تفنين السياسة: كيف يخلق الفن حركات سياسية معولمة؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
تفنين السياسة: كيف يخلق الفن حركات سياسية معولمة؟

تفنين السياسة: كيف يخلق الفن حركات سياسية معولمة؟




تسعى تلك الورقة إلى التأصيل لدور الفن كنشاط سياسي، لا فقط كأداة للتعبير السياسي حيث تدفع الورقة بأهمية تجاوز الرؤية الأدائية للفن، و عدم قصر دوره كأداة توظف بداخل النشاط السياسي و فقط، بل تسعى للقول بإن الفن يمكن اعتباره نشاطاً سياسياً في حد ذاته، و بإن الفنانين هم فواعل سياسيين بالطبيعة.

و يتم الدفع بذلك في تلك الورقة من خلال التركيز على دور الحركات الفنية كحركات سياسية معولمة بإمكانها التأثير السياسي ليس فقط في محيطها بل تجاوز ذلك للتأثير العالمي بما يمتلكه الفن من لغة عالمية و ممارسة النشاط السياسي عبر تلك الحركات الفنية التي يصبح فيها الفنانون بمثابة فاعلين سياسيين.

و عليه، يصبح التساؤل الرئيسي لتلك الورقة هو: كيف يخلق الفن حركات سياسية معولمة؟

و تعمد الدراسة في إجابتها على ذلك التساؤل بالدفع بفرضية رئيسية مفادها القول بحركية الفن كنشاط و فعل سياسي يتجاوز قصره على الإنتاج المادي للفن كمنتج يتم تطويعه بشكل أداتي بل القول بكونه نشاط سياسي يتم ممارسته، و حركة لها نشأة و تاريخ تطور، و إمكانات تأثير، و فرص نجاح و فشل؛ تدفع بجعل الأساس الضابط و الخيط الناظم للقول بحركية الفن هو ما تقوم به تلك الحركات من نشاط سياسي و فعل مقاومة، و ما يترتب على ذلك من استجلاب محاولات السلطة للقمع أو الهيمنة أو كسب تبعية تلك الحركات بداخل النظام السياسي.

أولاً – تفنين السياسة أم تسييس الفن:

تسعى تلك الورقة إلى صك مفهوم تفنين السياسة بدلاً عن مفهوم تسييس الفن؛ حيث نشير هنا إلى كون الفن نشاط سياسي لا مجرد أداة مجردة للتعبير يتم إكسابها الطابع السياسي، بل الدفع بكون الفن نشاط  و فعل سياسي، وعليه، يكون بذلك الفن أحد صور السياسة بخصائص و طبيعة مختلفة وهي خصائص و طبيعة الفن الجمالية، وعليه، يأتي ترجيح مفهوم تفنين السياسة عن مفهوم تسيس الفن الذي يشير لرؤية محدودة للفن كأداة تقوم السياسة بتطويعها و استخدامها دون أن يكون للفن إرادة في ذلك أو بمعنى آخر دون أن يكون الفن لطبيعته محلاً بالسياسة.

غير أن المعيار الحاكم و الأساس الضابط لنا في اعتبار الفن نشاط سياسي هي قدرته على إحداث فعل سياسي مؤثر يدفع الدولة بالتحرك اتجاهها و التعاطي معها سواء كان ذلك التعاطي إيجابياً من خلال محاولة ممارسة هذه الصورة من النشاط السياسي، أو كان ذلك التعاطي سلبياً بمحاولة الهيمنة عليها أو قمعها؛ إلا أنه من الجدير الإشارة لكون تعامل الدولة أو النظام السياسي مع الفن يعمد لخفض الفن لمستوى أدائي أي جعل الفن أداة لخدمة أغراضه و تطويعها لمصالحه ليس أكثر، أو مقاومته كنشاط سياسي بتعمد اختزاله كإنتاج مادي بالمنع و الرقابة رغم إدراكها لتأثيره كنشاط سياسي عبر الحركات الفنية التي تأخذ على عاتقها الانخراط في قضايا السياسة المحلية منها والعالمية.

ثانياً – أنماط تعاطي النظام السياسي مع الفن:

نورد في تلك السطور التالية لأربعة أنماط مفسرة لطبيعة ذلك التداخل بين الفن و السياسة كما أتى بها الباحث كيريل باريت، حيث يعمد باريت لتصنيف ذلك التداخل إما سلبًا بتعرض الفن لتدخل الدولة و رقابتها، أو إيجابًا من خلال الدعم و الاستخدام، و تلك الأنماط الأربعة تمكنا من محاولة  الوصول إلى فهم مدى تأثير و فعالية الفن للحد الذي يدفع الدولة إلى التفاعل معها و التحرك اتجاهها كما سنورد هنا.

• تحجيم النشاط الفني:

يورد الباحث النمط الأول من أنماط تعاطي النظام السياسي أو السلطة السياسية مع الفن من خلال تشريح كيفية تدخل الدولة في الفنون بمنع أعمال فنية محددة، أو أنواع معينة من الفنون بفرض معايير محددة أو من خلال تحجيم العمل الفني كما يحدث في اقتطاع أجزاء من الأفلام أو الروايات و المسرحيات. يتم كذلك التدخل بالتقييد من خلال فرض الرقابة من قبل الدولة على فنانين بأعينهم و توقيع المخالفات عليهم و منعهم من مزاولة نشاطهم الفني، و توقع تلك المخالفات تحت دعوى حفظ الأمن و الفضيلة و مراعاة الآداب العامة، إلا أن يكون خلف ذلك أسباب سياسية و أيديولوجية[1].

• الدعم المصلحي:

يتمثل النمط الثاني في علاقة الفن بالسياسة من خلال دعم الدولة للفنون لأغراض تضعها في برامجها كإحداث طفرة حضارية و ثقافية باستخدام الفنون كمنتج جمالي حضاري مفرغ من المضامين و التأويلات السياسية، و هنا يكون دعم الفن لقيمته الذاتية، بينما قد تكون هناك أسباب عملية كتحسين جودة التصميم في الصناعات التي تتطلب خبرات جمالية وفنية، أو لأسباب دبلوماسية إحداث مكانة ايديولوجية وقومية، وقد تكون المناورة السياسية على مستوى الداخلي أو الخارجي هي الدافع لذلك حيث ترغب الدولة في تقريب فنانين ذوي شعبية محليًا للاستفادة من شعبيتهم وجذب القاعدة الجماهيرية إلى المؤيدة لهولاء الفنانيين ، أو لإحراز مكانة دولية كواجهة ذات ثقل حضاري وثقافي وذلك من خلال تمثيلها دوليًا لإحراز مكانة دولية على سبيل المثال[2].

• تسييس الفن:

يظهر النمط الثالث في تشريح العلاقة بين الفن و السياسة في استخدام الفن للدعاية السياسية Political propaganda. ويقصد بالدعاية السياسية هنا تلك المحاولة الواعية والمتعمدة والمقصودة لتمرير رسالة سياسية عبر الفنون، وتتضمن الدعاية الفنية إما النية لتمرير رسالة  لإحداث تحولات على مستوى السياسات، أوبتبني شكل معين من الفنون الجذابة اللافتة لدرجة التجمهر حولها؛ لكنها مع ذلك بسيطة ممكنة الوصول لكافة الطبقات والفئات و ذلك حتى تكون قادرة على اكتساب قاعدة جماهيرية غفيرة حولها لتصبح من خلالها قادرة على إحداث تأثير واضح وملحوظ[3].

• أدلجة الفن:

و يتمثل النمط الرابع و الأخير في استخدام الفن للتعبير عن الأيديولوجيا السياسية، وهنا يتم التعبير عنها إما بشكل واضح من خلال التعبير عبر أنواع الفنون المختلفة ببساطة عن مجموعة من العقائد السياسية دون أن يكون الغرض من ذلك إحداث تغييرات فعلية بل هو تعبير عن معتقد أيديولوجي، و قد يلجأ لذلك التعبير أناس عاديون ليس بالضرورة فنانون وإنما بالإمكان أن يلجأ إليه أناس عاديون.

قد يتم كذلك التعبير عن الأيديولوجيا بشكل غامض غير واضح ومقصود ولكن يظهر كنوع من التجلي الداخلي لباطن الفن، ويحمل ذلك إدعائين الأول يتمثل في القول بأن كل عمل فني هو تعبير عن أيدولوجيا سياسية سواء كان الفنان على وعي بذلك أم لا، ويتمثل الإدعاء الثاني في القول بأن القيمة الجمالية للعمل الفني هي التي  تحدد إلى حدٍ ما التوجهات الإيديولوجية، وهو التيار الذي تتبناه العديد من الكتابات المهتمة بهذا الصدد[4].

يخلص باريت في نهاية تحليله إلى أن تلك الأنماط في النهاية تبرز لنا أن السيادة في النهاية للاعتبارات السياسية التي تحدد لنا ما إذا كان العمل الفني فنيًا أم لا، جماليًا أم لا، كذلك يقدم لنا ما يكمل إشكالية هذا التحليل بكون أن الفن قد يسقط في مجال السياسة مثلما يسقط في مجالات عدة غيرها كالأخلاق والاقتصاد والاجتماع، ولكنه لابد وأن يُبقي على استقلاله لضمان استمرارية تأثيره حيث يمكن أن نعثر على حل فني لمشكلة سياسية بينما لايمكن أن نعثر على حل سياسي لمشكلة فنية جمالية، وهذا هو مناط التأثير والتأثر[5]. أي أن الفن قابل للتطويع والتشكيل كمساحة رحبة واسعة لممارسة عدة أنماط من الأنشطة ذات الطابع الحركي.

ثالثاً –  الفن وعولمة الحركات السياسية:

و يمكن استيضاح الخيط الناظم و الأساس الضابط لاعتبار الفن نشاط سياسي من خلال الدفع بتتبع حركات فنية هي بالطبيعة ممارسة لنشاط سياسي لا ينفصل فيه إنتاجها ونشاطها الفني عن النشاط السياسي في المجال العام، كذلك النظرإلى تتبع قدرتها على إحداث حراك سياسي باستجلاب تأييد و تنشيط حركات داعمة وطنية وعالمية، واستثارة النظم الحاكمة لاتخاذ مواقف اتجاه أنشطتها واتجاه فاعليها.

1- نماذج وطنية:

يمتلىء المجال السياسي المصري بالعديد من الحركات الفنية السياسية في كل مراحله حيث يتيح لنا بديناميكيته أن نكتشف بل نكشف أهميته عند تتبع علاقة الفنانيين الحرجة بالنشاط السياسي، و ما يتم تعرضهم إليه من سجن واعتقال، أو رقابة ومنع من مزاولة نشاطهم الفني باختلاف خلفياتهم الاجتماعية وانتماءاتهم السياسية، مثال ذلك الفنانة الشابة إنجي أفلاطون التي انضمت إلى جماعة الحرية والفنون في الثامنة عشر من عمرها، وهي ذات نشأة ارستقراطية وتعليم فرنسي لكن لم يمنعها ذلك على الانضمام الحركة الشيوعية والدفاع عن انتماءها الماركسي وقد اعتُقلت أفلاطون عام 1959 في الخامسة والثلاثين من عمرها لتكون أول إمرأة مصرية معتقلة ولمدة أربع سنوات وذلك لانتمائها للحزب الشيوعي المحظور[6].

يمكن كذلك تتبع النشاط السياسي للفنانين خلال فترة حكم السادات، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الفنان جورج بهجوري الذي تم منع كتابه الذي يحنوي على رسوم كاريكاتورية لاذعة النقد لمعاهدة كامب ديفيد التي وقعها السادات ويحمل الكتاب عنوان “الأعمال الفنية الممنوعة”، يمكن كذلك الإشارة إلى الفنان الكاتب الساخر محمود السعدني الذي تعرض لملاحقات من نظام السادات. نجد كذلك نماذج بارزة خلال فترة مبارك وهي الشاعر أحمد فؤاد نجم و الملحن الشيخ إمام اللذان تعرضا لعقوبة السجن لمدة 11 سنة[7].

ويعد أحمد فؤاد نجم نموذجا مميزاً للثورة ضد النظام الذي كان سائداً حيث عبرت حركته الفنية عن النشاط السياسي والذي تجسد في أحد أعمدة الثورات والاحتجاجات المصرية منذ أيام الانتداب الإنجليزي، الدليل علي ذلك طغيان الشعر القومي و القريب من الناس علي معظم أعماله للتعبير عن السخط والاحتجاج الذي تبع نكسة يونيو  1967[8].

و بتتبع مسيرته الفنية دفعت الرئيس الراحل أنور السادات إلي إطلاق لقب ” الشاعر البذئ ” عليه حيث أنه لم يستطع أن يتوافق مع أي حكومة أو سلطة مصرية ، فدخل نجم السجن مرات عدة، كما دخل في خلافات مع كبار المسئولين السياسين في البلاد في أكثر من مرحلة تاريخية فهذا يؤكد وجود مقاومة من جانب أحمد فؤاد نجم من قبل ألحانه وأشعاره وكلماته[9].

وقد شكل أحمد فؤاد نجم مع الملحن الراحل الشيخ إمام عيسى، صاحب نفس التوجه في حركته الفنية والسياسية حركة دافعة للحراك الطلابي، وكانا من أهم الرمزيات لتظاهرات الطلبة في الجامعات المصرية في مطلع السبعينيات[10].

2- حركات معولمة:

ونعمد في هذا الجزء من الورقة إلى الدفع بتطور الحركة الفنية في نشاطها السياسي وإمكانات تأثيرها إلى نطاق عالمي يتجاوز في نشاطه حدود حركته الجغرافية للتأثير في القضايا السياسية العالمية، وقدرته على حشد وتعبئة فاعلين سياسيين على نطاق عالمي واستدعاء مفهوم المواطنة العالمية كمبدأ عام لحركتها تستثمر فيه الطبيعة العالمية للفن كلغة مشتركة عالمية لتفعيل حركتها واستثمار فرص نجاحها وتناميها.

وما يدفعنا للقول بتجاوز الحركة الفنية إلى حد عولمتها كونها تتجاوز في مضمونها ما هو فردي خاص إلى ما هو سياسي عام؛ كذلك كونها تتمثل في المجال العام وتخاطب جمهوراً عريضاً، وكونها توجه لتمثيل عدد من الوظائف الإنسانية والسياسية التي تجمع تيارات مختلفة وتعبر عنها دون أن تخلق استقطابات معينة بالضرورة.

وتعد النماذج على عولمة الحركات الفنية في تعاطيها مع الظاهرة السياسية كثيرة؛ نذكر منها “حركة الداداDada ” وهي حركة مناهضة للحروب استخدمت الخطاب الساخر والهزلي لانتقاد الحرب العالمية الأولى وأجندتها الرأسمالية[11].

كذلك “حركة حقوق الإنسان الحديثة” والتي استمدت حافزها ونشاطها من العمل الفني لبيكاسو المسمى Guerinica في عام 1937 ، والذي ركز على تجسيد وحشية الحرب الأهلية الإنسانية[12].

يمكن كذلك تتبع موجة الحركات الفنية خلال الفترة من عام 1960 وحتى عام 1970 ، والتي عملت على التعبير عن رفض الحرب الفيتنامية كحركة احتجاجية عالمية تكونت من عدد من الفنانين العالميين أمثال: بيتر سوول، كارل أندري، نورمان كالبييرج، ونانسي سبيرو. وقد قام هؤلاء الفنانون بإنتاج عدد من الأعمال الفنية التي تخاطب الوعي الجمعي لمواطني “العالم” حول ضرورة توافر مسئولية اجتماعية عالمية تجاه ما يحدث في فيتنام[13].

ظهرت كذلك عدد من الحركات الفنية التي تأخذ على عاتقها قضايا حقوقية تتعلق بالنسوية والمساواة الجندرية ورفض التمييز العنصري والطبقي، مثال ذلك: حركة الفن النسوي ومؤسستها الفنانة التشكيلية جودي شيكاغو، والتي عملت على إحياء الفكر النسوي بتتبع وضع المرأة في التاريخ والثقافة عبر العالم[14].

• حركة الروك ضد العنصرية «Rock Against Racism» وحركة جوبلي 2000:

تكونت “حركة الروك ضد العنصرية” من خطاب تم إرساله إلى الصحف الفنية المعنية بالموسيقى في المملكة المتحدة عام 1976 كرد فعل مضاد لما فعله أحد موسيقيين الروك وهو إريك كلابتون على مسرح برمنجهام بالقيام ببعض الإشارات العنصرية ومن ثم جاء ذلك االخطاب رافضًا للترويج لثقافة العنصرية التي قام بتصديرها ذلك الفنان. كان ذلك هو الخطاب التأسيسي لتلك الحركة التى قامت بالعديد من الفاعليات الموسيقية من أقصى إلى أدنى المملكة المتحدة ضد العنصرية[15].

 ويبرز أهمية العنصر التنظيمي  في تفعيل نشاطها السياسي وفرص عولمته، والذي توافر عبر توفير الدعم المالي والتنظيمي من خلال التنسيق مع حزب العمال الاشتراكي الذي كان شريك أساسي في الدعم الدعائي للحركة وتوفير كافة التسهيلات المالية والإعلانية والتنسيقية بشكل فعال ودون التدخل في سياسة الحركة[16].

يتضح كذلك عنصر هام يمثل فرصة لنجاح الحركة ولقدرتها على ممارسة النشاط السياسي وهي المشروعية التي اكتسبها الموسيقيون ليس فقط من شعبيتهم وإنما من القضايا السياسية والدوافع التي تلاقت وتوجهات الجماهير[17].

 وأخيرًا جاء العنصر الثالث وهو الأداء مجسدًا لدوافع الحركة وأهدافها. وعليه فإن تلك الحركة تجسد لرابطة قوية بين الموسيقى والمشاركة السياسية من خلال توافر الشروط الثلاثة التى مكنتها من تخليق مجال مضاد للعنصرية[18] .

تأتى الحالة الثانية وهي جوبلي 2000 Jubilee2000″” والتي تأسست بعد حركة الروك ضد العنصرية بحوالي عشرين سنة، وتعد أبرز فاعلياتها هي Live8 في يوليو 2005، والتي قامت باستخدام المقطوعات الموسيقية للضغط على قادة مجموعة الثمانية G8″” لتغيير سياستهم فيما يرتبط بديون العالم الثالث[19].

وتبين من دارسة حركة الروك دورها  في التأسيس لمجال عام سائد وليس مضاد كما حدث في حركة  الروك، حيث جاء المجال العام وسط دعم عريض و أهداف سائدة في كافة الأوساط مدعمة لأهدافها من أجل تخفيف أعباء الدين المفروضة على دول العالم الثالث[20].

وتبين من تلك الحالة توافر العنصر التنظيمي في قيامها بإنشاء لجان تنظيمية بداخل الحركة وأن تعهد بمهام التنسيق لفاعليين مركزيين يتولون الاتصال مع المنظمات غير الحكومية والتنسيق مع المشاهير من الفنانيين والموسيقيين لكسب دعمهم وبالتالي جماهيرهم، كذلك اهتمت بجمع الأموال اللازمة للإنفاق على حملتها من خلال اجتذاب الدعم  والتمويل من رجال الأعمال أو توقيع اتفاقيات مع المنظمات الحقوقية  المهتمة بقضيتهم. وقد تمثل العنصر الثاني وهو مشروعية الموسيقيين من خلال تلاقي أهدافهم مع أهداف المجال العام السائد واتجاهات الصحافة السائدة فحظيت بفبول عريض وكذلك كان هناك بعد آخر لشرعيتها ألا وهو شعبيتها فأصبحت معبرة عن الوعي الجمعي لجماهيرها، وظهر ذلك في يوم فاعلية Live8 والتي تصدرت عناوين أبرز الصحف في المملكة المتحدة كجريدة الأندبندنت و الجارديان و الأوبزرفر[21].

وجاء العنصر الثالث وهو المشاركة الأدائية حيث تم التعويل كثيرًا على أداء النجوم الأكبر حجمًا في السوق، وكان ذلك هو المعيار وليس مضمون وقيمة ما يحمله فنهم وموسيقاهم وهو جانب آخر يتشابك مع سياستهم في الحشد والتنظيم لتخليق المشاركة السياسية[22].

• حركة آي ويوي Ai Weiwei :

يعد أي ويوي من أبرز فناني الصين الذي استطاع تشكيل حركة فنية ذات صلة بالنشاط السياسي العالمي المرتبط بحركة الفن المعاصر؛ حيث استخدم التعبير الفني كنشاط لمخاطبة الحكومة الصينية والتعبير عن مقاومة فسادها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، كما كون حركته التي تصدت لعدد من القضايا السياسية الملموسة على الساحة العالمية وليس فقط فيما يتعلق بالنظام السياسي الداخلي[23].

فقد أصدر “سلسلة دراسة المناظير” لأبرز الأماكن السياحية للبلدان التي تمارس بها انتهاكات كدلالة على أهمية لفت الانتباه إليها والتحرك نحوها، حيث تناول أحد الأعمال ميدان تيانانمين وأسماه “التذكرRemembering ” وبه قام بخلق دعوة لعدالة قضية ضحايا كارثة زلزال شيوان عام 2008. وقد عمل كذلك  مؤخراً على توجيه حركة للالتفات لقضايا اللاجئين السوريين وإطلاق حملة لمساندتهم، الأمر الذي جعله في مواجهة مع النظام الصيني ومحاولاته في قمع حركته الفنية عن أن تصبح ذات منحى سياسي وطابع عالمي للتأثير[24].

• بانكسي وفن الجرافيتي:

يعد بانسكي أحد أشهر فناني الجرافيتي في العالم، وقد كرَس أعماله من أجل النأثير في قضايا السياسة العالمية بطريقة ساخرة إلا أنها لاذعة؛ حيث يرى بانكسي أن الفن سلاح سياسي قاتل وأداة للطبقات الدنيا للانتقام، والثورة، والتمرد، والغضب[25].

وقد تناولت أعمال بانكسي العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية ذات الإطار العالمي مثل: مناهضة الحروب، مناهضة الفاشية، مناهضة الامبيريالية، مناهضة السلطوية، ومناهضة الأناركية. ناقشت أعماله ورسومه كذلك قضايا الشعب الفلسطيني ومشكلات اللاجئين السوريين[26].

 • ناجي العلي – حنظلة.. حركة مقاومة فلسطينية:

و نعمد بتفنيد ذلك النموذج للدفع بإحدى إمكانات النشاط الفني كنشاط سياسي يتجاوز الحركات السياسية بمفهومها التقليدي من حيث المعيار العددي؛ حيث يمكن هنا الدفع بإمكانية اعتبار الحركات الفنية حركات سياسية حتى و إن اعتمدت على فاعل واحد لتلك الحركة حيث تكتسب فاعليتها العالمية من طبيعة الفن ذات الطابع العالمي كلغة مشتركة قادرة على اجتذاب و حشد جماهير لها بغض النظر عن عددية مؤسسيها وقدرة كل منهم على اجتذاب تأييد.

و يعد ناجي العلي نموذجا رئيسيا للدفع بهذا؛ حيث تمكن من تجسيد نموذج ناجح وفاعل لما نصكه من مصطلح تفنين السياسة وما ندفع به من إمكانية وقدرة الفن على تخليق حركات سياسية معولمة. فقد مثل ناجي العلى حركة مقاومة فنية سياسية برسومه الكاريكاتيرية في العالم العربي وكذا الغربي للدرجة التي قادت لتحرك الأنظمة العربية ضده بالانتقاد والهجوم، وكذلك تحرك الأنظمة الغربية ضده لتنظيم اغتياله[27].

ويعد حنظلة أحد شخوصه الكاريكاتورية أبرز رموز المقاومة الفلسطينية الموجهة كشكل من أشكال الاعتراض على موقف العالم العربي من القضية الفلسطينية، وكذلك كنوع من أنواع المقاومة الموجهة ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. ويشير حنظلة إلى طفل صغير حافي القدمين كأطفال المخيمات مديراً ظهره للعالم ومربطاً بيديه خلف ظهره كدلالة على الاعتراض وقت أن بدأت الحلول الأمريكية تُعرض بشأن المشكلة الفلسطينية[28].

الخاتمة:

وعليه يمكن القول بكون الفن نشاطاً سياسياً هو نشاط طبيعي ملازم للفن ونتيجة حتمية لخصائصه كونه لغة عالمية يمكنها عولمة النشاط والفعل السياسي للحركات الفنية وكسب واستجلاب مؤيدين لقضاياها وأهدافها بشكل يتجاوز حدودها المحلية الضيقة مما يمكنها من لعب دور أكثر فعالية وتأثيراً في المجال السياسي العالمي من خلال زيادة عولمة العملية التبادلية للنشاط السياسي للحركات وهي المقاومة والهيمنة من خلال استتباع مزيد من الفواعل المقاومين لعملية الهيمنة المقابلة وبالتالي زيادة تفعيل محاولات وطرق وشدة الهيمنة في المقابل.  

نشير كذلك إلى تلك الرحابة التي يمنحها الفن لمزاولة النشاط السياسي بشكل شامل لكافة التيارات السياسية، والرؤى الأيديولوجية، والقضايا السياسية ذات الطابع العالمي، والتي تحاول دائماً تجاوز محدودية النظر للقضايا في إطار جغرافيتها، أو توجهاتها، وإنما تستثمر كون الفن أداة ولغة عالمية ذات أرضية واسعة عند مختلف الأفراد والفئات والطبقات والأجناس مما يزيد من فرص جعل الفن حركة معولمة مؤسسة على أرضية مشتركة، ومتجاوزة لكافة التمايزات.

——————————————————————————————————————–

الهوامش:
[1] Barry Cyril (1972). Art and Politics: Proceedings of the Aristotelian Society, Supplementary Volumes, Vol. 46, PP. 127.
Heinrich,B.(1983). Art, Imagination and Politics. Harvard International Review, Vol. 6, No. 2,PP9-10.
[2] Ibid, PP127-128.
[3] Ibid, P128.
[4] Ibid.
[5] Ibid.
Ron Ayrman, The Role of the Arts in the Political Protest, Mobilizing Ideas. Available on: https://mobilizingideas.wordpress.com/2013/06/03/the-role-of-the-arts-in-political-protest/
[6]  Sultan Al Qassemi. (31-10-2014). Egypt’s Long History of Activists Artists. The Tahrir Institute For Middle East Policy. Retrieved at: http://timep.org/egypts-political-art-history/
[7] Ibid.
تورج زيني وند ، جهانكير أميري ،” الفكاهه السياسية في أشعار أحمد فؤاد نجم دراسة وتحليل ” ، آفاق الحضارة الإسلامية : أكاديمية العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية ، العدد الأول ، ص ص 47 :50 .
[8] المرجع السابق.
[9]  Sultan Al Qassemi. Op;cit.
[10]  Ibid.
[11] Aliena Martinique, PROTEST ART – FROM PICASSO TO PUSSY RIOT AND BANKSY, THESE ARE THE GREATEST EXAMPLES. Wild walls. Available at: http://www.widewalls.ch/protest-art/
[12] Ibid.
[13] Ibid.
[14]  Ibid.
Occupy.com, Art Killing Apathy: Why We Need Art In Political Movement?, Available on: http://www.occupy.com/article/art-killing-apathy-why-we-need-art-political-movements#sthash.hxhtsdFf.dpbs
Andrea Asef, Political Change from the 1960s to Now: Connections Between Arts & Activist Movements, Valley Advocate, November 2009, Available on:
http://valleyadvocate.com/2009/11/03/political-change-from-the-1960s-to-now-connections-between-arts-activist-movements/
[15] John Street, Seth Hague, Heather Savigny (2oo8). “The role of Music and Musicians in political participation”, The British Journal of Politics and International Relations, pp.269-270.
[16] Ibid, pp. 270-271.
[17] Ibid, pp.271-272
[18] Ibid, p. 273
[19] Ibid, pp. 272-273.
[20] Ibid, pp. 273-274
[21] Ibid.
[22] Ibid, pp. 274-275.
[23]  Aliena Martinique, PROTEST ART – FROM PICASSO TO PUSSY RIOT AND BANKSY, THESE ARE THE GREATEST EXAMPLES. Wild walls. Available on: http://www.widewalls.ch/protest-art/
[24] Ibid.
[25]  Ibid.
[26] Ibid.
Marc Mayer, Art and Politics: An Introduction, Art 21 Magazine, Jan 21, 2009, Available on: http://magazine.art21.org/2009/01/21/art-and-politics-an-introduction/#.WYWTLxWGPIU
[27] Arjan Al Fasseed, Naji al-Ali: The Timeless Conscience of Palestine, The Electronic Intifada, 22July 2004, Available on: https://electronicintifada.net/content/naji-al-ali-timeless-conscience-palestine/5166
[28] Michel Faber, Pens and Swords. The Gaurdian, 11 July 2009, Available on:
https://www.theguardian.com/books/2009/jul/11/child-palestine-cartoons-al-ali