«الاستيطان».. ما بين الفلسفة الصهيونية وتزييف الحقائق - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
«الاستيطان».. ما بين الفلسفة الصهيونية وتزييف الحقائق

«الاستيطان».. ما بين الفلسفة الصهيونية وتزييف الحقائق




يعد الاستيطان التطبيق العملي للفكر الاستراتيجي الصهيوني، الذي يعتمد على فلسفة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، بعد طرد سكانها  بشتى الوسائل ليحل محلهم يهود الشتات من مختلف أنحاء العالم، كما يهدف إلى قيام دولة إسرائيلية على حساب الدولة الفلسطينية التي تم احتلالها وتهويدها وطرد سكانها الأصليين للإخلال بالميزان الديموغرافي لصالح الكيان الصهيوني. 

اتبعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسات مغايرة لما هو متبع في داخل دولة الاحتلال لتشجيع المستوطنين على الإقامة والاستمرار في هذه المناطق، لتنفيذ أهدافها التوسعية تتمثل في عرض أراضي وشققً زهيدة الثمن، مع امتيازات ودعمًا حكوميًا متمثل في بنية تحتية متطورة وضرائب مخفضة، في إطار عمليات المصادرة وشق الطرق الالتفافية لربط المستوطنات ببعضها البعض وبالتجمعات السكانية داخل الخط الأخضر.

تجلى ذلك في معظم المستوطنات في الضفة الغربية، كمناطق ذات أفضلية قومية نتيجة تمتعها بالعديد من الامتيازات – فعلى سبيل المثال- كان معدل المنحة المعطاة للفرد الذي يسكن في مجلس محلي (يهودي) في الضفة الغربية، أكثر بحوالي 65% من المنحة المعطاة للفرد الذي يعيش ضمن إطار مجلس محلي داخل دولة الاحتلال وذلك عام 2000.

يحاول التقرير إلقاء الضوء على أبعاد عملية الاستيطان التي يتم تنفيذها على الأراضى الفلسطينية بصفة عامة من خلال تعريف المستوطنات، وماهية المستوطنين، وأهم مراحل الاستيطان التي شهدتها الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى تحليل التوزيع الجغرافي للمستوطنات بالتركيز على الضفة الغربية والقدس الشرقية، ومدى انعكاس هذه المستوطنات على الشعب الفلسطيني، وأخيرًا كيف استطاع الاستيطان تزييف الحقائق التاريخية والمقدسات الدينية؟.

أولًا – ما هى المستوطنات؟

هي وحدات سكنية شيدتها دولة الاحتلال في الأراضي المحتلة خلال حرب يونيو 1967 ليقيم فيها عدد من المستوطنين الإسرائيليين، بدأت إسرائيل بإقامتها منذ سبعينيات القرن العشرين، حيث يعيش اليوم حوالى 430 ألف مستوطن في الضفة الغربية وسط 2.6 مليون فلسطيني، ويعيش أكثر من 200 ألف إسرائيلي إلى جانب 300 ألف فلسطيني على الاقل في القدس التي احتلتها “تل أبيب” في 1967 ثم أعلنتها عاصمة “موحدة أبدية” لها في 1980.

ثانيًا – من هم المستوطنون؟

يستوطن عدد كبير من الإسرائيليين داخل البؤر الاستيطانية مثل “معالي أدوميم”، و”بيتار عيليت” و”موديعين عيليت” التي يقطنها العديد من اليهود المتشددين، في “يهودا والسامرة” وهو الأسم التوراتي للضفة الغربية، بالإضافة إلى التمركز حول المدن التاريخية خاصة مدينة القدس الشرقية حيث يعتبر العديد منهم إنه يؤدي واجبًا دينيًا عبر الإقامة فيها.

وهنا لابد من طرح سؤال مهم هل المستوطنون جاءوا لأداء واجب ديني ووطني داعم للكيان الاحتلال؟ بالطبع لا كان الهدف الأساسي من تجميع الشتات هو تكوين كتل بشرية استيطانية تقوم بأعمال عسكرية يتم من خلالها تفريغ الأراضي الفلسطنيينة من سكانها، من خلال عمليات عسكرية أشبه بالعمليات الإرهابية، وفي هذا الإطار استطاع الكيان الصهيوني إبعاد تهم الإرهاب والتطرف عن المستوطنين من خلال التدويل الإعلامي بشقيه العالمي والإقليمي، حيث روجت المنصات الإعلامية لسلمية المستوطنيين وإنهم جاءوا للواجب الديني والوطني كما إنهم يعملون في الزراعة، ولكن في حقيقة الأمر كان ذلك مجرد إدعاءات ليس لها أساس من الصحة فقد تم إزالة العديد من القرى لإقامة معكسرات لهم، علاوة على إنشاء العديد من المستوطنات لتدريبهم بشكل خفي على حمل السلاح.

تجسد ذلك في مستوطنة “الكبيوتس”؛ التي تعني مستوطنة تعاونية تضم جماعة من الصهاينة المستوطنين وليس من اليهود، تقوم بغرس القيم العسكرية فيهم من خلال الدعاية الأيديولوجية والتربية الرسمية التقشفية باعتبارها مؤسسة عسكرية قبل أن تكون كيانًا اجتماعيًا، ويبلغ عـددهم بين 450 و600 عضو، وقد يصل إلى ألف في بعض الأوقات، وتعد من أهم المؤسسات الاستيطانية السياسية والاجتماعية على الإطلاق داخل الكيان الصهيوني فهى مؤسسة عسكرية بالدرجة الأولى، وتظهر طبيعة “الكيبوتس” العسكرية في أن أعضاءها يتدرّبون على حمل السلاح وليس الزراعة فحسب، كان يتم الترويج لها على إنها نموذجًا اشتراكيًا إلا إنها نموذجًا للمجتمع العنصري المتنامي بالإضافة إلى إنها مستودع للمواد الحربية، لتدريب القوات السرية.

هذا بجانب مستوطنات “الناحال” التي تمثل نوعًا متميزًا من المستوطنات فهى عبارة عن مجموعة من “الطلائع والشباب المقاتلين يضمون بين صفوفهم المظليين والمقاتلين الأشداء، الذين يعدون جزءًا من الجيش الإسرائيلي” وفقًا لتوضيح رئيس الوزراء الإسرائيلي “مناحم بيجن” عن ماهية “مستوطنات الناحال” عام 1978 التي يتم تدريبها عسكريًا بشكل مكثف من خلال قسم خاص في الجيش الإسرائيلي مسئول عن تدريبهم خلال أداء الخدمة الإلزامية في الجيش تتراوح بين (2-3) سنوات، وفيما بعد يؤسسوا مستوطنات في المرحلة الأخيرة من الخدمة ويتم التحاقهم بالمستوطنات الحدودية بعد الخدمة الإزامية، والجدير بالذكر؛ أن نشاط “الناحال” بدأ عام 1960 عندما أنشأ الصندوق القومي اليهودي نقاط استيطانية في مناطق حدودية. 

ثالثُا – أهم مراحل الاستيطان:

انطلقت الفكرة الأولى للاستيطان اليهودي في فلسطين بعد ظهور حركة الإصلاح الديني على يد “مارتن لوثر” في أوروبا حيث بدأ أصحاب المذهب البروتستانتي الجديد الترويج لفكرة تقضي بأن اليهود ليسوا جزءاً من النسيج الحضاري الغربي، وإنهم شعب الله المختار، ووطنهم المقدس فلسطين، ويجب أن يعودوا إليه، كما بدأ زعماء أوروبا يقترحون إقامة دولة لهم تجمع شتاتهم حيث يعتبر “نابليون بونابرت” أول من اقترح إنشاء دولة يهودية في فلسطين عام 1799.

بدأ النشاط الفعلي مع وصول 3000 يهودي من أوروبا الشرقية “الاشكيناز” إلى فلسطين، وتمكنوا من بناء عدد من المستوطنات خلال الفترة 1882-1884، تعد مستوطنة “بتاح تكفا” أول مستعمرة يهودية في فلسطين، وبلغ عدد المستوطنات عام 1884 خمس مستوطنات في كل منها 100 مستوطن، أقـيـمـت في جوار يافا، والحولة وحيفا، وارتفع عدد المستوطنات عـــام 1900م إلى 22 مستوطنة بواقع 12 مستوطنة في السهــل الساحلي، و7 مستوطنات في الجليل  واثنتين في القدس ، وواحدةً في الغور ضمت 5410 من المستوطنين.

وفي هذا الإطار؛ ساهم تشكيل “المنظمة الصهونية العالمية” بقيادة “تيودور هرتزل” الذي أكد على أهمية القدس والسيطرة عليها قائلًا :”إذا حصلنا على القدس فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها”. وبذلك فقد وضع حجر الأساس للمشروع الصهيوني الذي اعتمد على الأيديولوجية كركيزة أساسية لنشاطه التوسعي الداعم لطمس الهوية الدينية والإسلامية والعربية للأراضى الفلسطينية، وتم التروج لهذه الأفكار لتجميع الشتات وتوحيد ولائهم للدولة الميعاد من خلال عدد المؤتمرات وعمليات مكثفة للاستمالة لزيادة تدفق الهجرات إلى فلسطين.

وفي هذا السياق؛ دعم الانتداب البريطاني عام 1920 على فلسطين هذه المخططات من خلال فتح باب الهجرة أمام الشتات اليهودي لقيام دولة الاحتلال في 1948، فقد وصل عدد اليهود إلى 469.600 يهودي في آخر فترة الانتداب.

وفي عام 1948 وبإعلان قيام دولة الاحتلال على 77% من مساحة فلسطين التاريخية بلغ عدد المستوطنات المقامة وتحديدًا منذ 1918 – 1948 نحو 363 مستوطنة، في مقابل إزالة العديد من القرى بلغ عددها 61 قرية وتحولت معظمها إلى مستعمرات مثل قضاء “صفد” الذي تعرض إلى عمليات إزالة شملت خمس قرى وتحولت إلى مستعمرات ومثلها في “طبريـــــا”.

بدأت مرحـلـة أخــرى من الاستيطان من الجليل شمـالاً حتى النقب جنوباً وجرت خلال هذه المرحلة عمليات تـرحـيــل وطرد منظـم للسكان العرب من فلسطين، ومع احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، تبلورت السياسة الاستعمارية الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني بشكل واضح خاصة في مدينة القدس، من خلال أعمال الإزالة والتهجير للسكان فضلًا عن عزل القدس عن الضفة الغربية اقتصاديًا وإدراياً، مع نقل الوزارات الإسرائيلية إليها، مع خضوع الضفة والقطاع إلى الحكم العسكري للكيان الاحتلال حتى توقيع اتفاقية “كامب ديفيد” عام 1978 التي نصت على إنشاء إدارة مدنية للإشراف على الشؤون المدنية للسكان الفلسطينيين.

وفي المقابل؛ شهدت الأراضي الفلسطينية العديد من الانتهاكات خاصة في الضفة خلال فترات الحكومات الإسرائيلية اليمينية المتطرفة التي بدأت بحكومة “مناحم بيجن” في أواخر السبيعنيات، فقد بلغت عدد المستوطنات في الفترة من 1977 إلى 1986(78) مستوطنة جديدة، وفي عام 1992 بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية (111673) مستوطنًا و(140872) في القدس الشرقية.

وعلى الجانب الأخر؛ ساهمت الأحزاب الحاكمة في دولة الاحتلال في تنامي عدد المستوطنات فقد قاربت نسبة المستوطنات التي بناها حزب الليكود إلى70.1% في حين ساهم حزب العمل في بناء 29.95% من المستوطنات، معظمها تم بناءه بين عام 1976 ـ 1982، و1989- 1991، وفقًا للمكتب المركزي للإحصاءات الفلسطينية، ثم توقف تقريبًاً بناء المـسـتـوطـنات لتبدأ عمليات توسيع المستوطنات المقامة واستمر حتى ما بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 التي شكلت أساسًا لقيام السلطة الفلسطينية التي تتولى بشكل مباشر إدارة جزء من الأراضي الفلسطينية في حين لا يزال الجزء الأكبر تحت الإدارة الإسرائيلية.

في مرحلة ما بعد “أوسلو” رغم التباطؤ الظاهري في إنشاء المستوطنات إلى أن حكومة الاحتلال انتهجت مسار جديد من خلال إضافة وحدات استيطانية وأحياء جديدة في المستوطنات القائمة علاوة على الاعتداءات المتكررة من قبل المستوطنين على السكان الأصليين في الضفة والقدس في إطار المحاولات المضنية لتهويد الدولة الفلسطنينية بكاملها وطمس الهوية العربية بالإضافة إلى تزييف الحقائق الدينية الخاصة بالمقدسات في المدينة.

ونتيجة لاستمرار عمليات الاستيطان الذي مثل نهجًا أساسيًا لدى الحكومات المتعاقبة فقد شهد عام 2012 تزايد في أعداد المستوطنات وصل إجمالي عدد مستوطنات الضفة الغربية أكثر من 125 مستوطنة رسمية يعيش بها أكثر من 350 ألف مستوطن إسرائيلي، بالإضافة لوجود 300 ألف إسرائيلي آخرين يعيشون في مستوطنات القدس الشرقية[1]. وفقًا للسجل السكاني الإسرائيلي عام 2012.

وفي بداية عام 2016 بلغ عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية نحو 400 ألف مستوطن، موزعين على 128 مستوطنة متواجدة في 11 تجمعًا استيطانيًا، يقع أكبرها في غور الأردن، ويطلق عليه تجمع “بنيامين” الذي يضم 26 مستوطنة منتشرة من جنوب الضفة إلى شمالها، كما تضم مستوطنات الكتل الكبرى -“غوش عتصيون” جنوبي بيت لحم، “آرئيل” شمالي الضفة، “معالي أدوميم” شرقي القدس- التي يقطنها غالبية المستوطنين اليهود بالضفة وفي القدس الشرقية، نحو 350 ألف مستوطن في نحو 20 مستوطنة.

 والجدير بالذكر؛ أن عمليات الاستيطان تزايدت في عهد حكومة “بنيامين نتياهو” بنسبة 55%، تجلى ذلك في إعلان سلطة الاحتلال في النصف الثاني من عام 2017 التخطيط إلى تحويل القدس والمنطقة المحيطة بها إلى “متروبولين” أي تجمع حضري ضخم، من خلال تقديم مشروع قانون إلى الكنيست يقترح ضم 150 ألف مستوطن إلى المناطق التابعة لبلدية القدس عبر ضم خمس مستوطنات أقيمت على الأراضي المحاذية للقدس.

رابعًا – تحليل التوزيع الجغرافي للمستوطنات:

وبالنظر إلى مناطق التمركز والانتشار نجد أن 85% من المستوطنين يسكنون بالقرب من المدن التاريخية التي يدعي كيان الاحتلال أن لهم حقًا تاريخيًا  فيها مثل القدس ومنطقة غرب “رام الله” وجنوب غرب نابلس ويرجع ذلك إلى:

 معظم السكان مرتبطون بمراكز العمل والخدمات داخل دولة الاحتلال. إذ قامت “تل أبيب” بإنشاء العديد من المناطق الصناعية الكبرى في الضفة والقدس مع نقل عدد من المصانع إليهم بسبب انخفاض تكاليف التشغيل نتيجة زيادة الأيدي العاملة رخيصة الثمن، ومن أهم المناطق الصناعية في الضفة منطقة “بركان”، وفي القدس “مشور أدوميم”.

 الرغبة في السيطرة على الموارد الطبيعية ومصادر المياه لأنها هدف استراتيجي لضمان استمراريتها ووجودها.

 تشكيل حزام استيطاني حولها واعتبارها ظهيرًا لها وحماية لهذه المدن، حيث يكمن الهدف الأساسي منه الإسراع في عمليات التهويد.

 تعميق تبعية المجتمع الفلسطيني لدولة الاحتلال ومنعه من التواصل مع العالم الخارجي إلا من خلال النافذة الإسرائيلية.

السعى إلى تهويد وعبرنة المقدسات الدينية لإثبات مزاعمهم التاريخية بشأن المقدسات الدينية، لتكون ركيزة أساسية لتواجدهم على الأراضي الفلسطينية.

خامسًا – الانعكاسات السلبية للاستيطان الصهيوني على الفلسطنيين:

مثل الاستيطان بؤرة سرطانية تتسع في الجسد الفلسطيني؛ تسعى إلى فناءه من خلال التوسع والانتشار داخل أراضيه لتفريغه من سكانه الأصليين، الأمر الذي أدى إلى تفتت الجسد الفلسطيني ونتج عنه أعدادًا كبيرة من اللاجئين، فقد وصل عددهم في يناير 2015 نحو 5.6 مليون لاجئ ويعد هذا الرقم الحد الأدنى وفقًا لبيانات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينين في الشرق الأدنى “الأنروا” الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على طبيعة ونمط الحياة لدى الشعب الفلسطيني بالإضافة إلى:

أ- أدت مصادرة العديد من الأراضي الزراعية وإزالة معظم القرى الزراعية إلى هجرة المزراعين والبدو إلى المدن وتحولهم إلى طبقة عمالية، الأمر الذي انعكس بشكل كبير على نمط حياتهم ومثل صدمة حضارية.

ب- أثار وجود السكان الأصليين بجوار المستوطنين العنصريين المدربين على حمل السلاح، علاوة على قيام المستوطنين بأعمال استفزازية لمشاعر الفلسطينيين منها تدنيس المقدسات خاصة المسجد الأقصى في ظل حماية قوات الاحتلال أدى احتكاك مباشر بين الطرفين وانتشار مشاعر الحقد والتطرف.

ت تعميق تبعية المجتمع الفلسطيني للكيان الاحتلالي عبر توفير فرص عمل داخل المستوطنات مستغلاً العمالة الرخيصة في قطاع البناء والصناعة، فضلًا عن التعامل بعملة كيان الاحتلال (الشيكل) الأمر الذي يحول دون استقلالها الاقتصادي.

ث- شكل الاستيطان الإسرائيلي تهديدًا مباشرًا للفلاحين وصحة المواطنين عبر مصادرة الأراضي وتخفيض أسعارها والسيطرة على مصادر المياه وإضعاف البنية التحتية للزراعة علاوة على سياسة قلع الأشجار التي بدأت مباشرة بعد عام 1967 ولا تزال مستمرة حتى الآن وشكلت أشجار الزيتون 70% منها، وصولًا إلى عمليات رش جوي للمحاصيل الزراعية بالمبيدات الحشرية، فعلى سبيل المثال، شهد العام الحالي 3 عمليات للرش على حدود قطاع غزة أدى إلى إتلاف المحاصيل الزراعية.

ج- منع التوصل إلى تسوية إقليمية فلسطينية إسرائيلية تسمح بإقامة كيان فلسطيني مستقل سياسًا واقتصاديًا واجتماعيًا في إطار جغرافي محدد المعالم.

سادسًا- كيف استطاع الاستيطان تزييف الحقائق التاريخية؟

1- تهويد مسميات الشوارع والأحياء والمنشأت الإسلامية والتاريخية؛

بدأت سلطات الاحتلال بتزييف الحقائق التاريخية والاستيلاء على أراضي الدولة من خلال عدة آليات جاءت في مقدمتها العديد من القوانين التي تمنع عودة أصحاب الأراضي إليها، فضلاً عن نجاح سلطات البلديات في استبدال وتحريف الكثير من أسماء الشوارع والأحياء والمنشأت التاريخية في القدس بأسماء عبرية، عبر “سلطة تسمية الأماكن” الإسرائيلية وهي الهيئة الوحيدة المناط بها هذا العمل في إطار سياسية التهويد – فعلى سبيل المثال- تم إطلاق اسم “عودة صهيون” على “باب الخليل”، وأطلقوا على “تل المشارف” “موشي حاييم شابير”.

والجدير بالذكر؛ أن دولة الاحتلال نجحت في عبرنة أكثر من 7000 اسم لمواقع فلسطينية.

2- هدم وتهويد المعالم التاريخية:

تعتمد سلطة الاحتلال على تزييف الحقائق وتزوير المعالم الإسلامية من خلال أعمال الهدم والإزلة فضلًا عن حفر العديد من الأنفاق أسفل المقدسات الدينية وتحويلها إلى كنس يهودي أو متاحف توراتية كما حدث في “حارة المغاربة” ومسجد حي الشرف في منتصف عام 1967،  كما شهد “مسجد النبي داود” عمليات إزالة للكتابات القرآنية التي نقشت على جدرانه، يتم ذلك من خلال التعاون بين بلدية القدس ووزارة السياحة تحت ذريعة ترميم المقدسات لتنشيط السياحة، ما تجلى في قيام بلدية القدس بإزالة الطريق التاريخي المؤدي لباب المغاربة الذي شيد في العهد الأموي أى قبل ما يقارب الـ 1400 عامًا.

وفي هذا الإطار شهد المسجد الأقصى العديد من الانتهاكات على يد قوات الاحتلال علاوة على المستوطنين، بالإضافة إلى إقامة العديد من الانشاءات داخل باحات المسجد التي مثلت انتهاكًا صارخًا لحرمة المسجد واستفزاز لمشاعر الفلسطينيين وضرباً بعرض الحائط لكل القرارات الدولية التي رفضت وأدانت هذه الانتهاكات وأكدت أن دولة الاحتلال ليس لها أي حق تاريخي في هذه المقدسات الدينية.

ختامًا؛ تخضع عمليات الاستيطان الداخلي في تنامي وتيراتها إلى التوزنات الداخلية للقوة السياسية المتنافسة على السلطة خاصة فيما بين الأحزاب الكبرى داخل الكيان الصهوني حيث يميل المجتمع اليهودي إلى الحكومات الأكثر تطرفًا والأكثر غلظة في التعامل مع الفلسطنيين التي تعد بمثابة مؤشر قوى للحكومة القائمة، كما تستمد هذه الحكومات المتعاقبة شرعيتها من مدى قدرتها على تفعيل عمليات الاستيطان داخل الأراضي الفلسطينية حيث السيطرة على الأرض هي ضمان البقاء لكيان الأحتلال، فالأرض بوصفها القاعدة الأساسية للاستيطان تعد هدفًا أوليًا لتنفيذ “الانقلاب الديمغرافي” المتجسد في طرد العرب وتوطين الصهاينة، لذا فقد ركزت مؤتمرات تأسيس الصهيونية على مبدأ تأميم الأرض لنجاح المشروع الصهيوني.

 لذا نشهد صعود وهبوط للعمليات الاستيطان المستمرة منذ قيام دولة الاحتلال وفقًا لرؤية السلطة الحاكمة منهم من ترغب في زيادة عدد الوحدات الاستيطانية داخل المستوطنات القائمة لتقلل حدة الانتقادات الدولية التي تضيق عليها الخناق، ومنهم من يحاول أن يتحدى القوة الدولية والإقليمية ويضرب بقرارتها عرض الحائط ويقوم بإنشاء مستوطنات جديدة عن طريق إزلة بعض القرى والأحياء، وهناك من يكتفي بإعادة هيكلة شكل المستوطنات من خلال ربطها ببعضها البعض عبر إنشاء عدد من الطرق الالتفافية لمنع وصول الفلسطنيين إليها وتحوليها إلى مناطق حضارية مع تهجير وتفريغ المناطق المجاورة لها من سكانها الأصليين، فبرغم من القرارت الدولية المناهضة لاستمرار عمليات الاستيطان إلا إنه باقي ومستمر في التوسع أمام الجماعة الدولية لأن إسرائيل ليست مجرد دولة استيطانية بل هي أداة لتفتيت المنطقة العربية في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير.

——————————————————————————————–

المراجع:
” ما هو الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية؟”، مونت كارلو الدولية، 25/1/2017. متاح على الرابط التالي: http://www.mc-doualiya.com/articles/20170125-
عبدالوهاب المسيري، “نهاية “الكيبوتسات”… ونهاية إسرائيل“، شبكة فولتير، 24 فبراير 2007. متاح على الرابط التالي: http://www.voltairenet.org/article145622.html
فوزي عباس فاضل، “الاستيطان الصهيوني القدس نموذجًا”، دراسات دولية، العدد (42). ص 133 وما بعدها.
” المستوطنات الإسرائيلية.. وآثارها الاقتصادية والاجتماعية على الأراضي الفلسطينية وقطاع العمل”، وحدة السياسات والمشاريع، وزارة العمل، رام الله- فلسطين، يناير 2014. ص ص 3:6.
عبدالرقيب العزاني، “الاستيطان الصهيوني في فلسطين”، مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية، 17/12/2007. متاح على الرابط التالي: http://www.aqsaonline.org/news.aspx?id=198
علاء الدين السيد، “أبرز المستوطنات الإسرائيلية وما تحويه من أنشطة”، ساسة بوست، 22 نوفمبر 2014. متاح على الرابط التالي: https://www.sasapost.com/israeli-settlements
” “دولة المستوطنين” تتوسع في الضفة الغربية”، اسكاي نيوز عربي، 21 فبراير 2016. متاح على الرابط التالي: https://www.skynewsarabia.com/web/article/817855D8
“إسرائيل تخطط لإحلال 150 ألف مستوطن في القدس الشرقية المحتلة”، روسيا اليوم، 10 يوليو 2017. متاخ على الرابط التالي:
https://arabic.rt.com/middle_east/887899-
” عدد اللاجئين الفلسطينيين”، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني. متاح على الرابط التالي: http://www.info.wafa.ps/atemplate.aspx?id=3259
إسراء سلام، ” “حرب المبيدات”.. كيف تقتل إسرائيل أحلام المزارعين الفلسطينيين؟”، دوت مصر، 10 ابريل 2017. متاح على الرابط التالي: http://www.dotmsr.com/details/772393/
خليل التفكجي، “الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.. واقع وإشكاليات”، الجزيرة. نت، 3/10/2004. متاح على الرابط التالي: http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/27e2c46e-0609-48e5-9557-9d44568276c5
عيسى القدومي، “عبرنة مسميات متاجر القدس”، مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية، 17/1/2011. متاح على الرابط التالي: http://www.aqsaonline.org/news.aspx?id=4446
عيسى القدمي، “لماذا تُهود المباني في القدس؟”، مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية، 14/1/2014. متاح على الرابط التالي: http://www.aqsaonline.org/news.aspx?id=5619
“المسجد الأقصى” ترميم أم تهويد”، مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية، 23/3/2008. متاح على الرابط التالي: http://www.aqsaonline.org/news.aspx?id=667                                                                                                 
رفيق جبارين، “قوانين مختلفة لمصادرة الأراضي العربية”، الجبهة. متاح على الرابط التالي: http://www.aljabha.org/index.asp?i=75886
“سلب الاراضي وسياسة الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية”، بتسيلم – مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، مايو 2002. متاح على الرابط التالي: http://www.btselem.org/arabic/publications/summaries/200205_land_grab
” من هيرتزل إلى شارون … إجماع على تهويد القدس والمسجد الأقصى”، مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية، 17/12/2007. متاح على الرابط التالي: http://www.aqsaonline.org/news.aspx?id=200
Michael Dumper, “Israeli Settlement in the Old City of Jerusalem“, Institute for Palestine Studies, VOL. 21, 1991/92. http://www.palestine-studies.org/jps/fulltext/39735
[1] علاء الدين السيد، “أبرز المستوطنات الإسرائيلية وما تحويه من أنشطة”، ساسة بوست، 22 نوفمبر 2014. متاح على الرابط التالي: https://www.sasapost.com/israeli-settlements