محددات جديدة للعلاقات الإستراتيجية بين القاهرة وواشنطن (تقدير موقف) - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
محددات جديدة للعلاقات الإستراتيجية بين القاهرة وواشنطن (تقدير موقف)

محددات جديدة للعلاقات الإستراتيجية بين القاهرة وواشنطن (تقدير موقف)




تقف العلاقات بين القاهرة و واشنطن عند نقطة مفصلية تتجاوز الأمنيات والرغبات والجدل الدائر تجاه مختلف القضايا التي تقع في صلب العلاقة بين البلدين على اختلاف حجمهما وتأثيرهما. فواشنطن تحت إدارة ترامب يبدو أنها حتى كتابة هذه السطور لم تبلور رؤية تختلف كثيراً عن رؤية الإدارة السابقة من حيث تخفيض التواجد والتدخل الأميركي المباشر في المنطقة لانتفاء الحاجة أو التكلفة المرتفعة. والاختلاف شبه الوحيد عن سياسات أوباما الخارجية عن خلفه تكمن في نقطة واحدة وهي فكرة الإدارة غير المباشرة،غير المُكلفة وليس الفصل الانسحاب المباشر، ويتحقق ذلك حسب رؤية إدارة ترامب عن طريق اتفاق بين حلفاء الولايات المتحدة التقليديين على أجندة مشتركة تتوافق مع أولويات السياسات الخارجية لواشنطن، نظير إشراف الأخيرة وإعادة هيكلة دعمها لهؤلاء الشركاء من خلال أُطر ومنهجيات جديدة تختلف عما كانت في حالة الهيمنة والتدخل المباشر.

أما عن العلاقات الثنائية بين القاهرة وواشنطن وهي التي سنتطرق للمتغيرات التي طرأت عليها في السطور اللاحقة، فإن “الكيمياء” الشخصية بين الرئيس عبد الفتاح السيسي، والرئيس الأميركي دونالد ترامب كافية لأن تعيد تناغم العلاقات المصرية-الأميركية لما كانت عليه إبان مرحلة ما بعد حرب الخليج وحتى غزو العراق. فالتوتر الذي انتاب العلاقات بين البلدين إبان عهد إدارة أوباما شخصن في عدم وجود تفاهم بينه وبين من تولوا المسئولية في مصر في مناخ مضطرب بلغ أوجه من 2011: 2013، ليأتي ترامب كمرشح ثم رئيس ليتم التعويل عليه بشكل شخصي في ضبط وتيرة العلاقات المصرية الأميركية وإعادتها لعهدها الذهبي، أو حتى توافق على أولويات مشتركة حدث وأن توافق حولها السيسي-ترامب في لقاءات عدة أبرزت مدى إعجاب الرئيسين ببعضهما البعض.

وعلى الرغم من سيادة التفاؤل بسبب ما وصفه مراقبون ووسائل إعلامية بـ”الكمياء” التي تجمع الرجلين وتفاهمهم لكل من الأخر ناهيك عن الصفات الشخصية والعقلية المشتركة، إلا أن السياسات بين الدولتين تتعدى مسألة القبول الشخصي لكل منهما تجاه الأخر، والتي لا تمثل إلا محفز ذاتي ثانوي بجوار عشرات العوامل الموضوعية المتعلقة بالعلاقات المصرية الأميركية وتقيميها وتطويرها في المستقبل، وذلك بعد سنوات طويلة من العوائق التي شهدتها العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، والتي أعقبها ضرورة أن يكون هناك إعادة ضبط للعلاقات المصرية الأميركية على مستوى ثنائي وعلى مستوى فاعلية السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، التي يمكن أن تؤثر فيها القاهرة سلباً أو إيجاباً حتى وإن كان هذا بدافع مشاكل الأخيرة الداخلية سواء الأمنية والاقتصادية، أو أولوياتها الخارجية في ليبيا وأثيوبيا لا في إيران – أولوية ترامب القصوى في المنطقة التي تتوافق معها الرياض وتل أبيب- التي من الحتمي حال تفاقمها أو اضطلاع القاهرة بمواجهتها بمعزل عن واشنطن أن تضر بالمصالح الأميركية.. أي أنه باختصار لا يمكن فصل الثنائي عن العام أو الداخلي عن الخارجي في العلاقات بين مصر والولايات المتحدة.

هذا الأمر تجلى في  قرارات واشنطن خلال الأشهر الماضية، الخاصة بالمساعدات الموجهة لمصر، وأخرها قبل أيام بحجب وتأجيل صرف ما يناهز 300 مليون دولار، يأتي كصدمة لنظرية أن الكيمياء والود الشخصي بين الرجلين قد يكون دافعاً لإصلاح العلاقات بين البلدين. وفي هذا السياق يرى إريك تراجر، الباحث والخبير بشئون الشرق الأوسط ومصر وزميل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أن ” قرار واشنطن في أواخر الأسبوع الماضي بتأجيل وحجب حزمة مساعدات تتجاوز 300 مليون دولار عن مصر بمثابة مفاجأة للقاهرة. فالشهور الأخيرة تهيأت الحكومة المصرية توافق وكيمياء شخصية بين ترامب والسيسي، وعدت ذلك ضمانية كافية لاستئناف علاقات ثنائية راسخة تشمل مساعدات عسكرية بعد سنوات من مناخ عدم ثقة من جانب إدارة أوباما السابقة. وعلى الرغم من ذلك فإن المساعدات التي تعد جزء من السياسات الأميركية البنيوية المعقدة تجاه مصر قد عجزت إدارة ترامب عن إدارتها، وهو مايعكس تضارب وارتباك فيما يخص آنية تحقيق أولويات الإدارة الأميركية”.

محددات جديدة وأولويات غير مرتبة

السابق ينافي ما قد استقر عليه الطرفين قبيل وعشية دخول ترامب البيت الأبيض، فيما يتعلق بإعادة تقييم وإصلاح العلاقات بين واشنطن والقاهرة. وذلك عبر سلسلة من المفاعيل التي كان أهمها استئناف ما يُعرف بـالحوار الاستراتيجي بين مصر والولايات المتحدة، والذي كان قد توقف طيلة الأعوام ال14 الماضية، والذي كان جزء من ترسيخ فكرة أنه ليس هناك ثمة طموح للقاهرة لقيادة إقليمية بشكل منفرد أو تحت غطاء السياسات الأميركية في المنطقة كما تبين من مقررات الحوار العام قبل الماضي، وهو ما يعزوه متخصصين إلى عدم رغبة وقدرة القاهرة على بذل مجهود خارجي حسب أولويات حلفائها في وقت تزداد الأزمات الداخلية، ولكن دون أن يعني هذا القطيعة أو تهميش دور مصر أميركياً، وهو ما يفضي إلى صيغة جديدة يتم بحثها حول إيلاء إدارة ترامب الأهمية لأولويات القاهرة الداخلية وعلى رأسها الإرهاب والتعثر الاقتصادي كجزء من سياسات واشنطن في الشرق الأوسط، التي تتفق ظاهرياً في جزئية محاربة الإرهاب، ودعم استقرار المنطقة عن طريق ضمان استقرار النُظم الحليفة لواشنطن وعلى رأسها النظام المصري، والذي يواجه صعوبات اقتصادية قد تؤدي إلى انهيار حالة “الاستقرار النسبي” المأمول استمرارها أميركياً في ظل إدارة السيسي، بتوفير دعم اقتصادي وسياسي غير مُكلف بالنسبة للإدارة الأميركية الحالية ويتوافق مع رؤيتها في الإدارة الغير مباشرة لشئون الشرق الأوسط.

هذه المقررات التي ذكرها الأدميرال المتقاعد، جيمس ستافريديس، عميد كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس الأميركية، أحد أهم مستشاري البنتاجون  لشئون الشرق الأوسط، في تقدير موقف نشرته صحيفة «فورين بوليسي» الأميركية والتي شكلت أرضية للتلاقي بين السيسي وترامب:

أولاً: ترى مصر نفسها بمثابة مرتكز استقرار الشرق الأوسط وأمنه. كما أن المنهج الرئيسي للحكومة المصرية، والمكونة من فريق من التكنوقراط الذين جمعهم السيسي، هو “الأمن قبل الكمال”، ما يعني أنها ستحاول تحسين حقوق الإنسان، إلا أن أولويتها الرئيسية تبقى ضمان الأمن اليومي في الشوارع والتخلص من الإرهاب.

ثانياً: تسعى الحكومة لدفع عجلة النمو الاقتصادي، التي اكتسبت بعض القوة خلال العام المالي الماضي (حوالي 4.2%) بالرغم من التدهور الحاد في قطاع السياحة. وتقوم الحكومة بهذا عبر العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتعاون مع إسرائيل في العديد من المشروعات المشتركة والتكنولوجيا، وإعادة تنشيط قطاع السياحة.

ثالثاً: يرغب المصريون في التأكد من حماية قناة السويس، باعتبارها مصدراً هاماً للدخل القومي، ورمزاً لمجتمع الشحن والخدمات اللوجيستية العالمي، والذي تشعر مصر بمسئوليتها عنه.

رابعاً: تلتزم مصر بعلاقتها مع إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أنها ستسعى للبحث عن شركاء إضافيين غير تقليديين.

السياسة أولاً وأخيراً ..لا الود الشخصي

ويرى الصحفي والمحلل الأميركي مايكل كرولي المتخصص في الشئون الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط في مداخله له مع قناة إن بي سي الأميركية عشية لقاء السيسي بترامب مارس الماضي، فإن السيسي يري في ترامب “شقّه المتماثل في أوجه عديدة على مستوى الصورة الدعائية والذهنية التي راكمها كل منهما في السنوات الأخيرة في أذهان ملايين من مواطنيهم. وعلى الرغم من أن السيسي رجل عسكري أمني وأخيراً رجل دولة، على عكس ترامب -رجل الأعمال والإعلام- فإن هناك قواسم شخصية وعقلية مشتركة، أهمها إمكانية التواصل من منطلق القيادة الهرمية التي ستوفر وقت ومجهود كل من الرجل العسكري ورجل الأعمال (..) السيسي رأى في ترامب منذ ترشحه معادي للحركات الأصولية بكافة اتجاهاتها، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، الخصم الأول للنظام المصري، ويولي أيضاً ترامب اهتمام بمحاربة الإرهاب وهو ما يهم السيسي، والاثنين معاً لا يربأن بالأمور المتعلقة بحقوق الإنسان ولن تكون على طاولة اجتماعهم، التي سيطرح عليها مسائل أهم بالنسبة للرجلين وهما باختصار المال والأسلحة، أي استئناف المساعدات الأميركية العسكرية والاقتصادية للقاهرة، وكيفية دعم واشنطن لخطط الإصلاح الاقتصادي التي بدأها السيسي منذ العام الماضي”.

ويتفق ستافريديس مع السابق، حيال النقاط السابقة فإن هناك مساحة عمل مشترك بين واشنطن والقاهرة يمكن أن تحقق مصلحة الأولى بقليل من المجهود والدعم حيال مختلف أولويات السياسة المصرية في الداخل والخارج والتي لا تبتعد كثيراً من وجهة نظره عن أولويات الولايات المتحدة تحت حكم ترامب، وذلك عن طريق أجندة عمل مشتركة يمكن اعتبارها الإطار العام لرؤية مؤسسات الحكم في واشنطن تجاه العلاقات مع مصر وهي كالآتي:

أولاً: قبل كل شيء يجب ضمان علاقة عمل جيدة بين إسرائيل ومصر، وهذه بالفعل شراكة إيجابية في الشق الاستخباراتي واﻷمني، وكذا المصالح التجاري المشتركة. ويمكن للولايات المتحدة الدفع نحو مستويات أعلى من التعاون العسكري. يعرف وزير الدفاع الأميركي الجديد جيمس ماتيس – القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية – جميع اللاعبين بشكل جيد منذ أيام وجوده في الخدمة. عليه إذاً أن يقوم برحلة مبكرة لكلا العاصمتين، مؤكداً أهمية هذه العلاقة، ومقدماً لها مستوى معقولاً من الدعم العسكري والتكنولوجي. كما أن علينا الحذر من الأفكار المثيرة للجدل مثل نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، وهو ما يمكن أن يشعل الغضب في أوساط المصريين العاديين.

ثاني هذه الروابط الرئيسية من زاوية النظر الأميركية – والتي تزايد التوتر فيها مؤخراً- هي العلاقات بين مصر والسعودية؛ حيث تسعى الرياض لقيادة العالم السني، ويريدون شريكا مُطيعا في القاهرة، إلا أن المصريين يرون أنفسهم قادة، وغير مستعدين لإتباع  أملاءات السعودية في اليمن، والقضايا الإقليمية الصعبة الأخرى، كما أن البلدين لديهما نزاع غير منطقي على جزر في البحر الأحمر، وهو الأمر الذي يوتر العلاقات الثنائية بينهما. هنا يجب على الولايات المتحدة أن تعمل بجد لمساعدة هذين الحلفين شديدي الأهمية ليريا أن الخطر الذي تمثله إيران الشيعية هو المسألة الأمنية الرئيسية في المنطقة. وينبغي على وزير الخارجية الأميركي الجديد، ريكس تيلرسون أن يزور الرياض والقاهرة قريباً.

ثالثا: يمكن للولايات المتحدة مساعدة القاهرة من خلال تشجيع النمو الاقتصادي، والمشاركة بين الحكومة الأمريكية والمصرية يضفي مصداقية دولية للقاهرة وهذا يمكن أن يساعد في فتح الاستثمارات الأجنبية المباشر. ويمكن أيضا للولايات المتحدة تقديم الدعم الدبلوماسي لمصر في الهيئات الاقتصادية الدولية بما في ذلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكذلك في المحافل التابعة للأمم المتحدة، إدارة ترامب يجب أن تدرك أيضا أن الهجرة إلى الولايات المتحدة هي قضية اقتصادية مهمة لمصر، ويجب أن تعترف بضرورة فتح المجال للطلاب المصريين، ورجال الأعمال والأكاديميين، وغيرهم. كما يمكن للولايات المتحدة أيضاً تقديم الدعم الدبلوماسي لمصر عن طريق الهيئات الاقتصادية الدولية بما في ذلك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكذلك في المحافل التابعة للأمم المتحدة..

رابعاً: يجب أن نعمل مع الشركاء المصريين لضمان أمن قناة السويس، الممر المائي العالمي والحيوي والذي يعتبر جزءاً أساسياً من مبدأ حرية الملاحة البحرية. سيتطلب هذا مستويات أفضل من تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير الحلول التكنولوجية الجديدة للمراقبة ولإجراءات مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الصناعية البحرية باستمرار.

خامساً: يمكن للولايات المتحدة تشجيع الشراكات الإقليمية لمصر بخلاف الشراكات التقليدية مع إسرائيل والسعودية. إمكانية البحث والتنقيب في شرق المتوسط من الممكن أن تجعل كل من اليونان وقبرص شركاء محتملين. ويجب  أيضاً ألا ننسى أن الناتو لديه برنامج قوي للتعاون الإقليمي في منطقة البحر المتوسط للدول غير الأعضاء في الحلف، يسمى “الحوار المتوسطي”. ويمكن أن يكون هذا منطلق جيد لبدء هذه العلاقات”.

إلا أنه بالمحصلة وعلى الرغم من سهولة وتفاؤل الطرح السابق الذي قدمه ستافريديس فأنه يحمل معوقات قد لا تتحقق بنفس السهولة التي كُتبت بها وعلى سبيل المثال توسيع التعاون العسكري بين تل أبيب والقاهرة برعاية أميركية، وإنهاء التباين المصري- السعودي، وصعوبة دمج البلدين في إطار سياسي وعسكري واحد بجانب إسرائيل وفق أجندة أولويات مجهدة ومُكلفة وغير ذات أولوية للقاهرة، خاصة وأن الأخيرة تتمسك بمبدأ عدم الانخراط عسكرياً في الخارج طبقاً لأجندات وأولويات لدول أخرى وإن كانت “حليفة” وصديقة، وبالتالي فإن الأمر يرتبط على المستوى القريب والمتوسط بإيجاد صيغة مشتركة تتوافق فيها أولويات القاهرة وتلبية حاجاتها مع أولويات الإدارة الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط، التي إذا اضطلعت بمهمة إيجاد مثل هذه المشتركات بما فيها تقليل التباينات بين “شركائها” في المنطقة فإنها تتخلى عن مبدأ عدم الانخراط المباشر وتعود من جديد إلى دور الراعي الأكبر لسياسات المنطقة وما يتطلبه ذلك من تكلفة سياسية واقتصادية وعسكرية تريد الولايات المتحدة إنهائها منذ سنوات –حيث الخلاف الداخلي بين الجمهوري والديمقراطي على الطريقة والتوقيت وليس على المبدأ- وبالتالي فإن المرجح على المستوى القريب لمستقبل العلاقات بين القاهرة وواشنطن هو الاستمرار في تعزيز التعاون على مستوى ثنائي وإيجاد بروتوكولات تعاون محددة بين البلدين فيما يخص ملفات بعينها تحتل موقعاً متقدماً في أولويات القاهرة ومتأخراً في أولويات واشنطن، مثل الوضع في ليبيا وملف سد النهضة ومواجهة الإرهاب، وليس المشاركة في حلف سياسي/عسكري بين واشنطن وباقي دول “الاعتدال” وإسرائيل، بوصلته تخالف أولويات النظام المصري والانخراط فيه بجدية لن يحقق سوى مزيد من التعثر الخارجي وربما الداخلي للقاهرة.

حقوق الإنسان  وكوريا الشمالية أم العلاقات الاستراتيجية مع مصر؟

إلا أن ما أقدمت عليه واشنطن الأسبوع الماضي تعليله يخرج عن المحددات السابقة وأرضية التفاهم المشترك التي أقيمت عليها عملية إعادة تقييم وإصلاح العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، بما في ذلك ما يتجاوز العلاقات الثنائية إلى دور مصر في إستراتيجية واشنطن في الشرق الأوسط، وإيجاد معادلة عمل بين الأخيرة وحلفائها في المنطقة قائمة على فكرة الإدارة الغير مباشرة وعدم التورط المباشر وفق أولويات مشتركة تخدم مصالح جميع الأطرف، يتم تحقيقها بشكل لامركزي لتكون في النهاية الصورة الكاملة لتحقيق الأهداف والغايات الأميركية. فإذا بقرار حجب شريحة المساعدات الأميركية لمصر مرتبط بخلاف مسألة حقوق الإنسان بشيء مثير للتأمل وهو العلاقات المصرية –الكورية الشمالية؛ فإذا بواشنطن ترهن المساعدات لمصر بضرورة إفصاح الأخير عن مدى علاقاتها مع كوريا الشمالية، وأن تكون القاهرة ملتزمة بحزم العقوبات التي تفرضها واشنطن على بيونج يانج، وهو الأمر الذي يعيد في الأذهان سياسة تبعية مباشرة على نمط الحقبة الاستعمارية، بما في ذلك اصطفاف “حلفاء” و”شركاء” واشنطن في سياساتها تجاه دولة أو عدة دول، وهو أمر قد يكون مفهوماً لو أننا في ظرف تاريخي مخالف، وهو أمر أيضاً بجديد على السياسات الخارجية الأميركية، من زاوية الإجبار الفوري بالضغط المباشر على “حليف” مثل مصر من أجل أن تلتزم الأخيرة بسياسات واشنطن تجاه كوريا الشمالية.. أي أن تكون مصر ضمن أدوات معاقبة بيونج يانج.

في السياق السابق يضيف تراجر في مقال له نُشر قبل أيام ” يعكس القرار الصراعات المؤسسية حول ثلاث حزم منفصلة من المساعدات المقدمة لمصر، حيث تمّ إلغاء اثنين منها. أولاً، تعيد الإدارة الأمريكية برمجة مساعدة عسكرية بقيمة 65.7 مليون دولار من السنة المالية 2014. وكان الكونجرس قد أوقف تسديد هذه المبالغ بموجب ما يسمى بقوانين ليحي [على اسم السيناتور الأمريكي من ولاية فيرمونت] التي تحظر تقديم المساعدات لقوات أمن أجنبية ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بسبب المخاوف من أن الجيش المصري قد استخدم المعدات الأمريكية في عمليات سيناء التي أسفرت عن وقوع خسائر بشرية كبيرة. وفي أبريل 2016، أيّد تقرير “مكتب المحاسبة الحكومي” الأمريكي، بعنوان “على الحكومة الأمريكية تشديد مراقبة الاستخدام النهائي والتحقق من احترام حقوق الإنسان في مصر”، مخاوف الكونجرس بشأن غياب التدقيق الكافي في مدى احترام مصر لحقوق الإنسان قبل منحها مساعدات عسكرية أمريكية، لذا قررت إدارة ترامب أنها لن تكون قادرة على معالجة هذه المخاوف قبل نهاية سبتمبر، حين تنتهي عندئذ هذه المساعدات (..)ومع ذلك، فإن الشروط المفروضة على الـ 195 مليون دولار مبهمة بعض الشيء. فبدلاً من تقديم خطوات ملموسة يجب على القاهرة اتخاذها لتلقّي المساعدة، تحدثت الإدارة الأمريكية عن ثلاث مجموعات من المخاوف لكنها عجزت عن تحديد ما إذا كان يجب تذليل بعضها أو جميعها. على سبيل المثال، حثت القاهرة على إظهار تقدم في قضايا المجتمع المدني، على سبيل المثال من خلال تحسين قانون المنظمات غير الحكومية الجديد أو حل محاكمة المنظمات غير الحكومية لعام 2013، التي استهدفت أربع منظمات غير حكومية مؤيدة للديمقراطية تمولها الولايات المتحدة. وتريد الإدارة الأمريكية أيضاً أن تحتضن القاهرة بصورة أكثر حماساً الجهود الأمريكية لإعادة تركيز التعاون العسكري على مكافحة الإرهاب. والأمر الأكثر حساسية هو أن الولايات المتحدة تضغط على مصر لـ”التوقف عن استضافة العمال الكوريين الشماليين، ووقف تقديم فوائد اقتصادية أو عسكرية لكوريا الشمالية”، كما أكّد الرئيس ترامب خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس السيسي في 5 يوليو”.

هذا الأمر على منطقيته من وجهة نظر واشنطن، وتناسبه حتى مع عقلية “رجل الأعمال” ترامب وإدارته وتوجهاته ونمط الاستفادة المطلقة الذي طُبق في صورته القصوى مع 480 مليار دولار من السعودية لتجاوز مشكلاتها مع الولايات المتحدة، فإنه في الحالة المصرية يؤدي إلى فتح احتمالات غير آمنة لمستقبل العلاقات بين البلدين.

ختام واستشراف

ينبغي النظر إلى معيار صلاحية ومدى جودة العلاقات المصرية الأميركية وفق معيار الحاجة والضرورة، وبالتالي فإن ذلك لا يكون بطبيعة الحال في صالح القاهرة، التي قلّصت هامش مناوراتها فيما يخص علاقاتها مع واشنطن إلى الحدود الدنيا اعتماداً على “الكيمياء” بين شخصي الرئيسين، وتجاوز ترامب قولاً وفعلاً واعتقاد لمسائل كانت من أبرز العقبات في تسيير العلاقات بين البلدين في السنوات الماضية وحتى قبل 2011، وعلى رأسها مسألة الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان، وهو الأمر الذي تجاوزه ترامب بخفة وعملية “رجل أعمال أوضح منذ أن كان مرشحاً أنه لا يهتم بما يحدث في العالم إلا من زاوية المصالح الأميركية وكيفما يتراءى له تحقيقها بشخصه وأفكاره لا بخبرة سياسية أو موهبة في الحكم والسياسة، وهو الأمر الذي بخلاف إعادة تقييم محددات العلاقة بين القاهرة وواشنطن، يجعل ما “أنجز” وأعُتبر أنه في حكم المضمون بتأثير “الكيمياء” مجرد وضع مؤقت وغير ممأسس على مستوى السنوات القادمة، بما فيها سنوات حكم ترامب.

والأهم من النقطة السابقة أن محددات العلاقات بين مصر والولايات المتحدة تمر بمرحلة تغير جذرية تخرج من إطار اعتيادي كلاسيكي يتعلق بدور مصر في الشرق الأوسط وعلاقة ذلك على مر العقود الماضية بالمصالح والسياسات الأميركية، وصراع واشنطن وموسكو إبان الحرب الباردة، وصولاً لفترة الهيمنة والتدخل المباشر في المنطقة في التسعينيات والعقد الأول من الألفية الجديدة، والتي شكلت مصر في كل هذه المراحل أهمية قصوى لواشنطن في كافة الغايات سواء على مستوى صراعها مع قوة دولية أخرى، أو تطويع المنطقة وصراعاتها لصالحها، أو فكرة التحالف والشراكة والتبعية، وصولاً لانتفاء الحاجة وتقليل الأهمية سواء فيما يخص الوجود الأميركي في الشرق الأوسط بصفة عامة، أو فكرة لامركزية الوكالة الأميركية والصراع عليها بين حلفاء واشنطن، وأخيراً على مستوى ثنائي لم تشفع فيه كيمياء ولا ود شخصي، ليتضح أن بنيوية العلاقات بين البلدين تحتاج لنمط جديد من الإدارة طالما أن أحد طرفيها –مصر- اعتاد وتعود على خيار وحيد على المستويات السابقة كافة، وهو الاعتماد شبه الكلي على واشنطن في أكثر من ملف ومجال حيوي، ضاق أمامه هامش المناورة لحدود دنيا، جعلت التلويح -عند الخلاف أو العوائق- بتوسيع شركات مع قوى كبرى أخرى فيما يخص السياسات الخارجية والشرق الأوسط غير مأخوذه على محمل الجد من جانب واشنطن أو حتى الدول التي تناور مصر من خلالها لحلحلة خلافاتها وتذليل عقبات علاقاتها مع الولايات المتحدة، مثل روسيا والصين.

ويبقى أمل شبه وحيد للقاهرة في ظل التركيبة المسيطرة والحاكمة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً في الوقت الحالي ومنذ 1979، مفاده أن لا تنزلق محددات العلاقات مع واشنطن إلى مربع “العادي والبرجماتي” من الخاصة والاستثنائية، وهو إرادة واشنطن بأن يكون هناك ارتكاز للاستقرار في الشرق الأوسط المضطرب، يبدأ من مصر أو بالحد الأدنى لا يطولها ليخلق أزمة أعقد وأبعد بدافع من الجغرافيا والديموغرافيا، وذلك في ظل تنافس بين حلفاء واشنطن التي تريد في عهد ترامب أن تكون هيمنتها عبر وكلاء وليس تدخل مباشر مُكلف ولا يتواكل فيه حلفائها عليها في تصفية خلافاتهم وتحييد المخاطر. ولكن ضمان أن لا ينتج عن هذا خروج أوراق اللعبة من يد واشنطن وذهابها كما في سوريا والعراق لقوى إقليمية ودولية أخرى على خصومة معها، واهتمام واشنطن من نفس المنطلق بساحات مختلفة تتقاطع فيها اهتماماتها مع القاهرة مثل ليبيا.

 ولكن هنا توجد المفارقة التي تنحصر في كيفية لجم واشنطن لعود حلفائها وإعادة تنظيم صفوفهم وتقييم أسس علاقاتها على نحو مثمر، لا أن “تعاقب” أحدهم بحجب جزء من المساعدات مثلما حدث مع مصر مؤخراً، في ظل وجود ترامب في البيت الأبيض، وهو يعني أن الأمر يؤثر فيه بشكل بنيوي المؤسسات الأميركية، وليس شخص ترامب، فهو ليس ضامن على مدى بعيد لسياسات ممأسسة كسابقيه تجاه مصر منذ اتفاقية السلام 1979؛ فبخلاف مشاكله الداخلية مع المؤسسات الأميركية والشبهات المحيطة به وضعف إمكانية اتخاذ القرار، فإن موهبة ترامب وإمكانياته ضئيلة ومحدودة، ناهيك عن أن القرار في بلد مثل الولايات المتحدة لايؤخذ بشكل منفرد، وهو ما يعني أن البنتاجون والخارجية والأهم، الكونجرس الأميركي، لهم التأثير الأكبر في تحديد مسارات السياسة الخارجية لواشنطن وعلاقاتها مع حلفائها وكيفية إدارة علاقاتها الثنائية على أمدية متوسطة وبعيدة تتجاوز مدة رئاسية تقدر بأربعة سنوات.

 السابق يجعل في الأذهان احتمالية أو بالأحرى وجوب وجود “لوبي” في الداخل الأميركي مماثل لجماعات الضغط المختلفة التي تدعم مصالح دول بعينها وتوجه القرار الأميركي ناحيتها، مثل اللوبي الإسرائيلي واللوبيات الخليجية المستحدثة من السعودية للإمارات لقطر، وهو في الحالة المصرية صعب تحقيقه لعدم الخبرة وعدم الإمكانية، وهو ما كانت تعوضه القاهرة طيلة سنوات 1979 إلى غزو العراق من منطلق “الاستثناء” و”الخصوصية” بالحاجة الاستراتيجية لواشنطن إبان الحرب الباردة وإبان فترة الهيمنة المطلقة بعد حرب الخليج، وكذا حاجة مصر البنيوية والاقتصادية لواشنطن وارتباط بنيوي خاص بشكل الحكم وبقاءه بعلاقات مميزة مع واشنطن تتجاوز اعتيادية العلاقات بين أي دولتين أو بين واشنطن ودول حليفة أو تابعة أو شريكة؛ ففي الواقع علاقة واشنطن بحلفائها في الشرق الأوسط ما هي إلا استثناء كبير حتى في نمط وتاريخ علاقاتها بباقي دول العالم على مختلف المواقف والمسافات، وهو ما يعني أن المستقبل المتوسط والقريب سيشهد أنماط مختلفة متغيرة بوتيرة متسارعه لإدارة العلاقات بين واشنطن والقاهرة حسب الموقف والحاجة، وليس نمط مستقر نسبياً مهما كان به من عقبات ومنحنيات، كما كان في الفترة الذهبية للعلاقات المصرية الأميركية منذ 1979 وحتى 2003؛ فما تلا ذلك كانت خطوطه الحمراء فيما يخص القضايا الخلافية أن مصر دولة “حليفة”، لكن مع تغير الأهداف الاستراتيجية لواشنطن، وتراجع دور مصر الوظيفي في المنطقة لحساب قوى أخرى ناتج  عن عجز أو عدم رغبة من جانب القاهرة في الاستمرار في ما جعلها دولة مهمة بالنسبة للولايات المتحدة، يجعل الأخيرة تتعامل معها من منطلق “اعتيادي” برجماتي وليس استثنائي متميز كما كان في الماضي، وهو بذاته أمراً قد يترتب عليه متغيرات كثيرة في المستقبل القريب كون أن في قلب معادلة السياسة الخارجية وجزء معتبر من السياسة الداخلية لمصر يعول على استثنائية العلاقات مع واشنطن ليس فقط على المستوى السياسي، ولكن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وبالطبع العسكري.