العقوبات الأمريكية الجديدة ضد إيران.. بين الاحتواء وتهديد الاتفاق النووي - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
العقوبات الأمريكية الجديدة ضد إيران.. بين الاحتواء وتهديد الاتفاق النووي

العقوبات الأمريكية الجديدة ضد إيران.. بين الاحتواء وتهديد الاتفاق النووي




 

وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم 2 أغسطس الجاري على مشروع قانون جديد أقره الكونجرس يستهدف إيران وروسيا وكوريا الشمالية، تم التصويت عليه بأغلبية ساحقة من قبل الكونجرس، باعتبار أن الدول الثلاث تمثل تهديدا للأمن القومي الأمريكي ومصالحها، وفيما يتعلق بإيران جاءت العقوبات بشكل نمطي ومتكرر ولم تأت بجديد، إذ جاءت تحت بند حقوق الإنسان والاتهامات المتكررة لطهران بدعم الإرهاب والاستمرار في إجراء تجارب صواريخ باليستية تعتبرها الولايات المتحدة مخالفة للاتفاق النووي الموقع في يوليو 2015، بينما تؤكد طهران أن تجاربها لاتنتهك الاتفاق فهي لأغراض دفاعية وليست هجومية أو مخصصة لحمل أسلحة نووية.

ومنذ بداية ترشحه للانتخابات الرئاسية أعلن ترامب معاداته للنظام الإيراني ووعد بإعادة النظر في الاتفاق النووي لأنه يضر بمصالح بلاده، لكنه لم يستطع فعل ذلك وإنما لجأ إلى التلويح بالعقوبات الدائمة والتعاون مع بعض الدول في منطقة الشرق الأوسط للضغط على إيران وتقليص نفوذها بالمنطقة التي تضر بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها، وبالتالي لم تتوقع إيران أن تتحسن العلاقات مع واشنطن في ظل إدارة  ترامب، كذلك تعلم واشنطن أن طهران لن تتنازل عن طموحاتها ونفوذها المتنامي وما حققته في سوريا والعراق ولبنان واليمن، ولهذا سيحافظ الجميع على الاتفاق النووي لأهميته لكلا الطرفين، فطهران النووية ستكون أكثر قوة علي الساحتين الدولية والإقليمية ولن يمكن تهديدها والضغط عليها، كذلك أدركت طهران أن توقيع الاتفاق النووي سينهي مخاطر  توجيه ضربة أمريكية لنظامها إلى جانب جذب دول أوروبا إلى صالحها بحثا عن النفط والغاز  وإنهاء العقوبات الدولية من أجل الولوج إلى السوق الإيرانية.

أولاـ أسباب تشدد إدارة ترامب تجاه إيران:

منذ إعلان ترامب الترشح لانتخابات الرئاسة اتخذ موقفا عدائيا تجاه إيران، خاصة فيما يتعلق بالاتفاق النووي الذي اعتبره صفقة سيئة ليست في صالح الولايات المتحدة، وهدد أكثر من مرة بإعادة التفاوض على الاتفاق بل إلغائه إذا اعتبره صفقة “مشينة” وما زال مُصِراً على هذا الموقف رغم رفض الكثيرين داخل إدارته نقض الاتفاق بجانب أعضاء في الكونجرس الأمريكي خاصة الديمقراطيين الذين توصل رئيسهم السابق باراك أوباما وإدارته إلى هذا الاتفاق الذي أوقف مشروع إيران النووي.

وتوجد عدة أسباب تدفع ترامب لتعريض مستقبل الاتفاق النووي إلى الخطر ، واستمرار تصريحاته وتحركاته التي تجعل مصير الاتفاق محل شك وترقب دائمين وهي:

1ـ استمرار إيران في تطوير قدراتها الدفاعية:

استمرت طهران في تطوير قدراتها الدفاعية خاصة القوة الصاروخيةبعد توقيع الاتفاق النووي وأكدت أن تجارب الصواريخ الباليستية لا تنتهك الاتفاق فهي لأغراض دفاعية وليست هجومية أو مخصصة لحمل رؤوس نووية.

فبعد توقيع طهران الاتفاق مع القوى الكبرى في يوليو 2015، أعلنت في أكتوبر من العام نفسه إجراء اختبار جديد لصاروخ باليستي “عماد” بعيد المدى، وهو من فئة صواريخ أرض – أرض، وانتقدت وقتها الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الاختبار  وحاولت الترويج إلى أن ذلك بداية سيئة لالتزام الإيرانيين بالاتفاق وانتهاك إيران لقرار مجلس الأمن رقم 1929 الذي يحظر عليها إجراء أي تجارب صاروخية بعيدة المدى، لكن إيران أكدت أن هذا غير صحيح لأن الاتفاق لم يشر إلى القدرات الدفاعية الإيرانية بما فيها القدرات الصاروخية غير المخصصة لحمل رؤوس نووية.

ويبدو أن إيران أجرت هذا الاختبار لتوجه رسالة إلى القوى الغربية أنها لن تتخلى عن تطوير قدراتها الدفاعية غير المقيدة بالاتفاق النووي، ولتتأكد أيضا من مدى صدق التزام الغرب معها في بداية الاتفاق حتى لا تتعلل بعد ذلك بانتهاك الاتفاق وتفرض عليها عقوبات رغم التزامها بما تم الاتفاق عليه، وتلى هذه التجربة عدة تجارب لصواريخ باليستية ناجحة، لتعلن بعدها القوات المسلحة الإيرانية، في سبتمبر  2016 افتتاح خط جديد لإنتاج صواريخ باليستية جديدة من طراز “ذو الفقار”، يبلغ مداه 700 كيلومتر.

وفي محاولة من طهران لاختبار  جدية التزام الرئيس ترامب بالاتفاق النووي بعد وصوله إلى البيت الأبيض، أجرت طهران في يناير  2017 اختبار جديد لصاروخ باليستي متوسط المدى “خورامشهر” انطلق لمسافة 600 ميل قبل أن ينفجر في تجربة فاشلة، ولم يستطع ترامب حتى الآن نقض الاتفاق وإنما صدق عليه مرتين منذ توليه الرئاسة واحدة في أبريل وأخرى في أغسطس 2017 وأقر بالتزام إيران فيما يخص تعهداتها  بالاتفاق النووي، وهذا ما منعه من محاولة نقض الاتفاق وإنما لجأ إلى فرض العقوبات الفردية واستهداف كيانات وأفراد إيرانيين فقط وليس فرض عقوبات على الحكومة أو الدولة الإيرانية ذاتها كما كان سائدا من قبل.

ورداً على تجربة طهران الصاروخية في يناير، حاول ترامب حفظ ماء وجهه بتنفيذ بعض التهديدات والتصريحات التي يطلقها من وقت لآخر لتعلن وزارة الخزانة الأمريكية في فبراير 2017 عن عقوبات على عدد من الشركات، ومسؤولين في كل من دولة الإمارات، ولبنان، والصين، على علاقة بتزويد إيران بالتكنولوجيا المستخدمة في صناعة الصواريخ الباليستية، ويتضح أن هذه العقوبات ضعيفة وغير ذات تأثير  فهي لم تستطع استهداف الحكومة الإيرانية ذاتها وإنما أرادت التضييق على الشركات والأفراد التي تعاونوا مع طهران في هذا المجال، ويؤكد ضعف هذه الإجراءات استمرار إيران في تجاربها وآخرها تطوير قدراتها لاقتحام مجال الفضاء.

وفي أحدث تجربة لطهران في 27 يوليو 2017، اختبرت إيران بنجاح صاروخاً سُمِّي “سيمروغ” يحمل أقماراً صناعية إلى الفضاء، ويقدر على دفع حمولة يبلغ وزنها 250 كجم إلى ارتفاع 500 كم، وللمفارقة اشتركت الولايات المتحدة والدول الأوروبية في انتقاد هذه التجربة، فلأول مرة تتقدم بريطانيا وفرنسا وألمانيا في أغسطس الماضي، بجانب الولايات المتحدة، بشكوى إلى مجلس الأمن ضد تجارب إيران الصاروخية، معتبرة أنها “تهديدية واستفزازية”، واعتبرت أن التكنولوجيا الضرورية لتصنيع وإطلاق مركبات للفضاء ترتبط بالصواريخ الباليستية العابرة للقارات وهذا مخالف للاتفاق النووي.

وينبع التخوف الغربي من تجربة الصاروخ القادر على حمل سفن فضاء من محاولة إيران تطوير أقمار للتجسس بعد ذلك ومحاولة دعم قدراتها الاستخباراتية في المنطقة وتهديد المصالح الغربية وحلفائها بالشرق الأوسط إلى جانب التعاون مع روسيا في مواجهة التصعيد الغربي الجاري الآن ضدهما، فالغرب وافق على الاتفاق النووي منعا لإيران من تطوير قدراتها النووية حتى لا تتحول لقوة عسكرية بالشرق الأوسط وتهدد حلفائهم ومصالحهم، ومع تطوير إيران لقدراتها الدفاعية وصناعتها الحربية بما يمثل استمرار هذا التهديد فإن هذا غير مقبول أيضا لذلك تستمر الضغوطات الأمريكية الغربية لمحالة تحجيم الصناعة العسكرية الإيرانية.

2ـ تقويض النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط:

اتهمت دول الخليج إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بالتخلي عنها حينما توصلت للاتفاق النووي في 2015، لأنه لم يتفاوض على وقف إيران تهديدها لدول المنطقة وتوسيع نفوذها في أكثر من دولة عربية، ولهذا حينما وصل ترامب إلى البيت الأبيض سعت دول الخليج خاصة الإمارات والسعودية إلى عقد تحالف جديد مع الإدارة الجديدة يهدف بالأساس إلى مواجهة النفوذ الإيراني، رغم الاتهامات التي أطلقها ترامب خلال حملته الانتخابية وحتى بعد فوزه بالرئاسة، لدول الخليج برعاية ودعم الإرهاب.

وتعزيزا لإقامة تعاون وتحالف جديد بين الخليج والإدارة الجديدة خاصة مع السعودية، زار الرئيس ترامب الرياض في أبريل الماضي ليوقع أضخم صفقة في تاريخ البلدين، بلغت حوالي 400 مليار دولار كما أعلن ترامب، وشملت الاتفاقية الإعلان عن مبيعات عسكرية فقط للسعودية بقيمة 110 مليار دولار، وربط وزير الخارجية الأمريكي هذه الصفقات بإيران، فقد أكد أن هذه الحزمة من المعدات الدفاعية ستدعم أمن السعودية ومنطقة الخليج على المدى الطويل، خاصة في مواجهة النفوذ الإيراني الخبيث والتهديدات ذات الصلة بطهران التي توجد على حدود السعودية من جميع الجوانب.

ومن بين الاتفاقيات العسكرية الموقعة لتعزيز القدرات العسكرية للسعودية ومنطقة الخليج بشكل عام، وقعت الرياض اتفاق مع شركة “لوكهيد مارتن” لدعم برنامج تجميع 150 طائرة هليكوبتر من طراز “Black Hawk S-70” في المملكة، بقيمة 6 مليارات دولار كما تم توقيع اتفاق مع شركة “رايثيون” لإنشاء فرع في السعودية يركز على تنفيذ برامج لخلق قدرات محلية في الدفاع وصناعة الطيران والأمن في المملكة، وإلى جانب ذلك تم توقيع اتفاق مع شركة “جنرال دايناميكس” لتوطين التصميم وهندسة وتصنيع ودعم المركبات القتالية المدرعة،” للبرامج الحالية والمستقبلية في المملكة.

وفي محاولة من إدارة ترامب لتوسيع عزلة إيران في المنطقة، عقدت القمة العربية الإسلامية الأمريكية خلال زيارة ترامب للرياض، وركزت بشكل أساسي على الحشد الخليجي الأمريكي لزيادة عزلة إيران الضغط عليها، فترامب لن يقدر على نقض الاتفاق وبالتالي لجأ إلى بدائل التحالفات الإقليمية والعقوبات الفردية لجعل إيران تحت المقصلة الأمريكية، وحتى تستجيب للمطالب الأمريكية وتوقف دعمها لجماعات مسلحة تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية إلى جانب توسيع نفوذها في الشرق الأوسط بما يضر بمصالح ويهدد أمن حلفائها.

وخلال كلمة ألقاها ترامبأمام قادة وممثلين عن 55 دولة في القمة، دعا إلى العمل بشكل مشترك على عزل إيران ووضع “حزب الله” في قائمة الإرهاب، وحمل السلطات الإيرانية المسؤولية عن عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، واعتبر أيضا أن النظام الإيراني هو الممول الأساسي للإرهاب الدولي، وفي محاولة منه لحشد أكبر عدد من الدول لزيادة عزلة إيران دعا جميع الدول والشعوب لبذل جهودا مشتركة من أجل عزل إيران حتى تنضم إلى دعم السلام بالمنطقة، ويتضح من هذه الدعوة أن ترامب فشل في فرض عقوبات دولية ملزمة على إيران وبالتالي لجأ إلى التحالفات الفردية التي ستكون ضعيفة مقارنة بالقرارات الدولية من أجل الضغط على إيران.

وتماشيا مع رؤية ترامب دعمت السعودية السياسة الأمريكية تجاه إيران باعتبارها مشاركا رئيسيا في عدد من أزمات دول المنطقة والتدخل في شؤونها الداخلية، ففي كلمة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، خلال القمة العربية الإسلامية الأمريكية، قال إن النظام الإيراني يشكل رأس حربة الإرهاب العالمي منذ ثورة الخميني وحتى اليوم، وذلك في إشارة إلى رفض المملكة التعامل مع النظام الإيراني الذي يأتي على رأسه مرشد الثورة الإيرانية باعتباره نظاما يقوم على تصدير الثورة والتدخل في دول الجوار.

وحاول الملك سلمان استغلال عدائية ترامب تجاه إيران بخلاف سابقه أوباما الذي تصالح معها على حساب دول المنطقة، وذلك بالتعاون معه وإبداء قدرتها على استمرار عزلة إيران حتى مع رفع العقوبات الدولية عنها، ليوجه رسالة بأن بلاده قادرة على مواجهة النظام في إيران وعزل حتى من يتعاون معه، وقد اتضح ذلك في المقاطعة الخليجية مع قطر  يونيو الماضي التي لا زالت مستمرة وكان من بين أسباب المقاطعة هو العلاقات بين قطر وإيران التي اعتبرتها دول الخليج تهديدا لأمنها، فهي لن تقيم علاقات مع طهران وستعزل من يتعاون معها.

ثانياـ مواقف القوى الضامنة من التصعيد الأمريكي تجاه إيران

ضغطت الدول الأوروبية بجانب الولايات المتحدة والصين وروسيا للوصول إلى الاتفاق النووي، فقد شاركت هذه القوى من قبل في فرض عقوبات دولية على إيران لوقف تطوير برنامجها النووي لمنع وجود كوريا شمالية أخرى، ومع جدية الرئيس الإيراني حسن روحاني في التوصل للاتفاق، بدأ منذ ولايته الأولى التفاوض مع الغرب لينجح في الوصول لاتفاق ساهم رفي فع العقوبات الدولية عن بلاده إلى جانب تفويت الفرصة على بعض الدول الغربية للتدخل العسكري في بلاده أو توجيه ضربات جوية إلى بعض المناطق العسكرية الحساسة.

رغم التقارب في الموقف الأوروبي الأمريكي إلا أن دول الاتحاد الأوربي ترغب في الحفاظ على الاتفاق النووي ولم تهدد يوما ما بنقضه أو التراجع عنه كما تفعل إدارة ترامب، أما بالنسبة إلى روسيا فهي تدافع بشكل دائم عن الاتفاق وعن إيران وتتصدى لأي محاولات في مجلس الأمن لفرض عقوبات جديدة على إيران، وقد نجحت في الحصول على موافقة مجلس الأمن في إتمام صفقة منظومة صواريخ “إس 300” المتوقفة منذ عام 2010 بسبب العقوبات الدولية، أما بالنسبة إلى الصين فهي أقرب للموقف الروسي حيث تريد توسيع نفوذها وعلاقاتها  ومجابهة رسم الولايات المتحدة لسياسة مجلس الأمن وكذلك العقوبات المفروضة على الدول فقد حالت كثيرا دون توجيه ضربات عسكرية إلى نظام كوريا الشمالية رغم تجاربه النووية والصاروخية.

1ـ الموقف الأوروبي:

تساهلت الدول الأوروبية بجانب التعاون مع إدارة أوباما في التوصل للاتفاق حيث تسعى إلى تحييد التهديدات الإيرانية إلى جانب محاولة فتح علاقات معها من أجل الوصول إلى ثرواتها النفطية والغاز، خاصة في ظل تدهور العلاقات مع روسيا التي يعتمد عليها الاتحاد الأوروبي في تلبية نحو ثلث احتياجاته من النفط والغاز، فقد وصلت كمية الغاز الروسية المصدرة إلى دول الاتحاد الأوروبي خلال عام 2015 إلى 159.4 مليار متر مكعب، حيث يستورد الاتحاد الأوروبي أكثر من نصف الطاقة المستهلكة فهو يستورد 90% من النفط الخام من الخارج، في حين يشتري 66% من الغاز الطبيعي المستهلك داخلياً من مصادر خارجية.

مثل فوز ترامب الذي أعلن أنه “سيمزق” الاتفاق، معضلة ومفاجأة كبيرة للكثيرين، لذا تعهدت الدول الأوروبية ضمن مجموعة اتفاق “5+1” (فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة، الصين، روسيا، ألمانيا) مع إيران بحماية الاتفاق النووي، فأوروبا تحرص على استمرار الاتفاق من أجل التوسع في السوق الإيرانية والأهم الاستفادة من ثرواتها النفطية،حيث بلغ احتياطي إيران من النفط الخام في عام 2015 نحو 158 مليار برميل، بما يعادل 10% من احتياطي النفط الخام في العالم، أو ما يعادل حوالي 13% من احتياطيات منظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك”، فيما يبلغ احتياطي الغاز الطبيعي لدى إيران حوالي 1.187.3 تريليون، وبهذا تحتل ايران المرتبة الأولى في احتياطي الغاز والمرتبة الرابعة في احتياطي النفط في العالم.

وضعت العقوبات الأمريكية قيودا على شركاتها وبنوكها في التعامل مع إيران، وهذا سيكون له تأثير سلبي على الشركات الأوروبية أيضا التي تتخوف من أن تطالها العقوبات الأمريكية إلى جانب إثارة المناخ السلبي بشأن مستقبل الاستثمار  في إيران الذي ما زال غير  مستقرا، ورغم ذلك إلا أنه تم عقد صفقات ضخمة بين طهران وشركات أوروبية مثل العقد الموقع في يوليو 2017 بين إيران وشركة توتال الفرنسية بقيمة نحو خمسة مليارات دولار، ضمن مشروع تطوير حقل ساوث بارس للغاز، مع شركاء صينيين وإيرانيين، ومن المقرر أن يستمر المشروع 20 عاما، ووقعت طهران أيضا في يناير 2017 اتفاقا مع شركة بيجو الفرنسية لصناعة السيارات في صفقة بلغت قيمتها 500 مليون يورو، لإنتاج سيارات مشتركة بين الطرفين من طراز 301 و 208.

وهذا يكشف أن هناك أقبال أوروبي على إيران خاصة مشروعات الطاقة وليس هذا فحسب وإنما المشروعات طويلة الأجل وليست استثمارات أو صفقات سريعة، وبالتالي لن تقبل دول الاتحاد الأوروبي أن ينقض ترامب الاتفاق دن أسباب حقيقية تتعلق بجوهر الاتفاق أو تؤثر على مصالحها، فهي بحاجة إلى النفط والغاز الإيرانيين إلى جانب سوقها الواسع من أجل تعويض ومعالجة الأضرار الناجمة عن أزماتها الاقتصادية والمالية التي تمر بها بعض دولها إلى جانب ضعفها بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويدعم ذلك انتقاد الاتحاد الأوروبي للإدراة الأمريكية بعد إقرارها الشهر الجاري قوانين فرضت عقوبات جديدة على روسيا وإيران، واتهم واشنطن بأنها لا تراعي المصالح الأوروبية لأن هذه العقوبات ستؤثر على تدفقات النفط والغاز الروسي للقارة، وبالتالي سترفض مستقبلا أي عقوبات قد تؤثر على مصالحها واستثمارتها بإيران.

2ـ الموقف الروسي الصيني:

يتخذ البلدان موقفا يكاد يكون واحدا من الاتفاق وهو دعمه والتصدي لمحاولات ترامب لنقض الاتفاق، فإيران تعتبر شريكا أساسيا لكلا البلدين، فالصين في حاجة إلى النفط والغاز الإيراني وكذلك سوقها الضخم، فقد تخطى  حجم التبادل التجاري بين الصين وايران 31 مليار دولار في عام 2016، بينما بلغ 52 مليار دولار في 2014 لكنه انخفض بسبب هبوط أسعار النفط، وبلغ حجم استيراد الصين من النفط الايراني في 2016 حوالي  31.3 مليون طن مسجلا ارتفاعا بنسبة 17.6 % عن العام السابق، وتشارك أيضا شركات صينية في تطوير قطاع الطاقة الإيراني حيث تعتبر الصين أكبر مستور للطاقة، فقد ساهم التعاون بين البلدين في حقلي “آزادكان” و”يادآوران” في زيادة إنتاج إيران من النفط بنسبة 200 ألف برميل يوميا.

وفي يناير 2016 أجرى الرئيس الصيني شي جينبينغ زيارة إلى طهران، مثلت بداية شراكة استراتيجية طوليلة الأمد بين البلدين، فقد تعهد البلدان بتعزيز علاقاتهما الاقتصادية والسياسية، ووقع الرئيس الصيني ونظيره الإيراني حسن روحاني 17 اتفاقا في عدد من المجالات سترفع تعزيز التبادل التجاري إلى 420 مليار دولار، كما وقعا اتفاقا شاملا لمدة 25 عاما بشأن العلاقات الاستراتيجية، حيث تعد الصين الشريك التجاري الأكبر لإيران.

ولهذا لن تتخلى الصين عن شراكة استراتيجية كهذه إلى جانب تأمين مصادر الطاقة، فهي قد لا تثق كثيرا في علاقتها مع الخليج إذا تعرضت لتوتر مع الولايات المتحدة باعتبارهم حلفاء، ولكن يمكنها الاعتماد على إيران وروسيا في تلبية جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة.

وبالنسبة إلى روسيا تقيم ليس فقط علاقات اقتصادية مع إيران وإنما تحالفات عسكرية، وهذا واضح في سوريا حيث يدعم الجانبان النظام السوري وقد تدخل كلاهما في سوريا عسكريا لدعم النظام ويصطدمان هناك بالولايات المتحدة وحلفائها، وقد فتحت طهران من قبل في أغسطس 2016 قواعدها الجوية في مدينة همدان للطيران الروسي والقاذفات الاستراتيجية الروسية من طراز(Tu-M-22)، التي لم تستطع العمل من القواعد الروسية في سوريا بسبب صغر مطارتها العسكرية وبالتالي لجأت إلى إيران.

ولم تستمر العمليات الروسية من قاعدة نوجة طويلا وقتها، لكن مع فوز ترامب بانتخابات الرئاسة ومعرفة توجه المسبق من طهران وموسكو، أكد حسين شيخ الإسلام مستشار وزير الخارجية الإيراني، في ديسمبر 2016 بأن طهران مستعدة من جديد لوضع قاعدة همدان الجوية تحت تصرف القوة الجو – فضائية الروسية إذا تطلب الوضع في سوريا ذلك، وكان وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان أكد على ذات المعنى في نوفمبر 2016 أيضان وعاد مجددا في مارس2017، مع زيادة التهديدات الأمريكية ليعلن عن دعم بلاده للعمليات الجوية الروسية في سوريا واستمرار طهران في تعاونها مع الطيران الروسي في قاعدة “نوجة” الجوية في همدان طالما تقتضي ظروف المعارك بسوريا ذلك.

وساهمت العقوبات الأخيرة التي أقرها ترامب أوائل أغسطسالجاري في توحيد البلدان أكثر للبحث عن مخرج وتحالف لمواجهة العقوبات التي تستهدف كليهما وسيساعدهما في ذلك الموقف الأوروبي الذي سيتضرر من توجهات ترامب، فقد أعربت المفوضية الأوروبية عن قلقها بعد فرض واشنطن العقوبات الجديدة على إيران وروسيا، وهذا يهدد بشكل كبير استقلالية الاتحاد الأوروبى فيما يخص قطاع  الطاقة، فمن المتوقع أن تطال العقوبات ٨ مشروعات طاقة تشارك فيها شركات أوروبية مع موسكو، بل اعتبرت فرنسا أن العقوبات مخالفة للقانون الدولي، لأن نطاقها الجغرافى يمتد خارج الأراضى الأمريكية.

ثالثا ـ تداعيات التشدد الأمريكي على مستقبل الاتفاق النووي:

اقتصر التشدد الأمريكي حتى الآن تجاه الاتفاق النووي على التصريحات الإعلامية والعقوبات الفردية، التي تطال الشركات والأفراد التي تدعم البرنامج الصاروخي لإيران، لكنها لم تصل إلى نقض الاتفاق او استهداف الحكومة الإيرانية، لكن استمرار تشدد ترامب قد يؤثر على النظام الإيراني وعلى وضع الرئيس روحاني الذي بدأ منذ أيام ولايته الرئاسية الثانية، وهذا سيدفعه إما إلى مجاراة التيار المحافظ خاصة الحرس الثوري، أو قد يؤدي ذلك إلى تعزيز قوة الجناح المحافظ بما يهدد أيضا الاتفاق الذي قد يرون أنه أضر بالإيرانيين.

وبعد العقوبات الأمريكية الأخيرة هدد الرئيس الإيراني بالانسحاب من الاتفاق النووي خلال ساعات، في حال واصلت الولايات المتحدة سياسة العقوبات والضغوط، كذلك صادق مجلس الشورى الإيراني وبالاغلبية الساحقة على الخطوط العريضة لمشروع مواجهة المغامرات الأمريكية ضد ايران وممارساتها الارهابية في المنطقة، الذي ينص على فرض عقوبات ضد الإدارة الأمريكية وحلفائها، كما يشمل تقديم الدعم للقوات المسلحة والوزارات المعنية به وكذلك الاشخاص المعرضين للعقوبات من قبل أمريكا.

كما صادق مجلس الشورى على تخصيص 520 مليون دولار إضافية لتطوير برنامج الصواريخ البالستية  وتعزيز النشاطات الإقليمية الخاصة بـالحرس الثوري، وذلك رداً على العقوبات الأمريكية التي تستهدف بشكل كبير الحرس وقادته وبرنامج الصواريخ الإيرانية.

وتظهر هذه الإجراءات أن العقوبات الأمريكية سيقابلها تشدد إيراني فيما يتعلق بتطوير القدرات الصاروخية، لكن واشنطن لن تقدم في الوقت الحالي على نقض الاتفاق، فهي منشغلة الآن بتهديدات كوريا الشمالية لحلفائها بل وصلت التهديدات لأراضيها بعد إعلان الرئيس الكوري وضع خطة لاستهداف جزيرة جوام الأمريكية، ولهذا لن يقدر ترامب على خلق دولة نووية جديدة كما حدث مع كوريا الشمالية أو يخلق صراعا جديدا في منطقتين متباعدتين في ظل وجود رفض دولي لأي تحرك عسكري أمريكي سواء ضد بيونج يانج أو طهران.

وختاما يمكن القول أن الاتفاق النووي يصب في صالح الجميع، فمن ناحية لن تقدم الحكومة الإيرانية على نقض الاتفاق فهي ستتمكن من مواجهة العقوبات الفردية الأمريكية بالتعاون مع أوروبا والصين وروسيا إلى جانب حاجاتها للاستثمارات الغربية لدعم صناعتها النفطية، كذلك فككت طهران أجزاء كبيرة من برنامجها النووي وستواجه صعوبات في العودة عليه مجددا لأنه لن يدعمها أحد في ذلك بل سيتعاونوا ضدها منعا لتحولها إلى سيناريو كوريا الشمالية، وستلجأ إيران فقط لتعزيز قدراتها التقليدية العسكرية، أما بالنسبة إلى إدارة ترامب فستكتفي بالعقوبات الفردية وتشكيل تحالفات إقليمية وخاصة مع دول الخليج العربي لاستمرار عزلة إيران.

——————————————————————————————–

المصادر:

1ـ دول كبرى تتقدم بشكوى لمجلس الأمن ضد تجارب إيران الصاروخية، الخليج أونلاين، 2/8/2017، الرابط.
2ـ إيران: عقوبات أمريكا تنتهك الاتفاق النووي…وسنرد بـ”الشكل المناسب”، وكالة سبوتنيك، 2/8/2017، الرابط.
3ـ واشنطن تفرض عقوبات جديدة على إيران بسبب تجاربها الصاروخية، بي بي سي، 18/7/2017، الرابط.
4ـ إيران تواصل برنامجها البالستى وتدين عقوبات أمريكا، 29/7/2017، وكالة انباء أونا، الرابط.
5ـ ترمب يأمر بمراجعة الاتفاق النووي مع إيران،19/4/2017، الجزيرة نت، الرابط.
6ـ ترامب يتجه للتصديق على “السلوك الإيجابي” لإيران بخصوص الاتفاق النووي، سي إن إن، 14/7/2017، الرابط.
7ـ إيران تجري أول اختبار صاروخي في عهد ترامب، سي إن إن، 31/1/2017، الرابط.
8ـ الصين: حجم التبادل التجاري مع ايران يفوق 31 مليار دولار، وكالة انباء فارس ، 6/6/2017، الرابط.
9ـ الصين وإيران يوقعان اتفاقات لرفع التجارة بينهما إلى 420 مليار دولار، 23/1/2016، بي بي سي، الرابط.
10ـ إيران: التعاون مع الروس في قاعدة همدان سيستمر، العربية نت، 5/3/2017، الرابط.
11ـ ماهر أحمد ، وسام محمد، محددات النمو: إلى أين يتجه الاقتصاد الإيراني في ظل ولاية «روحاني» الثانية؟، 3/6/2017، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، الرابط.
12ـ مجلس الشورى الايراني يصادق على مشروع مواجهة الاجراءات الامريكية، موقع العهد الاخباري اللبناني، 13/8/2017، الرابط.
13ـ روحاني يهدد بالانسحاب من الاتفاق النووي، الجزيرة نت، 15/8/2017، الرابط.