تدريبات القوات الأمريكية في أوروبا الشرقية... أحد أصداء الحرب الباردة - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
تدريبات القوات الأمريكية في أوروبا الشرقية… أحد أصداء الحرب الباردة

تدريبات القوات الأمريكية في أوروبا الشرقية… أحد أصداء الحرب الباردة




كتب إريك شميت في النيويورك تايمز الأمريكية بتاريخ 8/4/ 2017

بعد مُضي أكثر من عقد من الزمن في محاربة المتمردين الإسلاميين في العراق وأفغانستان، انطلق الجيش الأمريكي، مستفيداً من المهارات التي اكتسبها إبان الحرب الباردة، في مجابهة التهديدات المحتملَة من روسيا، هنا أوروبا الشرقية، الإقليم الذي تولَّى الجيش السوفيتي مهمة الدفاع عنه سابقاً.

إن الترتيبات التي تُجرى في محاولة للتكيف مع التهديدات الجديدة واسعة النطاق. فهناك مئات الدبابات والمدرعات المقاتلة عليها أن تعيد رسم خريطة انتشار وحدات القوات الخاصة، لقد اعتاد الجنود على التحرُّك من قواعد عسكرية ضخمة ومؤمَّنة، بيْد أنهم الآن عليهم أن يمارسوا تكتيكات الخداع والتمويه لإخفاء مواقعهم، والتشرذم إلى مجموعات صغيرة كي يتجنبوا طلعات الطائرات بدون طيار للمهام الهجومية والاستطلاع والاستخبار الإلكتروني، التي بإمكانها إطلاق قذائف أو شن هجمات صاروخية تستهدف الجنود أو مراكز القيادة.

لم تعُد القوات الأمريكية تمتلك حقاً مطلقاً في التحليق جواً أو تحظى بأولوية الانتشار براً كما كانت تفعل عبر الأنهار العراقية والجبال الأفغانية، لقد أضحت الحدود الآن تؤخذ بعين الاعتبار عسكرياً من جميع النواحي، وفي الجمعة المنقضية، جهَّز الجيش الأمريكي قافلة للذخائر شقَّت طريقها من ألمانيا إلى رومانيا لكن هذه القافلة قد تمَّ احتجازها على الحدود النمساوية حتى الاثنين القادم؛ إذ تُفْرض العديد من القيود على القوافل العسكرية خلال الإجازات والعطلات الصيفية.

لقد فتح التدريب، الذي أقيم الشهر الماضي واستمر لمدة عشرة أيام متضمناً 25 ألف من القوات الأمريكية والقوات الحليفة عبر دول ثلاث مثَّلت في السابق جزءً من حلف وراسو، نافذةً على الكيفية التي قام من خلالها الرعيل الأول من قيادات الجيش بالتدريب على ما يتم استحداثه من تكتيكات واستراتيجيات، التي استُخدمت سابقاً ضد القوات السوفيتية والمدرعات والمدفعيات متضمنة الهجمات الليلية، التي يشنها المئات من قوات المظلات. وتدرب القيادات القوات الأصغر، التي تواجه بشكل رئيسي الإرهاب في الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا منذ هجمات 11 سبتمبر 2001.

“علينا أن نكتشف كيف نتكيف مع هذه البيئة الجديدة” هكذا قال العقيد “كلير جيل”.

وللتأكيد، من المتوقع أن يعي القيادات أن الحرب في العراق وأفغانستان مازالت بحاجة إلى آلاف القوات الأمريكية في المستقبل القريب، إن الولايات المتحدة وحلفائها من الناتو أتمُّوا مؤخراً نشر ما يقْرُب من 4500 جندي في جمهوريات البلطيق الثلاثة وبولندا، وجاري الإعداد لإبقاء الآلاف من المدرعات في القارة لردع أي عدوان روسي.

إن ما تم رصده في السابق يُعد جزءً من المنافسة المتزايدة في بناء وتعزيز المقدرات العسكرية، كإحدى تبعات الحرب الباردة، بين واشنطن وموسكو.

تقوم موسكو بتسيير قواتها بطول حدودها الغربية مع أوروبا، كما تقوم أيضاً بنشر قوات تابعة لها في سوريا وأوكرانيا الشرقية، فضلاً عن بناء ترسانتها النووية وتعزيز قدرتها السيبرانية إلى الحد الذي دفع المسئولين العسكريين الأمريكيين إلى القول إن هذا الأمر يمثِّل محاولة كى تثبت روسيا أنها لازالت قوية عقب سنوات من الخفوت والانحدار الاقتصادي، لقد قامت روسيا بتحديد موعد لتدريب رئيسي في سبتمبر، ومن المقرر أن يتضمن التدريب نحو 100 ألف من القوات العسكرية فضلاً عن قوات الأمن الأخرى.

وكنتيجة لذلك، أجرى البنتاجون عدة تمارين وتدريبات للدوريات المرابطة في إقليم الحلفاء الجدد للناتو في الشرق في قاعدة بلغاريا، على سبيل المثال، لقد عمل الحلفاء على زيادة الدوريات التابعة لهم في الجو والبحر وأسفل المياه من بحر البلطيق حتى البحر الأسود؛ وذلك لمواجهة الزيادة الموازية لها في القوات الروسية في المحيط الخارجي للناتو.

شهد التهديد العسكري الروسي تغيراً ملحوظاً منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991؛ إذ استثمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بكثافة فيما يتعلق بقوات المشاة الحديثة والمدرعات وسلاح المدفعية، كما عملت موسكو أيضاً على  تعزيز امتلاكها وتطويرها للطائرات بدون طيار، التي بإمكانها تحديد الأهداف وتنسيق الهجمات التي يتم شنَّها من أسلحة أخرى.

إن روسيا تمتلك ما يُسمى بـ”الحرب الهجينية”، التي تقوم على الجمع بين الأدوات العسكرية التقليدية والقدرة على التلاعب بالأحداث عن طريق الخدع والهجمات السيبراتية وحرب المعلومات، ففي وقت مبكر من هذا العام، على سبيل المثال، قام المدَّعون الليتوانيون بفتح تحقيق جنائي حول تقرير زائف مفاده قيام عدد من الجنود الألمانيين المرابطين في ليتوانيا كجزء من بعثة الناتو لردع روسيا، لقد أنكرت روسيا تورُّطها في أية حملة للتضليل المعلوماتي تستهدف تشويه سمعة القوات المتحالفة.

لقد تجاهل رئيس القوات المسلحة الأمريكية في أوروبا “جين فريديرك هودجيز” احتمالية اندلاع حرب بين الغرب وروسيا، إذ ذهب إلى القول إن أقصى ما يطمح إليه بوتين هو إفقاد الجيوش والحكومات الأوروبية توازنها.

ومع أخذ ذلك في الاعتبار، فإن كبار المخططين الأمريكيين وضباط الاستخبارات يروْن عن قرب العمليات الروسية في شبه جزيرة القرم، وأوكرانيا الشرقية وسوريا، وكل ذلك يقدِّم الأدلة والبراهين حول التكتيكات والأسلحة الروسية الجديدة، إن ضباط الجيش الأمريكي من الشباب يعكفون على دراسة بنية وقوات وحدات الجيش الروسي مثلما كان يفعل الضباط الأمريكيون مع الأجيال الأولى من القوات والأسلحة الروسية خلال السبعينيات والثمانينيات باستخدام الأساليب الإحصائية والكمية.

إن مراكز تدريب الجيش الأمريكي في كل من كاليفورنيا ولويزيانا وألمانيا باتت تتضمن الآن سيناريوهات عدة يمكن الركون إليها في التعامل مع كل السيناريوهات الروسية المحتملة، مع الأخذ دائماً ألا تفضي هذه أي من هذه السيناريوهات للتصعيد الدبلوماسي بين واشنطن وموسكو.

إن التواجد العسكري الأمريكي الراهن في أوروبا أقل بكثير مما كان عليه إبَّان الحرب الباردة؛ إذ أن هناك الآن نحو 30 ألف جندي مقارنة بنحو300 ألف جندي في وقت الحب البادرة كما قال الجنرال هوديجز، ولذلك فإنه يهتم كثيراً بـمدى سرعة نقل القوات ومعداتها عبر مئات الأميال، والاستعداد للقتال في اللحظة المناسبة.

إن التدريبات العسكرية أو ما يُدعى Saber Guardian هي الأكبر في أوروبا هذا العام، وبلغت تكلفتها ما يناهز 40 مليون دولار. وتتضمن قيادة نحو 1000 من القوات فضلاً عن مئات من المركبات، وتعبر تلك القوات ومركباتها نحو 1200 ميل عبر أوروبا من سانت لويس حتى ميامي متضمنة مئات من القوات المتحالفة بما فيها القوات الأمريكية والقوات الخاصة ودباباتهم ذات الـ 60 طناً العابرة لنهر الدانوب ورؤوس الجسور لمواجهة أية تهديدات محتملة على الجانب الآخر.

وبالنسبة لجيوش شرق أوروبا التي لا يزال الكثير منها يستخدم المعدات روسية الصنع، فإن هذه التدريبات العسكرية بين القوات الأمريكية والأوروبية الشرقية تبرهن على مستويات عليا من التنسيق والثقة والدعم المتبادل بين الجانبيْن.

“لقد اكتسبنا قدراً من الثقة، أننا لسنا وحدنا في الظهير الشرقي للناتو” هكذا قال العقيد “ثايو تودير”، وهو ضابط بالقوات الجوية الرومانية.

ورغم المحاولات الدؤوبة التي تبذلها القوات الأمريكية لمجابهة التهديد الروسي في أوروبا الشرقية إلا أن أحياناً قد يتسرب الفشل إلى بعض منها، ويعزى الجنرال “هودجيز” ذلك إلى صعوبة نقل القوات عبر القارة، وعبَّر عن ذلك بقوله “نحتاج إلى قدر أكبر من الحرية في التحرك”.

إن العديد من العقداء الذين ترقُّوا في الجيش سريعاً، الجيل التالي لجنرالات الجيش الأمريكي، قد خبروا التهديد الروسي جيداً، وهم الآن يقضون سنوات خدمتهم العسكرية في محاربة القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، وهم الآن على أهبة الاستعداد لتلك المهام.

ويقول الكولونيل “جيل” الذي يقود نحو 2200 من القوات وأكثر من 80 طائرة هليكوبتر أن التحدي الرئيسي يتمثل بالأساس في بلوغ أعلى درجة الاستعداد للقتال لا سيما أن النخبة العسكرية يجري تدويلها ليحل محلها شباب الضباط؛ إذ أن حوالي 40% من وحدته يُجرى تدويلها منذ أكتوبر الماضي، و عبَّر “جيل” عمَّا سبق بقوله “”نحن بحاجة إلى أن نكون مستعدين للانطلاق إلى أي مكان، وفي أي وقت”.

وقد درس العقيد “باتريك إيلز” الروسية في ويست بوينت، حيث كان زميلاً دراسة للكولونيل “جيل”، كونه أدرك مدى حاجة إلى تعلُّم لغة خصمه الحقيقي، وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، تمَّ إرسال العقيد إيلز عدة مرات  في مهام عسكرية إلى أفغانستان.

الآن العقيد “إيلز” البالغ من العمر 45 عاما، وهو ابن لضابط بالبحرية من ألاميدا، يقود  حوالي 4800 من القوات ونحو 330 من المركبات المقاتلة، وتتحرك قواته من ألمانيا وحتى بلغاريا، وتتوقف تلك القوات بين الفنية والأخرى للتفاعل مع المواطنين المحليين؛ إذ تسمح للأطفال بالصعود أعلى مركبات سترايكر المقاتلة، وتقوم تلك القوات بتفسير سبب تواجدها هناك للمقيمين. “نحن نعي متى استيقظنا كل صباح من هو عدونا”، هكذا قال العقيد “إيلز” تعبيراً عن إدراكه للتهديد الروسي كما قال أيضاً “نحن نركز بقوة على التهديد الروسي”.  نه “. ية اندلاع حرب بين الغرب وروسيا، إذ ذهب إلى القول أنه من المحتمل أن يبذل بوتين جهده لكي تفقد الجويش والحكومات الأوروبية تو

رابط المقال: اضغط هنا