السلطة المصرية والتعاطي مع الرأي العام - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

السلطة المصرية والتعاطي مع الرأي العام




تحدث مؤخراً الرئيس عبد الفتاح السيسي عن ضرورة قيام وسائل الإعلام بنشر ما أسماه ” فوبيا اسقاط الدولة” بين المواطنين، وبغض النظر عن مدى ملائمة حديث الرئيس، فإنه جاء كاشفا لمكانة الرأي العام عند السيسي، وكيفية تعاطيه معه، وبغرض ضبط المفاهيم، فالرأي العام كمفهوم ظهر للمرة الأولى في أواخر القرن الـ18، وعرّفه ستيوارت ميل على سبيل المثال على أنه :”الرأي العام هو ما يريده المجتمع أو الجزء السائد منه”، ومصطلح الرأي العام عادة ما يستخدم للتعبير عن مجموع الآراء التي يتوصل إليها الناس إزاء المسائل التي تؤثر في مصالحهم العامة والخاصة، وعادة ما تحرص السلطة على التأثير في الرأي العام عبر الوسائل الدعائية مثل الإعلام أو حتى إطلاق الشائعات أو عبر الأعمال الفنية.

وبالرجوع لحديث الرئيس، يجدر الإشارة إلى إنها لم تكن المناسبة الأولى التي أبدى فيها السيسي اهتمامه بالرأي العام، ومبكرا ظهرت أحاديث للسيسي أثناء شغله منصب وزير الدفاع عن تخطيطه للسيطرة على وسائل الإعلام وعلى وجه الخصوص القنوات الفضائية، وهو المخطط الذى جرى تنفيذه بالفعل في سيطرة رجال الأعمال المؤيدين لتوجهات السلطة على أغلب القنوات الفضائية، وباتت هذه القنوات تفتقد لأي تواجد لوجوه المعارضة السياسية للرئيس، كما حرصت الرئاسة على ممارسة نوعا من التأثير على وسائل التواصل الاجتماعي وهي تعتبر من أبرز وسائل التأثير الحديثة على الرأي العام.

وعلى الرغم من هذا الاهتمام الواضح بالرأي العام، ظهرت أغلب سياسات الرئيس مناقضة لهذا الاهتمام، ومنها على سبيل المثال القرارات الاقتصادية، وتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية على عكس الرغبة العامة، وأدت هذه القرارات إلى تراجع شعبية الرئيس بحسب مراكز استطلاع الرأي القريبة من الدولة.

ويمكننا رصد حالة اللامبالاة بتوجهات الرأي العام أيضا في غياب الحوار المجتمعي الجاد عن أغلب سياسات السلطة في مصر، فكيف يتسق هذا مع اهتمام الرئيس بالرأي العام؟

في يوليو 2014، وفي ظل حالة من الدعاية الإعلامية والتأييد لمشروع قناة السويس، قال الرئيس السيسي إن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كان محظوظ، لأنه كان يتكلم والإعلام كان معه”،  وعلى صعيد حرية التعبير والرأي حدث ولا حرج، تراجعت مصر في مؤشر حرية الصحافة إلى المرتبة 159 دوليا بحسب تصنيف مراسلون بلا حدود، كما تم استبعاد أغلب الوجوه الإعلامية التي تنتقد الرئيس في القنوات الفضائية، وتعرض نقيب الصحفيين السابق للملاحقة القضائية في سابقة هي الأولى نوعها في مصر، على خلفية اقتحام قوات الداخلية لنقابة الصحفيين في يوم الصحافة العالمي لإلقاء القبض على بعض الصحفيين، ناهيك عن حجب المواقع الإلكترونية.

 ونظرا لخبرته السابقة في الدعاية والحرب النفسية كمدير للمخابرات العسكرية، يعرف الرئيس الكثير من تكتيكات السيطرة على الرأي العام، وعزفت أجهزة الدولة على بعض أوتار فوبيا إسقاط الدولة فيما سبق، وأبرز هذه المقولات التي روجتها مقولة ” مش أحسن من سوريا والعراق؟!”.

 كما نظمت الدولة بعض الحملات الإعلامية التي حاولت جذب التأييد الشعبي للقرارات والسياسات الحكومية، مثل حملة ”  الحق في المعرفة”، و” بالإصلاح الجريء هنقصر الطريق” وغيرها من الحملات الدعائية التي يبدو أنها فشلت في تحقيق مرادها، ما يفسر هجوم الرئيس المتكرر على الأداء الإعلامي.

فكيف يبدي الرئيس كل هذا الاهتمام بالرأي العام بينما تفشل أغلب الحملات الدعائية؟

يكمن خطأ اقتراب السيسي في التعاطي مع الرأي العام في رؤيته الستينية – أذا جاز التعبير- للرأي العام، فمن المستحيل الأن أن تستطيع  فرض السيطرة المطلقة على الرأي العام في ظل عصر الاتصالات الذي نعيشه، ومن غير الممكن أيضا تكرار تجربة الستينات في التأثير على الرأي العام، الذي بات في السنوات الأخيرة أكثر وعيا وقدرة على انتقاد الخطابات الإعلامية الموجهة، ويعد هذا من أبرز مكتسبات ثورة 25 يناير.

وتكمن خطورة الفجوة بين سياسة الرئيس تجاه الرأي العام والواقع العملي في اتساع المسافة بين توجهات السلطة والرضاء الشعبي عنها، وفي ظل عدم توفر قنوات مناسبة للتعبير عن الآراء المعارضة للرئيس، من المحتمل جدا أن تؤدي هذه الحالة إلى إحداث حالة من عدم الاستقرار.

وبغرض تجنب هذا المصير، وتقليل احتمالات حدوثه، نقترح على السلطات المصرية تغيير اقتراب تعاطيها مع الرأي العام، وإحلال المنهج التبادلي الذي ينظر إلى الرأي العام كمساحة مشتركة يؤثر خلالها المجتمع في السلطة، كما تحاول السلطة التأثير عليه، والتخلي عن المنهج الفوقي الذي لا يكترث بتوجهات الرأي العام الحقيقية قدر اكتراثه بالتأثير فيها، فالرأي العام في إدراك السيسي هو عنصر تابع، يؤثر فيه الرئيس ولا يتأثر به، وهذه مقاربة خاطئة بطبيعة الأحوال.