمصالح الأميركية ليس من جانب خصومها لكن حتى حلفائها، وهو ما تجلى في الأزمة القطرية، التي وائم فيها ترامب بين رؤية حلفائه الإقليميين، وبين عقلية رجل الأعمال التي تحكم إدارته، فإذا بالأزمة تفتح مجالاً وفرصاُ لتهديد المصالح الأميركية وليس تحقيقها أو حتى المحافظة عليها.

أمام السابق احتاجت الخارجية الأميركية لتحقيق إنجاز معتبر خلال الأسابيع القليلة القادمة؛ وذلك لاعتبارات حتمية فرضتها التغيرات التي بدأتها إدارة ترامب سواء فيما يتعلق بأولويات السياسات الخارجية للولايات المتحدة في عهد ترامب، أو إعادة هيكلة الخارجية الأميركية وشكل العمل لواحدة من أهم المؤسسات الأميركية، وأخيراً فيما يخص الكباش الداخلي في واشنطن، فعلى سبيل المثال عقد الاتفاق الأخير مع روسيا بخصوص جنوب سوريا تأتي في مقدمة دوافعه إعطاء وزير خارجيته، ريكس تيلرسون، إنجاز ما يدعم اختيار ترامب ليه خصوصاً بعد الأداء الضعيف للخارجية الأميركية في شهور حكم ترامب الستة، وذلك مع تحدي بنيوي على مسار الخارجية الأميركية كمؤسسة يعاد هيكلتها ببنية جديدة للخارجية بميزانية وتوجه جديد في العمل الدبلوماسي بمبدأ رجال الأعمال – شغل تيلرسون منصب رئيس شركة شيلّ للبترول- وهو المبدأ الذي سارت عليه إدارة ترامب منذ دخوله البيت الأبيض، وأبرز تطبيقات هذا المبدأ في المنطقة هو تسكين -وليس تسوية- الخلافات الأميركية-السعودية التي برزت أواخر عهد أوباما مقابل 480 مليار دولار تدفعهم الرياض على مدار السنوات القادمة، وهو ما تبعه حالة من “لامركزية الأعمال” التي أدت لمواءمة ترامب لإرادة أبوظبي والرياض والقاهرة فيما يخص الدوحة، ولكنه سرعان ما تراجع عنه لعوامل كثيرة أبرزها شطط الحلفاء في مطالبهم وكذا اعتراض المؤسسات الأميركية على المضي قدماً بالموافقة على سياسات الثلاث حلفاء الإقليمية، وتجاوزهم المطالبة بنقل قاعدة العُديد للبحرين وتهديدهم بإقامة قاعدة “عربية مشتركة” في المنامة إذا لم توافق واشنطن على نقل قاعدتها، ولكن بحجة القاعدة التركية لا الأميركية في قطر. وهو الأمر الذي كان حال المضي قدماً فيه سيؤدي لتقليص فرص واشنطن في الخليج كقوة منفردة إلى قوة تتصارع في ساحة إقليمية خارجة عن التحكم الأميركي، عشية تصعيد بين واشنطن وموسكو وأنقرة في سوريا قبيل توقيع الاتفاق الأخير، الذي يبدو ظاهرياً أن قرار ترامب الخاص بإيقاف برنامج تدريب المتمردين لاحق له، ويبدو أنه يتماشى أيضاً مع توجه الإدارة الجديدة الاستغناء عن فكرة إسقاط النظام السوري في مرحلة ما بعد داعش.

الأخطر من هذا على مستوى خارجي أيضاً مرتبط بتعاطي ترامب وإدارته مع الأزمة السورية ومؤخراً الأزمة الخليجية، أن السير قدماً في إيلاء حلفاء واشنطن لامركزية في اتخاذ القرارات المتعلقة بالصراعات الإقليمية سيؤدي إلى إلحاق الضرر  بالمصالح الأميركية الاستراتيجية ليس في الشرق الأوسط فحسب، ولكن على مقياس عالمي، فعلى سبيل المثال كانت القاعدة التركية في قطر، التي تنظر إليها واشنطن على أنها قاعدة لدولة عضو في الناتو وحليفة، ستتحول بالتوازي مع أزمات أنقرة مع الناتو-والذي عولت الدول الثلاث على خروج تركيا من الحلف وامتداد ذلك لصدام بينها وبين واشنطن- إلى مسألة خلافية تكاد تصل لحد التهديد. وهو حال حدوثه يرشح التقارب التركي-الإيراني الحادث مؤخراً على خلفية الأزمة القطرية إلى حد التحالف، وهو ما يعني أن منافسة أميركا على نفوذها على ممالك وإمارات الخليج لن تكون مقتصرة على إيران فحسب بحكم الموقع الجغرافي، ولكن أيضاً ستنضم لها تركيا، وهو ما يخلق فرصة ندية تحدي الوجود الأميركي في الخليج وليس فقط مقاومة تفردها به.

وقياساً على مستوى أكبر، فإن مستقبل التعاطي مع الأزمة القطرية وغيرها من الملفات في الشرق الأوسط من جانب واشنطن وحلفائها، والتباينات فيما بينهم يخلق أيضاً فرص لقوى إقليمية ودولية قد تهتم بالدخول على خط هذه الأزمات  ليس للمصلحة المباشرة من أي زاوية ولا حتى من أجل مصلحة غير مباشرة تتحقق بهامش الخلاف بين حلفاء واشنطن، مثل إيران وتركيا، ولكن لقوى مثل الصين وروسيا وربما بريطانيا، قد يروا في التداخل على خط الأزمات الخليجية التي أضحت مزمنة في السنوات الأخيرة فرصة لتعديل موقف واشنطن ناحية ملف أو قضية خلافية في ساحات أخرى أو شأن أخر بعيداً عن صراع المحاور في الشرق الأوسط. وهذا يعني، على سبيل المثال لا الحصر، أن الأزمة القطرية على الرغم من انتهائها عملياً لا تزال مسارات تداعياتها تتجاوز العودة للمربع السابق سواء بالنسبة لشكل الاصطفاف والموائمات الإقليمية، وشكل العلاقات ومدى قوتها بين الدول الثلاث “الحليفة”، ولكن هذه المسارات تخلق بيئة مناسبة لأن يتحول الخليج لمسرح صراعات إقليمية ودولية جديدة، سواء بواقع أزمة حلفاء واشنطن، أو صراع المحاور والقوى الإقليمية، أو تدخل قوى كبرى كفاعل في الأزمة لإحداث توازن مع واشنطن، أو بالحد الأدنى رد الأزمات التي رعتها قوى خليجية في مختلف بلدان المنطقة في السنوات الأخيرة، وبالأخص سوريا والعراق، إلى عقر دار هذه الدول وفي حيزها الحيوي والاستراتيجي بشكل مستدام، في وقت تنجز فيه “خصوم” الولايات المتحدة وحلفائها إنجازات مهمة على مستوى المنطقة، قد تضطر واشنطن مستقبلاً للتعاطي معهم بواقعية قد لا يزامنها فيها حلفائها المتصارعين على وكالتها دون تحقيق أي إنجاز في تحقيق الأهداف الأميركية، بل في الواقع فإن سلوك حلفاء واشنطن في الأشهر الأخيرة يعرقلها، كانعكاس للتخبط في السياسة الخارجية الأميركية قد يتحول إذا ما استمر في المستقبل القريب تحت عهد ترامب إلى سياسات عشوائية آنية تناقض أسس قامت عليها السياسات الخارجية لواشنطن منذ عقود.