حدود الفقر بين التنمية و العولمة - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

حدود الفقر بين التنمية و العولمة




رأينا أن قضية الفقر أصبحت هي الشغل الشاغل للكثير من الكتابات الاقتصادية في الوقت الحالي، فمع ما يحدث في العالم من حروب و كوارث و أزمات سياسية و اقتصادية، و بات العالم ككرة لهب وقودها ثالوث الشر غير المقدس ” الفقر والجهل والمرض”، وتتعدد تعريفات الفقر، لكن المفهوم الأكثر شمولاً هو عدم قدرة الفرد على تلبية احتياجاته الأساسية، أو الحرمان من المعيشة الكريمة، وبالتالي فاستعانة الكثير من الدراسات بمتوسط دخل الفرد فقط كدليل على الفقر، لا يعد قياساً دقيقاً، لأنه يهمل العديد من الجوانب التي ترتبط بالفقر من طبيعة المسكن والملبس ونوعية الطعام ومدى وصول المياه النقية ومتوسط عمر الفرد المتوقع عند الميلاد…إلخ، بل أبعد من ذلك حيث يرتبط مفهوم الفقر بحق الفرد في الشعور بالأمن والأمان وحرية التعبير وكل الحقوق السياسية الأخرى.

وهناك الكثير من التقارير التي تصدر على المستويين الدولي و المحلي لقياس معدلات الفقر، منها دليل التنمية البشرية الذي يصدر منذ العام 1990، الذي يقيس الفقر أو رفاهية الشعوب وفق 3 مؤشرات هي دليل متوسط دخل الفرد، و دليل التعليم، و دليل الصحة (متوسط العمر المتوقع للفرد)، كما أن الكثير من البلدان تصدر دليلا محليا عن التنمية البشرية في بلدانها، كما في الحالة المصرية حيث يصدر دليل التنمية البشرية القومي ودليل التنمية البشرية للمحافظات عن معهد التخطيط القومي.

ويتناول هذا المقال العديد من المفاهيم التي تتعلق بظاهرة الفقر، أولاً العلاقة بين المفاهيم الثلاثة، الفقر و إدراك الفقر و التنمية، وثانياً العلاقة بين الأغنياء و الفقراء، وثالثاً دور العولمة في ظاهرة الفقر، وأخيراً  رؤية مغايرة لحل مشكلة الفقر.

إن الفقر في حد ذاته ليس خطراً شديداً، فقصص التاريخ تحدثناً عن كثير من الفقراء استطاعوا أن يحققوا نجاحات لم يصل إليها أحد بل وصل العديد منهم إلى هرم السلطة في العديد من البلدان، و لعل الماضي القريب أيضاً و حديث الصحافة و الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي عن إبنة حارس العقار التي استطاعت أن تحقق نجاحاً باهراً في الثانوية العامة رغم فقرها هو أكبر دليل على أن الفقر في حد ذاته ليس مشكلة أمام تحقيق النجاح.

لكن المشكلة الحقيقية هي في “إدراك الفقر” أو بمعنى آخر الشعور به، فالشعور بالفقر يؤدي إلى صعوبات كثيرة أولها المشكلات النفسية، فهذه الفجوات الهائلة التي تحدث كل يوم بين الطبقات الفقيرة و الغنية و شعور الفقراء أنهم بلا قيمة هي أخطر ما في ظاهرة الفقر، و زادت حدة الشعور بالفقر نتيجة هذه الإعلانات التي تعج بها شاشات التلفاز لتتسول على الفقراء، إن الكثير من هؤلاء الفقراء يشعرون بضياع كرامتهم لقبولهم الظهور على الشاشات بهذا الضعف، لكن ماذا يفعلون ليس لديهم حل آخر!

أما المفهوم الثالث، هو حديث الكثير من الاقتصاديين عن أن حل مشكلة الفقر تعود بالأساس إلى تحقيق التنمية وزيادة الناتج القومي، إن هذا الحديث فيه من الجمال و الروعة و الاقناع ما فيه، لكن ماذا لو أدت هذه التنمية إلى سقوط ثمار التنمية في يد الأغنياء أو المستثمرين الأجانب الذين يحولون تلك الثمار إلى الخارج و لا يبقى سوى الفتات لأبناء الوطن، إن تحقيق النمو بدون عدالة في التوزيع  Distributionوإيجاد نظام ضريبي مناسب على شرائح الدخل، فلن تكون للتنمية أي معنى.

أما عن العلاقة بين الأغنياء و الفقراء، فإن الحديث عن الأغنياء هم الأكثر قدرة على تحقيق التنمية، نظراً لأنهم الأكثر قدرة على الادخار و تحقيق التراكم الرأسمالي اللازمين للاستثمار ومن ثم تحقيق التنمية، هو أمر فيه نظر، أولا لأن الادخار وحده ليس عاملاً كافياً لتحقيق التنمية، فمن الضروري وجود تقبل مجتمعي ومناخ اقتصادي مناسب، هذا فضلاً عن ارتفاع إنتاجية العامل. أما الأمر الثاني الذي لا ريب فيه أن الأغنياء في البلدان النامية أقل ادخاراً من الأغنياء في دول العالم، والسبب في ذلك واضح للجميع في ظل السعي وراء شراء أفخم السيارات وغيرها من المنتجات الترفيهية التي لا يقدم عليها سوى الأغنياء.

ولو أن الأغنياء قبلوا بأن يقيموا المشروعات المختلفة لتحقيق التنمية في بلادهم و المساهمة في حل مشكلات الفقر، ما كانت هناك مشكلة، لكن الغريب أن الأغنياء دائماً ما يرددون مقولة أن الفقراء هم المسؤولين عن فقرهم، وأن الأغنياء ليس لهم ذنب في فقر الفقراء، فلماذا يحاول المجتمع أن يقتطع من ثرواتهم لأجل أناس لا يفعلون شئ سوى مزيد من الإنجاب، إن الدكتور جلال أمين في كتابه “فلسفة علم الاقتصاد” يحدثنا عن أن مثل هذا الاحتجاج بالنظرية الداروينية هو أمر مجحف للغاية، فمحاولة تطبيق قانون “الانتخاب الطبيعي” على البشر فيه ظلم شديد، فالقول إن البقاء للأقوى أو حتى الأصلح، وأن الحياة لا تسمح للعيش سوى بالقادر على التكيف مع ظروفها يعني أن تتحول المجتمعات إلى حيوانات ضارية تتصارع فيما بينها في غابة الحياة من أجل البقاء، بدلاً من أن يتكاتف أبناء المجتمع الواحد من أجل الحياة الكريمة.

أما فيما يتعلق بظاهرة العولمة وزيادة حدة ظاهرة الفقر، فقد أدت العولمة إلى انتشار الحديث عن ضرورة رفع الدولة يدها عن أي نشاط اقتصادي – رغم أنه كان مرحب به من قبل -، وكأن الدولة شر عظيم يجب أن تتخلي عن أي دور، ولنفترض أننا وافقنا على هذا، أليس من الضروري أن يكون للدولة قوة الرقابة الحقيقية ومنع أي تلاعب في الأسواق، خاصة في هذه البلدان الفقيرة و النامية التي يسهل فيها عمليات الفساد و الرشوة؟!، الأمر الثاني في أوجه الغرابة، هو رتابة الحديث عن الاستثمار الخاص وأهميته في تحقيق النمو، حسناً نحن نوافق على وجود استثمارات خاصة، لكن لماذا لا يكون الحديث سوى عن الاستثمار الأجنبي، وكأن من الضروري لكي تنجح البلدان أن يأتي أشخاص من الخارج ليقوموا بالاستثمار فيها، أليس من الأجدى أن يتولي أبناء البلد هذا الدور!

لقد زادت خطورة الفقر مع ظاهرة العولمة، وفرض العديد من السياسات الاقتصادية على الدولة النامية، على رأسها تحرير التجارة وفتح الأسواق أمام المنتجات الأجنبية، دون حماية للصناعات الوطنية سواء في الداخل أو الخارج، ولم يكن من ثمار هذا سوى مزيد من سلب الثروات وخلق الصراعات في تلك البلدان، وكانت النتيجة النهاية هي مزيد من الفقر والمرض والجهل، الأمر الذي يعني أن تحرير التجارة لم يؤد إلا لمزيد من الفقر لهذه البلدان، و كما يقول الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد في جامعة كامبريدج ها جون تشانغ في كتابه الصادر عام 2002 ” Kicking Away the Ladder: Development Strategy in Historical Perspective ” إن الدول المتقدمة تحاول منع الدول النامية من أي محاولة لتكرار تلك الخطوات التي أوصلتها لتحقيق النمو عبر سياسة ركل السلم.

ورغم كل هذا ما زالت التقارير الاقتصادية الدولية تحدثناً عن أن ما يحدث حالياً هو أمر طبيعي مرت به كل الدول المتقدمة في طور التقدم، لكن الحقيقة التي يشهدها الجميع أن هذا غير صحيح، بل حتى الآن ما زالت الدول المتقدمة تقدم الدعم لمنتجاتها، بل تفرض الحماية الجمركية وغير الجمركية على منتجاتها، ولعل دعم الحكومة الأمريكية لوادي السليكون هو أكبر دليل على ذلك.

إن الاستعانة هنا بمقال قديم نوعاً ما إلا أنه مفيد، هو أمر ضروري للغاية، فقد انتقد عالم الاقتصاد الأمريكي الأستاذ ديفيد موريس في مقال له بعنوان “Free Trade, The Great Destroyer” الصادر عام 1990، حرية التجارة و استثمارات الحجم الكبير، مؤكداً أن ما تقوم به الشركات الخاصة من تهجير للمواطنين في مقابل إنشاء الصناعات الكبيرة و تطوير المدن أدت إلى تشريد الكثير من العائلات عن منازلهم، و أصبح الكثير منهم بلا عمل مع ازدياد حدة الفقر في المجتمع الأمريكي، بل أنه ذهب إلى حد التأكيد على أن المزارع الأمريكية المملوكة لصغار المزارعين كانت تحقق نفس الإنتاج الكلي الذي تحققه المشروعات الجديدة.

وفي الآخير، فإننا نتساءل، نيابة عن كل الفقراء في العالم، ما الضير لو أن الحكومات تخلت قليلاً عن تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة وزيادة حركات الأموال الساخنة وأرباح أسواق المال، في مقابل الاهتمام بالمشكلات المجتمعية، مثل قضايا الفقر والإدمان، والصحة وصعوبة الزواج…إلخ، إن هذه المشكلات هي التي تؤدي على المستوى البعيد إلى نقص إنتاجية العامل، ومن ثم فإن الاهتمام بها سيؤدي إلى زيادة الناتج القومي أضعاف ما كنا نتوقعه، والأهم من ذلك أنها ستحل مشكلات كثيرة أصبحت تواجه مجتمعاتنا من زيادة الحقد بين الطبقات واتساع الفجوات بينها، وربما تقينا من احتمالات قيام أي ثورات قادمة تحت مسميات ثورات الجياع.

إننا نعلم أن هذا الحديث سيستفز العديد من الأفكار لدى القراء، و لهذا فإننا نود هنا أن نذكر قصة عن دولة ما، كانت تحقق معدل نمو أكثر من 6%، ورغم أن هذا مؤشر جيد على تحقيق النمو الاقتصادي، إلا أن شعب هذه الدولة ثار و أطاح برئيسه، إن شيئاً من التفكير يؤدي بنا إلى إدراك أن شعب هذا البلد أدرك أنه لا يحصل على شئ من تلك الثروة، وأن ما يحدث من نجاحات في مناخ الاستثمار ليست إلا نوعاً من الدعايا لشاب وسيم قادم إلى كرسي السلطة على أكتاف أصدقائه الذين حققوا تلك النجاحات الوهمية.

إننا نخشى أن تتحول الدول النامية إلى مجتمعات اليوتيوبيا الواردة في رواية الأديب المصري الدكتور أحمد خالد توفيق “يوتيوبيا”، بحيث يعيش الأغنياء في مدن عاجية خاصة بهم، بينما يعيش الفقراء في أحياءهم الفقيرة يأكلون الحيوانات الضالة، وللأسف فقد بدأ هذا بالحدوث بالفعل – ولا نحب ذكر أسماء- من انتشار المدن الخاصة التي يمنع الفقراء من دخولها!