عرض كتاب «ركل السلم بعيداً»: استراتيجيات التنمية والتطور قديماً وحديثاً - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
عرض كتاب «ركل السلم بعيداً»: استراتيجيات التنمية والتطور قديماً وحديثاً

عرض كتاب «ركل السلم بعيداً»: استراتيجيات التنمية والتطور قديماً وحديثاً




يعد هذا الكتاب الذي يحمل عنوان ” ركل السلم بعيداً: استراتيجيات التنمية والتطور قديماً وحديثاً “، للكاتب ها جون شانج، إضافة هامة لأدبيات التنمية الاقتصادية، حيث يقدم رؤية مغايرة لسياسات التنمية الاقتصادية المتبعة حالياً من قبل المؤسسات الدولية، التي تفرضها تلك المؤسسات على البلدان النامية لتحقيق النمو والتنمية الاقتصادية، ولذا فإن هذا الكتاب يعد ذخيرة فكرية لكل من يمتلك رؤية مخالفة لتلك السياسات المتبعة من قبل المؤسسات الدولية والدول المتقدمة.

ويأتي ” ركل السلم ” من قبل ها- جون تشانغ المؤرخ الاقتصادي الكوري جنوبي والأستاذ بجامعة كامبريدج، في أربعة فصول، حيث يعرض الفصل الأول الفكرة العامة لهذا الكتاب التي تتمحور حول قيام الدول المتقدمة بركل السلم الذي اعتمدت عليه في تحقيق التقدم الاقتصادي بعيداً حتى لا تستطيع الدول النامية اللحاق بها، أما الفصل الثاني فيناقش السياسات التي اعتمدت عليها الدول المتقدمة في تحقيق التقدم الاقتصادي، ويأتي الفصل الثالث ليناقش حقيقة دور المؤسسات الرشيدة التي تسعي الدول النامية إلى الاعتماد عليها في تحقيق التنمية، ويقدم الفصل الرابع والأخير مجموعة من النصائح للدول النامية في سبيل تحقيق التقدم الاقتصادي.

و قام الدكتور مصطفى الرفاعي وزير الصناعة والتنمية التكنولوجية المصري الأسبق بالتقديم للنسخة العربية من الكتاب، ليؤكد على موافقته لما جاء في الكتاب، من محاولة الدول المتقدمة استغلال الدول النامية والفقيرة بكل الصور الممكنة، سواء الاستغلال الاقتصادي أو الثقافي والفكري، وكذلك العمل باستمرار على منع الدول النامية من تحقيق التقدم الاقتصادي.

الفصل الأول: مقدمة- كيف أصبحت الدول الغنية بالفعل غنية؟

يحاول ها- جون تشانغ في هذا الفصل التأكيد على الفكرة العامة لهذا الكتاب، التي جاءت من قبل في كتاب “النظام الوطني للاقتصاد السياسي” الصادر عام 1841 للاقتصادي الألماني ورائد مدرسة التدخل الأستاذ فريدريك ليست، وهي المحاولات المستمرة من قبل الدول المتقدمة لركل السلم بعيداً لمنع الدول النامية من اللحاق بها في تحقيق التقدم الاقتصادي، عبر الضغوط الكثيرة على البلدان النامية من قبل الدول المتقدمة والمؤسسات الدولية من أجل اعتماد مجموعة من السياسات والمؤسسات “الرشيدة” في سبيل تحقيق التنمية الاقتصادية، مثل تحرير التجارة والاستثمارات الأجنبية وقوانين حماية الملكية الفكرية، وعلى الرغم من أن الكثير من البلدان النامية لا تستطيع أو لا ترغب في تطبيق تلك السياسات، إلا أنها تتعرض لضغوط شديدة من قبل البلدان المتقدمة والمؤسسات الدولية لتطبيقها، حيث تتدعي البلدان المتقدمة أنها اعتمدت على تلك السياسات من قبل في تحقيق التقدم الاقتصادي.

وعلى النقيض من أدبيات التنمية الاقتصادية السائدة حالياً، فإن الدول المتقدمة لم تعتمد على تلك السياسات التي تحاول فرضها الآن على الدول النامية، ولسوء الحظ  فإن تلك المعلومة لا يعرفها الكثيرون حتى المتخصصين في علم الاقتصاد، ويرجع ذلك إلى براعة مؤرخي الرأسمالية في إعادة تحسين صورة الرأسمالية التاريخية، مؤكداً أن التاريخ الاقتصادي لهذه البلدان المتقدمة يشهد أنها اعتمدت في طريقها للتقدم على السياسات الحمائية من تعريفات جمركية مرتفعة ودعم للصناعات الوليدة. ومن المثير للغاية أن بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وهما البلدان الذي يفترض أنهما وصلتا إلى قمة الاقتصاد العالمي عبر السياسات الحرة في مجال التجارة الخارجية، قد اعتمدتا على السياسات الحمائية والإعانات!

الفصل الثاني –  سياسات التنمية الاقتصادية: المنظور التاريخي للسياسات الصناعية والتكنولوجية والتجارية:

يتناول هذا الفصل التجربة التاريخية للدول المتقدمة حالياً، عبر عرض السياسات الصناعية والتكنولوجية والتجارية التي اعتمدت عليها في تحقيق التقدم الاقتصادي، فعلى سبيل المثال قامت بريطانيا منذ القرن الرابع عشر وخلال عهد الملك إدوارد الثالث بفرض الضرائب على صادرات الصوف الخام، وواردات الملابس المصنعة من الصوف من بلجيكا ودول الجوار، وذلك لحماية الصناعات البريطانية الوليدة، كذلك عملت على التجسس الصناعي على الدول المجاورة وجلب العمالة الماهرة من الخارج سواء بالإغراء أو بالقوة، و استمرت بريطانيا في انتهاج تلك السياسات حتى القرن التاسع عشر وما بعده رغم وصولها إلى قمة العالم المتقدم.

أما عن الولايات المتحدة فيوضح المؤلف أنها خلال الفترة ما بين الحرب الأهلية والحرب العالمية الثانية كانت أكثر الاقتصادات حمائية في العالم، بل أن عاملاً رئيسياً في الحرب الأهلية إلى جانب مشكلة الرق، هو الاختلاف بين الشمال والجنوب حول فرض التعريفات الجمركية، وعلى الرغم من أن أبي علم الاقتصاد أدم سميث  في كتابه “ثروة الأمم” نصح الولايات المتحدة بالاهتمام بالزراعة فقط وعدم التحول للصناعة، إلا أن الولايات المتحدة لم تتبع هذا النهج لأن قادتها كانوا يدركون جيداً أن التقدم الاقتصادي لا يمكن أن يحدث دون تصنيع، لكن الغريب أنها بمجرد أن وصلت إلى القمة بعد الحرب العالمية الثانية بدأت في التسويق الدولي لهذا النهج التقليدي – الذي لم تتبعه من الأساس-.

ويستعرض الكاتب في هذا الفصل أيضاً تجارب لبعض البلدان الأخرى في تحقيق التقدم الاقتصادي، التي اعتمدت على نفس السياسات (التعريفات والإعانات) في طور النمو الاقتصادي، مثل ألمانيا واليابان وكوريا والسويد، وكذلك البلدان الآسيوية.

الفصل الثالث- المؤسسات والتنمية الاقتصادية: الحكومة الجيدة من منظور تاريخي:

يحاول الكاتب في هذا الفصل التأكيد على أن ادعاء الدول المتقدمة بأن وجود مؤسسات جيدة “رشيدة” مثل البنوك المركزية ونظام مصرفي جيد، والجهاز البيروقراطي والقضاء وقوانين حماية الملكية الفكرية…إلخ، هو شرط ضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية في البلدان النامية، هو ادعاء غير صادق، مؤكدا أن وجود تلك المؤسسات في البلدان المتقدمة كان نتيجة (وليس سبباً) لتحقيق التقدم الاقتصادي، فعلى سبيل المثال لم تبدأ الولايات المتحدة في إقامة نظام بيروقراطي سليم إلا بعد إصدار قانون بندليتون عام 1883، ولم يتم إنشاء البنك المركزي الأمريكي (مجلس الاحتياطي الاتحادي) إلا عام 1913. وبصفة عامة لم يكن للبنوك المركزية دوراً فعالاً خاصة فيما يتعلق بحق إصدار العملة الوطنية إلا مع بدايات القرن العشرين.

الأمر الذي يدعو للتأكيد على أن البلدان المتقدمة استغرقت وقتاً طويلاً في تطوير المؤسسات الجيدة (الرشيدة)، هذا الوقت امتد لعقود و أجيال طويلة، فعلى سبيل المثال بدأ التفكير في وجود بنك مركزي في بريطانيا من القرن السابع عشر، لكنه لم يؤسس إلا عام 1844، أي بعد ما يقارب قرنين من الزمن.

ويؤكد المؤلف أيضاً في هذا الفصل أن ثمة نقطة أخرى تحتاج إلى التأكيد عليها، هي أن المؤسسات في البلدان النامية حالياً أفضل حالاً مما كانت عليه في البلدان المتقدمة في طور النمو، حيث لم تكن تلك البلدان تسمح سوى للذكور فقط من الملاك الزراعيين وأصحاب الصناعات بالمشاركة في الانتخابات، أما اليوم فلا توجد مثل تلك الأمور في البلدان النامية حيث يشارك الجميع سواء الذكور أو الإناث، الفقراء أو الأغنياء في العملية الانتخابية.

ويختتم الكاتب هذا الفصل بالتأكيد على أن الدول المتقدمة تسعى جاهدة لعدم تحقيق الدول النامية التقدم الاقتصادي، من خلال الضغط عليها لاتباع سياسات تنمية غير ملائمة، والحرص على وجود مؤسسات شكلية فقط لا تقوم بدور جوهري حقيقي، رغم أنها لم تمتلك تلك المؤسسات سوى في مراحل متأخرة من تحقيق النمو الاقتصادي.

الفصل الرابع – دروس للحاضر:

يحاول المؤلف في هذا الفصل الأخير من “ركل السلم” تقديم العديد من الدروس والنصائح للدول النامية والمؤسسات الدولية مثل البنك والصندوق الدوليين، مؤكداً أولاً على ضرورة نشر الحقائق التاريخية عن التجارب الحقيقية للبلدان المتقدمة حتى تصبح الدول النامية أكثر استنارة في طريقها نحو التقدم الاقتصادي، وثانياً ضرورة تغيير الشروط التي تضعها المؤسسات الدولية لدعم عمليات التنمية في البلدان النامية، كما لا يجب فرض شروط بعينها من قبيل ضرورة تحرير التجارة، الأمر الذي لا يلائم ظروف تلك البلدان.

كما يؤكد الكاتب على ضرورة إعادة صياغة قوانين منظمة التجارة العالمية، حتى تستطيع الدول النامية استخدام التعريفات والإعانات للصناعات الوليدة بصورة أكثر فاعلية، كما يجب إعادة صياغة قوانين حقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع، لأن الكثير من هذه القوانين تقف حجر عثرة أمام الدول النامية في نقل التكنولوجيا للاستفادة منها في تحقيق التنمية الاقتصادية.

كما ينبغي على البلدان النامية عدم إعطاء الأولوية لتطوير المؤسسات على حساب تحقيق التنمية، فوجود مؤسسات شكلية لن يفيد تلك البلدان، لذا عليها أن تدرك أن المؤسسات الجيدة هي نتاج عملية التنمية وليس العكس، ليؤكد الكاتب في نهاية الفصل على أن الدول النامية عليها أن تتبع سياسات صناعية وتجارية وتكنولوجية مناسبة لظروفها الحالية، حينها فقط ستستطيع تحقيق التنمية بصورة أسرع مما هي عليه الآن.