رغم التحالف «العربي-الإسرائيلي».. لماذا يدق«الموساد» ناقوس الخطر؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
رغم التحالف «العربي-الإسرائيلي».. لماذا يدق«الموساد» ناقوس الخطر؟

رغم التحالف «العربي-الإسرائيلي».. لماذا يدق«الموساد» ناقوس الخطر؟




على الرغم من مناخ التحالف بين دول عربية وإسرائيل غير مسبوق في مداه وعمقه وتشعبه، والذي يعد التغير “الإيجابي” الأهم في مسار علاقات الكيان الصهيوني بدول المنطقة منذ 1948، والذي تجاوز في مداه اتفاقيات السلام الثنائية بين تل أبيب والقاهرة وعمان، وتطوره من شكل ثنائي إلى نمط تحالف سياسي يوطد أساسه الاقتصادي والثقافي والإعلامي في السنوات الأخيرة. وتجلي السابق في جو محموم من المنافسة لقيادة تعميم التطبيع مع إسرائيل بين الدول العربية الحليفة لواشنطن، خاصة دول “الاعتدال العربي”: السعودية والإمارات ومصر، والذي تشكل مسألة إدارة العلاقات العربية-الإسرائيلية وقيادتها ليس فقط محوراً للتلاقي وتوطيد التحالف بينهم، ولكن أيضاً عامل منافسة فيما بينهم، وخصومة مع أطراف إقليمية أخرى مثل قطر وتركيا، بالتالي من البديهي أن يكون مناخ التكامل تارة والتنافس تارة والخصومة تارة أخرى في صالح دولة الاحتلال. لكن رئيس الموساد الإسرائيلي، يوسي كوهين، لديه رأي أخر في هذا السياق أبعد ما يكون عن أن التغيرات الحالية في المنطقة والتي في ظاهرها وباطنها تصب في مصلحة إسرائيل، يراها هو في تقرير رسمي عرضه على الحكومة الإسرائيلية بحضور رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الأسبوع الماضي “تسير عكس مصلحة إسرائيل”!

وغني عن الذكر أن العلاقات بين دول الخليج وإسرائيل قد شهدت طفرة كبيرة في السنوات الأخيرة، لدرجة لم تعد السرية المطلقة تناسبها، بل أن الأمر وصل إلى حد التنسيق العلني في كافة المجالات؛ دبلوماسية واقتصادية وعسكرية، هذه الطفرة التي قادها من الجانب الخليجي وتنافس عليها السعودية والأمارات وقطر، أتت على خلفية أولويات مشتركة وتقاطع مصالح هذه الدول مع إسرائيل ضد إيران، ولهذا لم يكن من المستهجن أن تشهد فعاليات هذا التقارب الخليجي-الإسرائيلي تقدماً على مستويات سياسية ودبلوماسية وعسكرية حتى، بوتيرة متسارعه مفاعيلها متقاربة في مداها الزمني على كافة المستويات، وهو ما يصادق تصريحات نتنياهو التي قالها بمناسبة تعيين كوهين أواخر العام قبل الماضي بأن “الموساد يقدم يد العون في النواحي الدبلوماسية، بمساهمته بتطوير إسرائيل السياسية والدبلوماسية في كل أنحاء العالم، بما يشمل دولا عربية وإسلامية (..) ففي الأسبوع الماضي في باريس التقيت زعماء عرب وإسلاميين معتدلين قدروا موقف إسرائيل بتصديها للتطرف الراديكالي للقوى الإسلامية المتطرفة”.

يعد يوسي كوهين (54 عام) من القلائل في تاريخ جهاز الموساد الذي يجمع بين الخبرة الميدانية والإدارية وكذلك الخبرة السياسية في العمل العام، فترأس شعبة عملاء الخارج في الموساد، “تسوميت” وهي المسئولة عن رصد وتجنيد العملاء حول العالم. وتوقع ذوي الشأن في إسرائيل منذ 2013 أن يكون هو رئيس الموساد الجديد، وأن تعينه وقتها مستشار للأمن القومي يأتي كإعداد وتجهيز لشغله هذا المنصب، تجهيز مرجو منه إدخاله المطبخ السياسي لنتنياهو وتعريك كوهين بالمتطلبات الاستراتيجية لسياسة إسرائيل الخارجية، وليس فقط السياسة الأمنية.

وتعكس مراحل اختيار كوهين وتفضيله على المرشحين الأخريين رؤية وأولويات نتنياهو والسياسة الخارجية لتل أبيب بشكل عام، والتي على أساسها تم اختيار هكذا شخص لهكذا منصب، وهي أولويات على رأسها تطوير العلاقات بين إسرائيل وبين دول عربية، على رأسها السعودية والإمارات بالإضافة إلى مصر، وإدارة هذه العلاقات وفق أرضية عمل مشترك تتمثل مصلحة إسرائيل فيها كالتالي:

1- طبيعة المرحلة الحالية في إستراتيجية إسرائيل الخارجية والتي تقوم على أساس توصيات إستراتيجية سابقة بفتح مجالات تعاون استراتيجي بين دولة الاحتلال وبين دول عربية معتدلة، بما في ذلك دول الخليج.

2- التعاون مع هذه الدول يقوم على أساسين رئيسيين؛ التصدي لإيران، وكذلك التعاون ضد الإرهاب، والذي بحسب المفهوم الإسرائيلي يتضمن حركات المقاومة كحزب الله.

3- يتطلب تحقيق السابق إقامة علاقات طبيعية بين تل أبيب وهذه الدول، ولكن بشكل غير علني في معظم الأوقات، وهو الأمر الذي أُسست عليه علاقة دولة الاحتلال بهذه الدول في العقديين الأخيرين، حيث تفضل هذه الدول إدارة العلاقات الثنائية في الغرف المغلقة، مع تدريج في إعلانها من حين إلى أخر, وهذا يتطلب إدارة مرنة تتوافر لدى الموساد من حيث السرية ومن حيث مراكمة الخبرات في هذا الشأن.

هنا يأتي تقدير رئيس الموساد كدلالة على توجهات إسرائيل الخارجية، وكتصديق على بوصلة الاندماج مع دول الخليج على أساس تقاطع المصلحة ضد إيران، وبخلاف الإنجازات المهولة التي تحققت في هذا السياق، فإن القلق الذي أبداه كوهين بخلاف اعتباره تصديقاً لتوجه الحكومة الإسرائيلية الاستراتيجي في السنوات الأخيرة بتعزيز علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، وتعميم التطبيع مع الدول العربية، فإنه في الوقت ذاته يرى أن هذه الجهود غير كافية أمام متغيرات لا تستطيع إسرائيل أن تجاريها حتى وإن تحقق لها تطبيع شامل وتحالف سياسي مع القوى العربية الرئيسية على النحو السابق ذكره.

موقع “والا” الإسرائيلي، نشر مقتطفات من ملخص لتقرير رئيس الموساد، جاء فيه أن المتغيرات “الإيجابية” فيما يخص تعميق العلاقات بين إسرائيل ودول عربية –والتي يفتخر بها نتنياهو مراراً- لا توازن التغيرات “السلبية” التي حققها خصوم إسرائيل والدول العربية المتحالفة معها مؤخراً، أي إيران وحركات المقاومة، ليس فقط من حيث تبدل معطيات الواقع الإقليمي ذو السيولة الكبيرة في السنوات الست الأخيرة وعدم التأكد من محاولات الثبات في مبادرات إستراتيجية طويلة المدى، ولكن لتوظيف هؤلاء الخصوم معطيات هذا الواقع المتغير وأيضاً مفاعيل راهنت عليها إسرائيل وحلفائها للإضرار بخصومهم لصالحهم، مثل الجماعات الإرهابية التي دُحرت في العراق وسوريا وأضافت عملية القضاء عليها عوامل قوة وخبرة وشرعية، لدرجة تجعل أمر مثل التحالف العربي-الإسرائيلي الأخير غير مكافئ لما تحقق في سوريا والعراق من ميل المعادلات الميدانية والسياسية لصالح خصوم هذا الحلف!

“المنطقة تتغير ولكن ليس لصالحنا”. هكذا كان العنوان الأبرز لتقرير رئيس الموساد الذي يرى أنه على مستوى استراتيجي حقق خصوم إسرائيل نجاحات دفعت بأرفع جهة أمنية إسرائيلية لدق ناقوس الخطر ليس بخصوص أخطار على “الأمن القومي الإسرائيلي” ممثلة في حركات المقاومة في شمال وشرق وجنوب فلسطين المحتلة، ولكن بأن هذا الوجود وعلى مستوى المستقبل البعيد لن يكون مؤقتاً ولن يكون خيار القضاء عليه متاحاً، بل أن كل ما تملكه إسرائيل تجاهه بعد المتغيرات الأخيرة أن تقوم باحتوائه ومحاولات خفض معدلات الخطر لحد أدنى على إسرائيل أن تتعايش معه.

هذه المتغيرات الاستراتيجية بشكل عام يمكن تلخيصها في واقع جيوستراتيجي جديد ولوجيستي مفاده أن الطريق من طهران لبيروت مروراً ببغداد ودمشق صار معبداً أمام إيران وحلفائها وحركات المقاومة المختلفة، التي تجعل حزب الله بعبارة وردت في التقرير السنوي الخاص بالفرص والتهديدات قبل عامين “قوة في حجم دولة تهدد إسرائيل بشكل وجودي تخطى المعالجة الأمنية والعسكرية وإمكانية الردع المتبادل”، وبالتالي فإن هذا الأمر على مقياس أعم يشكل كابوساً لدى صانعي ومتخذي ومقدري القرارات في الكيان الصهيوني.

هذا الأمر لا يشكل قلقاً لدى إسرائيل فقط، وإن كانت تختص بقدر أكبر من حيث البُعد الوجودي وحدية الصراع بينها وبين محور المقاومة، ولكن أيضاً يشكل قلق للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة بمقاييس مختلفة من حيث المصالح والفرص والمخاطر، وتولد عن هذا القلق في الشهور الأخيرة سلسلة من الإجراءات بين التحدي والاستجابة للحيلولة من تحقق واقع جيوستراتيجي جديد يصل بين طهران وبيروت، أي أن لا يكون هناك عائق في شكل دولة أو نظام أو جماعة أو كيان يعطل أن تكون الجغرافيا الواصلة بين العاصمتين خالصة لمحور المقاومة، وانعكاسات ذلك على مستوى لوجيستي يضاعف المخاطر التقليدية على إسرائيل لأمديه غير مسبوقة، ويضعف أيضاً من موقف واشنطن على مقياس إقليمي في تحقيق مصالحها بالشكل الأمثل، فيما يحد من مساعي الرياض وأبوظبي في التصدي للنفوذ الإقليمي لطهران، بل ويعقد كافة خطواتهم لتحجيم هذا النفوذ سواء بشكل منفرد أو تحت مظلة واشنطن، أو بالتحالف مع إسرائيل.