هل تخفض برامج الحكومة للحماية الاجتماعية من معدلات الفقر - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
هل تخفض برامج الحكومة للحماية الاجتماعية من معدلات الفقر

هل تخفض برامج الحكومة للحماية الاجتماعية من معدلات الفقر




تتخذ الحكومة المصرية مجموعة من برامج الحماية الاجتماعية والاقتصادية منذ عشرات السنوات، إذ ترتكز هذه البرامج، في معظمها، على برامج الدعم بشقيه؛ العيني، والنقدي، غير أن معدلات الفقر لا تزال في تزايد مستمر خاصة  في المناطق الريفية.

هذا، وتصف منظمة الأغذية والزراعة- الفاو، برامج الحماية الاجتماعية أنها أمر حاسم الأهمية للتعجيل بالحد من الفقر. فالحماية الاجتماعية مفهوم شامل، لا يقتصر فقط على التحويلات النقدية، بل يشمل مكونات أخرى منها؛ التنمية الريفية المستدامة لانتشال فقراء الريف من براثن الفقر، وتقديم تعليم جيد، علاوة على توفير مظلة تأمين صحية واجتماعية تناسب الحياة الآدمية.

ولهذا لا تضمن التحويلات النقدية فقط سبيل جيد للخروج من دائرة الفقر، لذا سيعالج هذا التقرير مقاربة نظرية لبرامج الحماية الاجتماعية، وتطور تلك البرامج تاريخيا، علاوة على تقييم هذه التجربة ومسارها المستقبلي و البحث عن إجابة لتساؤل رئيسي، لماذا تتزايد معدلات الفقر رغم تنفيذ برامج للحماية الاجتماعية؟

مقاربة نظرية لبرامج الحماية الاجتماعية

أفرز النظام الرأسمالي العالمي هوة كبيرة بين أصحاب رؤوس الأموال والطبقة العاملة الأمر الذي تخلله تزايد واسع لمعدلات البطالة، وتدني الأجور، وارتفاع معدلات الإعالة.

فمع نهاية الحرب العالمية الثانية سادت منافسة كبيرة بين ثنائية قطبية لكل منهما أيدولوجيتها ومرجعيتها؛ الاتحاد السوفيتي الممثل للكتلة الشرقية، والولايات المتحدة الأمريكية الممثلة للنظام الليبرالي الغربي، بيد أن انهيار جدار برلين سنة 1989 أعلن صراحة عن فشل النظام الاشتراكي الماركسي وانتهاء الثنائية القطبية و إعادة النظر في دور الدولة والاقتصاد المخطط، و قد أعلن الكثيرون عن دخول الاقتصاد النيولبيرالي عصره الذهبي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

وكنتيجة موضوعية للهيمنة الأمريكية، وبروز ظاهرة تمركز رؤوس الأموال بيد طبقة محدودة تمثل 1% من المجتمعات، خلق نمط الرأسمالية الأنكلو أمريكية تفاوتا طبقيا بالثروة في كل مجتمع حتى داخل المنظومة الرأسمالية نفسها. ففي الولايات المتحدة يمتلك 1% من سكانها حوالى 50% من مجموع الثروة، بينما يمتلك 80% من السكان أقل من 85% من تلك الثروة، بيد أن هذا النمط- مع سيادة الأحادية القطبية وهيمنة الاقتصاد الأمريكي بمعاونة المنظمات الدولية- الاقتصادي غير المتوازن قد تم تصديره لجميع دول العالم خاصة النامية عبر العولمة الأمريكية ووفق آلياتها .

وكان لتعرض النظام الرأسمالي لعدد من الأزمات، دور في بروز البعد الاجتماعي للنظام الرأسمالي Social Capitalism. حيث تعرض النظام الرأسمالي العالمي لأزمة مالية شديدة عام 2008 عبرت عن فشل واضح للنظام الرأسمالي، إذ صنفت هذه الأزمة بالأكبر التي تعرض لها العالم منذ أزمة الكساد الكبير عام 1929، و برزت الأزمة جلية عبر انعكاساتها المتشعبة على المستوى الاجتماعي حيث تخلخلت البنية الاجتماعية في منحى تصاعد معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية لشرائح اجتماعية واسعة واتساع الهوة بين الطبقتين الغنية والفقيرة وتراجع جودة حياة الأفراد. وفي عام 2009 دعا رئيس الوزراء الاسترالي “كيفين رود” إلى اتباع نهج اقتصادي جديد سماه “الرأسمالية الاجتماعية”.

 وتعود الجذور العلمية للرأسمالية الاجتماعية إلى دراسة لـ “كيس فان كيرسبيرغن” عن الاقتصادات الأوروبية، بعنوان الرأسمالية الاجتماعية: وهي دراسة عن الديمقراطية المسيحية ودولة الرفاهة، إذ يحدد فان كيرسبيرغن الرأسمالية الاجتماعية باسم “النواة المشتركة” لـدولة الرفاهة الأوروبية ويضع الرأسمالية الاجتماعية باعتبارها “طريقا وسطا بين الجماعية الاشتراكية والفردية الليبرالية الجديدة .

ومؤخرا عرفت منظمة الأغذية والزراعة الفاو FAO الحماية الاجتماعية على أنها أمر حاسم الأهمية للتعجيل بالحد من الفقر” وفي هذا الإطار تشير الفاو إلى أن هذه الحماية من شأنها أولا: أن تحمي أضعف الأفراد الذين لا يستفيدون من النمو الاقتصادي. وثانيا، يمكن للحماية الاجتماعية، شريطة إحسان هيكلتها، أن تسهم مباشرة في تحقيق نمو اقتصادي أسرع عن طريق تنمية الموارد البشرية وتعزيز قدرة الفقراء، خاصة أصحاب الحيازات الصغيرة من العاملين بالزراعة، على إدارة المخاطر والأخذ بتكنولوجيات محسنة ذات إنتاجية أعلى . وهذا ينصرف على أن انتشار رقعة الفقر جغرافيا عن عمد ليس في صالح النمو الاقتصادي، بل يضعف من قدرة النمو الاقتصادي ويزيد من اعتمادية الفقراء على ثمار النمو المولدة على يد من يعول.

بيد أن هناك حاجة ماسة للتفريق بين مفهومي الحماية الاجتماعية وشبكة الأمان الاجتماعي، إذ يعد المفهوم الأول أعم وأشمل، حيث تتكون الحماية من مجموعة واسعة من السياسات والأدوات التي تدخل ضمن اختصاص نظام الحماية الاجتماعية. أما شبكات الضمان الاجتماعي، أو ما تعرف بالمساعدات/ التحويلات الاجتماعية الموجهة عادة إلى الفقراء التي تتطلب مساهمة مالية إلى المستفيدين، فلا تشكل إلا مكونا واحدا من مكونات الحماية الاجتماعية، علاوة على أن الحماية الاجتماعية تتعلق بأبعاد هامة تشمل جوانب سياسات سوق العمل وخيارات التأمين، مثل المعاشات التقاعدية، فضلا عن جوانب التعليم والصحة والتغذية والزراعة ومكافحة الأمراض والأوبئة .

التطور التاريخي لبرامج الحماية الاجتماعية

بداية، ووفقا للتفرقة بين مفهومي الحماية الاجتماعية وشبكات الضمان الاجتماعي، نجد أن برامج الحماية الاجتماعية في مصر ترتكز أكثر على بعد واحد متمثل في مكون “شبكات الأمان/ الضمان الاجتماعي”، وهى بذلك تبتعد عن مفهوم الحماية الاجتماعية بمفهومها الشامل، تلك التي تشمل نواحي هامة تتعلق بسياسات سوق العمل والتعليم والصحة والزراعة، وتتناول السطور التالية شبكات الأمان الاجتماعية من خلال آلية الدعم منذ العصر الملكي.

إذ يعود تاريخ الدعم في مصر منذ العصر الملكي، بعد أن قام الملك فاروق بالتصدي لمشكلة الحفاة التي يعاني منها الفقراء من خلال اعتماد مبلغ 2000 جنيه، واعتماد رئيس الوزراء حينئذ شراء 60 ألف حذاء للمصريين الحفاة . وفي الأيام التالية التي أعقبت الحرب العالمية الأولي، ظهر دعم السلع والمنتجات، جراء الارتفاعات المتتالية في الأسعار كردة فعل مباشرة للحرب، واتجهت الحكومة المصرية بتقديم الدعم بعد أن استوردت كميات كبيرة من القمح والدقيق من أستراليا لمعالجة مشكلة ارتفاع الأسعار وقامت ببيعه بأسعار مدعمة في منافذ بيع تابعة للحكومة.

وفي فترة الحرب العالمية الثانية، ومنذ عام 1941، اتخذت الحكومة إجراءات أكثر فاعلية لتقديم الدعم، كأحد التدابير الرئيسية في شبكة الحماية الاجتماعية التي تقدمها الحكومة لحماية الأسر الفقيرة والأشد احتياجا، وتوسعت الحكومة في السلع التي يشملها الدعم، ليشمل السكر والكيروسين والزيت والشاي باستخدام نظام البطاقات التموينية وتقديم الدعم بمقدار محدد لكل فرد في الأسرة المستحقة شهريا، وأنشأت وزارة التموين والتجارة الداخلية ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية لتكون مسؤولة عن إدارة منظومة الدعم التمويني. 

وخلال الحقبة الناصرية، وبالتحديد خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، واتباع الدولة نموذجاً للإصلاح قوامه تدخل أكثر للدولة في النظام الاقتصادي، تبنت الحكومة “برنامج رفاه” ليكون مظلة تقوم الحكومة من خلالها، بعد أن أصبح الدعم يعبر عن التوجه الاقتصادي للدولة، تقديم الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وكذلك التخفيف عن الأسر فضلاً عن دعم الغذاء.

وخلال حقبة الانفتاح، أي في عهد الرئيس أنور السادات، وبالتحديد منذ عام 1974 تتبني الدولة نظام اقتصادي منفتح على العالم الخارجي، اتجهت الدولة لرفع يدها عن النظام الاقتصادي وتحرير الأسعار وما يقتضي ذلك من تقليل الدعم التمويني ورفع تدريجي للأسعار ما تسبب في “انتفاضة الفقراء” بعد قرار الحكومة برفع الأسعار في يناير 1977 على عدد من السلع، كالدقيق والسكر والأرز والشاي، بعد التشاور مع صندوق النقد الدولي لتنفيذ حزمة من الإصلاحات منها خفض الدعم، وكان ردة فعل الشارع المصري عنيفة، و استجاب على أثرها السادات وتراجع عن رفع الأسعار، بل وتوسعت الحكومة في تقديم الدعم وتوزيع الدقيق المدعم بالمناطق الحضرية والريفية على السواء.

وخلال فترة الثمانينات تزايد الحديث عن العجز المالي بالموازنة العامة للدولة وأرجع البعض أن الدعم السلعي أحد الأسباب الرئيسية للعجز المالي بعد أن وصل مقدار الدعم السلعي لنحو 1.6 مليار جنيه سنوياً، ويمكن تفسير هذا الارتفاع في مقدار الدعم بسبب الارتفاع في أسعار السلع العالمية علاوة على تزايد عدد الأصناف التي يشملها الدعم. لذلك اتبعت الحكومة برنامج أطلق عليه برنامج “إصلاح دعم السلع الغذائية” عام 1982، وكان هذا الإصلاح مرحلي خوفا من ردة الفعل التي واجهت السادات وانتهت بانتفاضة الخبز .

وفي عهد الرئيس الراحل أنور السادات باءت محاولته لرفع أسعار الأرز والدقيق وزيت الطعام بالفشل، لخروج الشارع ضده ليكون في صالح الطبقة الفقيرة. واستمر السادات في نهج “سياسة الباب المفتوح”، التي توجت في نهاية الأمر بضرورة تطبيق برنامج إصلاح اقتصادي وتكيف هيكلي أطلق عليه حينها برنامج (ERSAB) وكان بمثابة “روشتة إصلاح” مقدمة من صندوق النقد الدولي للحد من الدعم الذي وصل إلى 144% في الثمانينات من إجمالي الموازنة العامة ولضبط العجز المتزايد في ميزان المدفوعات، حيث أغُرق السوق المصري بسلع الرفاهية القادمة من الخارج، إلى جانب السيطرة على عجز الموازنة العامة وكبح جماح الدين العام.

وبعد تطبيق حزمة الإصلاح المقدمة من صندوق النقد في عهد الرئيس السابق “حسني مبارك” انخفض الدعم إلى 4% فقط من إجمالي النفقات بالموازنة العامة مقارنة بـ 14% في بداية الثمانينات.

لذلك تعد برامج الضمان/ الأمان الاجتماعية، أول ورقة يتم استخدامها لخفض العجز في الموازنة العامة، وتلك نفسها التي يتم استخدامها لامتصاص الغضب الشعبي إزاء أي حراك مندد بارتفاع الأسعار، في حين تبعد الخطط الحكومية عن جوهر الحماية الاجتماعية، والبعد عن سياسات العمل وتحسين قطاع الزراعة، لانتشال فقراء الريف من براثن الفقر، وتحسن نوعية التعليم والصحة وغيرها من مقومات التنمية البشرية، إذ تعبر التحويلات النقدية إلى أفراد المجتمع الحل الأيسر في وجهة نظر الحكومات المتعاقبة دون معالجة حقيقية لمشكلات الفقر المرشحة للزيادة لنحو 50 مليون في ظل برنامج، قاسي، للإصلاح الاقتصادي تتبناه الحكومة بالاتفاق مع صندوق النقد والبنك الدوليين.

تقييم برامج الحماية الاجتماعية

أشار البيان التحليلي عن مشروع الموازنة العامة للعام المالي 2017/2018 إلى زيادة مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية بنحو 126 مليار جنيه، (زيادة المخصصات من 206.4 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2016/2017 إلى نحو 332.7 مليار جنيه في موازنة عام 2017/2018) ، أي بلغت الزيادة ما نسبته 61%، وهي زيادة كبيرة لحماية الطبقات الفقيرة ولكن على المستوي التفصيلي نجد أن هذه الزيادة في معظمها تأتي كرد فعل مباشر لارتفاع الأسعار خاصة ارتفاع أسعار السلع المستوردة كالمحروقات، نتيجة لارتفاع تكلفة الاستيراد بعد تحرير الجنيه في سوق الصرف الأجنبي في 3 نوفمبر 2016 وبلوغ معدل التضخم مستويات قياسية بلغت نحو 31% مايو الماضي وفقا لإحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

ونتيجة لتزايد السخط العام بعد ارتفاع الأسعار، سواء أسعار المحروقات التي زادة بنسبة 100% خلال أقل من ثمانية أشهر، حيث زادت أسعار المحروقات في 4 نوفمبر 2016، وكذلك في 29 يونيو 2017، وبالتبعية ارتفاع أسعار وسائل النقل والمواصلات وأسعار الأغذية، من خضروات وفواكه، والأجهزة الكهربائية علاوة على ارتفاع عدد من الخدمات منها الكهرباء والمياه، ليس هذا فحسب بل إن ارتفاع قيمة ضريبة القيمة المضافة، قد ضاعفت من العبء على كاهل محدودي الدخل ومتوسطي الدخل على السواء.

وقُبيل رفع أسعار المحروقات في 29 يونيو 2017، وبالتحديد في يوم 20 يونيو 2017، اتخذت الحكومة متمثلة في شخص الرئيس عبدالفتاح السيسي، عددا من القرارات، التي كانت بمثابة قرارات لامتصاص أي سخط شعبي من زيادة تالية في الأسعار، لحماية محدودي الدخل وغير القادرين من معدلات التضخم المرتفعة منها:

1- زيادة الدعم النقدي في الشهر للفرد على بطاقات التموين من 21  إلى 50 جنيه بنسبة زيادة مقدارها 140%‏ وبقيمة 22 مليار جنيه من الموازنة العامة للدولة، وبهذا ارتفعت مخصصات دعم المواد التموينية بالموازنة العامة للعام المالي الجاري لنحو  63 مليار جنيه بدلا من 41 مليار في العام المالي 2016/2017.

2- زيادة المعاشات التأمينية بنسبة 15% وبحد أدنى قدره 150 جنيه لعدد 10 مليون مواطن من أرباب المعاشات وبقيمة ما يقرب من 200 مليار جنيه من الموازنة العامة للدولة.

3- زيادة قيمة الدعم النقدي لمستحقي برنامجي تكافل وكرامة بقيمة 100 جنيه شهرياً لعدد مليون و750 ألف مستفيد بقيمة ما يقرب من 8.25  مليار جنيه من الموازنة العامة للدولة.

4- إقرار علاوة دورية للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية بقيمة 7%  وبحد أدنى 65 جنيها واقرار علاوة غلاء استثنائية قدرها 7%وبحد أدنى للعلاوتين 130جنيها.

5- إقرار علاوة دورية لغير المخاطبين لقانون الخدمة المدنية قدرها 10% بحد أدنى 65 جنيها وكذلك علاوة غلاء استثنائية قدرها 10%‏ وبحد أدنى للعلاوتين 130 جنيها.

6- زيادة حد الإعفاء وإقرار نسبة خصم ضريبي للفئات من محدودي الدخل بقيمة إجمالية تبلغ من 7 إلى 8 مليارات جنيه.

7- وقف العمل بضريبة الأطيان على الأراضي الزراعية لمدة 3 سنوات لتخفيف الأعباء الضريبية على القطاع الزراعي.

في حقيقة الأمر، إن هذه القرارات تخفف، ولو جزئيا، من وطأة الإصلاح الاقتصادي وانعكاسه على طبقة كبيرة من الفقراء، غير أن تكلفة الإصلاح ستخيم على مقدرات الاقتصاد برمته خاصة إذ علمنا أن برامج الحماية الاجتماعية، في ظل شروط الإصلاح، ستكلف الدولة ما يزيد عن 400 مليار جنيه، وهذا ما أعلن عنه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، كما أعلن عن أن برامج الحماية الاجتماعية ستتضمن: صرف معاش للأسر الفقيرة تحت مسمى تكافل وكرامة يقدر بـ325 جنيهاً، زادت بمقدار 100 جنيه، يستفيد منه 1.7 مليون أسرة تكلف الحكومة 7.3  مليار، ومعاشات الضمان الاجتماعي التي تبلغ قيمتها 15.4 مليار جنيه، بالإضافة إلى تخصيص مبلغ 110 مليار جنيه في الموازنة العامة للدولة لبرنامج صناديق التأمينات والمعاشات، كما أن دعم السلع الغذائية يستحوذ على 64.2 مليار جنيه، وبرنامج التأمين الصحي يستحوذ على 8 مليارات جنيه، و600 مليون لدعم الأدوية وألبان الأطفال .

اتجاه مستقبلي

كشف تقرير، صادر عن منظمة الأغذية والزراعة- الفاو، معنون بـ “حالة الأغذية والزراعة،2015″، عن أن تدابير الحماية الاجتماعية- كالتحويلات النقدية، والتغذية المدرسية، والأشغال العامة- تتيح للبلدان الفقيرة وسيلة اقتصادية للمُستضعَفين تمكِّنهم من انتشال أنفسهم من براثن الفقر المدقع والجوع المزمن، وتساعدهم على النهوض بصحة أطفالهم وتعليمهم بل وتحسين فرصهم في الحياة مستقبلاً .

فتعمد مصر في برامجها للحماية الاجتماعية على التحويلات النقدية، وإن كان اتجاه محمود، إلا أن هناك حاجه ماسة لاتخاذ مكونات آخرى من مكونات الحماية الاجتماعية على محمل الجد منها:

أولا – تصحيح مسار سياسات سوق العمل خاصة العلاقة بين رب العمل والعاملين، وعلى وجه الخصوص العاملين بالقطاع الخاص، فمازال العاملون هم الطرف الأضعف في تلك العلاقة خاصة وأن أرباب الأعمال يستسيغون انتقاص حقوقهم، بل وزيادة  العبء الوظيفي، والعمل لعدد غير أدمي من ساعات العمل، علاوة على تأخر رواتبهم وتدني مستواها، وببساطة من يرى أن سياسة العمل، التعسفية في بعض الأحيان والتي يكيفها صاحب العمل على هواه، أن يفسح المجال لغيره.

ثانيا – الاهتمام بالصحة العامة، باعتبارها حجر أساس ومكون هام من مكونات الحماية الاجتماعية، فأي عامل هذا سيقوى على العمل والإضافة إلى الإنتاجية الكلية بينما يعاني من مشكلات صحية، علاوة على التساهل والإهمال المتعمد للقطاع الصحي سيزيد من أعباء ترميم الصدع به، وقد ألزم دستور عام 2014 الحكومة بإنفاق نحو 10% من الناتج المحلي على قطاعات التعليم والصحة والبحث العملي على أن يكون نصيب القطاع الصحي وحده نحو 3% من الناتج المجلي الإجمالي، بينما جاءت موزانة العام الجاري (2017/2018) بعيدة كل البعد عن هذا الهدف، بل شهد الإنفاق على القطاع الصحي تراجع، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، لنحو 1.34% العام المالي الجاري (حجم الإنفاق على القطاع الصحي نحو 54.9 مليار جنيه، بينما الناتج المحلي بالأسعار الجارية 4.07 ترليون جنيه) مقارنة بإنفاق بلغت نسبته 1.43% العام المالي 2016/2017 . فهل عدم استطاعة الحكومة تحقيق التزام دستوري في المدي القصير، فكيف إذن سيتثنى لها أن تحقق هدف التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2030.

ثالثا – إعطاء أولوية للبحث والتطوير بالقطاع الزراعي، وأظهرت دراسة صادرة عن الفاو أن التغير المناخي قد يتسبب في تقصير مواسم الزراعة بنحو 18 يوما، ويؤدي إلى انخفاض المحاصيل بنسبة 27% للزراعة المروية وبنسبة 55% للزراعة المطيرة بنهاية القرن الحالي، كما إن ارتفاع مستوى البحر في دلتا النيل يعرض مصر إلى خسارة أجزاء مهمة من أكثر الأراضي الزراعية إنتاجية نتيجة لملوحة التربة . ولما كان القطاع الزراعي هام لخفض نسب الفقر بالريف، إذا فهناك حاجه ملحة لتطوير هذا القطاع واستخدام سلالات زراعية أكثر إنتاجية وفي نفس الوقت مرشدة للاستخدام المائي.

رابعا – قطاع التعليم، يعاني قطاع التعليم من ترهل واضح، وبعيدا عن تكرار اتهام خريجي الجامعات بعدم مواكبة متطلبات سوق العمل، فهذه ليست مشكلتهم فليس هم من وضعوا المواد التعليمية التي تدارسوها، بل مشكلة منظومة تشمل عدد من الوزارات المعنية التي لا تحدد احتياجات واضحة لسوق العمل لربط مخرجات المنظومة التعليمية بسوق العمل، ناهيك عن بعد الأبحاث التطبيقية بالجامعات تماما عن الواقع العملي للاقتصاد المصري. 

خامسا – برنامج الدعم النقدي، يرى الباحث أن برنامج الدعم النقدي من خلال برنامجي تكافل وكرامة، اتجاه محمود يمكن البناء عليه وتوسيه مظلته، شريطة وجود قاعدة بيانات دقيقه لمن يستحق الدعم النقدي، وفي ذات السياق، تدلل الخبرات الدولية على نجاح هذا الاتجاه، ففي البرازيل أثبتت برامج التحويلات النقدية المشروطة بعدد أفراد الأسرة وشرط الانتظام في التعليم والخضوع للرعاية الصحية- فعالية حقيقية في معالجة الفقر وتحسين أحوال الفقراء، في فترة حكم الرئيس “لولا دا سلفا” ليشمل نحو 11 مليون اسرة أو 46 مليون مواطن وقدرت منظمة الصحة العالمية البرنامج البرازيلي في تحقيق نتائج غذائية افضل بين الاطفال.

وأخيرا، فإن البعد النقدي، الذي تتخذه الحكومة المصرية مسلكا، في الحماية الاجتماعية يعزز من فرص رفع الدخل وزيادة القوة الشرائية لدي الطبقات المعدمة، ولكنه لا يضمن آلية مستمرة للقضاء على الفقر، فالقضاء على الفقر يتطلب حاجه لحماية اجتماعية بمفهومها الشامل تتسق وسياسات عمل، فضلا عن نظام تأميني وصحي قوي، وأن يرتكز النمو الاقتصادي على بنية تعليمة وتكنولوجية حديثة، وعدالة في التوزيع علاوة على التنمية الريفية المستدامة لانتشال فقراء المزارعين من براثن الفقر.