فلسفة الاقتراض: إشكالية تنامي الدين الخارجي المصري - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
فلسفة الاقتراض: إشكالية تنامي الدين الخارجي المصري

فلسفة الاقتراض: إشكالية تنامي الدين الخارجي المصري




شهد الدين الخارجي تزايد مضطرد للحد الذي يٌنذر بالخطر، خاصة إذا علمنا أنها في معظمها ديون قصيرة الأجل، ليس هذا فحسب، بل أنها لا تذهب لأنشطة إنتاجية بقدر ذهابها لدعم الاحتياطي النقدي و سد عجز الموازنة العامة المتزايد بالفعل الذي وصل لنحو 9% في موازنة العام المالي الجاري.

هذا، و صرح البنك المركزى الاثنين 31 يونيو 2017 فى تقرير له أن الدين العام الخارجى ارتفع بنحو 6.6 مليار دولار  ليسجل  73.88 مليار دولار، بدلاً من 67.3 مليار دولار بنهاية ديسمبر الماضي، و تشكل هذه الزيادة فى الدين الخارجى عبئا كبيرا آخر على الاقتصاد المصري الذي يعاني أزمة ركود تضخمي، نتيجة توسع الحكومه في الاعتماد على التمويل الخارجى لمعالجة أزمة نقص العملة الأجنبية التي تتعرض لها مصر من بعد ثوره 25 يناير.

التطور في هيكل الدين العام الخارجي ( من مارس 2011 إلى مارس 2017)

حدث تطور كبير في حجم الدين الخارجي خلال السنوات الماضية، التالية لثورة 25 يناير، للحد الذي أعطى مؤشرا أن شرعية الإدارة الاقتصادية في الحكومة تُبنى على مدى قدرتها على الاقتراض الخارجي و ليس وضع خطط استثمارية تعتمد على التمويل المحلي و تسيير مناخ جيد لاستقطاب روؤس الأموال الأجنبية بالمشروعات الإنتاجية المتوسطة و الكبيرة المدرة للدخل.

و حدث تطور دراماتيكي للديون الخارجية حيث أن رحله الـ 74 مليار دولار أخذت في التطور آخر 4 سنوات بشكل هيستيرى، جراء الاعتماد المباشر على الاقتراض الخارجى لسد عجز الموازنة، الذى تسببت فيه زياده المرتبات للعاملين بالقطاع الحكومى دون النظر إلى عدم كفايه الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزى أو هيكل الاقتصاد القومي و دائرة الإنتاج الذي من المفترض أن تمول هذه الزيادة في الأجور و تحول دون حدوث عجز في الميزانية، حد  التخوف من عدم المقدرة على السيطرة على هذه الديون.

لا شك أن كم المليارات الهائل الذي تسلمته مصر، من أشقائها، لم يحدث تغيرا ملموسا في بنية الاقتصاد المصري، حيث تسلمت مصر من دول مجلس التعاون الخليجي وحدها ما يربو من 30 مليار دولار حتي نهاية عام 2016، علاوة على ذلك تسلمت مصر العام الماضى 2.75 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، و مليار دولار من البنك الدولي، و500 مليون دولار من البنك الأفريقى للتنمية، بجانب مليار دولار وديعة إماراتية، و ملياري دولار من السعودية، كما أصدرت سندات بقيمة 4 مليارات دولار في الربع اﻷول من العام الحالى الأمر الذي أدى إلى رفع إجمالي ديون مصر الخارجية بشكل سريع.

 و يوضح الجدل التالي إحصاءات تزايد الدين الخارجي بشئ من التفصيل لديون القطاعات للعالم الخارجي، ويتضح نمو الدين الخارجي بأكثر من  110%، أي أكثر من الضعف، بين عامي 2011 و العام الجاري 2017، إذ ارتفع حجم الدين الخارجي من 35 مليار دولار لقرابة 74 مليار دولار حتى مارس من عام 2017.

 

تطور الدين الخارجي المصري (مليار دولار)

 

 المصدر: نشرات وزاره المالية الشهرية (أعداد مختلفه )

لا شك أن الديون بشقيها؛ المحلية و الأجنبية منها، لا تمثل خطرا في حد ذاتها و إنما مكمن الخطر في الملائة المالية و القدرة على السداد، و من أشهر المؤشرات على ذلك؛ نسبة الدين إلى حجم الناتج المحلي الإجمالي و متوسط نصيب الفرد من الدين، فكلما زادت هذه النسبة دل ذلك على تزايد مخاطر القدرة على السداد. وجدير بالذكر أن هذا المؤشر ارتفع من نحو 15% عام 2011 إلى أكثر من 40% حتى مارس من العام الجاري، و إذا أضفنا هذا إلى نسبة الدين المحلي تصل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لنحو 135% و هنا يكمن الخطر في عدم المقدرة على السداد-، فضلا عن تزايد نصيب الفرد من حجم الدين الخارجي من 412 دولار إلى نحو 760 دولار تقريبا.

و لهذا أصبح وضع الدين العام المصري في الوقت الحالي، و توجهاته المستقبلية تنذر بالخطورة، نظرا للاعتماد الكلي على الاستدانه لسد العجز الحادث في الميزانية و رفع مستوى الاحتياطي النقدي الأجنبي المتدني بسبب خروج بعض الاستثمارات الأجنبية، و تراجع عائدات السياحة و قناة السويس، فضلا عن انخفاض تحويلات المصريين العاملين بالخارج، و أيضا لا يمكن حصر المخاطر في الدين الخارجي فقط، حيث أن زياده الدين العام المحلي تكبل الاقتصاد المصري بطوق آخر، حيث أن الدين العام تخطي 3 تريليونات جنيه، الأمر الذي جعل مصر تحتل المرتبة رقم 18 من حيث الدول الأكبر مديونية على مستوى العالم، وفقاً لتقرير موقع business insider  الصادر عن CIA  الذي يعرض 23 دولة هي الأكبر من حيث نسبة الدين العام إلى  الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم.

سياسة الإفراط في الاقتراض

اتبعت الإدارة الحكومية سياسة الإفراط في القروض، و لعلها ارتكزت في ذلك لفلسفة “الاقتراض و توجيه القروض للإنتاج لسداد الديون القديمة و الديون الجديدة التي تنتج عن هذا الاقتراض” و هذه سياسة يتبعها البنك و صندوق النقد الدولي منذ أن أعلنت المكسيك و تبعها في ذلك نحو 80 دولة للتخلص من عبء الديون  في ثمانينات القرن الماضي، ولكن هل توجه الحكومة هذه القروض لأنشطة إنتاجية؟

إذا كان للحكومة القدرة على زيادة الإنفاق العام بما تستدينه من الخارج لزيادة الطلب الكلي وفقا لرؤية العديد من الاقتصاديين لخلق العجلة الاقتصادية من جديد و زيادة قطر دائرة الإنتاج فإن الواقع المصري على خلاف ذلك، حيث تحول الاقتراض الحكومي الداخلي و الخارجي إلى آفة تستخدمه الحكومة بصورة ترقيعية لسداد ديونها السابقة، و من ثم لا يمكن للحكومة زيادة الطلب الكلي في الأجل الطويل.

 استخدام الدين العام لتمويل عجز الموازنة، يؤدي إلى زيادة أعباء خدمة الدين، إذ بلغ إجمالي خدمة الدين نحو 380 مليار جنيه في موازنة العام الجاري بما يمثل نحو 31% من جانب الاستخدامات بالموازنة العامة،  كما أنه مع سوء إدارة الدين العام يزداد عجز الموازنة نتيجة لزيادة الإنفاق العام بمعدل نمو أكبر من معدل نمو الإيرادات العامة، فيستمر بذلك الدين العام في الزيادة ما يعني حرمان المواطنين من الاستفادة من هذه المبالغ المخصصة لخدمة أعباء الدين.

 يمثل الاقتراض صورة لفقدان العدالة بين الأجيال من المواطنين، حيث أن اقتراض الحكومة  لسد عجز الموازنة و ليس إقامة مشروعات استثمارية يمتد نفعها للأجيال القادمة من المواطنين، يجعل القادم أسوأ فبدلا من خلق مشروعات تنموية جديدة للأجيال القادمة نقوم بتوريثهم ديون.

 كما أن الاقتراض بسعر فائدة مرتفع نتيجة لتصنيف مصر الائتماني المنخفض، و كذلك ارتفاع سعر الدولار و ما ينتج عنه من مخاطر سعر الصرف، يمتد أثره السلبى إلى الأجل الطويل حيث أن زيادة سعر الصرف تؤدى إلى زيادة الدين كل عام عن العام السابق عليه.

سبل الخروج من دائرة الدين

من النقاط المضيئة مؤخرا وضع وزارة التجارة و الصناعة خارطة استثمارية للمشروعات الصناعية بكافة محافظات مصر، و يستلزم ذلك توجيه صحيح لرؤوس الأموال المحلية و الأجنبية لزيادة معدلات التشغيل و التعويل على هذه المشروعات في زيادة الناتج المحلي الإجمالي للقدرة على سداد المديونيات، هذا جنبا إلى جنب مع اتباع استراتيجيات للتصنيع من أجل الاستهلاك المحلي و التصدير، علاوة على الإنتاج للإحلال محل الواردات.

و كذلك وضع أهداف واضحة لإدارة الدين العام، و تقدير حجم المخاطر في ضوء اعتبارات التكلفة، و الفصل بين إدارة الدين و الإدارة النقدية من حيث الأهداف، و وضع حدود للتوسع في الاقتراض، و توخي الحرص في إدارة مخاطر إعادة التمويل و مخاطر السوق و تكلفة فوائد أعباء الديون، و ضرورة إقامة هيكل مؤسسي سليم و سياسات قوية للحد من المخاطر التشغيلية، بما في ذلك تفويض المسؤوليات بشكل واضح للجهات الحكومية القائمة على إدارة الدين.

و البعد عن الخلل التنموي الذي بدا واضحا من خلال إقامة مشروعات باهظة التكاليف قليلة العائد، أو مشروعات تعتمد على العملة الصعبة في تنفيذها مع الحصول على مصادر تمويلها بالعملة المحلية و الأجنبية.

تشجيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأخرى خاصة الدول الأفريقية بما ينمي من الصادرات و يصب في صالح ميزان المدفوعات و الاستفادة قدر الإمكان من خلال التكتلات الاقتصادية التي تنتمي لها مصر، و تطبيق نظام ترتيبات الدفع الثنائي مع الدول العربية و الإسلامية و الأفريقية من أجل خفض الاعتماد على العملات الأجنبية لتمويل التجارة.

تحيجم الاقتراض الخارجي إلا في أضيق الحدود لتمويل النفقات الضرورية التى لابد من دفعها وليس لسد عجز أو مشروعات غير مجدية اقتصاديا.

——————————————————————————————————————–

المراجع :
  1. المركزي : 759.4 دولار نصيب كل مواطن من الدين الخارجي، جريدة المال، لا 31 يوليو 2017 https://goo.gl/FemZ4x
  2. الدين الخارجي لمصر يسجل 73.9 مليار دولار بنهاية مارس الماضي، جريدة البورصة، https://goo.gl/8vAb1A
  3. أزمة الدين العام المصري: رؤية تحليلية، 26 يوليه 2016،https://goo.gl/JEVDSl
  4. نشرات وزاره المالية و البنك المركزي أعداد مختلفة.
  5. External Debt (Percentage of GDP) – by country-
    https://goo.gl/jRWsZS