مؤشرات متراجعة : كيف نقرأ موقف مصر في ميزان التنافسية العالمية؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

مؤشرات متراجعة : كيف نقرأ موقف مصر في ميزان التنافسية العالمية؟




 

رغم ما تتبعه مصر من سياسات نيوليبرالية هدفها الاندماج الكامل في الاقتصاد العالمي باختيارات واضحة يتم الدفاع عنها من قبل كافة المسئولين عن الملف الاقتصادي في الحكومة الذين لا يألون جهدا في الدفاع عن اختياراتهم بالقول إن أحدا لم يفرض على مصر قرارها الاقتصادي ولا حتى صندوق النقد أو البنك الدولي، فإن النتائج المصرية على مؤشرات هذا الاقتصاد المعتبرة لا تبشر بأي تقدم في أية اتجاهات.

فمصر في الترتيب 116من بين 140 دولة شملها تقرير التنافسية العالمية في 2015-2016، أي أنه لا يفصلها عن المركز الأخير سوى 24 دولة، والمؤشرات الفرعية لهذا التقرير كاشفة لعدة موضوعات غاية في الأهمية، إذ تتردى بمصر مؤشرات المحاسبية وجودة التعليم والبحث العلمي.

ما هو وضعنا عربيا؟ في ثنايا المقارنات مع مجموعة الدول العربية التي تناولها التقرير فإنه من بين 12 دولة عربية شملها التقرير تأتي مصر في المرتبة قبل الأخيرة، وبينها وبين الدولة العربية الأولى في الترتيب وهي قطر المغضوب عليها مصريا وخليجيا 102 دولة أخرى حيث حلت قطر في المرتبة 14 عالميا في مؤشر التنافسية العالمية، لاشك أن ما تقوم به هذه الدول من تحسينات في مجال الخدمات الحكومية وتيسير إجراءاتها والشفافية المرتبطة بها هو الذي قام بتحسين مؤشرات هذه الدول فيما تبقي إجراءات استخراج الأوراق في مصر غاية في الصعوبة والتعقيد.

ما الوضع أفريقيا؟ والحال ليس أفضل كثيرا إذا وضعت مصر في منافسة مع مجموعة الدول الإفريقية التي شملها التقرير كما يظهر من الجدول التالي:

فمصر في هذا التقرير تأتي رقم 20 أفريقيا من بين 36 دولة أفريقية شملها التقرير والفارق بينها وبين الدولة الأولي أفريقيا 70 دولة في الترتيب الدولي وهي فروقات تدعوا لإعادة النظر في التوجهات والسياسات أو على الأقل استدعاء سؤال لماذا نتائج هذه السياسات لا تحقق الأهداف الموضوعة للانفتاح وتيسير الأعمال وجذب الاستثمارات العالمية.

ولا شك أن جهود تلك الدول التي سبقت مصر في مؤشر التنافسية العالمية واضحة رغم التشكيك الذي يبديه بعض المصريين من قبيل الانتقادات المتعلقة بحجم هذه الاقتصادات مقارنة بالاقتصاد المصري إلا أن تطورات بنيوية في اقتصادات هذه الدول تبدو سببا حقيقيا في ارتفاع معدلات نموها باضطراد بحيث أصبحت جاذبة لمزيد من الاستثمارات وبعضها يحمل توجهات قوية نحو الطاقة النظيفة والتشغيل الكامل لموارده مثل رواندا وجنوب أفريقيا وأثيوبيا وموريشيوس.

وليست المشكلة هنا بالضرورة في هذا العدد المتكدس من الموظفين بقدر ما هي محدودية أفق من أدخلوا هذا العدد لزيادة عدد أتباعهم ومحاسيبهم داخل المصالح الحكومية بمنطق المماليك وعدم قدرتهم على إدارته بكفاءة وفعالية، مع عدم قدرة واضعي السياسات على تشجيع حقيقي لمناخ الأعمال الخاص الذي كان يجب أن يستوعب هذا العدد الزائد الذي يرى في ميكنة أي عمل حكومي عدوا له فترى معظم الخدمات الإليكترونية المهم لنشاط الأعمال غير موجودة على مواقع معظم الهيئات الحكومية وإن وجدت فهي غير مفعلة، ولو ذهب أي مستثمر أجنبي لأحد مكاتب التأمينات أو مصلحة الضرائب المصرية بنفسه مرة لفر هاربا دون رجعة.

الفساد ليس وحده المشكلة:

الحقيقة أن الإجابة البسيطة على هذا السؤال المرتبط بالمفارقة بين الجهود والنتائج المتمثلة في الفساد وحدها لا تجيب عن هذا السؤال أو على الأقل تعطي الإجابة الأكثر محدودية، إذ تتطور جهود مكافحة الفساد دون تحسن ملحوظ في المؤشرات المصرية المرتبطة به كما أنه وفقا لمنظمة الشفافية الدولية أغلب الدول العربية تراجعت في مجال مكافحة الفساد في 2016 وهي تحافظ على مؤشرات مرتفعة في التنافسية العالمية فيما يبقى الفساد مستشريا في مصر في ظل غياب أي إرادة سياسية حقيقية وجادة لمكافحته قامت الحكومة بالتعدي على الهيئات المستقلة حين أقال الرئيس عبد الفتاح السيسي بمرسوم رئاسي رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة الذي تم الحكم عليه لاحقا بالحبس مع وقف التنفيذ، بعد أن قال إن حجم الفساد 600 مليار دولار في 4 سنوات شغل خلالها المنصب.

الإشكالية تتعدى الفساد إذن وتصل إلى التوجهات ذاتها الحاكمة للاقتصاد فلا هو اقتصاد سوق حر يسمح بدخول السلع والبضائع دون جمارك وبالتالي يستفيد المواطنون بالأسعار العالمية الرخيصة لبعض السلع التي لا تصنع بمصر، ولا هو اقتصاد حمائي تقوم فيه الدولة بدور حماية المنتجات الوطنية من المنافسة العالمية من الإغراقات، إذ تسير الدولة المصرية في خطى حثيثة لتحرير التجارة مع معظم دول العالم وتغرق المنتجات الصينية الأسواق المصرية، كما أن أنماط استهلاك الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد التي تحددها الدولة على حد كبير تتغير فرغم ما يتم الإعلان عنه من اكتشافات ضخمة من الطاقة إلا أن الواقع يشير إلى مزيد من اعتماد الاقتصاد على استيراد مزيد من استهلاكه من الطاقة من الأسواق العالمية، إذن النمط العام للاقتصاد المصري يبقى مشوها إلى حد بعيد.

يصاحب مفارقة التوجهات وعدم التقدم في المؤشرات المرتبطة به أن المشكلة ليست في فرضيات الشعب الكسول أو تكلس الجهاز الإداري أو الزيادة السكانية ولا حتى الإرهاب التي تصدرها لنا الحكومات المتعاقبة وإنما مشكلة الاقتصاد المصري تكمن وفقا للبعض في جوهرها في القطاع الخارجي أي الأنشطة الاقتصادية التي تربط مصر بالعالم، وأن هذه المشكلة قد ترجمت إلى نقص في العملة الصعبة يجعل من تمويل الواردات أمرا عسيرا، ويلقى بظلال من الركود والبطالة والتضخم على الاقتصاد بما يضر بحياة غالبية المواطنين

الأمر يحتاج أيضا للبحث عن أسباب عدم العدالة وتزايد هوة اللامساواة فالفساد المرتبط بتوجهات شعبوية يمينية يعمق اللامساواة فوفقا لتقرير منظمة الشفافية الدولية أظهرت سنة 2016 أن الفساد الممنهج وأوجه انعدام المساواة الاجتماعية يعزز أحدهما الأخر في شتى أنحاء العالم، الأمر الذي يؤدي إلى خيبة أمل الشعوب في المؤسسات السياسية ويوفر أرض خصبة لصعود قيادات سياسية شعبوية، وهذه القيادات بالضرورة لن تتبع سياسات تخدم الأغلبية بقدر ما تخدم شبكة المصالح المباشرة المرتبطة بها.

ثم الدولة المصرية التي يتوقف تراثها على الدعم وبعض مساعي العدالة الاجتماعية الناصرية التي كانت في مخيلة المصريين يتم الآن تفكيك تراثها من دعم وإصلاح زراعي ومحاولات لتنويع الاقتصاد، بوتيرة أسرع من أي عهد مضي فما كان يخشاه السادات ومبارك من انتفاضات جراء رفع الدعم تم تجاوزه بالانتهاكات الشديدة والعنف المفرط الذي استخدم ضد الخصم الرئيسي للنظام الحالي وهو الإخوان المسلمين وتم شيطنتهم تماما وبالتالي أصبحت مهمة شيطنة بقية التيارات المناوئة الأخرى والتنكيل بها أيسر من أي وقت مضى.

كما أن الاقتصاد المصري يعاني من أزمة طاقة مزمنة يتم التعامل معها بحلول مؤقتة، فالدعم الخليجي الذي حل أزمة الطاقة في 2013 لم يستطع أن يحلها جذريا وإنما تم ترحيلها ولم يحل دون السير في خطة إلغاء تدريجي للدعم ما أدى لتفاقم التضخم وتزايد تكاليف الإنتاج، كما أن الانحسار المؤقت لأزمة الغاز التي تعاني منها مصر وفقا لبعض الخبراء ناجم عن الركود في الطلب، وليس مؤشراً عن تحسّن في آفاق القطاع، وأزمة الطاقة هذه تعد معضلة بنيوية في الاقتصاد، فاقتصاد لا يستطيع أن يؤمن لنفسه احتياجاته من الطاقة النظيفة هو اقتصاد غير مستدام وغير آمن بالنسبة للاستثمار الأجنبي ما يفسر ضعف مؤشراته إلى جانب عوامل عدم الاستقرار الداخلي المرتبطة بالاستقطاب السياسي الحاد والحرب على الإرهاب.

وفي التحليل الأخير، فإن وضع مصر في معظم المؤشرات الدولية ينذر بضرورة إعادة النظر في التوجهات الاقتصادية ككل لأن نتائجها غير متوافقة مع أهدافها المعلنة على الأقل، كما أنه يعطي مزيدا من التأكيد على أهمية تجاوز الصور النمطية للعديد من المصريين حول أوضاع الكثير من الدول سواء في المنطقة العربية التي لم تعد ترعى الغنم كنشاط سائد متخيل بالتأكيد كما أنها لن تعود لرعايتها لأنها تقوم بتنويع اقتصاداتها وتستغل صناديقها السيادية في توسيع نفوذها عبر العالم والمثالين الأوضح في ذلك هما قطر والإمارات كما أن تصوراتنا حول القارة الأفريقية باعتبارها مجموعة دول تسيطر عليها الحروب الأهلية والأوبئة هي من قبيل التعميمات التي تحتاج لمراجعة جذرية فثمة قوى اقتصادية صاعدة وتكتلات في القارة تسعي لتأمين نفوذ سياسي يتناسب مع هذا النمو في المؤشرات الاقتصادية وليس أقلها الدور الاقتصادي والسياسي لتجمع الإيكواس في ردع يحي جامع مطلع هذا العام أو التحركات الكينية في الشرق الأفريقي ولا التحركات الإثيوبية في حوض النيل.

إذ أن تحركات هذه الدول ليست نابعة من مكايدات سياسية كما يروج معظم الخبراء السياسيين والاستراتيجيين المصريين في تعبير جماعي عن الرؤية الرسمية السائدة، بقدر ما هي مبنية على بعض من الأسس الاقتصادية فطبيعي أن يبحث أي اقتصاد في مرحلة نمو على أسواق وتجمعات اقتصادية في محيطه الإقليمي يكون له ثقل بها وفيها، وطبيعي جدا أن يؤسس تحالف اقتصادي كالإيكواس لقوة تدخل عسكرية تحمي الاستقرار الديمقراطي في دوله.